مقـالـة:
"التصوف الإسلامي هو جوهر الإسلام وروحه"
أعـدها وقـدمـها
فضيلة الشيخ مشهود رمضان جبريل الأمير الكيتوي
"صاحب العمامة المكية"
عضو المنتدى العالمي للوسطية
وعضو المجلس الإسلامي النيجيري
وعضو مؤسسة محّمد السادس للعلماء الأفارقة
ومؤسس ومدير مركز السلام للتعليم العربي الإسلامي، وجمعية السلام الإسلامية، أوجوكورو، لاغوس – نيجيريا.
إلى
المؤتمر المزمع عقده بعنوان:
"التصوف الراشد: الجذور والآفاق ودوره في بناء الحضارة الإنسانية"
بتاريخ: 18-19\09\2019م الموافق 18-19\محرم\1441هـ في مدينة عمان – المملكة الأردنية الهاشمية
بسم الله الرحمن الرحيم
"التصوف الإسلامي هو جوهر الإسلام وروحه"
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف رسل الله، سيدنا محمد المصطفى المبعوث رحمة للعالمين ليتمم مكارم الأخلاق، وآله وأصحابه والتّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
أيّها السّادة الكرام، والسّيّدات الكرماء، أيّها الحضور الأجلاّء.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أفتتح مقالتي وأحاديثي حول الموضوع "التصوف الإسلامي هو جوهر الإسلام وروحه" وهو جذور الإسلام والإيمان التي قاما عليها وتعلو بها حتى بلغ أقصى الغايات في العالم المعمور كله، لقوله تعالى:- {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}الأنبياء:107 وقوله تعالى: {هو الذي بعث في الأمّيّين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} الجمعة: 2
وقوله تعالى: {قد أفلح من تزكّى * وذكر اسم ربه فصلّى} الأعلى:14
ثم قال: (قد أفلح من زكّاها * وقد خاب من دسّاها) الشمس: 9-10
بهذه الآيات القرآنية وما شاكلها من القرآن أبني عليها العلم عن فهم حقيقة التصوف الإسلامي بأن التصوف جوهر الإسلام وروحه، بل هو جذوره التي بنيت عليها قواعد الإسلام والإيمان وتعلو عليها إلى الآفاق الأعلى في السماء حتى بلغت حيث ما نراها اليوم في جميع المعمورات وتعيش عليها بانتشاره إلى آفاق كل المعمورات في العالم بآدابه وحضاراته وثقافاته مما تدعونا إليه شريعة الإسلام وسنة رسوله الكريم، والحمد لله.
أيها السّادة الأفاضل والسيدات الفضليات :-
فإن علم التصوف الإسلامي وطرق المعرفة بحقيقتها والوصول إليها مع العلم بأهله الأصحاح شيء تشعّب إلى عدّة النواحي لتعريفاتها حتى بلغت ما لا يعدّ ولا يحصى، وملئت ثنايا كتب العارفين بعلم التصوف الحقيقي، ولكنّهم اتفقوا جميعا بأن علم التصوف الإسلامي علم، وطرق الوصول إليه شيء يدور حول قصد الله، وصدق التوجه إليه.
وقالوا:- بأنه كلّه أخلاق، فمن زاد عليك في الأخلاق، زاد عليك في التصوف، كما أخبر بذلك الشيخ الإمام الجنيد رحمه الله، كان ذلك في كتاب (التصوف هو.....) للسيد محمد خالد ثابت، أحسن الله إليه في المحيا والممات.
فكل من يريد التّعرّف على حقيقة صحيحة لعلم التصوف الإسلامي مما ليس بصورتها فليشدّ أزره لطلب أنواع الكتب التي شحنت بذكر التعريفات للطرق الصوفية، لتقرّبه إلى الأذهان والقلوب، بأن التصوف هو جوهر الإسلام وروحه الحقيقي، أو نقول:- بأنه هو جذور قواعد الإسلام والإيمان التى بنيت عليها، وعليها تعيش وترتفع إلى آفاق العالم كله، كما تعيش الأشجار بغصونها وثمارها على الجذور إلى الآفاق الأعلى في السماء وهي على الجذور الثابتة في الأرض، كما قلنا آنفا.
وكل من جهل بعلم التصوف الإسلامي أنه جوهره وروحه وجذوره حرّم نفسه بالخيرات الكثيرة من خيري الدنيا والآخرة، لأنه لولا علم التصوف الحقيقي يتحول الدين إلى أشكال فارغة وقوالب جامدة.
بيد أن الإسلام منذ بداية ظهوره من القرون الأولى تعارض للبلاء في عدم معرفة علم حقيقته وطرق الوصول إليه، وذلك من الدّخلاء والأدعياء الذين يدّعون التصوف بدون علم عن حقيقته الصحيحة، أو هم يدّعون علم التصوف بأغراض نيل الدنيا وزخرفها فقط، فهم يسيئون ولا يحسنون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، كلا ثم ألف كلا!! للمؤلف السيّد محمد خالد ثابت في كتابه التصوف هو.... بتصرف يسير.
وعليه قال الشيخ السّراج الطّوسي في مقدّمة كتابه(اللُّمَعُ):-
"ينبغى للعاقل في زماننا هذا أن يعرف شيئا عن الصوفية وقصدهم، وطريق أهل الصّحّة والفضل منهم، حتى يميز بينهم وبين المتشبهين بهم، والمتلبسين بلبسهم، والمتسمين باسمهم، حتى لا يغلط ولا يأثم، لأنهم أمناء الله في أرضه، وخزانة أسراره وعلمه، وصفوته من خلقه، فهم عباده المخلصون، وأولياؤه المتّقون، وأحباؤه الصّادقون الصالحون" طبقا لقوله تعالى:-
{ألا إن أولياء الله لا خوف ولاهم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} يونس: 74-72
قال صلّى الله عليه وسلّم في التعريف بأولياء الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّ الله تعالى قال: من عادى لي وليا: فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبها، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع بها، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ويحله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيّنه، ولئن استعاذني لأعيذنّه" رواه البخاري.
لهذا وذاك وضع الأخ في الله، السيد خالد ثابت، كتابا في علم حقيقة التصوف الإسلامي سمّاه: (التصوف هو....).
جزاه الله خير الجزاء دنيا وأخرى وجزى الله والديه خير الجزاء على حسن تربيتهم له، حتى أفاد العالم الإسلامي بعلمه. بتصرف يسير.
وفي الكتاب يجد فيه القارئ أربعين تعريفا للتصوف والصوفية... لا يخرج عما قاله سلفنا الأفاضل من مشايخ الطرق الصوفية رضوان الله عليهم.... مكتوبة بلغة سهلة حديثة تناسب القارئ المعاصر... وتقرب إليه في عجالة بعض ما يشير إلى آفاق التصوف الرحيبة... ودنياه الغنيّة بالألوان والأنوار، وعَالَمِهِ المشمول بالبرّ والرحمة... أربعين تعريفا.
قال أبو الفتح البستى:
تخالف الناس في الصوفي واختلفوا *** فيــه فظنوه مشتــقا من الصـوف
ولست أمنح هــذا الاسم غيــر فــتى *** صفا فصوفي حتى سمي الصوفي
وقيل في المدخل:
ليس التصوف لبس الصوف ترقعـه *** ولا بــكاؤك إن غـــنّــى المغــنــونــا
ولا صــياح ولا رقـــص ولا طـــرب *** ولا نقاش كأن قــد صـرت مجــنــونا
بـل التصـوف أن تـصفو بـــلا كـــدر *** وتـتــبـع الحـقّ والــقــرآن والـدينـــا
وأن تـــرى خــاشـــعا لله مكــتـئـــبا *** على ذنــوبك طــول الدهر محـــزونا
أحبابي وإخواني الأعزاء:-
لا يجحد أحد بأن ينكر حقيقة علم التصوف إلا من يجهل نفسه وينكر كون الإسلام والإيمان دين الله، وهذا هو الذي يجحد وينكر حقيقة فهمٍ بأسرار دقائق ما أودعه الله تعالى في كتابه الكريم الذي يدعونا إليه نبينا محمد صلى الله وسلم المبعوث رحمة للعالمين ومتمما لمكارم الأخلاق، والمعاملات الحسنة بين الخلق، كما يجهل فهم أسرار الأحاديث النبوية الشريفة من مفهوم العبادات وطرق القربات إلى الله بطاعات الله ورسوله مع الإخلاص لله ربّ العالمين.
فالتصوف الإسلامي كما قلنا إنه علم يرتكز عليه علم التصفية النفسية عن كل الأردان التي تدنِّس النفوس والقلوب بالأحوال الشنيعة والأخلاق السيئة التي قد ترديها عاجلا أو آجلا.
فالتصوف هو علم يهيئ الإنسان للتصفية الحقيقية عن كل ما يبعد العبد المؤمن عن خالقه الذي هو "الله" خالق النفوس والقلوب في الأصل مطهرة نقية من غير دنس.
والتصوف الحقيقي هو طريق يوصل العبد المؤمن إلى حقيقة العبادات في الطاعات والقربات إلى خالق الأكوان وما فيها من الآيات الظاهرة والباطنة.
فالتصوف الإسلامي الحقيقي يدعو إلى عبادة الله وحده دون الإشراك به في أي شيء، تعالى الله عما يشركون.
فالتصوف الحقيقي يرشد الإنسان إلى طريق الخير وإلى البرّ والإحسان بأنواعه للوالدين والأقارب كما في قوله تعالى: (فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا). النساء:36
فالتصوف الإسلامي هو فرض عينٍ على كل مسلم ومسلمة، ذلك أن كل إنسان له عيوب، إلا من عرف نفسه واشتغل بعيوبها عن عيوب الناس، وبذل ما في وسعه للخلاص من تلك العيوب التي تباعد بينه وبين ربه، فلم يرض عن نفسه إلا إبليس المطرود من رحمة الله.
فالتصوف هو علم بمعالجة القلوب وتزكيتها من كل الأردان والرذائل، قال تعالى: (قد أفلح من زّكاها * وقد خاب من دّساها). الشمس:9-10
ثم قال: (قد أفلح من تزكّى * وذكر اسم ربه فصلّى) الأعلى:14-15
وقال حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي:- "إن التصوف فرض عينٍ لأن كل إنسان فيه عيوب وأمراض، لا يخلو منها إلا الأنبياء عليهم السلام".
وزاد القطب الكبير أبو الحسن الشاذلي على ذلك بقوله: "من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصرّا على الكبائر وهو لا يشعر".
وحيث إنه فرض عين يجب السفر إلى من يأخذه منه، إذا عرف بالتربية واشتهر الدواء على يده.
ويعقب ابن علان الصديقي بقوله: "ولقد صدق فيما قال: فأي شخص أخي: يصوم ولا يعجب بصومه؟ وأي شخص يصلى فلا يعجب بصلاته؟ وهكذا سائر الطاعات والقربات إلى الله".
قال الشيخ الصديقي: "يتكلم عن آفات العبادات التي تحبطها... من كبر... وعجب... وعدوان... وشح... وكذب... وظلم... وخيانة... وغيبة... ونميمة... وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة الذميمة".
لذا، فإن التصوف هو الجهاد الأكبر، جهاد النفس لتزكيتها، ما الذي جعل الصحابة إذا رجعوا من الغزو يقولون:
رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، يقصدون بالجهاد الأكبر، جهاد النفس، الذي هو أشد ألف مرّة من جهاد العدو، فكل عدو خارجي مهما كانت عدواته لك، لا يبلغ ضرره مثل النفس التي معك.
لذا قيل: "إذا عرفت أن أعدى عدو لك هو نفسك التى بين جنبيك، فقد أسلمت وبرئت".
فالتصوف الإسلامى هو الزهد:
لو أردنا أن نصف التصوف بكلمة واحدة فقط لكانت (الزهد في الدنيا) أي: إفراغ القلب منها من كل ما سوى الله.
فكل ما شغل عن الله (هو من الدنيا) — التي ذمها الله وحذّرنا منها..... (حب الدنيا) بلغ بأخ أن يقتل أخاه .... وكل جريمة أو معصية في الأرض ليس لها دافع إلا استكمال حب الدنيا في القلب، لذا قيل: "حب الدنيا رأس كل خطيئة".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حب الدنيا وحب الله لا يجتمعان في قلب أبدا"
وهو كما قيل:
الماء والنار لم يقض اجتماعهما *** الماء والنار كيف الأمـــر ضـدّان؟!
أي: لو أن رجلا عبد الله بعبادة الثقلين وهو يحب الدنيا نودي عليه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، هذا أحبَ ما أبغض الله.
فالزهد حال في القلب لا في اليد.... قد يكون رجل ثريا وزاهدا في الدنيا، يكون المال في يده وليس في قلبه فيسهل عليه إنفاقه.
كان عثمان بن عفان رضي الله عنه من كبار الصحابة الأغنياء أنفق نفقة هائلة في سبيل الله... فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب المال الذي بذله عثمان ويقول: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، وكان يطعم الضيفان طعم العمارة ويأكل هو الخل والزيت، وكان يقيل بالمسجد، فيقوم وقد علّم الحصى في جنبه، رضي الله تعالى عنه.
التصوف أيها الناس: هو حنين القلب المتواسل إلى خالقه ومولاه، "الحنين إلى الله"... الحنين إلى الله هو الوقود الذي يدفع السالكين على الطريق في رحلتهم السعيدة، يشحذ هممهم، ويجدد نشاطهم حتى يصلوا إلى غايتهم المنشودة،... لولا ذلك الحنين لفترت الهمم ولا انقطع السير.
هذا الحنين أو الشوق، ما زرعه في القلوب إلا الله!! إذا أراد أحدا جذبه إليه.
لذالك انقسمت طرق الوصول إلى الله إلى أربعة أقسام!! السالك المجذوب، والمجذوب السالك، والمجذوب غير السالك، والسالك غير المجذوب لأن كلا منهما إما أن يكون في البداية، وإما أن يكون في النهاية أو أحدهما في البداية، والآخر في النهاية.
السالك المجذوب والمجذوب غير السالك، وفيه قسمان:-
وبداية السالك هي من شهود الأثر إلى شهود المؤثر، أي: من شهود الأكوان إلى شهود المكوِّن.
وبداية المجذوب هو شهود الذات المقدسة، إذ الجذب انقطاع روح من شهود الكون إلى شهود المكوّن... أي: رؤية الخلق إلى رؤية الحقّ، وهما في النهاية على العكس.
وصف محمد خالد ثابت هذه الرحلة في كتابه "والموعد الله" قال: من أشواقهم إليه يبدؤون، وإلى مثواهم بين يديه ينتهون.
من الله الملك الحي القيوم يبدأ مسيرهم، وإلى الله الملك الحي القيوم ينتهي مسراهم ومعراجهم، فهو سبحانه وتعالى هو الأول والآخر.
ورغبتهم في التعرّف إليه، وشوقهم إلى محبته ولقائه يمثلان شدة الزناد... حيث تنطلق الطاقة المشتاقة في عنفوان مقتدر ذاهبة إلى هناك، لا تلتوي على شيء مهما وجّهها شطر الطريق إلى سدرة المنتهى، غائصة في البحار المجهولة مسلقة جبال الضنى والهول، مجتازة تخوم المألوف إلى عالم كل ما فيه عجيب، جليل، وباهر!!.
وعلى رغم من أنهم مسافرون إلى الله فهم في ذات الوقت مسافرون بالله، فإذا كان سبحانه "الآخر فهو أيضا الأول" الذي سيبدأون الرحلة من دعوته ومشيئته وتوفيقه، ومن إرادته التي تقول لشيئ "كن فيكون" ومن حوله وقوته اللذين لولاهما ما قدر أحد على حركة أو سكون... سبحان الله.
التصوف الإسلامي هو... يدعونا إلى طاعة الله ورسوله في اتباع أوامره والإجتناب عن نواهيه، وإلى البرّ والإحسان للوالدين والأقربين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب كما في قوله تعالى:
(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتمى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم...)النساء: 36.
بمعاني هذه الآيات الكريمة تظهر لنا جليا حقيقة التصوف الإسلامي حيث كان يدعونا إلى المعاملة الحسنة والأخلاق الجليلة الكريمة بين أنواع الأجناس من الأقارب والأباعد، وعليه ما قيل:
عليك ببرّ الوالدين كليهما *** وبرّ ذوي القربى وبرّ الأباعد
قال عليه الصلاة والسلام: "الدين المعاملة" وقوله: "إني قد بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
ونخص بالذكر:.... البرّ والإحسان للوالدين مع حسن المعاملة بالأخلاق الطيبة الكريمة لهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء رجل إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله، هل بقي عليّ من برّ أبوي شيئ أبرهما به بعد وفاتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفارلهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بها". وقوله:... "أبر البرّ أن يصل الرجل ودّ أبيه" حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: "سأل سائل النبي صلى الله عليه وسلم فقال:- يا رسول الله، إنا نتصدق عن موتانا، ونحج عنهم وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ قال: نعم، إنه يصل إليهم، وإنهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق يهدى إليه".
أيها الإخوة في الله مهما أنسى فلا أنسى ذكر التصوف عن مقامات الصلاة على النبي عليه السلام والإستغفار ومكانة ذكر الله تعالى وأقول:
التصوف هو دوام الإستغفار والتوبة لأن التوبة الصادقة صلة دائمة بالله، إذ التائب هو هارب من الذنوب إلى الله بل هو معلن بالصفة التي يحبها الله، لذا يعبر التوبة أول مقامات السلوك عند الصوفيين لقوله تعالى بقبول التوبة لمن تاب من الذنوب قال: (إلا من تاب وءامن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما* ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا)الفرقان: 70-71.
قال عليه الصلاة والسلام "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، فالتائب من الذنب بالرجوع إلى الله صدقا وأمنا فإنه يتقلب دوما وأبدا في رحاب الرحمة والنعمة مع الرضوان والغفران من الله تعالى.
لأن التوبة تعوّضه التوجه الكلي إلى الله تعالى بمحاولته إلى ما يقرّبه إلى خالقه الربّ الذي بيده ملكوت كل شيئ وإليه ترجعون.
لأنه في رحاب تهذيب الأذهان والقلوب بما يحبه الله من الأحوال والأخلاق والعبادات حتى القربات في طاعات الله ورسوله بالخشوع مع الإخلاص في الدين لله رب العالمين، كما أرادها الله من عباده المؤمنين.
ثم نذكر مكانة ومنزلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التصوف الإسلامى فهو... أن الصلاة على النبي هو تعلق العبد بجناب النبي صلى الله عليه وسلم وإدمان الصلاة عليه ليلا ونهارا بل في كل وقت وحين نعم...
إذا رأيت من يحبون النبي محبة كبيرة ويكثرون من الصلاة عليه ويعظمونه كما أمرنا الله تعالى، فاعلم أنهم الصوفية، لأنهم أهل المحبة وأهل الذكر وأهل الاتباع لأوامر الله، وأستاذهم في ذلك في كل العصور من اليوم إلى الغد هو سيّدنا أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه أحب النبي محبة سمة على كل المحبين والعاشقين وعليه ما قيل:- إن المحبة ظاهرا وباطنا، ظاهرها إتباع رضا المحبوب، وباطنها أن يكون مفتونا بالحبيب عن كل شيئ.
قال عليه الصلاة والسلام: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" رواه االبخاري ومسلم
وقال عليه الصلاة والسلام: "من أحب شيئا أكثر من ذكره"
قيل:-
تعصي الإله وأنت تظهر حبـه *** هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقا لأطعــتــه *** إن المحب لمـن يحب مطيــع
سئل الحسين بن منصور الحلاج عن المريد الحقيقي من هو؟! قال: الرأمى بقصده إلى الله عزّ وجل فلا يعرج حتى يصل.
التصوف وأدوار الصوفيين الأوائل المخلصين المنصفين
وهم في تقديم الإسلام مع حضاراته وآدابه الإسلامية وثقافته حتى انتشر في أقصى الآفاق لكل المعمورات في العالم، منذ القدم حتى اليوم كما نراها ونسمع عنها: آسيا – أروبا – أستراليا - بريطانيا - ألمانيا - أميركا وغيرها في العالم حتى أفريقيا الخضراء.
ولولا المنصفون المخلصون من الصوفيين القدماء الذين بذلوا كل ما في وسعهم نفسا ونفيسا بالاهتمام بالمجهودات الجبارة التي بذلوها لنجاح الإسلام في الآفاق كلها، حتى بلغ أقصى الحدّ في جميع المعمورات لما كان سير الإسلام والإيمان من بداية ظهورهما في العالم حتى بلغ ما بلغ في جميع المعمورات كما قلنا.
ذلك يجعل لهم كلّ فضل ومجد يذكر بهم، لأنّ المرء يذكر بفعله ويُبقِي له ذلك حسن الذكر.
وذلك أدّى إلى ظهور الإسلام في العالم في أمر عجيب بانتشاره مع أسرع سير عجلته إلى الأمام، ولله الحمد على أن جاء الإسلام والإيمان بالله (متأخرا)، ولكنه في الفضل (أولا)، هذا فضل الله علينا ولكن أكثر النّاس لا يشكرون.
أيّها السّادة الكرام! بهذه الجهود المضنية للمنصفين المخلصين من الصّوفيين الأوائل كما قلنا لما كان ما كان للإسلام من علوّ مكانته ومنزلته في العام كلّه، بيد أنّ مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة فقط.
وأنّا الغلوّ والتّشدّد الناشئ اليوم مع الإنكار والنّكران في زماننا اليوم حتّى أدّى ذلك إلى انتساب أمر الجهل والهوى وعدم فهم حقيقة الإسلام إلى هؤلاء المنصفين الصوفيين أمر غريب وعجيب!.
يحدث هذا من بعض إخواننا العرب والذين تعلموا منهم العلوم من أبناء إخواننا المسلمين في العالم حتى أفريقيا عموما وفي نيجيريا خصوصا: بأنّ الصّوفيين المنصفين منهم والمغالين هم أهل البدع كما يقال بدون استثناء المغالين المتلبسين بلبسهم والمتشبهين بهم حتى ينسب إلى كلّ منهم الجهل والهوى مع الكره والنكران بالمعارضة الشديدة عليهم، في عدمهم معرفة حقيقة الإسلام وبأنهم أهل البدع، هذا أمر عجيب وغريب!!.
وذلك لحشود المتصوفين المنصفين العادلين المخلصين الموازنين بين الغلوّ والاعتدال في حفلات المولد النبوي الشريف.
أيّها السادة الكرام إن الأمر على هذه الحالة، سيحدث في الإسلام وأمر الإيمان بالله ما لا يحمد عقباه، لا سمح الله ذلك.
وذلك مما سيدعو كلا من الفريقين إلى تمسّك معنى قوله تعالى حيث يقول تبارك وتعالى: {قل كل يعمل على شاكلته وربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا} الإسراء:84
وكيف لا؟! إذ طائفة يدّعون بأنهم سنّيّون والأخرى يدّعون بأنهم صوفيّون، مع أنّ كلاّ منهما على حقيقة ما فهموه من معاني القرآن الكريم ومعاني السنّة النبويّة الشريفة.
فالقرآن بحره عميق وبعيد، وهو عريض وطويل، لا يستطيع أحد أن يحيط بساحله أبدا إلا الله الذي هو أحد المتصف بفهم كل معاني القرآن ظاهره وباطنه، سره وجهره، لذا يقول: {الله يحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} الحج:69
وعلى هذا لنترك الأمر الحكم في تصويب قوم وتخطئة قوم، والله خير الحاكمين.
إن انتساب الجهل والهوى مع البدع من السنيين إلى الطائفة الصوفية المخلصين المنصفين واختيارهم لأنفسهم ما يناسب بفهمهم من معاني القرآن الكريم ومعاني الأحاديث النبوية الشريفة ممّا يتّفق بنظمهم في تأدية وظائفهم (أى: الأوراد الصباحية والمسائية أو الليليّة).
فالأوراد: هي الأذكار والتسابيح والاستغفار من ربهم العزيز الغفّار ثم الصلاة على نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
كل هذه من أهمية الأعمال الصوفية، فكيف الإنكار والكره في هذه حتى عادت الأمور إلى المعارضة الشديدة التي قد تحقق الفرقة والتباغض والتباعد فيما بين الطرفين؟.
أيّها الإخوة في الإسلام: قفوا عن هذه الأحوال السيّئة الشنيعة لنكون جميعا إخوة في الإسلام كما قال تعالى: {إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتّقوا الله لعلّكم ترحمون * يا أيّها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم} الحجرات:10-11
فالمعارضة في مثل هذا وذاك أمر غير صالح للإسلام والمسلمين، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".
ثم قال: "يسروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا".
ثم قال: "ما خيرت بإحدى الأمرين إلا اخترت أيسرهما".
قال تعالى: "ما جعل الله عليكم في الدّين من حرج" الحج:78
أيها الإخوة في الله: الإسلام دين الرّحمة والشّفقة، دين يعوّد الإنسان بشيء آخر إذا لم يكن منه ما يحبّه ويفضله، فيحزن عليه لعدمه، لقوله صلى الله عليه وسلّم: "عن أبي ذر رضي الله عنه قال: إنّ أناسا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، يا رسول الله: ذهب أهل الدثور بالأجور: يصلون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون؟ إنّ بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال: كان له أجر" رواه مسلم.
والله سبحانه وتعالى في كل ما دعانا إليه من الأعمال الصالحات من العبادات أو القربات من الطاعات، لكل منها أدلتها في الكتاب والسّنّة، إذًا؟ فكيف يشنّ بعضنا بعضا، فليعمل كل منا بالرفق واليسر فيما بيننا، ما دام الأمر بالعمل في الكتاب والسنة، فالأصوب يحكم به الله يوم القيامة.
قال تعالى: "لكلّ درجات ممّأ عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون" الأحقاف:19
وقال تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا}الأحزاب:41-42
وقوله: {واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون}الأنفال:45
وقوله:{إنّ لك في النّهار سبحا طويلا * واذكر اسم ربّك وتبتّل إليه تبتيلا * ربّ المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتّخذه وكيلا * واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا} المزمل:7-10
وقوله: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} محمّد:19
وقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربّهم يتوكّلون * الذين يقيمون الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربّهم ومغفرة ورزق كريم} الأنفال:2-4
وقوله جل وعلا: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السّموات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النّار} آل عمران:191
وأخيرا وليس آخر، يا أخي:
عليك بالصبر والإخلاص في العمل
ولازم الخير في حل ومرتحل
وجنب الشّرّ واعلم أن صاحبه
لا بدّ يجزاه في سهل وفي جبل
واثبت ثبات الرواسي الشامخات ولا
تركن إلى فشل في ساعة الوهل
وكن كرضوى لما يعريك من نوب
ولا تكن جازعا في الحادث الجلل
واصبر على مضض الأيام محتملا
وفيه قرع لباب النجح والأمل
قال تعالى: "فاصبر على ما يقولون فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السّجود}
وقوله: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون} الروم:17-18
قال صلى الله عليه وسلم: "الصبر مفتاح الفرج، وباب لرفع الابتلاء" حديث شريف.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عباده المؤمنين الصابرين المخلصين المنصفين المتّقين كـ "الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشّهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" أى: في جنات النعيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ابحث
أضف تعليقاً