wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
في إصلاح "إدراك" علاقة "الله والإنسان"
الجمعة, April 24, 2009 - 07:15

لم تحظ العلاقة بين الله والإنسان بكثير من البحث المتعمق في التراث الإسلامي، وربما يعود ذلك لطبيعة النظرة الإسلامية لتلك العلاقة، فهناك تسليم بأن ثمة مسافة شاسعة بين العبد والسيد، وثمة افتراق حاد بين الخالق والمخلوق، إذ لا مجال للالتقاء أو التقارب، وبقيت هذه المسافة غير قابلة للعبور، ولذا تحوّل الإنسان إلى مسلوب في الإرادة والمسؤولية، واستسلم للقدر وأحكام الزمان، وفقد القدرة على الفعل والتأثير وضيع فعل التغيير!

     حتى أن بعض الخلفاء في بعض العهود الإسلامية كانوا يقنعون الناس أن ما يصدر عنهم من ظلم واضطهاد ما هو إلا القدر الذي كتبه الله عليهم في اللوح المحفوظ، ولا سبيل لتغييره ولا قدرة لهم على رده، وتحولت تلك الظاهرة إلى ثقافة دينية متجذره في وعي المؤمنين وضمائرهم، وأي سؤال يشكك في تلك الحقيقة الوهمية مرفوض ومحارب حتى يومنا هذا.
    واستسلام الإنسان لما يظن أنه عبادة للخالق أوصله إلى مراحل من قبول الذل والهوان وتبريرهما بأنهما إرضاء لله ورسوله، وقربانا يتقرب بهما لدخول الجنة، ومن هنا تضخمت مقولات الزهد والصبر على البلايا وعدم الشكوى وعدم الخروج على الحاكم، والدعاء لولي الأمر، وعدم إشاعة الفوضى، حتى أن بعض المستلبين لأمر الله في الزمن الحاضر يصفون المظاهرات والاحتجاجات بأنها نوع من الغوغائية المرفوضة، وأن "سلاحنا الوحيد هو الدعاء لله الذي ابتلانا أن يزيل عنا البلوى"!
    إن استسلام الإنسان لقدره وإذعانه واستلابه له، أثّر فيه سلبياً، وجعله غير قادر على صناعة الفعل، مع أن الله سبحانه حمّل الإنسان المسؤولية الكاملة تجاه أعماله وما يصدر عنه، فقال تعالى: "كل نفس بما كسبت رهينة"، وحمله نتيجة فعله فكانت نفسه شاهدة عليه، فقال تعالى: "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً" وإن أي عمل يصدر عن الإنسان هو محسوب عليه من غير زيادة ولا نقصان، حساباً دقيقاً لا محاباة فيه: "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره".
   والمسؤولية الكاملة في مقتضيات العدل تتطلب حرية كاملة، وأن "المكتوب" و"المقدّر" ما هما إلا من المقولات التي لا أحد يعرف مداها وحدودها، ولذا فعلينا التخلي عنها لصالح تعظيم دور الإنسان ومسؤوليته الكاملة في صناعة تاريخه وحاضره ومستقبله.
     فللإنسان كامل الحرية في اختيار الطريقة المناسبة لحياته مع مراعاة الاتجاهات الكبرى في المسؤولية الأخلاقية عن الأرض وعمارتها وازدهارها، ثم المسؤولية تجاه الآخرين وعدم التأثير على حرياتهم وحياتهم وصون حقوقهم ومطالبهم، ولا يتحقق ذلك إلا إذا استشعر الإنسان في نفسه القدرة على الفعل، والاقتدار على العمل بحرية غير منقوصة، والإنسان لا تكتمل إنسانيته إلا إذا قامت العلاقة بينه وبين خالقه على الاعتداد بالنفس والشعور بالكرامة والقوة، من دون ضعف ولا هوان.
    فقد حاول الإسلام منذ أول يوم أن يحرر الإنسان من الاستلاب للمعبودات والخضوع أمامها، لأنها كانت هي الوسيلة الناجحة في عبودية الإنسان للإنسان، فمن يسجد للحجر يمكن أن يسجد لسيده، ومن يخضع للأصنام يخضع أمام جبابرة الجاهليين من قريش، ولذا فإن القرآن الكريم رسم طريقة جديدة للعلاقة بين العبد وربه، وهو الله، تقوم على أن الإنسان قطب مركزي، فهو الذي يمثل تجليات الوجود، بما فيه من خلق وإبداع: "الذي أحسَن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين"، وهو الذي يمثل طرف التواصل من الجهة الأخرى، فالكتب السماوية هي خطاب من الخالق، وحتى تكتمل عناصر الخطاب فلا بد من المتلقي وهو هنا الإنسان، وهو الذي يمثل جانب الطاعة لأوامر الله واجتناب نواهيه، وبذلك تكتمل دائرة الخير والشر والحق والباطل، والظلم والعدل.
    يقول المفكر الياباني المسلم "توشيهيكو إيزوتسو": "إن ماهية الله، قوله وفعله، تتحول إلى مشكلة بشكل رئيسي، إن لم يكن حصرياً، حين تتعلق بمسألة الكيفية التي يستجيب بها الإنسان إليها. إن الفكر القرآني معني بمشكلة خلاص البشر، ولولاها لما أنزل القرآن كما يؤكد ذلك القرآن بوضوح ويكرره، وبهذا المعنى الخصوصي، فإن مفهوم الإنسان من الأهمية بحيث يشكل القطب الرئيسي الثاني الذي يقف وجها لوجه بإزاء القطب الأساسي أعني مفهوم (الله)، وإن هذا التوجه الأساسي لهذين القطبين الأكبرين يمثل التضاد المفهومي الأكثر أهمية في القرآن الكريم، إذ إنهما بالإضافة إلى غيرهما يقومان بخلق ذلك الجو الحركي الدرامي الحاد للتوتر الروحي الذي يميز الرؤية القرآنية للعالم".
   وانطلاقاً من هذا الفهم القرآني العميق، فإن الإنسان ليس نثارة تذروها الرياح، ولا هو حقير وضيع في هذا العالم، ولا هو تافه، كما يحلو للبعض أن يصف الإنسان، وذلك في معرض المقارنة بينه وبين الخالق سبحانه. فالذين يعتقدون أن التقليل من شأن المخلوق يزيد من عظمة الخالق مخطئون؛ لأن العكس هو الصحيح، ولقد جعل القرآن في بعض آياته الإنسان نداً يخاطبه وجهاً لوجه، حتى يرفع من مكانته ليكون قادراً على فعل الخير ومقاومة الشر وتحقيق العدل ومناهضة الظلم، ثم ليتم الهدف الأكبر وهو الاستخلاف في الأرض وعمارتها على الوجه الأمثل.

منقول عن جريدة الغد الأردنية
24/4/2009

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.