
علينا بأن نعترف أن هناك في الغالب عسكرة واضحة للخطاب الإسلامي بمختلف مستوياته الفردية، والعامة، والإعلامية، وأن هذا الأمر يعطي صورة غير جيدة عنا في الخارج، وفي الوقت نفسه، يؤدي إلى شحن فئات معينة من شبابنا -خصوصا- بطريقة سلبية، تجعلهم يقعون أحيانا ضحايا لجهات استخباراتية عالمية، توجههم بطريقة غير مباشرة، لخدمة أغراض غير بريئة، أو تدمجهم في دوامة التكفير، والدخول في عنف غير مبرر مع أجهزة دولهم، فيقعون هم وغيرهم من الأبرياء ضحايا لمعركة لا تستفيد منها الأوطان أبدا.
وهذه العسكرة تأخذ أشكالا عديدة؛ أولها تقديم التاريخ الإسلامي للناس مختزلا بالغزو، والحرب، والمعارك، والتركيز على الشخصيات التاريخية العسكرية، وإهمال الشخصيات الأخرى التي قدمت إنجازات هائلة على مدى الألف وخمسمائة عام الماضية، وهذا الخطأ الذي يقع فيه صانعو الخطاب الإسلامي قديم، ابتدأ من تاريخ كتابة السيرة النبوية حينما تم التركيز فيها على الجانب العسكري في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومهملين الجوانب الأخرى التي أعطيت حظا ضئيلا منها، لدرجة أن من أوائل من كتبوا في السيرة، وهو ابن إسحاق -رحمه الله- أطلق على السيرة عنوان: "المغازي والسير"، ولمن لا يعرف، فهذه المغازي هي التي كانت المصدر الأول لكتاب ابن هشام الشهير في السيرة.
أما الشكل الثاني للعسكرة، فيأتي من خلال الشحن العاطفي السلبي الذي ينذر دائما بالمعركة الفاصلة، وانقسام العالم إلى مجتمعين؛ كافر ومسلم، وضرورة التلاقي في معركة نهائية ليهزم أحدهما (الخير) الآخر (الشر)، وهذا كله يؤدي إلى اضطراب شخصية الفرد، وجعله يعيش في حالة توتر، وتأزم دائمة، تنعكس على إنتاجيته، وقدرته على التفاعل مع التطورات الحضارية في العالم.
وثالث هذه الأشكال هو التحريض على الآخر، وتصويره على أنه عدو، يجب اجتثاثه من جذوره، وإلغاؤه من الوجود، وقد يأخذ الآخر أبناء الأوطان، والأديان، والمذاهب الأخرى، أو حتى المخالفين فكريا من أبناء المذهب نفسه.
ذلك كله أدى في معظم الأحيان إلى نشوء شخصية إسلامية، هاجسها الأول عسكري، وتفكيرها محصور في أحلام تفوق القوة الخشنة، متناسين أن القوة العسكرية هي في المحصلة ناتجة عن اجتماع قوة علمية، اقتصادية، ثقافية، فنية، واجتماعية، وأنها تأتي تتويجا للتفوق في مختلف المجالات، وأن العالم الآن يستخدم غالبا القوة الناعمة التي تحارب بالاقتصاد أولا، وتستعمل أسلحة رقمية جديدة يقف الإعلام على رأسها، مستندين إلى قوة عسكرية تستخدم للردع النفسي، أكثر منها للتدخل المباشر.
وفي الوقت نفسه، علينا بالإشارة إلى أن هناك خطابات لجماعات، ومجموعات إسلامية تستبدل العسكرة، بقضايا أخرى، تؤدي في النهاية إلى النتيجة نفسها، وكل ذلك غير مطلوب ويجب تغييره.
الخلاصة أننا نحتاج إلى إعادة بناء الخطاب الإسلامي بجميع مستوياته، لينتج شخصية إسلامية متوازنة، تتعامل مع السنن الكونية التي خلقها الله بذكاء، ولتدرك أن للتطور والتقدم خطوات لا بد أن تقوم بها، وأننا يجب أن نعيد ترتيب أولوياتنا لنضع التقدم العلمي، والحضاري، والثقافي، والفني، والأدبي في قمتها.
والمطلوب في هذه الشخصية أن تدرك أن القوة العسكرية هي وسيلة لحماية الأوطان، والدفاع عن الأمة، وهي ليست غاية، وأن الجهاد فرض للغرض نفسه.
كلامنا هذا كله لا يعني أننا نريد إلغاء الجهاد، أو شطب المعارك الحربية من تاريخنا، أو إهمال الشحن العاطفي للمعارك، فكل ذلك مشروع في حدوده، ولكننا نريد أن نقدم كل شيء في إطاره، وبالنسبة المئوية التي يستحقها، وبطريقة لا نهمل من خلالها الأمور الأخرى الموجودة في الحياة، ولنتذكر دائما أن حياتنا مثل المعادلات الكيمائية، إذا زادت نسبة أي عنصر فيه، أو نقصت عن المطلوب، فإن نتيجة المعادلة ستكون فاشلة.
منقول عن الغد / محمود أبو فروة الرجبي
بتاريخ:31/12/2010
ابحث
أضف تعليقاً