الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمع .....
أصحاب الدولة والمعالي والسماحة والفضيلة.
العلماء الأجلاء
السيدات والسادة
الاخوة والاخوات الحضور
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
((يَــا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً))
إنَّ منهج الأمة الإسلامية، هو المنهج الوسط المعتدل في أنبياء الله ورسله، حيث آمنوا بهم جميعًا، ولم يفرقوا بين أحد منهم، أو ينقصوه، أو يقتلوا أنبياء الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى-: "فالمسلمون وسط في أنبياء الله وعباده الصالحين،. . . وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله".
لقد ساد في الفكر الإسلامي الصحيح، التوازن الظاهر بين الدين والدنيا، وبين العقل والنقل، وبين عَالَم الغيب وعَالَم الشهادة، وبين النفس والبدن.
فالوسطية الإسلامية، ليست سمة لفكر علماء معينين، ولكنها سمة العقيدة الإسلامية التي تمسَّك بها أهل السنة والجماعة في عصور المسلمين المختلفة، واعتبروا كل من يخرج عن هذه الوسطية في الاعتقاد أو السلوك، خارجًا عن الأعدل والأوسط، وذَمَّ هؤلاء العلماء كل غلو أو تطرف يريد الإخلال بصفة الوسطية بمعناها القرآني، ويفرض الانحراف الفكري أو السلوكي في المجتمع الإسلامي.
لقد سادت الوسطية في التفكير الإسلامي، سواء تعلق ذلك بالعقائد أم بالتشريع، يقول الإمام ابن تيمية - رحمه الله-: "وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان".
إنَّ وسطية الإمام ابن تيمية منارة يهتدى بها العالم الإسلامي في زمن تم إلباس فكره وفتاويه غير لبوسها الصحيح، ونحن نريد أن نحافظ على اعتدال فكر ووسطية الإمام ابن تيمية في عقول الناشئة ووجدان الأمة، وعلى وهج تلك المنارة وإشعاعها الوضاء.
أقول بكل حسرة تملأ القلوب أننا نعيش عصر الادعاءات والتصديق بكل ادعاء، والاتباع والجري وراء عدم الفهم والوعي بمضامين وأفكار وفتاوى الإمام ابن تيمية، فالمذهب الحنبلي الذي ينتمي إليه الإمام ابن تيمية وكما هو معلوم فإنَّه من أوسع المذاهب الفقهية تيسيراً فالأصل عندالحنابلة في المعاملات الإباحة انطلاقاً من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتم أعلم بشؤون دنياكم. ومن قاعدة البراءة الأصلية ومن مبدأ التيسير ورفع الحرج.
إنَّ التقول على شيخ الإسلام بغير علم من أكبر الجرائم بحق الإمام، وأخطر الأمراض التي فشت في مجتمعاتنا الإسلامية؛ لقلة العلـم، وضعف الخشية من الله عز وجل، واتباع الهوى، وقد كان لها الأثر السيء في الفتك بالمجتمعات، وطمس معالم فقه الإمام ابن تيمية.
أصحاب الدولة والمعالي والسماحة والفضيلة.
العلماء الأجلاء
السيدات والسادة
الاخوة والاخوات الحضور
الإمام المجدد ابن تيمية رحمه الله يتعرض اليوم إلى حملة تشويه وتحريف واقتطاع في أقواله وفتاويه، فظهرت فئة أخذت من علمه ما يلائم أهواءها، حتى غدا أسم الإمام ابن تيمية عند من يجهله مرتبطاً بقضايا التكفير والتفسيق والقتل. ومن يدرس منهج ابن تيمية -بإنصاف وموضوعية وحياد- يجد نقيض كل تلك التهم الذي هو منها براء، براءة الذئب من دم يوسف. كلا، فشيخ الإسلام لا ينمتي إلى هؤلاء، بل كان منهجه وسط فلا إفراط ولا تفريط عنده.
لقد كانت بداية الفتنة الكبرى في تاريخ الإسلام المعاصر، حينما انحرف بعض الدعاة عن الوجه الشرعي الصحيح، وظهر الخوارج والتكفيريون، فكان ظهورهم انحرافًا عن منهاج الإسلام في الدعوة إلى الإصلاح، يتمسكون لفظًا بشعارات الإسلام، ويرتكبون عمدًا ما تنكره فرائض الإسلام وشريعته، لقد أُبتلي المسلمون اليوم بفئة تدّعي حبها لشيخ الإسلام ابن تيمية، فحملت فتاويه ما لا تحمل، وشوهت الصورة الناصعة لفكره ووسطيته، فالمتتبع لأقوال ابن تيمية رحمه الله يجد أنَّ المنهج الوسطي يسطع كالشمس فيها فيقول... إنَّ الله أكمل للأمة محمد صلى الله عليه وسلم الدين وأتم عليهم النعمة وجعلهم خير أمة أخرجت للناس من بين سبعين أمة، وجعلهم أمة وسطاً عدلاً خياراً وشهداء على الناس، وهم بذلك وسط بين الأطراف المتجاذبة... والمسلمون هم الوسط في التوحيد والأنبياء والشرائع والحلال والحرام والأخلاق وغير ذلك . ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
وفي فكر ابن تيمية أهل السنة وسط في النحل والملل، وهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل وأهل التمثيل، فهم أقرب إلى كل طائفة من كل طائفة إلى ضدها، فهم معتدلون في الحكم على الناس .
وقال معبراً عن روحه الطيبة المحبة لجميع المسلمين: "وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي".
بل كان فكره يشع بالبُعد الإنساني، المنطلق من سماحة الإسلام مع مخالفيه، ففي رسالته إلى (سرجون) حاكم قبرص: "نحن قوم نحب الخير لكل أحد، ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة".
وفي آخر حياته –رحمه الله- لما تجدد عليه الظلم والسجن طلب من الجميع منهج الإنصاف والعدل مع كافة الناس، سواءً كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وطالب حكام الإسلام وعلماء الدين بالعدل مع المخالفين مهما كانوا، رافضاً الظلم الذي وقع عليه أو على غيره، وأن يكون هذا منهجاً ثابتاً وراسخاً، لأنه من منهج الإسلام.
ولقد ابتلي العالم الإسلامي اليوم في مناطق مختلفة منه بالابتعاد عن منهاج الوسطية في الدعوة، فأضر ذلك كثيرًا بانتشار الإسلام، والتزام المسلمين بأحكامه. فهناك من فرطوا في الدين، وسعوا إلى تبديل حكم الله، واتباع الأهواء، والابتعاد عن جماعة المسلمين.
وهناك من الدعاة من ظنوا أنَّ إصلاح الأمة وإخراجها من كبوتها لا يكون إلا التشدد والغلو، واتهام الأولين بالكفر والمروق من الدين، وإباحة دمائهم وأموالهم دون دليل شرعي سليم.
ومع الأسف سرعان ما نسب هذا الغلو والتطرف إلى الإسلام، وكأنه منه، وينسب إلى شيخ الإسلام فالتشدد والغلو، وتكفير الناس، واستباحة الدماء والأموال، والمسارعة إلى الخروج عن الطاعة. كل ذلك مما يرفضه الإسلام ويدينه، ويرفضه أهل العلم فيه، وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية.
وهكذا ساعدت بعض جماعات المسلمين بمسلكها المجانب للوسطية والمخالف لشرع الله، في إلصاق التهم والضلال إلى شيخ الإسلام ابن تيمية.
إنَّ إطلاق الكفر المخرج من الملة بمجرد ارتكاب الكبيرة، أو فعل المعاصي، خلاف منهاج أهل السنة والجماعة، وصاحبه متوعد بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإنَّ كان كما قال، وإلا رجعت عليه » . (متفق عليه).
أصحاب الدولة والمعالي والسماحة والفضيلة.
العلماء الأجلاء
السيدات والسادة
الاخوة والاخوات الحضور
إنَّ المتأمل لما عليه أهل الغلو من المسلمين فرقًا وأشخاصًا- وإن أظهروا حماسًا للإسلام، واهتمامًا بأمور المسلمين - يدرك أن سبب غلوهم، هو تنكبهم عن الطريق الصحيح، وفهمهم السقيم للإسلام، والعمل به، وبعدهم عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
وهم حينما يثيرون عواطف كثير من الناس يؤلبونهم على حكامهم، ومجتمعاتهم، ودونما استناد صريح وواضح إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يخالفون طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته، فقد مكث صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى توحيد الله، والدخول في دينه، وإفراده بالعبادة، ويعلِّم أحكام الدين، بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، والصبر على ذلك.
إن منهج الوسطية، هو أعدل المناهج في نشر دعوة الإسلام، والحفاظ على تماسك المجتمع المسلم، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.
نسأل الله أن يهدينا جميعًا إلى الطريق الأقوم، وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
19/4/2011
ابحث
أضف تعليقاً