wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
كلمة الأمين العام لحركة مجتمع السلم في الجزائر الأستاذ أبو جرة السلطاني في الجلسة الإفتتاحية

والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ومن والاه ...
السادة الافاضل علمائنا ودعاتنا وأأمتنا واخواننا الذين يزورون الجزائر للمرة الثانية والثالثة نسأل الله ان يكتب لكم بهذه الزيارات المقام العالي مع الذين انعم الله عليهم ونشكر لإخواننا واساتذتنا في جمعية الارشاد والاصلاح الذين ما فتئوا يقدمون العلم عن العمل ويعملون بعد ذلك ان يرفقوا العمل بالعلم ،ومن اجل ذلك نشأت فكرة الوسطية والاعتدال .
الموضوع الذي اسند الحديث فيه هو دور الوسطية في الاستقرار، الجزائر نموذجا ، ولأن ورقة العمل طويلة جدا سوف احاول اختصارها بما سوف ينقل كثيرا من التساؤلات والاستفسارات ويعطي بعض المفاتيح للنقاش اذا رأت الجلسة الطيبة والادارة الكريمة ان نعطي بعض الوقت للإجابة عن بعض التساؤلات والاستفسارات التي يمكن ان تولد من خلال ورقة العمل هذه .
الوسطية ليست مذهبا فقهيا جديدا ولا هي تفسير معاصر للاسلام وانما هي مصطلح جديد تداوله علماء الامة وعلماء الاسلام قديما بأسماء مختلفة من اهمها العدل ، القسط ، القصد ، الوزن ، الفق والاعتدال والتوحيد ، والوسطية هي الصراط المستقيم الواقع وسطا بين تفريط المغضوب عليهم وافراط الظالمين وذلك باتباع صراط الذين انعم الله عليهم من النبيين والشهداء والصالحين والصديقين وحسن ذلك رفيقا . 
التعريفات اللغوية المتداولة والاستباحية الشرعية المعرفة لمعنى الوسط والوسطية لا تخرج عن اربعة معان اساسية : 
المعنى الاول : هو التوسط والاعتدال.
المعنى الثاني : العدل والفضل والحمية .
المعنى الثالث : الحق والقصد في كل شيء.
المعنى الرابع والاخير الاستقامة والتوازن والافضلية .
ومهما حاولنا تقصي النصوص المتحدثة عن موضوع الوسطية في كتاب ربنا عز وجل وسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم فإننا لن نخرج عن هذه المعاني الأربعة التي تغطي جميع المجالات الحياتية من العقيدة إلى الفقه ومن المسائل الفكرية إلى الممارسات الواقعية ومن القضايا الاجتماعية إلى القضايا السياسية ومن الطرح الثقافي إلى التنمية الاقتصادية وكل ما يدخل في مفهوم العبادة بمعناها الواسع .
فالوسطية تعني التوازن والاعتدال وعدم الميل مع الشهوات أو التخبط في الشبهات وذلك بالاقتصاد في الاعتقاد والتزام سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام بإتباع الصراط المستقيم بعيدا عن معسكر المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ولكنهم لا يعملون به ، وعن معسكر الظالمين الذين لا يعرفون الحق ويتوهمون العمل به فلا إفراط يرقى إلى الغلو والتطرف والطغيان ولا تفريط يوقع في الاستكانة والركود والاستسلام .
الوسطية دعوة إلى تجديد فهم الدين الإسلامي على قاعدة التوازن في كل شيء وإحياء علوم الدين على أيدي افاطم العلم كما يقول أبو حامد الغزالي وممارسة العبادة في ضوء الاستقامة وإشاعة أحكام الإسلام بالناس وإصلاح الواقع كله بتعاليم الإسلام وفقا لمنهج ينتمي إلى الأمة الخلية أو خلية هذه الأمة ويحكم بيدها استئناف حياة كريمة بتجديد فقه قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ، فشهادة رسول الله عليه الصلاة والسلام تمت علينا جميعا وكملت بالبلاغ والبيان وصناعة القدوة ، فبلّغ الرسول صلى الله عليه وسلم الرسالة وادي الأمانة ونصح الأمة وجلي الظلمة واخرج الناس من الظلمة واخرج الناس بفضل ربنا عز وجل من الظلمات إلى النور وتركها على المحاجة البيضاء … ليلها كان هادئا لا يجيء بها احد إلا هالك أو ظان ووثق رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام رسالة الإسلام يوم حجة الوداع بكلمات جامعة موجزة واشهد الحضور انه بلّغ ، وادي قائلا الهم هل بلّغت الهم فاشهد فكانت تلك شهادته علينا بوسطية واعتدال بلا إفراط ولا تفريط ، فما هي معالم وسطيتنا نحن اليوم ؟ وما هي المظاهر التي تؤهلنا لنكون نحن شهداء على الناس كما جاء في نص الآية السابقة به .
إن السياقات القرآنية التي جاءت بها هذه الآيات (وكذلك جعلناكم امة وسطا …. ) تضع بين أيدينا مفاتيح الفهم الصحيح لمعنى الوسطية التي وصف الله سبحانه بها امة الإسلام بأنها امة الوسط ، فقد جاءت آية الأمة الوسط في سياق المعركة التي دارت ورافقت تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام وما رافقها من تطرف وغلو وقول على الله عز وجل بغير حق حكاه القرآن الكريم بتفاصيل رادعة ( فيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق المغرب والله يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم ) . 
كذلك كانت الفرصة مناسبة لإعلان صفات الأمة الوسط والحديث بإسهاب عن مفهوم الوسطية التي تعني بما تعنيه التمسك بالحق والدوران معه حيث دار ، الدفاع عن العدل ولو كان ذا قربى ، الابتعاد عن الشطط حتى مع أهل الشنئان .
إن الأمة الوسط هي امة متبوعة لا تابعة بما هداها الله عز وجل من حق وعدل وإنصاف وأنها امة متوازنة في عقائدها مستقيمة في سلوك عادلة في معاملاتها ومن هنا نشأت ثنائيات التوازن في حياة المسلمين أفرادا وجماعات لنغطي كل أقبية الحياة في علاقاتهم بخالقهم وبأنفسهم وبالناس فلا إفراط ولا تفريط ولا ضرر ولا ضرار بل هو اعتدال ووسطية في كل شيء وبين كل شيء ، بين الروح والجسد وبين الفرد والجماعة وبين الدنيا والآخرة وبين المقاصد والوسائل وبين المواطن والدولة وبين المادية والمثالية وبين الدعوة والسياسة وبين العلم والدين وبين العقل والنقل وبين الثوابت والمتغيرات وبين الحق والقوة وسواها .
على هذا الأساس قامت حركة مجتمع السلم كما قامت الدعوة الإسلامية نفسها بهذه الخصائص ، قامت دولة الحق والعدل وبهذا الفقه فهم المسلمون الأوائل معنى ( لتكونوا شهداء على الناس) . فالمتطرف ليس مخولا إن يشهد على نفسه ناهيك إن يشهد على الناس والقائد ليس من حقه إن يشهد على العاملين والمتشدد ليس حجة على الإسلام الداعي إلى الوسطية والاعتدال ، والمفرط لا يقدم شيئا يصلح للشهادة لأنه اتبع هواه وجانب التوسط وكان أمره فرطا . لكي تكون مؤهلا للشهادة على الناس تحتاج إن تتصف بصفات الوسطية والاعتدال في معانيها الأربعة السابقة الذكر وتفريعاتها من عدل وحق واستقامة وقسط ووزن وقبض وفضل وتوازن وخلية ، وكل ذلك لا يتأتى إلا بالجهد والمجاهدة والصبر والمصابرة والرباط والارتباط .
إن ما حدث في الجزائر يحتاج احد إلى التفكير به لما حدث من تداعيات سميت في الإعلام بمحكمة الوطنية ولعل أكثر ما حدث كان نابعا من الابتعاد عن وسطية الإسلام وسماحته واعتداله ورحمته بالناس وفي كل الأحوال فإن الأمانة العلمية والمسؤولية التاريخية تفرضان التفكير ببعض العناصر التي لها صلة بما يحدث في غياب الوسطية التي كانت سببا في ميلاد تيارات العنف والتطرف والاستخفاف بأصوات الاعتدال في مواجهة تطرف علماني مستشف بالمبادئ والثوابت والهوية وبسببهما اندلعت نيران الإفراط والتفريط بين مستخف بالإسلام ومتطرف فيه في ثنائية متعارضة تجمعهما العناوين العشرة التالية التي غطت عشرين سنة من عمر الجزائر هي سنوات 79-99 :-
• غياب العدالة الاجتماعية 
• نمو المتطرفين من الطرفين العلماني والإسلامي 
• اتساع الفجوة بين السلطة والشعب 
• جمود الأوضاع على مخلفات الحرب الباردة 
• طغيان الخطاب العرفي في مواجهة الاستهتار بالقيم والدين نفسه 
• تخلي المجتمع عن وظائفه في التربية والدعوة والمواطنة 
• بروز الطفرات الإصلاحية المتسارعة بغير دراسة للواقع وبلا حسابات للمتغيرات 
• الانفتاح الطفراوي العشوائي والتعددية الفوضوية 
• غلق أبواب الحوار ورفض السماع للأصوات المعتدلة وأصوات الحق 
• ميلاد الطفيليات السياسية والنخب المالية واتساع بؤر الفقر والتهميش والبطالة أمام هذا الوضع المتردي طغت أصوات التطرف المنادية بالنظرية الفكرية القائمة على الشعار " نحن أو الطوفان" 

فاتسعت دوائر الغلو في الدين في مواجهة الطغيان العلماني والروتين البيروقراطي ليدخل المجتمع الجزائري كله في موجة من العنف أفضت إلى مأساة وطنية حصدت ألاف الأرواح واحتاجت إلى حكمة عظيمة وسياسة جريئة لاستئصال شائبة الإرهاب من جهة وإقناع المتطرفين والعلمانيين بالاعتدال والمرونة من جهة أخرى .
أيها الأخوة الأفاضل والأخوات الفضليات إن سياسة المصالحة الوطنية التي ساهمت بالقضاء على كثير من مظاهر التطرف بأبعاده الست التطرف بالعقائد بين إفراط وتفريط التطرف في العبادات بين زهد في الدنيا وزهد في الآخرة والتطرف في الفقه بتكفير المسلمين وإعلان الحرب عليهم واستحلال دمائهم وأموالهم وإعراضهم التطرف بالمعاملات بالحكم على الناس بالجاهلية والإساءة إليهم واستعدائهم ، التطرف بالخيارات السياسية بين مستخدم للعنف للوصول إلى السلطة ومستخدم للتطرف للبقاء فيها .
والتطرف بالولاء والبراء بالداخل والخارج على نحو صار يهدد الوحدة الوطنية في مواجهة أشكال العلمانية المتطرفة تهدد الدين وتضع التيار الإسلامي كله في سلة واحدة وتنادي بضرورة التخلص منه في غياب صوت الوسطية والاعتدال على جميع الأطراف 
أمام هذه الوضعية المتردية نادت حركة مجتمع السلم ومع كل دعاة الوسطية والاعتدال في الجزائر إن خطاب الوسطية والاعتدال هو العلاج الأمثل للغلو والتطرف للوصول إلى بناء ثقافة عامة بين جميع أبناء الوطن الواحد وذلك بالعناوين التالية :
أولا : الحوار الثنائي والمتعدد في القضايا المصيرية للأمة 
ثانيا: التربية الوطنية للنشء على الفهم المعتدل للإسلام 
ثالثا : الإدارة الراشدة للتكفل بقضايا الناس والاستجابة لانشغالاتهم 
رابعا : المؤسسات الديمقراطية القائمة على خدمة الصالح العام 
خامسا : الأنظمة المتواصلة مع مواطنيها والمزاولة مع طموحاتهم وتطلعاتهم 
سادسا : الإعلام الباني للقناعات والمساهم في تشكيل رأي عام متعاون بعيدا عن استفزاز مشاعر الناس وإثارة عواطفهم وتحريض بعضهم على بعض 
سابعا : إرادة سياسية تمثيلية واسعة تتكافأ فيها وتتساوى فيها الأمور وتتعزز من خلالها المشاركة الفاعلة المثمرة لكل أطراف الشعب ، إرادة سياسية تعرف أولوياتها وتناضل سلميا لاستكمال مشاريع الإصلاح الشامل على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وسواها .
هذا ما فهمته حركة مجتمع السلم في لعبة الشد والجد وأدركت منذ الوهلة الأولى إن التطرف لا يولد إلا المزيد من العنف والإرهاب وان العلاج يكمن في الدعوة العقل وحمل الناس على العودة إلى الوسطية والاعتدال لذلك بذلت حركة مجتمع السلم ما في وسعها لتتجاوز عتبات الاحتباس السياسي والاحتقان الاجتماعي وكل الدعوات القائمة على المطالبة والمغالبة إلى أفاق المشاركة الفاعلة والايجابية في صناعة رأي عام وحاولت زرع قناعات مشتركة وصيغ مرنة لمعالجة أسباب المأساة الوطنية والتكفل بآثارها وتداعياتها بجملة من الفقيهات المتجددة بعيدا عن فقه الصراع والحرابة إلى خمسة مستويات من الفقه المتجدد في معالجة أسباب التطرف والتصدي لمدارات الغلو والتطرف والإرهاب في ظل هذه الثنائية المقيتة التي صنفت المجتمع الجزائري إلى صنفين وقسمته إلى قسمين " معسكر العلمانيين المنادين باستئصال شابة الإسلام بمتطرفيه ومعتدليه " " ومعسكر الإسلام المنادين بان ليس من معنا هو ضدنا " وبين هذين التطرفين فرض خطاب حركة مجتمع السلم الوسطي المعتدل المنادي بالمصالحة وتحكيم العقل ليجدد في الأمة خطاب الفقهيات المنسية في سنن التدافع السلمي المانع من هدم الصوامع والضياع والصلوات والمساجد كما جاء في قول ربنا سبحانه وتعالى ( لولا دفاع الناس بعضهم بعض لهدمت صوامع وضيع وصلوات ومساجد ....)
فتحت الأصوات المعتدلة ثقافة الاعتدال والوسطية وعلمت الناس الفقه الذي كان قد غاب عن ممارساتهم في لحظات التدافع والشنئان فقه المرحلية والتدرس المانع من التسرع والانبثاث ، فقه المآلات والعواطف الناظر في بصيرات القناعات والممارسات ، فقه المقاصد والكليات الدافع باتجاه التعاون المشترك الأوسع بين إفراد الأمة ، فقه الموازنات وتقرير المصلحة وتوازن المصالح والمفاسد ، وأخيرا فقه الأولويات بالتقديم والتأخير .
ومع الزمن بلورت الحركة خطابا جديدا مزج بين الوطنية والإسلامية من جهة وبين الديمقراطية والإسلام من جهة أخرى ، ورفعت شعار المشاركة لا المغالبة وانخرطت بكامل قواها في مسعى المصالحة الوطنية بالدفاع عن سماحة الإسلام البريء من التكفير والتصغير ، وواجهت الغلو والتطرف بالوسطية والاعتدال .
الخلاصة أيها الإخوة الأفاضل والأخوات الفضليات عادة ما يرتبط العنف والإرهاب والتطرف بالاجتهادات السياسية التي يترتب عنها ميلاد المعارضة التي تتراوح بين الإصلاح والانقلاب الجذري وفي الحالة الجزائرية ارتبط الأمر بما يسميه البعض الإسلام السياسي في مواجهة القطب ألاستئصالي العلماني فكان العلاج الذي قدمته الحركة علاجا مزدوجا طرفه الأول تثقيف المجتمع بخطاب الوسطية والاعتدال وممارسة ذلك بالميدان ، طرفه الثاني تجديد مفهوم المشاركة السياسية بالوقوف وسطا بين التطرف العلماني الداعي للاستئصال والغلو الإسلامي المستخدم للسلاح ومع الأيام اقتنع الجميع وكان الزمن جزءا من العلاج بعد إن قدم الشعب الجزائري كله ثمنا باهظا وصارت بعد ذلك الوسطية هي الحل وأدرك المتطرفون إن الوصول عبر العنف والإرهاب طريق غير واصلة وان الزبد ذهب هباء .
جزآكم الله خيرا عني وعن سائر الأمة الإسلامية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.