wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
صورة العرب والمسلمين فى المناهج الدراسية في بريطانيا
الجمعة, June 26, 2009

«النزعة المركزية الأوروبية» تصنع الآخر..الإبليس!

 لعلأول ما يلحظه المتتبع لصورة العرب والمسلمين الشائعة في المناهج الدراسية في بريطانيا، أن النزعة المركزية الأوروبية هي التي تتحكم في صناعة هذه الصورة على مستوى الوعي واللاوعي.ولهذا السبب سأقتصر في هذه الدراسة على تقصي العوامل البنيوية التي أسهمت وما زالت تسهم في بلورة المناهج البريطانية، والبحث في كيفية تشكلها وانعكاس ذلك على صياغة الآخر وتصوره ضمن أطر معرفية محددة سلفًا، يطلق عليها علم الاجتماع مصطلح «النموذج السلبي».
هذا النموذج الذي يؤكد وجود خصائص جوهرانية، أو قل طبائع ثابتة للآخر، لابد أن يؤدي إلى تعزيز التصورات المسبقة عنه بحيث يمكن الحط من شأنه عن طريق ما يدعى بـ «الأبلَسَة»، أي تحويل صورة الآخر إلى رمز للشر المطلق.ولاشك في أن المركزية الأوروبية يمكن إدراجها ضمن نزعة أشمل منها هي المركزية الإثنية، ونعني بها الميل إلى الحكم على خصائص الحضارات الأخرى من موقع المجموعة الإثنية التي ينتمي إليها المراقب. وغالبًا ما تكون الأحكام الثقافية الحضارية التي يسفر عنها هذا التقويم للآخر سلبية إلى حد الحط عمدًا من شأن الثقافات المغايرة.أوروبا مركز العالموبهذا المعنى فإن المركزية الأوروبية تصبح شكلاً من أشكال هذه المركزية الإثنية، ينطلق من فكرة تكرس أوروبا مركزًا للعالم وتعتبر ثقافتها متفوقة على الآخرين.ولعل من أبرز الأمثلة على الفكر الذي تتحكم فيه النزعة المركزية الأوروبية زعم هيغل أن إفريقيا لا تشكل جزءًا من تاريخ العالم، وزعم ماركس بعده بسنوات أن الهند ليس لها تاريخ وأن من مآثر الاستعمار البريطاني أنه سيُدْخل شبه القارة الهندية في التاريخ الأوروبي.بإلغاء التاريخ المغاير إذًا، توفر النزعة المركزية الأوروبية للباحث والناقد والمؤرخ والفيلسوف الغربي فرصة اللجوء عن وعي أو لا وعي، إلى كل ما يراه من السبل لإلغاء الآخر المغاير وترسيخ سلطته عليه.وبهذا الإلغاء الذي يبدأ بحق القوة ليتحول إلى قوة الحق، يضفي المشروعية على تصوره له، ويظهر هذا التصور باعتباره حقيقة كونية لا يرقى إليها الشك.ولعل من أبرز مؤشرات المركزية الأوروبية كما يبين خوسيه راباسا أن خارطة العالم التي رسمها الرحالة والجغرافيون الأوروبيون أكدت أن هذه القارة هي مركز ومصدر المعنى الحضاري الثقافي، فضلاً عن المعنى المكاني، للعالم بأسره. فهؤلاء الرحالة هم الذين يطلقون الأسماء التي تروق لهم على مختلف بقاعه.وبهذا الاعتبار يتحول العالم العربي «المكتشف» إلى «شرق أدنى» و«شرق أوسط» يحدد اسمه الجغرافي الطابع مدى قرب أو بعد هذا الشرق عن أوروبا.وعلى الرغم من أن هذه المصطلحات لا يمكن أن تصمد لأي مراجعة حقيقية مدققة فإن المناهج الدراسية البريطانية والأوروبية والعربية ما زالت تتداولها بقوة الاستمرار ودون تمحيص أو إعادة نظر.ولنأخذ مصطلح «الشرق الأدنى» على سبيل المثال، ما المقصود منه؟ وما مدى اختلافه عن مصطلح «الشرق الأوسط» الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه مرادف له؟ ولماذا يستعمل المصطلحان وكأنهما يشيران إلى معنى واحد مشترك؟الجواب عن ذلك أن «الشرق الأدنى» مصطلح أقدم تاريخيًا من مصطلح «الشرق الأوسط». كما أنه مصطلح غير محدد، ويشير إلى مجموعة من الدول، بدءًا من مصر وانتهاء بإيران.وبعبارة أخرى فإنه يفترض أن يغطي مساحة جغرافية تمتد من شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقية وبحر إيجه حتى يصل إلى الهند.ولم تكن الدراسات الأوروبية والأمريكية تشمل بعبارة «الشرق الأوسط» إيران باعتبارها تشكل جزءًا منه فحسب، بل تعدتها إلى أفغانستان والهند والتيبت وحتى بورما.أما مصطلح «الشرق الأدنى» فقد اقتصر معناه على تركيا ودول البلقان.كما أن مصطلح «الشرق الأقصى» ملتبس بدوره، ويذكرنا بالمصطلحين الآنفي الذكر من حيث افتقاره إلى الدقة، فهو يشير عمومًا إلى ما سمي بـ «الشرق».وهذا الشرق لا يقتصر معناه على الشرق العربي بل يشمل دول شرق وجنوب شرق آسيا كالصين واليابان وكوريا وتايلاند.المركز والأيديولوجياآية ذلك أن هذه المصطلحات، أو قل أدوات البحث المعرفي الغربية المنشأ والدلالة، صكت وشاعت وانتشرت رغم افتقارها إلى الدقة، ولكنها لأسباب تتصل بقوة المركز الأوروبي وكونه صانعًا لتاريخ العالم، صارت مصطلحات مألوفة تستمد شرعيتها منه.وهذا الاتجاه يبدو واضحًا في الإعلام الغربي عمومًا عندما توصف الدول العربية بأنها «جيران إسرائيل»، أو عندما يتردد كلام عن ضرورة «إحلال السلام بين إسرائيل وجيرانها». فكأن هذه المنطقة الحضارية بأكملها لا وجود لها يتعدى الوجود السكاني «الديمغرافي». فهي تستمد هويتها من كونها مجاورة للدولة العبرية. وهكذا ينقلب المصطلح الجغرافي إلى مصطلح آخر تستبطنه الأيديولوجيا.ويمكن القول أن فكرة أوروبا ـ التي تمثل وحدة حضارية جامعة مانعة تمثل مركز العالم وتدل على تفوق المركز على الأطراف ـ تبلورت واكتملت في بريطانيا خلال القرن الثامن عشر، وقد تعززت هذه الفكرة على نحو تزامن مع نجاح حركة الاكتشافات الجغرافية والاستعمار والتجارة، وما رافق ذلك من رسوخ السلطة الفكرية والمؤسسات التعليمية كالمدارس والجامعات التي أنشأها المركز الأوروبي في الأطراف، فتمكن بذلك من إحلال القيم الحضارية الأوروبية محل القيم المحلية.ويبين إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق (1978م) كيف أن النزعة المركزية الأوروبية لم تقتصر على التأثير في العرب والمسلمين فحسب، بل أدت إلى صناعة تكوينات ثقافية بديلة تنسجم وتصور الغرب عن الشرق في مرحلة ما بعد عصر النهضة.كما رأى بعض دارسي الحضارة أن الأنثروبولوجيا أي (علم الإنسان) الذي يبحث في أصول الجنس البشري وأعراقه ومعتقداته وعاداته بدأ كشكل خام من أشكال البحث المعرفي الذي لم يكن قائمًا قبل حركة الاستعمار وما رافقها من مفاهيم مركزية أوروبية تشمل المعرفة والحضارة معًا.وقد كانت صناعة «شرق» مغاير للغرب، يمتلك خصائص عنصرية ثابتة لا تتغير، إحدى نتائج هذه الأنثروبولوجيا الاستشراقية التي كشف عنها إدوارد سعيد الذي انطلق في نقده من فكرة ميشيل فوكو حول علاقة شرعية المعرفة بالقوة، مبرزًا خطل مفاهيم شائعة مثل «العقل العربي» و«النفسية العربية» و«العقلية العربية» وغير ذلك من المصطلحات العنصرية ذات الطابع الجوهراني الذي يصطنع نقاط المغايرة اصطناعًا فيفسد البحث الذي يزعم لنفسه نشدان الموضوعية. وهذا يعود إلى كونها صادرة عن المركز الأوروبي المهيمن الذي يفرضها على الأطراف المهيمن عليها بصرف النظر عن مجانبتها للحقيقة والواقع.النموذج الآريوإذا استثنينا أبحاثًا شهيرة مثل كتاب الغصن الذهبي للسير جيمس فريزر الذي عرف جبرا إبراهيم جبرا القراء العرب به، وهو سفر ضخم يعقد مقارنات بين ثقافات مختلفة بهدف البرهنة على وجود نقاط تشابه تجمع بينها، فإن الأنثروبولوجيا الثقافية التي ازدهرت في مستهل القرن التاسع عشر أفرزت نظامًا تراتبيًا للتمييز بين الأعراق والأجناس البشرية يمكن اعتباره أحد أعمدة الفكر العنصري.وفي تلك الفترة ظهرت بفعل هيمنة النزعة المركزية الأوروبية فكرة عنصرية خطيرة مفادها أن الحضارة الإغريقية كما تتمثل في المناهج الدراسية الغربية، هي في حقيقتها أوروبية أو بالأحرى آرية تعكس ما يدعى بـ «النموذج الآري».ولكن هذا النموذج كما بين الباحث البريطاني مارتن برنال في كتابه «أثينا السوداء» تمت عملية تلفيقه من قبل الباحثين العنصريين في القرن التاسع عشر عندما أصروا على حدوث غزو آري من الشمال (لا تشير إليه المصادر التاريخية إطلاقًا). وهكذا أصبحت حضارة اليونان (الكلاسيكية) أوروبية المنزع، بينما ألح الباحثون أنفسهم على نفي الدور الذي قامت به الحضارتان المصرية والفينيقية في تكوين هذه الظاهرة.ويشير برنال إلى أن عام 1785م هو الذي حدثت فيه عملية تلفيق التاريخ هذه. ففي ذلك العام بدأ الترويج للمشروع العنصري الذي يؤكد النزعة المركزية الأوروبية، والذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من مناهج التعليم التي ما زالت تنكر الجذور الآسيوية والإفريقية للحضارة اليونانية (الكلاسيكية) على مدى قرنين من الزمان.مفهوم الحضارة المسيحية اليهوديةوقد تزامن مع عملية التلفيق هذه بروز مفهوم الحضارة (المسيحية ـ اليهودية) المستمد من العهد القديم، والذي يصدر عن منطلقات مناهضة لحضارات سوريا ومصر وبلاد ما بين النهرين في الفترة التي سبقت الإسلام وأعقبته.وهذا المفهوم يمثل بدوره وجهًا آخر من وجوه النزعة المركزية الأوروبية التي أثرت وما زالت تؤثر في بلورة المناهج المدرسية في بريطانيا. وثمة أمثلة عديدة على طبيعة الترسانة اللغوية الاصطلاحية التي ارتبطت بهذا المفهوم والتي تؤثر باستمرار على الطريقة التي تنظر فيها الأنظمة المعرفية الغربية الصنع إلى العالمين العربي والإسلامي.ولعل من أشد الكلمات الاصطلاحية هذه إثارة للانتباه كلمة Philistine أي (فلسطيني غير متمدن) التي تعتبر بصفتها هذه صفة تستعمل من أجل الدلالة على موصوف، وأما الاسم أو المصدر فيصبح Philistinism أي النزعة الفلسطينية (غير المتمدنة). وقد اخترت هذه الكلمة بالتحديد لأنها تصلح للكشف عن حقل شبه مهمل في دراسات النزعة المركزية الأوروبية يتعلق بالكلمات ذات المحمول المعرفي القائم على الهوى أو الغرض الأيديولوجي أو التحامل أي «الحكم المسبق».لقد أدى هذا النوع من الكلمات بما ينطوي عليه من انحيازات عنصرية مسبقة دورًا مهمًا في بلورة بنية اللاوعي الثاوية في أعماق الأوروبيين تجاه القضية الفلسطينية. بل لعله يمثل أحد الأعمدة التي ينهض عليها التصور التربوي الغربي لوجود تفوق حضاري أوروبي مطلق على الحضارات الأخرى غير الأوروبية وفي طليعتها الحضارة العربية الإسلامية.والمشكلة في هذا التصور كما أسلفنا تكمن في أنه ينطوي على حكم مسبق فكلمة (فلسطيني ـ بربري ـ غير متمدن) باعتبارها صفة تطلق على موصوف لا تشير إلى الفلسطيني الذي عاش في فلسطين القديمة فحسب، بل إن معناها الاصطلاحي الشائع (المستمد من العهد القديم) يشير أيضًا إلى كل من يظهر شعورًا بالعداء أو عدم الاهتمام تجاه القيم الجمالية والفكرية عمومًا. وتعليل وجود هذا النوع من الكلمات التي تنطوي على تحامل مسبق هو أنها تنتمي إلى ترسانة من المفردات العنصرية القائمة على تصور أيديولوجي مناهض للحضارة العربية أصلاً.وتكمن المفارقة في ذلك أن الدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الغربية بدءًا من عصر النهضة في أوروبا قد استبعد من حسابات المؤرخين، هذا على الرغم من أن عصر النهضة في أوروبا كان في جوهره يمثل انتقالاً من مرحلة هيمنت خلالها فلسفة ابن سينا إلى مرحلة أخرى سيطرت فيها فلسفة ابن رشد التي أعادت ربط أوروبا بالتراث الهليني بتأويلاته التي أصبحت أساسًا للتقدم العلمي.وهذا الاستبعاد للدور العربي الإسلامي الذي لا تفرد له تواريخ الفلسفة الغربية أكثر من هوامش ثانوية ليس عفويًا. فقد اقترن بإبراز مبالغ فيه لما عليه مصطلح (النزعة العبرانية) والمقصود بهذه النزعة الإشارة إلى التراث العبراني، وهو في أحد معانيه حصيلة قراءة حرفية (أصولية) للعهد القديم باعتباره كتابًا في التاريخ.بل إن النزعة العبرانية هذه شأن النزعة الفلسطينية، صار معناها الذي يقوم على تصور وجود علاقة تفاضلية تبرز الأولى باعتبارها تدل على الحضارة، والثانية باعتبارها تدل على الهمجية، مستقرًا في النقد الإنجليزي مع ظهور كتاب «الثقافة والفوضى» لناقد أدبي واجتماعي بارز هو ماثيو أرنولد (1822م ـ 1888م) الذي يعتبر من أشد أدباء الإنجليزية تأثيرًا. ففي هذا الكتاب يقدم أرنولد التعريف التالي للنزعة الفلسطينية (الهمجية):«أصحاب النزعة الفلسطينية هم الذين يعتقدون أن الثروة وحدها هي التي تدل على العظمة، ضاربين عرض الحائط بالفن والجمال والحضارة أو الأشياء الروحية عمومًا».وأما النزعة العبرانية فهو يُعرفها بمقارنتها مع النزعة الهلينية، يقول:«إن الهدف النهائي لكل من النزعتين الهلينية والعبرانية كما هو شأن جميع الأنظمة الروحية العظمى، هدف واحد بلا شك، هذا الهدف هو تحقيق كمال الإنسان أو خلاصه. بل إن اللغة التي تعتمدها كل من هاتين النزعتين في تبصيرنا بكيفية الوصول إلى هذا الهدف كثيرًا ما تكون متطابقة أو متماهية مع هذين النظامين. إن الفكرة الأبرز والأعمق في النزعة الهلينية إنما تكمن في رؤية الأشياء كما هي في الواقع، وأما الفكرة الأبرز والأعمق في النزعة العبرانية فهي تكمن في السلوك والطاعة، ولا يوجد شيء قادر على محو هذا الفارق بين النزعتين. فصراع اليونانيين مع الجسد ورغباته يصدر عن كونه يحول دون التفكير السليم على نحو سليم، وأما صراع العبرانيين مع الجسد ورغباته فيصدر عن كونه يحول دون التصرف على نحو سليم».ويضيف: «إن الفكرة المهيمنة في النزعة الهلينية تكمن في عفوية الوعي بينما تكمن فيما يتعلق بالنزعة العبرانية في صرامة الضمير».هذه المفاضلة، أو قل المقارنة بين هاتين النزعتين تهدف إلى تأكيد التكامل بينهما، وهي بهذا الاعتبار من المحاولات المهمة التي حاول بها هذا الناقد الذي يعتبر مؤسسة النقد الثقافي، القيام بعملية توليف بين الفكر والعمل.ولا ريب في أن خطورة مشروعه الثقافي تتجلى في الطريقة التي أثر بواسطتها على لغة النقد والفكر الإنجلوساكسوني عندما أصبحت بعض أدوات النظرية الثقافية هذه عبارة عن مفردات مشحونة بأبعاد اصطلاحية متحاملة على الثقافة العربية الإسلامية بشكل مسبق الصنع. بل إن خصومتها الاستباقية مع النزعة «الفلسطينية» التي يعتبرها ماثيو أرنولد صنوًا للهمجية والبربرية والبعد عن روح الحضارة التي تحتفي بالفن والجمال، ليست مجرد رأي عابر متضمن في كتاب، وإنما هي خصومة تحفظها المعاني الاصطلاحية ذات السمة الاستمرارية التي أسبغتها على هذه الكلمات، فإذا بها تكرس عداء أيديولوجيًا مضمرًا لا يمكن لأي مشروع يحتضن حوارًا بين الحضارات تجاهله دون أن يعتبر غير منزه عن الهوى.واللافت أن أرنولد كان علمًا من أعلام النزعة الإنسانية (الهيومانيزم) فضلاً عن أنه كان يهاجم التعصب الفكري باستمرار. وقد يكون افتتانه الشديد بالكتاب المقدس الذي اعتبره ينطوي على الأهمية نفسها التي ينطوي عليها الشعر من حيث كونه وسيلة للتغلب على ما سماه بـ «الكساح الروحي» هو الذي جعله يبدي هذا القدر من الانحياز والتحامل المسبق تجاه سكان فلسطين الأصليين.غير أن معاني الكلمات لا تتغير بسهولة، فعلى الرغم أن الاكتشافات الآثارية بينت بجلاء أن قراءة «العهد القديم» ككتاب تاريخي عملية غير مجدية إطلاقًا، وذلك لأسباب كثيرة لعل في طليعتها حقيقة أن الحفريات التي قام بها الآثاريون لم تسفر عن نتائج تعزز صحة قراءة هذا الكتاب باعتباره تاريخًا فقد ظل الباحثون متمسكين بهذه المصطلحات، وبعبارة أخرى، فإن هذا الانحياز الأيديولوجي الذي تفند مضامينه الاكتشافات الجديدة التي تؤكد باستمرار محدودية الإسهام العبراني إذا لم نقل غيابه عن تاريخ فلسطين، وغلبة العنصر الأسطوري المختلق فيه على الحقائق التي لا يرقى إليها الشك، ما زال كامنًا في صميم الثقافة الغربية. وقد أصدر باحث بريطاني متمكن ويتمتع بسمعة أكاديمية جيدة، اسمه كيث ويتلام كتابًا خطيرًا يعبر عن هذا الوضع أفضل تعبير، أطلق عليه عنوانًا مثيرًا هو: «اختراع إسرائيل القديمة: إسكات صوت التاريخ الفلسطيني».ويحاول الباحث في هذا الكتاب الكشف عن المفارقات التي تنطوي عليها مواقف عدد كبير من المؤرخين الذين ما زالوا متمسكين بانحيازاتهم المسبقة في ما يتعلق بالدور الذي أداه العبرانيون في فلسطين على الرغم من أن الاكتشافات الآثارية الجديدة تكشف بما لا يدع مجالاً للشك عن أن «العهد الجديد» لا يصلح للقراءة ككتاب في التاريخ. فالإشارات التاريخية والجغرافية وما تنطوي عليه من بعد ظرفي ما زالت تخيب آمال الآثاريين باستمرار.بل إن النتائج التي توصلوا إليها كشفت عن ضرورة إعادة النظر في التطور «العبراني» الذي ما زال يسبغ على الموضوعية التي يفترض أن يتسم بها البحث التاريخي نزعة عنصرية معادية سلفًا لكل ما هو غير عبراني في فلسطين. كما أن لغة التحامل الأيديولوجية المنزع والمسبقة الصنع هي التي تسيطر بنزعتها الأسطورية أو قل الخرافية، على كتابات هؤلاء المؤرخين.سيطرة النزعة العبرانيةوأود أن أشير هنا إلى مثال على سيطرة النزعة العبرانية على شعر لورد بايرون شاعر الرومانتيكية الإنجليزية الشهير والذي توفى بعد مولد الناقد ماثيو أرنولد بعامين.إن هذه السيطرة ليست جمالية صرفة كما قد يتبادر لقارئ ديوانه (ألحان عبرية) للوهلة الأولى، فهو يقدم فيه شخصية «سنحاريب» الآشوري الذي يصفه بالذئب المنحدر من أعالي الجبال ليدمر الحضارة المتمثلة في التراث العبري وبذلك يصبح انتصار الآشوريين على العبرانيين رمزًا لهزيمة الحضارة.وهناك مثال آخر ترتبط دلالته بأثر النزعة العبرانية السلبي على نظرة الثقافة الإنجليزية إلى التراث الإسلامي. فاسم «إسماعيل» الذي يظهر بصيغته العبرانية (إشماعيل) في قاموس أوكسفورد يعني الرجل المنبوذ من قبل المجتمع.وهذا المعنى كما هو واضح مستمد من تأويل الرواية التوراتية السلبي للقصة المعروفة.الدور العربي الإسلامي المنسيوأخيرًا هناك الوجه الثالث للنزعة المركزية الأوروبية التي يتمثل في ما سأدعوه بمرض فقدان الذاكرة الحضارية، فالمناهج الدراسية البريطانية والأوروبية، تصر باستمرار على تكريس مفهوم «الحضارة المسيحية اليهودية» مهملة بذلك وجود ثلاثة مصادر وليس مصدرين فقط للحضارة الغربية.وأساس هذا الإصرار أن الحضارة الغربية ذات جذر كلاسيكي (يوناني ـ روماني) وآخر مسيحي يهودي، وأن العناصر الكلاسيكية ضاعت حتى أعيد اكتشافها مرة أخرى خلال عصر النهضة، ولكن الحقيقة كما تشير إليها E.L.Ranelagh في كتاب «الماضي المشترك»، هي أن «ثقافة العصر الوسيط تحتم على الغربيين الاعتراف بأن الحضارة الغربية ذات جذر ثلاثي: يوناني ولاتيني وعربي.صحيح أن الأدب اليوناني وصل إلى الغرب عن طريق الرومان وبواسطة اللغة اللاتينية.وصحيح أن القسط الأعظم من معارف اليونان التي اشتملت على العلوم والفلسفة انتقل من البيزنطيين إلى العرب عن طريق الترجمة من اليونانية إلى العربية. ولكن العرب قاموا بدورهم في تطوير هذه المعارف التي نقلت إلى اللاتينية. بل إن مشاريع الترجمة التي أنجزت في إسبانيا وصقلية خلال القرن الثاني عشر كانت على حد تعبير المصدر نفسه، بمثابة الجسور نقلت المعارف عبرها من العرب إلى أوروبا الغربية التي كانت متخلفة آنذاك».ويضيف المصدر: «إن ما يهمنا إلى حد كبير، نظرًا لأنه ليس مألوفًا، هو تراثنا العربي، إن الشعب الذي أطلق عليه في القرون الوسطى اسم «السراسنة» كان يشمل مجموعات عرقية مختلفة كان منها يونان وفرس وهنود وأقباط وأتراك وأرمن ويهود.وقد تمثلت الإمبراطوريتان البيزنطية والفارسية هذه الحضارات القديمة الغنية. ولكن انتشار الإسلام السريع في القرن السابع الميلادي فرض عليها حضارة جديدة هي حضارة فاتحيهم التي عبرت عن نفسها بنمط عربي جديد من الحياة، حقيقته المركزية هي الإسلام، الدين الرسمي، ووسيطه في التعبير هو العربية لغة القرآن».هذا الطرح لفكرة الاعتراف بالجذر الثالث، العربي ـ الإسلامي للحضارة العربية، والذي يبدو للقارئ العربي بديهيًا، ما زال خارج المناهج الدراسية المعتمدة في بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة، كما أن دور الحضارات السورية والمصرية القديمة في صنع حضارة اليونان القديمة ما زال فكرة خلافية بعيدة عن تلك المناهج حتى الآن.آية ذلك كله أن حوار الحضارات لا يمكن أن يصبح مجديًا ما لم يعد النظر مجددًا في صورة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية الغربية عمومًا، ذلك لأن هذه الصورة السلبية المنمذجة هي إحدى مصادر الوعي الأوروبي وأدواته اللغوية بامتدادتها الفكرية والثقافية.

خلدون الشمعة-لندن
منقول عن المعرفة الأرشيفية
بتاريخ:26/6/2009

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.