
تبدأ "الغد" اليوم بنشر وثيقة مراجعات الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، بالتزامن مع موقع الإسلام أون لاين (موقع الإسلاميون نت)، وتنتهي المراجعات إلى "حرمة الخروج واستخدام السلاح من أجل التغيير والإصلاح أو دفع الظلم والفساد".
وبهذا تنضم مراجعات الجماعة، التي حملت عنوان "دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس" تنضم إلى المراجعات المصرية (لكل من الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد) في إعلان التخلي عن العمل المسلّح باعتباره طريق التغيير، وبالرجوع عن العديد من المفاهيم والمنطلقات التي أسست ليس فقط لمسار هذه الجماعة بل لتيار واسع من الحركات الإسلامية المقاتلة، خلال العقود الأخيرة.
تأتي هذه المراجعات، في حدود 417 صفحة، بعد حوار استمر خلال السنوات الأخيرة بين مؤسسة القذافي للتنمية برئاسة سيف الإسلام القذافي وقادة الجماعة في السجون الليبية وبوساطة أحد الأكاديميين والمثقفين الليبيين البارزين، وهو د. علي الصلابي، تخلل ذلك الإفراج عن عشرات من أبناء الجماعة المعتقلين في السجون الليبية.
تكتسب هذه المراجعات أهميتها بتوقيع قادة الجماعة البارزين والمعروفين لها، وفي مقدمتهم سامي مصطفى الساعدي، الملقب بـ"أبو المنذر الساعدي"، المسؤول الشرعي في الجماعة، وعبد الحكيم الخويلدي بالحاج، المقلب بـ"أبو عبدالله الصادق" أمير الجماعة، والشيخ عبد الغفّار، وعبد الوهاب محمد قايد وغيرهم.
وقد تمّ الإفراج عن هذه المراجعات بعد أن أجازتها لجنة من العلماء داخل ليبيا وخارجها، وأثنى عليها عدد من الفقهاء والإسلاميين المعروفين، مثل د. سلمان العودة (من السعودية)، ود. أحمد الريسوني (من المغرب العربي).
على الصعيد العام، تمثل هذه المراجعات ضربة جديدة قاسية لشبكة القاعدة، وتزيد من مساحة الجماعات والشخصيات التي خرجت من رحم السلفية الجهادية إلى "مراجعات جذرية" في منهجها ومواقفها، بخاصة أنّ القيادات التي أقرّتها هي ممن كانوا في أفغانستان، وشاركوا في نشاط القاعدة خلال السنوات السابقة، ولها مصداقيتها وحضورها لدى أنصار القاعدة.
وكان الظواهري قد أعلن في تسجيل صوتي، أواخر عام 2007 انضمام الجماعة الليبية المقاتلة إلى القاعدة، قائلاً "ها هي كوكبة من أهل السبق (..) من أفاضل الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا يعلنون انضمامهم إلى قاعدة الجهاد..". وقدّم الظواهري إلى شخص يدعى "أبو الليث الليبي" (قتل في بداية العام 2008)، باعتباره مسؤول الجناح الليبي في القاعدة، معلناً انضمام الجماعة إلى القاعدة، بعد أن سبقتها بأشهر الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر، التي أصبح اسمها لاحقاً "تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي".
ويرى الخبير الأردني في شؤون القاعدة والجماعات السلفية حسن أبو هنية أنّ هذه المراجعات تمثل نجاحاً مسجّلاً للنظام الليبي، الذي تمكّن من احتواء هذه القيادات التاريخية المعروفة والوصول بها إلى قناعات فكرية وسياسية جديدة، لكن أبو هنية يستدرك بأنّ تأثير المراجعات سيكون بالدرجة الرئيسة في ليبيا وعلى العملية السياسية هناك، في سياق التحولات التي تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة، ويضيف أبو هنية أنّ هذه المراجعات لن يكون لها أثر كبير على مسار تنظيم القاعدة، "الذي يمتلك اليوم رموزاً ومواقف أيديولوجية وسياسية حاسمة".
ومع ما تمثله هذه المراجعات من تحولات فكرية مهمة على صعيد تصورات السلفية الجهادية العالمية، وفقاً لأبو هنية، إلاّ أنّ القاعدة "استبقت ذلك بالإعلان عن انضمام الجماعة الإسلامية المقاتلة إليها، ووضعت شخصيات ليبية في القيادة، مثل أبو يحيى الليبي، الذي يعد الرجل الثالث اليوم في القاعدة".
يُذكر أنّ الجماعة الإسلامية المقاتلة، بحسب الباحث كميل الطويل (في كتابه عن الجماعة) قد أعلنت عن وجودها في عام 1995، بعد أن اكتشفت الأجهزة الأمنية الليبية وجود تنظيم مسلّح كبير، له خلايا منتشرة في مناطق مختلفة، مما أدى إلى مواجهات وموجة اعتقالات، وقد حاول التنظيم القيام بعمليات عدة، استهدف بعضها الزعيم الليبي معمر القذافي، لكنها فشلت في القيام بأي عملية نوعية خطرة.
في حلقة اليوم يناقش قادة الجماعة المقاتلة قضية "عقـد الإسلام وكيفيـة ثبـوتـه"، وهي من القضايا المهمة والتي قد يخرج بسبب الخلط فيها الإنسان عن الإسلام، واعتباره كافرا، وقد يترتب على ذلك كثير من الأحكام الدينية الخاطئة التي ربما تصل إلى القتل وإراقة الدماء.
ينتهي قادة الجماعة إلى أن عقد الإسلام يثبت بالشهادتين وبالدلالة وهي كل قول أو عمل أو شعار اختص به المسلمـون، كالصلاة، أو الآذان الذي تتميز به دار الإسلام عن دار الشرك. وقد يثبت أخيرا بالتبعية للأبوين. ويؤكد قادة الجماعة أنه لا يجوز التفتيش عن عقائد الناس وأحوالهم بل لنا ظواهرهم والله يتولى السرائر.
ويقول قادة الجماعة المقاتلة إن من أسباب هذا الخلل هو الخلط بين وظيفتي الدعوة والقضاء أو الإفتاء، وأخذ الأحكام الفقهية من الخطب الوعظية، أو المقالات الدعوية، وإغفال الفوارق الجوهرية بين الدليل والواقع كمن يقيس المجتمعات الإسلامية اليوم على المجتمع الجاهلي في مكة عند ظهور الإسلام.
يناقش الباب الأول من المراجعات قضية "عقد الإسلام وكيفية ثبوته"، والأفعال التي إذا قام بها أي إنسان ثبت له عقد الإسلام، ووجبت له حقوق المسلم، وثبوت عقد الإسلام بهذه الأفعال هو قاعدة عامة، تصدق على الجميع سواء كان حاكما أو محكوما، صغيرا أو كبيرا عالما أو جاهلا، شريفا أو وضيعا وللوصول إلى مناقشة هذه القضية يشرح المؤلفون معنى الإسلام والعلاقة بين الإسلام والإيمان، وهي، كما جاء، مختلف فيها، فبعض العلماء ذهب إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، وذهب آخرون إلى أنهما متغايران، لكن إذا ذكرنا أحدهما وحده دخل الآخر في معناه، وقالوا مرتكب الكبائر يخرج من الإيمان ويبقى في دائرة الإسلام، لكن لا يخرج من الكفر كما تقول الخوارج، حيث يقولون إن أصحاب الذنوب والكبائر خالدون في النار وأنهم كفار، أو أنهم في منزلة بين الإسلام والكفر كما تقول المعتزلة.
وفيما يتعلق بمعرفة كيفية ثبوت عقد الإسلام للشخص المعين، فتؤكد المراجعات على أن الإسلام يثبت لكل من أتى بواحدة من ثلاثة خصال:
الأولى، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أو ما يقوم مقامها كـ" أسلمت" أو "أنا مسلم" والشهادتين تعصم من قالهما ويصير بذلك مسلما، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم منى نفسه وماله، إلا بحقها، وحسابه على الله عز وجل". فالرسول أكد على صيانة مال كل من أتى بكلمة التوحيد ونفسه، ولو كان عند حد السيف، والأحكام تجري على الظاهر والله تعالى يتولى السرائر. ويقدم قادة الجماعة الأدلة الكافية والوافية من الكتاب والسنة والتي تدل على أن الإنسان يصبح مسلما معصوم الدم والمال بمجرد نطقه بالشهادتين كما بين الأئمة والعلماء.
دعاة لا قضاة
وتنتقد الدراسات الغلو في الدين واشتراط البعض المعرفة الكاملة بمقتضيات وتفاصيل "لا إلا الله"، وتؤكد أن هذا الخلل ناتج عن ثلاثة أسباب، الأول هو أخذ الأحكام الفقهية من الخطب الوعظية والمقالات الدعوية، ويحدث الخلل حينما يشتط قلم كاتب أو يبالغ لسان واعظ في ثورة عاطفة أو ثورة حماس لتخرج الكلمات عن الضوابط الشرعية وقد يؤدي هذا أحيانا إلى إبطال إسلام الناس بدعوى أن إسلامهم لم يكن على قناعة تامة.
والسبب الثاني هو الخلط بين وظيفة الداعية من جهة ووظيفة القاضي والمفتي من جهة أخرى، حيث يعطي الداعية نفسه حق إنزال الأحكام فيضيق الواسع من رحمة الله ويتجاهل كثير من الأدلة الشرعية والتي سعت الدراسة إلى توضيحها ورفع الشبهات عنها، ويرفع قادة الجماعة شعار "دعاة لا قضاة" في إشارة إلى أهمية إعطاء الأولوية للدعوة وليس للحكم على الناس.
والسبب الثالث هو إغفال التنبيه على الفوارق الجوهرية بين الدليل والواقع" حيث "يذكر بعض الدعاة اليوم ـ أو كثيٌر منهم ـ وهم في معرض الحديث عن الدعوة إلى الله والصبر على ما يلقاه الداعية إلى الله تعالى من الأذى، يذكرون صبر النبي صلى الله عليه وسلم على دعوة قومه في مكة وعلى ما يناله من أذى في سبيل ذلك، وهذا الاستشهاد لا يمكن الاعتراض عليه من حيث الجملة ولكن لأن بعض البسطاء قد يستقر في ذهنه أن مجتمعاتنا اليوم هي كمجتمع مكة الجاهلي أو الكافر، فإنه من الضروري الالتفات إلى هذا الخلل الواقع أو المتوقع والتنبيه إلى الفرق بين المجتمع المكي المشرك والمجتمعات المسلمة اليوم.
وينتهي قادة الجماعة إلى أن "عقيدة أهل السنة والجماعة أن من قال "أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" وكان معتقداً بقلبه غير شاك فيهما ثم مات على ذلك فإنه يكون من أهل الجنة في الآخرة، إما ابتداء، وإما مآلاً، وتذكر الدراسة الكثير من الأحاديث والاستدلالات التي تؤكد هذا، ويوضحون بالقول "هذه لا إله إلا الله محمد رسول الله وأثرها في الدنيا والآخرة، وحقوق أهلها وعظمة حرمتهم وحرمة حقوقهم، وعظيم سعة رحمة الله تعالى بهم، فمن رام تضييق ما وسعه الله تعالى على من قالها فقد جانب الصواب وخالف السنة والكتاب، وقد بلغ من تعظيم حرمة أهلها أن قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى الكعبة: " ما أطيبك وأعظم حرمتك، وحرمة المؤمن أعظم عند الله منك".
عقد الإسلام ودار الشرك
وبعد الشهادتين قد يثبت عقد الإسلام بالدلالة، بحسب المراجعات، والدلالة هي كل قول أو عمل أو شعار اختص به المسلمون، وتميزوا به عن غيرهم، كالصلاة لا سيما إن كان الرجل إماماً، أو الآذان إذ به تتميز دار الإسلام عن دار الشرك، أو اللباس الذي اختص به المسلمون ونحوها.
وثالثاً "الحكم بالإسلام بالتبعية"، فعقد الإسلام قد يثبت بالتبعية والتبعية قسمان، تبعية الوالدين وتبعية الدار، فأما عن تبعية الوالدين فيقصد بها تبعية الطفل لأبويه في الإسلام والكفر. وأما تبعية الدار فالمقصود بها كما جاء بالدراسات "أن يحكم لمجهول الحال في ديار المسلمين بحكم الإسلام ونعني بديار المسلمين البلاد التي دخلتها دعوة الإسلام وصار أغلب أهلها مسلمين، فالأصل في سكان هذه البلاد هو الإسلام، ويحكم لمجهول الحال فيها بحكم الإسلام بقاء على الأصل، والمقصود بمجهول الحال الذي لم يظهر منه ما يدل على أنه مسلم أي كل من نراه في الشوارع والمحلات والمدارس والمستشفيات والحدائق والساحات، ولا نعلم حاله هل يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله أم لا؟ ولم يتميز بشيء يختص بالمسلمين فهذا يحكم له بالإسلام بتبعية الدار ويعامل معاملة المسلمين فيسلم عليه وتتبع جنازته وتثبت له عصمة الدم والمال والعرض، أما في بلاد الكفار التي لم تدخلها دعوة الإسلام ولم يسلم من سكانها إلا القليل مثل فرنسا وألمانيا وأميركا فالأصل في سكان هذه البلاد أنهم كفار إلا من ظهر منه ما يدل على أنه مسلم أي بالشهادتين أو ما يدل عليها من قول أو فعل خاص بالمسلمين كما ذكرنا سابقاً، ولذلك فإن الطفل اللقيط الذي لم يعرف أبواه يحكم له بحسب الدار كما نص على ذلك الأئمة والفقهاء..".
أخطاء شائعة
ويؤكد قادة الجماعة في نهاية هذا الجزء من الدراسة أن أهمية معرفة الخصال التي تثبت لصاحبها الإسلام تكمن في أن معرفتها تحفظ المرء من الوقوع في إضاعة حقوق إخوانه المسلمين، فيتهاون في أمر أموالهم وأعراضهم وقد يصل الأمر إلى استباحة دمائهم وهذه الحقوق قد بينها القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم.
ويشيرون إلى أنه "من الأخطاء الشائعة والتي يترتب عليها أمور مخالفة للشرع أن يشترط الإنسان شروطا أخرى لثبوت عقد الإسلام في الناس، كأن يزعم بأنه لا يحكم على إنسان ما بأنه مسلم حتى يتأكد من توفر شروط لا إله إلاَّ الله فيه، ويحتج بأن الناس في العصور المتأخرة ينطقون بلا إله إلاَّ الله، ولكن بغير الإتيان بشروطها أو أنه لا يحكم على من يقيم في بلاد المسلمين بالإسلام بحجة أن أحكام الديار قد تغيرت، وأن الناس يتبعون أحكام ديارهم أو بحجة اختلاط المسلمين بغيرهم في تلك البلاد، وهذه الأقوال كلها مجانبة للصواب قد حكم العلماء في القديم والحديث ببطلانها.
فأمة الإسلام، كما يقول قادة الجماعة، قد توارثت هذا الدين جيلاًً بعد جيل منذ عهد النبي فالقول بأن الأصل فيها قد تغير هو قول باطل وهو قول مخالف للحقائق التاريخية فضلاً عن الأدلة الشرعية..".
منقول عن صحيفة الغد الاردنية
بتاريخ: 8/9/2009
ابحث
أضف تعليقاً