
دور الوسطية في مواجهة الغلو و التطرف
تصحيح المفاهيم
المقدمة
جاءت رسالة الإسلام خاتمة للرسالات السماوية التي سبقتها ، فحوت الخصائص و المميزات التي امتازت بها تلك الرسالات ، وأضافت لها مميزات آخرى جعلت منها رسالة للناس كافة دون تمييز بينهم لأي سبب من الأسباب ، سواء من أمن بها أم لم يؤمن قال تعالى " " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (1)
وحتى تحقق رسالة الإسلام أهدافها في تحقيق الخير للناس فإن المنهج الذي سارت عليه هو المنهج الوسطي الذي يتسم بالاعتدال و التسامح ، وقد كان المنهج الوسطي هوالذي سار عليه المسلمون خلال مسيرة الإسلام التاريخية ، و اليوم حين تواجة رسالة الإسلام غلوا و تطرفا و تشددا من بعض ابنائها و من أعدائها كذلك فإن الحاجة تبرز لإظهار المنهج الوسطي و إبرازه حتى يعرف الناس حقيقة الإسلام بعيدا عن الصورة التي رسمتها تصرفات بعض أبناء الإسلام و كثير من وسائل الإعلام و الاتصال .
التعريفات
الوسطية
الوسطية ليست مفهوما مستقلا بذاته وإنما هي وصف لمنهج يعمل المسلمون من خلاله لتطبيق الإسلام ، وقد اضطربت المفاهيم في الفترة الآخيرة فاصبحت تدل في كثير منها على معنى شمولي بينما هي جزء من المنهج أو وسيلة له ، ومن هذه المفاهيم التي اضطرب مفهوم " الوسطية " إذ أصبح البعض يضيفه لـ " ألإسلام " ويستخدمة للدلالة على معنى جزئي في الإسلام ، أو لتمييزه عن مصطلحات و مسميات أخى ، فتم إطلاق مصطلح " الإسلام الوسطي " حيث شاع هذا المصطلح في وسائل الإعلام ، كما استخدمته بعض مراكز البحوث المتخصصة و بعض الباحثين ، و الواقع أن مصطلح " الإسلام الوسطي " ليس دقيقا في التعبير عن المفهوم المقصود ، إذ أن القول بـ " الإسلام الوسطي " يفترض ـ بمفهوم المخالفة ـ وجود " إسلام غير وسطي " أو " إسلام متطرف " أو غير ذلك من المصطلحات التي شاعت في السنوات الأخيرة ، مثل مصطلح " الإسلام السياسي " إذ أن هذا التقسيم يدل على وجود " إسلامات !! " أو وجود " أنواع من الإسلام كالإسلام الإجتماعي أو الإسلام الإقتصادي او الإسلام التربوي ، وحتى الإسلام " الديني " !!
وبالعودة لمصطلح " الوسطية " فإنه يدل على المنهج الذي يجب أن يسلكه المسلمون في كافة شئون حياتهم ، وقد تعددت التعريفات لمفهوم الوسطية ، ومن ذلك :
المعنى اللغوي :
الوسطية من مادة " وسط "
قال ابن منظور: " وسط الشيء وأوسطه : أعدله ".
وقال الجوهري: "وَسَطتُ القوم أسِطهم وَسْطًا وَسِطَة: توسطْتُهم، وفلان وَسِيط في قومه، إذا كان أوسطَهم نسبًا، وأرفعَهم محلاًّ، والوسطُ من كلِّ شيء: أعدله، ويُقال أيضًا: شيء وسَط؛ أي: بين الجيد والرَّديء، وواسطةُ القِلادة: الجوهر الذي في وسطها، وهو أجودها"(2).
وقال الراغب الأصفهاني "الوسط: ما له طرفان متساويا القدر، و تارة يقال فيما له طرفان مذمومان؛ يقال: "هذا أوسطهم حسبا، إذا كان في واسطة قومه، وأرفعهم محلا، كالجود الذي هو بين الإسراف والبخل، "(3)
أما الفيروز ابادي فيعرف الوسط بأنه "عدلا فيقول: الوسط، من كل شيء أعدله " (4)
المعنى الاصطلاحي :
ترد الوسطية ـ غالبا ـ بمعنى الاعتدال و الخيرية و العدل و التيسير والاستقامة و التوازن بين الأمور ، وغير ذلك من المعاني
ولذا يمكننا تعريف الوسطية اصطلاحا بأنها " منهج يقوم على الفهم الصحيح لمقاصد الإسلام و غايتة ، دون إفراط أو تفريط أو غلو أو تقصير، فهي منهج وسط بين طرفين متضادين "
وقد جاءت الأدلة الشرعية على ذلك و منها :
قال الله تعالى " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (5)
قال الإمام الطبري " إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين ، فلا هم أهل غلو فيه كغلو النصارى الذين غلوا بالترهب ، وقولهم في عيسى ما قالوا فيه ، ولا هم أهل تقصير فيه ، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله ، وقتلوا أنبياءهم ، وكذبوا على ربهم ، وكفروا به ، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه ، فوصفهم الله بذلك ، إذ كان أحب الأمور إلى الله كما أن الوسط ـ هو ـ العدل وذلك معنى الخيار ، لأن الخيار من الناس عدولهم "(6)
قال ابن جرير: "إنَّما وصفهم بأنَّهم وسط؛ لتوسُّطهم في الدِّين، فلا هم أهل غلو فيه - غلوَّ النصارى الذين غالوا بالتَّرهب، وقيلِهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هم أهل تقصير فيه - تقصير اليهود، الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم وكفروا به - ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه"(7)
وقال الزمخشري: "(وَسَطًا): أي: (خيارًا)، هي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء، وقيل للخيار: وسط؛ لأنَّ الأطراف يتسارع إليها الخلل، والأغوار والأوساط محميَّة محوطة، أو عدولاً؛ لأنَّ الوسط عدل بين الأطراف، ليس إلى بعضها أقرب من بعض " (8)
وقال الشيخ محمد رشيد رضا " قالوا إن الوسط هو العدل والخيار ، وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط ، والنقص عنه تقصير وتفريط ، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة ، فهو شر ومذموم ، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر ، أي المتوسط بينهما " (9)
وقد وردت آيات أخرى تدل على ذات المعاني التي يشملها مفهوم الوسطية منها
اما السنة فقد جاءت ببيان تفصيلي لمفهوم الوسطية و دلالاته ..
قال ابن حجر: "والمعنى: لا يتعمقْ أحد في الأعمال الدينيَّة، ويتركِ الرفق إلا عجز وانقطع فَيُغْلَب"، ثُمَّ قال: "قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة؛ فقد رأينا ورأى النَّاس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع" (19)
وقال ابن رجب: "والتسديد: العمل بالسداد، والقصد والتوسط في العبادة، فلا يقصِّر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه".
وصحيح مسلم، كتاب الصيام، باب صيام النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير رمضان، رقم الحديث: 782.
وقال ابن رجب: "والتسديد: العمل بالسداد، والقصد والتوسط في العبادة، فلا يقصِّر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقه". (22)
وقال النووي"سددوا وقاربوا، اطلبوا السداد، واعملوا به، وإن عجزتم عنه فقاربوه؛ أي: اقتربوا منه، والسداد: الصواب، وهو بين الإفراط والتفريط، فلا تغلوا ولا تقصروا" (23)
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت " ما خير رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما " (24)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا، وَخَطَّ عَنْ يَمِينِهِ خَطًّا، وَخَطَّ عَنْ يَسَارِهِ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: " هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ " ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا فَقَالَ: " هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ" ، وَقَرَأَ "أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ " فَتَفَرَّقَ بِكُمْ " (25)
الغلو
الغلو في اللغة هو: مجاوزة الحد
قال ابن منظور وغلا في الدين و الأمر يغلو غلواً: جاوز حده (26)
وقال صاحب الصحاح: وأفرط في الأمر: أي جاوز فيه الحد. (27)
وقال الزبيدي في تاج العروس : " غلا في الدين غلوا تشدد وتصلب حتى جاوز الحد " (28)
وورد أيضا بمعنى التشدد في الشيئ
ومن الألفاظ المرادفة للغلو ، التنطع و التشدد و التطرف و العنف و الإفراط ، يعني مجاوزة الاعتدال و الميل إلى الجانب المتشدد
وأما في الاصطلاح فقد عرفه ابن حجر بقوله " المبالغة في الشيئ و التشديد فيه بتجاوز الحد (29)
وقد جاءت الأدلة التي تنهى عن الغلو و التشدد، ومن بينها
قوله تعالى " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ " (30)
قال ابن كثير في تفسيرة " أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه، فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهاً من دون اللّه، وما ذاك إلا لإقتدائكم بشيوخكم شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديماً" (31)
وقال الطبري " لا تجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه، وأصل الغلو في كل شيء مجاوزة حده الذي هو حده، يقال منه في الدين قد غلا فهو يغلو غلواً " (32)
وقال الألوسي " أي لا تجاوزوا الحدّ ، وهو نهي للنصارى عن رفع عيسى عليه الصلاة والسلام عن رتبة الرسالة إلى ما تقوّلوا في حقه من العظيمة ، وكذا عن رفع أمه عن رتبة الصديقية إلى ما انتحلوه لها عليها السلام ، ونهي لليهود على تقدير دخولهم في الخطاب عن وضعهم له عليه السلام ، وكذا لأمه عن الرتبة العلية إلى ما افتروه من الباطل والكلام الشنيع ، وذكرهم بعنوان أهل الكتاب للإيماء إلى أن في كتابهم ما ينهاهم عن الغلو في دينهم " (33)
وقال ابن الجوزي في تفسير هذه الآية:والغلو: الإفراط و مجاوزة الحد. والمعنى لا تجاوزوا الحد في إتباع الحق.
كما جاءت الأحاديث النبوية الشريفة لتؤكد على النهي عن الغلو و مجاوزة الحد ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " (34)
وقال صلى الله عليه و سلم " إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تبغضن إلى أنفسك عبادة الله " (35)
وقال صلى الله عليه و سلم " هلك المتنطعون " قالها ثلاثا (36)
يقول النووي "المتنطعون هم المتعمقون المتشددون في غير موضع التشديد، وهذا يفيد تأكيد النبي على هلاك المغالين في أقوالهم وأفعالهم، وفيه ذم التكلف والتشدق بالكلام ، وأن الشدة لا تأتي بخير" (37)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة". (38)
و عن ابن عباس - رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه " إياكم و الغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " (39)
يقول ابن القيم " ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان ؛ إما إلى تفريط وإضاعة ، وإما إلى إفراط وغلو ، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه " (40)
ولذا يمكننا القول إن الغلو في الدين هو مجاوزة الحدالشرعي الذي جاءت به رسالة الإسلام سواء كان في الاعتقاد أم القول أم السلوك
دلالة المصطلح:
ارتبط مفهوم الوسطية بمفهود " الشهود " أو الشهادة على الناس الناس الوارد في قوله تعالى " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (41)
إذ أن معيار الوسطية أعطى الأمة الإسلامية حالة من الاعتدال الذي يجعلها مقياساً تقاس عليه الأمم السابقة التي أفرطت أو فرضت "فلما كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً أي هذه الأمة لم تغلو غلو النصارى في أنبيائهم ، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم" (42)
، وتلك الوسطية قائمة على ما حظى الله سبحانه وتعالى هذه الأمة "بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب ، كما قال تعالى : هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ، وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس" (43)
هذه الشهادة إذا ما عدنا إلى دلالاتها اللغوية، وإلى سياقها في الآية مرتبطة ارتباطاً علياً مع الوسطية تبين أنها تمثل منهجاً متكاملاً في التعامل الحضاري للمسلمين مع الآخرين من الناس. فالشهادة في ظاهرها هي الإخبار عن أمر وقع العلم به لإقامة حق يتوقف عليه ذلك الإخبار ، وهو ما يقوم على أربعة عناصر أساسية: العلم الذي هو أساس الشهادة، والبيان والإظهار لذلك العلم، ثم تبليغ ذلك العلم بحيث يصير واصلاً إلى الآخرين على الوجه المقنع، ثم العدل في كل ذلك حتى تكون الشهادة مفضية إلى نفع المشهود عليهم. تلك هي الشهادة على الناس التي يقوم عليها التحضر الإسلامي تأسيساً في مبادئ الدين ، وتطبيقاً في السيرة العملية للحضارة الإسلامية. إنها شهادة تنطلق من تصور عقدي للإنسان الذي خلق للنعمة ، وكرم تكريماً ، وحمل الأمانة تعظيماً ، وبناء على ذلك فإن التحضر الإسلامي يشهد على الناس بشهادة العلم بحقائق الدين والكون والناس، ثم شهادة على الناس بتبليغ تلك الحقائق تبليغ إنقاذ وإصلاح ونشر للخير ، شهادة عدل في الموقع الوسطي بين المتطرفات في الأفكار والسلوك ، ليكون ذلك الموقع مثوبة لمن ترهق فطرته مسالك التطرف، وشهادة عدل في الحكم بين الناس بالتعامل المتساوي معهم، وبرد جائرهم عن مظلومهم، ونصرة المستضعفين والمقهورين. هذه هي شهادة التحضر الإسلامي على الناس، وهي شهادة لا يضيرها خروقات الأفراد والحالات الجزئية المعزولة إذا ما ظلت قائمة في عمومها زمن التحضر . وهي إذا ما خفتت بانحدار الأمة، فإنه لا ينهض تحضر إسلامي إلا على أساها ، وإلا فهو تحضر غير إسلامي . وما أكثرها من حضارات لا يبالي أهلها بالناس إلا أن يتخذوهم مرقاة لأغراضهم الخاصة. (44)
يقول الشيخ محمد عبده " لقد ظهر الإسلام لا روحياً مجرداً، ولا جسدياً جامداً، بل إنسانياً وسطاً بين ذلك، يأخذ من كلٍ بنصيب، فتوافرت له من ملاءمة الفطرة البشرية ما لم يتوافر لغيره.. ولذلك سمي: دين الفطرة " (45)
ويقول (هاملتون جب): "أؤمن بأن الإسلام لا تزال له رسالة يؤديها إلى الإنسانية جمعاء، إذ يقف وسطاً بين الشرق والغرب، وإنه أثبت - أكثر مما أثبت أي نظامٍ سواه - مقدرةً على التوفيق والتأليف بين الأجناس المختلفة، فإذا لم يكن بدٌّ من وسيطٍ يسوي ما بين الشرق والغرب من نزاعٍ وخصام؛ فهذا الوسيط هو الإسلام"(46)
ولذا فإن الغلو و التطرف و التشدد ، عدى عن كونه منافيا للاعتدال و التيسير و الخيرية ، فإنه معوق للدور الحضاري الذي يمكن للأمة أن تقوم وهو دور " الشهادة على الناس " أو المعيارية للآخرين ، وتلك من أسوأ الآثار للغلو و التطرف و ما ارتبط بهما من ظاهرة "الإرهاب
أولا : نزع المشروعية.
في وقت ضعف فيه العلم الشرعي –بصفة عامة- واقتصر في موضوعاته على مناقشة أحكاماً فقهية محددة، وتراجع فيه دور الفقهاء عن معالجة المشكلات المجتمعية في ضوء الأحكام الشرعية برزت مجموعة من أبناء المسلمين لتطرح مفهومها حول القضايا المعاصرة برؤيتها التي تتصف تارة بالحدة والغلو و التطرف وتارة بالفهم الخاطيء وأعطت لتلك الدعوات والتصورات لباساً شرعياً مستدلة عليه ببعض الأدلة الشرعية التي حاولت أن تعطيها تفسيراً يتناسب مع تصورها وأهدافها، وطرحت تلك الرؤى على عامة المسلمين حيث تلقتها طائفة منهم باعتبارها الحق الذي لا بديل عنه خاصة وأنها تزعم مشروعية تصرفاتها وأعمالها اعتماداً على ذلك الفهم، ولم يقتصر الأمر على مجتمعات المسلمين بل امتد إلى غيرها من المجتمعات فارتبطت ظاهرة الغلو والتطرف والعنف بالوصف الإسلامي وتلقت وسائل الإعلام المعادية للإسلام –خاصة الغربية منها- تلك التصرفات والأعمال فوصمتها بالإسلامية، ولذا شاع لديهم مصطلحات مثل: الإرهاب الإسلامي والتطرف الإسلامي .. وغيرها من المصطلحات التي ترسخت مع كل حادثة أو جريمة أو عنف يرتبط بالإرهاب الذي يقوم به بعض المسلمين. ومن هنا فإن نزع المشروعية الإسلامية عن هذه التصرفات والأعمال يعتبر المدخل الأساسي الذي تبدأ به معالجة ظاهرة الغلو و التطرف، إن بيان حقيقة ظاهرة وبيان المنهج الوسطي في فهم النصوص الشرعية و عدم الغلو فيها أن عدم تأويلها بما يخدم ظاهرة الغلو و التطرف سيؤدي إلى بروز الفهم الصحيح لهذه النصوص ، وهذا دور العلماء و المفكرين و الباحثين المسلمين ومراكز البحث المتخصصة .
إن نزع المشروعية عن هذه الظاهرة لا يعني نزع صفة الإسلام عن القائمين بها إذ من الخطورة أن ننزع عنهم صفة الإسلام، إذ البديل عن ذلك هو وصفها بالكفر .. وهذا ما لم يقل به أحد من الفقهاء، بل نعني بنزع المشروعية بيان أن ما تستند عليه هذه الظاهرة، لا يرتبط بالإسلام ديناً وعقيدة وسلوكاً بل هو يتناقض مع الأسس التي قام عليها الإسلام بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة .. ومعاملة الآخرين بالتسامح والعدل والقسط معهم دون نقص لحقوقهم واحتراماً لدمائهم وأعراضهم وأموالهم.
إن مثل هذا (النزع) سيضع الظاهرة في موضعها الطبيعي باعتبارها ظاهرة مخالفة للمنهج الوسطي الذي جاء به الإسلام ، وسينظرإلى الغلو و التطرف باعتباره ظاهرة منافية للإسلام أو مخالفة لطبيعته وأهدافه ورسالته لكن تحقيق هذه الغاية يتطلب جهوداً واسعة تبدأ ببيان الأحكام الشرعية وآراء الفقهاء المعاصرين حول الغلو و التطرف وتنتهي بتغيير تصورات المجتمعات ومؤسسات التأثير في الرأي العام كوسائل الإعلام والاتصال وغيرها حول ظاهرة الغلو و التطرف.
ثانياً: تحرير المفاهيم .
هناك مفاهيم عدة إعتمد عليها الغلو و التطرف، وأدى ذلك للخلط بين حقيقة هذه المفاهيم ودلالاتها الشرعية واستخدامها الوظيفي ومسيرتها التاريخية وما اصطلحت عليه الأمة الإسلامية خلال عصورها على تطبيق هذه المفاهيم والنصوص – أدى هذا الخلط- بالفهم الضيق والمحدود والمخالف لحقيقتها الذين تبناه بعض المسلمين إلى إيجاد واقع مشوش ومضطرب لدى كثير من المسلمين خاصة حين وصلت الهجمة الشرسة على الإسلام إلى المطالبة بحذف هذه المفاهيم من مناهج التعليم وبرامج الإرشاد والتوعية والإعلام في بلاد المسلمين، ووقع كثير منهم في حيرة بين النصوص الشرعية والتاريخ الإسلامي المليء بتطبيقات هذه النصوص وبين واقعه الذي يطالبه بنبذ هذه النصوص من قبل المخالفين والحاقدين على الإسلام أو قبولها بتصورها وفهمها الخاطيء من قبل من يتبنى ويمارس العنف و التطرف، ومن هنا بدأ واضحاً مدى حاجة المسلمين إلى تحرير هذه المفاهيم، وبيان حقيقتها حتى لا تضيع بين إفراط وتفريط وغلو أو تقصير ومن أبرز هذه المفاهيم ما يلي :
لعل من غير المتصور أن يعيد المسلمون بحث مشروعية الجهاد، إذا وردت الآيات الشريعة والسنة النبوية المطهرة، وتطبيقات ذلك في السياق التاريخي الإسلامي مما لا يدع مجالاً للحديث عن مشروعية الجهاد في الإسلام، إلا أن تحرير هذا المفهوم ليس في حقيقته ودلالاته لكن في الفهم المعاصر لدى بعض المسلمين الذين ربطوا بين مفهوم الجهاد والغلو و التطرف الذي تحول بعد ذلك لممارسات إرهابية باسم الجهاد وخاصة أن هذا المصطلح ينفرد بإسلاميته الخالصة إذ لا يوجد مصطلح ديني متفرد للقتال في الأديان الأخرى فالجهاد كلمة إسلامية صرفه لا مثيل لها في مفردات اللغات الأخرى، ولذا فإن تفسيرها لدى الغربيين هو أن كلمة الجهاد تعني "الحرب المقدسة" علماً بأن هذا المصطلح "الحرب المقدسة" لا يدل على حقيقة الجهاد إذ ليست في الإسلام حرب مقدسة وحرب غير مقدسة، بل هناك الجهاد بدلالته اللفظية والعملية، لكن هذا المفهوم أو المصطلح أسيء استخدامه حين أطلق على العمليات التي توصف بالإرهاب مما أنشأ ارتباطاً خاطئا لدى كثير من غير المسلمين و بعض المسلمين بين مفهوم الجهاد والإرهاب، ، بل إن بعض الجماعات التي توصف بالإرهابية من مخالفيها تحمل اسم الجهاد الإسلامي أو الجماعات الجهادية علماً بأن هذه الجماعات تمارس نشاطها وأعمالها في مجتمعات إسلامية والأصل في الجهاد أن يتم لمقاومة أعداء المسلمين أو مغتصبي ديارهم ومقدساتهم لا أن يكون بين المسلمين أنفسهم لأن القتال بين المسلمين ليس نوعاً من الجهاد ولم يقل بذلك أحد من الفقهاء بل أطلقوا عليه إسم "الفتنة" أو ما يسمى في العصر الحديث بالحرب الأهلية، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى: "وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ" (47)
يقول ابن كثير" أمر بالإصلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على بعض فسماهم مؤمنين مع الاقتتال"(48)
وقال الطبري: قال العلماء لا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما إما على سبيل البغي منهما جميعاً أولاً، فإن كان الأول فالواجب في ذلك أن يمشي بينهما بصلح ذات البين ويثمر المكانة والموادعة، فإن لم يتحاجزا ولم يصطلحا وأقامتا على البغي صير إلى مقاتلتهما، وإما إذا كان الثاني وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تُقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينهما وبين المبغي عليها بالقسط والعدل، فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما وكلتاهما عند أنفسها محقة، فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيرة والبراهين القاطعة على مرشد الحق، فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا ونصحتا به من إتباع الحق بعد وضوحه لهما فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين " (49)
ولم يقل أحد أن القتال بين المسلمين نوع من الجهاد بل جاءت الآيات والأحاديث لتحدد معنى الجهاد المشروع وهو جهاد الأعداء الذين يسعون إلى هدم الإسلام أو قتل أبناءه أو احتلال أرضهم، فقتالهم واجب بإجماع العلماء ولم يتخلف عن ذلك أحد. قال أبو حنيفة: "الجهاد واجب على المسلمين" (50)
ولسنا هنا للحديث عن مشروعية الجهاد ولا فرضيته، كما أننا لا نبحث عن الخلاف القديم بين الفقهاء حول هل الجهاد ابتداءً أم دفاعاً؟! إذ تتجه آراء كثير من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين إلى أن الجهاد دائماً شرع للدفاع عن بلاد المسلمين ودمائهم وأموالهم.
كما أن الجهاد لم يشرع بسبب كفر الكافرين أو مخالفتهم للإسلام إذ القاعدة "أن كفر الكافر لا يبيح دمه". " قال شيخ الإسلام ابن تيميه –رحمه الله- في قاعدة في قتال الكفار "اختلف العلماء في قتال الكفار وهل سببه المقاتلة أو مجرد الكفر على قولين مشهورين للعلماء. أحدهما سببه المقاتلة أي الاعتداء على الدين وأهله وهذا هو قول الجمهور كمالك وأحمد ابن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم. والثاني أن سببه لكفر وهو قول الشافعي وربما علل بع بعض أصحاب أحمد من أن السبب في القتال مجرد الكفر. وقول الجمهور هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، قال الله سبحانه وتعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ" (51)
فقوله "الذين يقاتلونكم" تعليق للحكم بكونهم يقاتلوننا فدل على أن هذا علة الأمر بالقتال وهوله "ولا تعتدوا" فسره بعض العلماء بقتال من لم يقاتل وبالمثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والرهبان والشيوخ وأصحاب الصوامع وتحريق الأشجار وقتل الحيوان. فدل على أن قتال من لم يقاتل أنه عدوان وهذا الآية هي محكمة وليست منسوخة على قول الجمهور .. ثم استدل بقوله : "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله" قال : والفتنة أن يفتن المسلم عن دينه كما كان المشركون يفتنون كل من أسلم عن دينة بصده عنه. ولهذا قال "الفتنة أشد من القتل".
إن الإسلام جعله الله رحمة للعالمين وقد حرم حرب الاعتداء والظلم وقصر الحرب المشروعة على تقرير المصالح ودفع المفاسد.. لأن الإسلام هو دين السلم والسلام ولا يمكن تمتع العالم بالسعادة والراحة والرحمة إلا بهداية الإسلام. وقد أمر الله عباده بأن يؤثروا السلم على الحرب .. فقال تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" لأن الإسلام يكره إراقة الدماء إلا لضرورة تقتضيها المصالح ودفع المضار والضرورة تقدر بقدرها" (52)
فإذا كان هذا الحكم في الجهاد المشروع الذي لا بد له من أسس وأحكام فصلها الفقهاء في كتب الفقه، ولعل من أبرزها أن تكون غايات الجهاد مشروعة وأن يخلوا الجهاد من البغي والعدوان والتجاوز، وأن يأتي الأمر بالجهاد من حاكم الدولة ورأسها لا من عامة الناس وأفرادهم ، وغير ذلك من الضوابط التي تحكم الجهاد.
فإذا كان الأمر كذلك فماذا عن القتال بين المسلمين والذي يطلق عليه هؤلاء اسم الجهاد، وينطلقون من فرضيات خاطئة تارة تصف المجتمع بالكفر وتارة أخرى تصف الحاكم بالكفر وثالثة تكفر النظام دون الحاكم أو المجتمع وتصف كل ذلك بالجهاد، "إن المسلمين وهم كل من شهد الشهادتين، ولم ينكروا ضرورياً من ضروريات الدين على نحو يستلزم تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم ، وجحد الرسالة بأن كانوا متأؤلين في إنكارهم لما أنكروه، فإن هؤلاء مسلمون وهم جزء من الأمة الإسلامية بالمعنى السياسي – الاجتماعي.
ولا يشرع الجهاد –بالمعنى المصطلح عليه- ضد المسلمين بوجه من الوجود إلا على نحو من التجوز، كما في إطلاقه في كلمات بعض الفقهاء على قتال البغاة، وعلى بعض موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه إطلاق مجازي، فلا تثبت في موارد قتال البغاة، وموارد الأمر والنهي أحكام الجهاد المصطلح ولا آثاره كما هو مقرر في محله من الفقه.
وأما المنافقون فقد جرت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم على معاملتهم في الشأن السياسي والتنظيمي معاملة المسلمين، وثبتت السنة الشريفة على ذلك، وظواهر القرآن الكريم تقضي به، فما داموا مسالمين يعايشون المسلمين ولا يشهرون عليهم حرباً ولا يبغون فساداً في الأرض، ولا يرتكبون ما يوجب الحد، فإنهم عوملوا كما ينبغي أن يعاملوا باعتبارهم مسلمين جزءاً من الأمة بالمعنى السياسي- الاجتماعي التنظيمي.
"واختلفوا في كيفية جهاد الكفار والمنافقين، فقال ابن عباس: جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان والوعظ والتخويف. وقيل: جهاد الكفار بالسهم والرمح والسيف، وجهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم.
أما مشروعية استخدام العنف المسلم ضد الأنظمة الحاكمة الإسلامية في البلاد الإسلامية، باعتبار أنه (جهاد) بالمعنى المصطلح يتوقف على الحكم بكفر أشخاص الهيئة الحاكمة وخروجهم عن الإسلام. ومن دون ذلك فلا يمكن القول بمشروعية محاربتهم وقتالهم بقصد قتلهم بعنوان أن ذلك (جهاد) بالمعنى المصطلح.
ولكن الجهاد بالمعنى المصطلح لا يكون إلا ضد الكفار (أهل الكتاب والمجوس والمشركون) وهؤلاء الحكام وأعوانهم مسلمون في ظاهر الحال، معترفون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ورسالته، فلا يمكن الحكم بكفرهم، وعلى هذا الأساس فقد حقن الإسلام دماءهم.
ومخالفتهم للإسلام – باعتباره نظاماً سياسياً للمجتمع- من جهة كونهم يتولون الحكم على أساس نظام غير إسلامي من حيث أساس ومصدر شرعية ذلك النظام، ومن حيث القوانين الوضعية التي ينفذها، ليس سبباً كافياً للحكم بكفرهم المجوز شرعاً لجهادهم بالمعنى المصطلح، لأن موقفهم ليس كفراً مباشراً صريحاً وليس كفراً ناشئاً من تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، لأن حالهم لا يخلو من أحد فروض، فهم:
إما معترفون بأن هذا النظام مخالف للإسلام، وهم يحكمون على طبقة عصياناً، أو ضرورة بدعوى عدم التمكن من تطبيق الإسلام.
فإن كانوا عصاة، فحكمهم حكم العصاة وليس حكم الكفار الذين يجوز جهادهم بالقتل والقتال.
وإن كانوا متأولين فإمّا أن يكون تأولهم استناداً إلى دعوى الضرورة فحكمهم حكم المتأولين وليس حكم الكفار الذين يجوز جهادهم بالقتل والقتال (53)
وإما أن يكونوا متأولين بأن هذا النظام موافق للإسلام، أو –على الأقل- ليس مخالفاً للإسلام، فحكمهم أيضاً حكم المتأولين، ولا يمكن الحكم بكفرهم المجوز لجهادهم بالقتل والقتال، كما ثبت عند الفقهاء من أن المخالف للإسلام بتأول بعض أحكامه عن شبهة مع التصديق والإذعان بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته، لا يحكم بكفره، بل يجب حواره ومباحثته لإزالة شبهته.
فتحصل من جميع ما تقدم أنه لا وجه من الناحية الشرعية الفقهية لاستعمال العنف المسلم باعتباره (جهاداً) بالمعنى المصطلح، ضد أشخاص الهيئات الحاكمة (الأنظمة) على أساس أنهم كفار يشرع جهادهم، لما عرفت من عدم إمكان الحكم بكفرهم.
وأما العنف ضد الأجانب غير المسلمين في بلاد المسلمين فالمراد بالأجانب غير المسلمين هنا هو (الأشخاص، والسفارات، والهيئات الأخرى، والشركات التجارية وغيرها) الموجودون في البلاد الإسلامية بإجازات دخول وإقامة عمل من قبل حكومات البلاد الإسلامية. ولا تضر إقامتهم وعملهم بالمسلمين، ولا توجد حالة حرب فعلية بين المسلمين وبينهم.
إن هؤلاء الأجانب (كفاراً) بالمصطلح الشرعي. وقد دخلوا إلى البلاد الإسلامي بمقتضى إجازات دخول وإقامة عمل من قبل سلطات تمثل البلاد الإسلامية ذات العلاقة.
وبهذا الاعتبار ينطبق عليهم ما ذكره الفقهاء جميعاً، وأجمعت عليه المذاهب الإسلامية من كونهم (أهل العهد، وأهل الأمان، وأهل الذمة)، وهم ليسوا –بهذا الاعتبار- موضوعاً للجهاد قطعاً.
وبهذا العنوان يوجب شرعاً حمايتهم، وحفظ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ويعصمهم من كل اعتداء عليهم. وهذا واجب على الدولة وعلى سائر المسلمين.
ولا شك في أن كل ما دل من الكتاب والسنة على وجوب حماية وحفظ من دخل وأقام في بلاد المسلمين من الكفار الأجانب، يشمل الأجانب غير المسلمين الموجودين الآن في البلاد الإسلامية بإجازة من حكومات هذه البلاد.
وكون هؤلاء الأجانب ينتمون إلى حكومات تتبع سياسات مخالفة لمصلحة المسلمين، لا يجعلهم مسؤولين عن سياسة حكوماتهم بنحو يبرر قتلهم أو جرحهم أو أسرهم أو مصادرة أموالهم. وهم بالنسبة إلى حكومات بلادهم على قسمين:
أحدهما : الأشخاص والهيئات والشركات التجارية والصناعية وغيرها الذين يحملون جنسية البلد الأجنبي، ولكن لا علاقة لهم بالنظام الحاكم، وليسوا من أعضاء الهيئة الحاكمة في ذلك البلد.
ثانيهما: الأشخاص والهيئات الذين هم جزء من الهيئة الحاكمة من قبيل أعضاء السفارات والبعثات العسكرية، وما إلى ذلك.
فأما من كان من الأجانب غير المسلمين من القسم الأول: فلا يجوز الاعتداء عليهم بالقتل والجرح والأسر ومصادرة الأموال، بل يجب الوفاء لهم بالعهد والأمان بحفظهم وحمايتهم، ولا وجه لتحملهم وزر سياسات حكومتهم.
وهؤلاء من أظهر مصاديق الاستثناء في الآية الكريمة:" إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ" (54)
وأما من كان منهم من القسم الثاني. واقتضت مصلحة المسلمين قطع العلاقة مع حكومتهم ومخاصمتها، فإن غاية ما يقتضيه ذلك هو إخراجهم من البلد المسلم بالطرق والأساليب المتعارف عليها المجتمع الدولي، وفي المهل المتعارفة حسب المعاهدات والمواثيق الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول والمسلمون في عصرنا ملزمون بمراعاتها من جهة التزامهم بالمواثيق المذكورة وعلاقتهم بمنظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى.
ولا يوجد أي مبرر شرعي لمعاملة هؤلاء الأجانب بالقتل والجرح والأسر والضرب، وإتلاف الأموال ومصادرتها، في حالة عدم ارتكابهم لجرائم تقتضي معاقبتهم. وفي هذه الحالة فإن مرجعهم هو القضاء لمحاكمتهم والحكم عليهم من دون فرق بين أن تكون سياسة حكومتهم ملائمة أو غير ملائمة لمصالح المسلمين.
والخلاصة من جميع ما تقدم أن هؤلاء الأجانب –بقسميهم- ليسوا موضوعاً للجهاد بالمعنى المصطلح، فيكون استعمال العنف المسلح ضدهم باعتباره جهاداً، أمراً غير مشروع.
ثم إن تقدير الموقف في هذا الحالة، والحكم بأن سياسة هذه الدولة الأجنبية أو تلك مخالفة لمصلحة المسلمين، وتقدير كيفية الرد على هذه السياسة، وأنه يكون بقطع العلاقات أو المحاربة أو غيرهما، لا يكفي فيه تقدير وفهم شخص واحد ورأيه، ولا مجموعة من الأشخاص ذات هوّى واحد ورؤية واحدة، ولا حزب من الأحزاب بمفرده. بل لا بد لذلك من (شورى) يشترك فيها أشخاص وهيئات متنوعون في رؤيتهم السياسية، من ذوي الشأن والأهلية في المسلمين في البلاد التي يقوم (الإسلاميون) فيها بالعنف المسلح ضد هؤلاء الأجانب.
ويدخل في تشخيص الموقف المناسب من الناحية الشرعية والسياسية جميع الآثار السلبية التي يمكن أن تنشأ من هذا العمل بالنسبة إلى المسلمين بوجه عام (على مستوى الأمة والمنطقة) وعلى مسلمي البلد الذي يبحث وضع الأجانب فيه.
وأما استعمال العنف المسلح ضد الأجانب في بلادهم، من قبيل قتل الأشخاص وأعمال التفجير والنسف ضد المحلات التجارية والمرافق العامة وخطف الطائرة والسفن وما إلى ذلك، فإن الأمر فيه كما تقدم، حيث أنه لا ينطبق عليه عنوان الجهاد بالمعنى المصطلح، فلا يكون مشروعاً بهذا العنوان.
وقد نص الفقهاء –استناداً إلى الأدلة الخاصة والقواعد العامة- على أن المسلم إذا دخل إلى بلاد أهل الحرب بعهد وأمان منهم (وهما، في عصرنا، ما تعارف بين الدول من سمات الدخول –Visa- والإقامة التي تعطيها الحكومات للوافدين إلى بلاده من البلاد الأخرى) فيجب عليه أن يكون ملتزماً ووفياً بالعهد والأمان لهم في بلادهم ولا يجوز له أن يغدر بهم بسرقة أموالهم وإتلافها، فضلاً عن قتلهم أو جرحهم. وإذا أتلف لهم مالاً أو نفساً فهو ضامن لما أتلفه، ويجب عليه أداء الحق إلى أهليه.
وأما القيام بأعمال العنف المسلح ضد محلات الخمور والمقامرة وسائر أماكن ومجالس اللهو المحرم والأعمال المحرمة، بنحو يسبب إتلاف الأموال والممتلكات المحترمة، وقد يسبب القتل والجرح لممارسي الأعمال المحرمة أو لغيرهم ممن لا علاقة لهم بهذه المنكرات من سائر الناس، فلا شك ولا ريب من الناحية الفقهية في عدم انطباق عنوان (الجهاد) بالمعنى المصطلح عليه، ومن ثم فإن استعمال العنف المسلح باعتباره جهاداً لقمع هذه المنكرات خطأ في التطبيق.
فظهر من جميع ما تقدم أن استعمال العنف السياسي المسلح باعتباره (جهاداً) بالمعنى المصطلح في داخل البلاد الإسلامية، وخارجها في جميع الموارد، غير مشروع (55)
إن غياب الفهم الصحيح وفق المنهج الوسطي لمفهوم الجهاد ، جعل بعض أبناء المسلمين و خاصة الشباب منهم ينخرط في أعمال عنف و قتل و إرهاب باسم الجهاد ، بل وصل الغلو ببعضهم إلى " إعلان " الجهاد على من خالفهم من الجماعات التي كانت تشاركهم أعمالهم بدعوى خروجهم عن " الخط الجهادي " الصحيح ، وقد ساعد في ذلك انتشار عدد من الفتاوى لبعض المشايخ و طلبة العلم تفسر لهم نصوص الجهاد بالمعنى الذي يحقق لهم مبتغاهم ، فسالت دماء المسلمين بأيدي أبنائهم من المسلمين
إن مفهوم الولاء والبراء من المفاهيم التي تستقر في قلوب المسلمين وعقولهم وهو أمر ثابت في الشرع وردت النصوص الشرعية به مما لا يجعل مجالاً للحديث عن وجوب أو عدم وجوب الولاء والبراء، فقد قال تعالى : "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (56)
وقال تعالى: " وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (57)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" (58)
وغير ذلك من الأدلة الصريحة على الولاء والبراء، وقد سارت الأمة على هذا المفهوم القائم على الحب للمؤمنين والبغض لأعداء الله من المشركين وغيرهم الذين يناصبون دين الله الحرب والعداء، وهذا شأن كل أمة وشعب، إذ لا يتصور أن تقوم علاقة محبة ومودة بين إنسان وعدوه أو شعب وشعب محارب له، فإذا غابت العداوة أصبح الحب والبغض شأناً قلبياً لا يمنع السلم من أن يتعامل مع الآخر بالحسنى بل هو مأمور بذلك لاظهار محاسن دينه، إذ الولاء يدل على معنى الأخوة والنصرة والمحبة والإكرام والمحالفة والاتباع والاحترام والإجارة والتقرب والدنو والمتابعة والطاعة (59)
وأما البراء فتدور معانية حول المجانبة والتباعد والأعذار وعدم إظهار المودة إلى درجة العداوة والبغض أحياناً. (60)
لكن الولاء والبراء بمعناها السابق لا يمنع من المعاملة الحسنة مع غير المسلمين بل إن المسلم مأمور بذلك لما فيه من المصلحة الكبرى في التعريف بالإسلام ومحاسنه ، وقد جاءت الآيات الكريمة التي تأمر المسلم بحسن المعاملة مع غير المسلم كقوله تعالى: " لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ" (61)
قال الطبري : "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم والله عز وجل عَمَّ بقوله (الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ) جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضاً دون بعض" (62)
بل ذهب المفسرون إلى أكثر من ذلك فقد قال القرطبي في تفسيره للآية: "أي لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم، فأمر ببرهم والوفاء لهم إلى أجلهم. (وتقسطوا إليهم) أي تعطوهم قسطاً من أموالكم على وجه الصلة، وليس يريد به من العدل، فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل (إن الله يحب المقسطين) العادلين المحقين " (63)
فالقسط والبر والعدل سمات إسلامية يأمر بها المولى عز وجل في التعامل مع الآخرين، ولم يمنع مفهوم الولاء والبراء دون التعامل بهذه السمات إذ الولاء والبراء شعور قلبي يدعو المسلم إلى عدم الرضا والقبول بمعتقدات غير دين الإسلام الذين يؤمن به ويأمره أن يحمل الحب والمودة للمسلمين وحسن المعاملة لغيرهم.
"إن الإسلام يعتبر الناس جميعاً أمة واحدة لا تفرقها الألوان، ولا الأقاليم ولا الجنسية ، وإذا كان الناس أمة واحدة فإن الأخوة الإنسانية ثابتة يجب وصلها، ولا يصح قطعها، وقد أمر الله تعالى بأن توصل القلوب بالمودة، وإن الإسلام لا ينهي عن بر كل من لا يعتدي على المسلمين، ويصرح بذلك القرآن الكريم في كثير من آياته، فالبر ثابت للمسلم وغير المسلم ، وإن المودة الموصلة لا يقطعها الحرب، ولا الاختلاف، وإنه يروي أنه في مدة الحديبية – وهي الهدنة التي كانت بين المسلمين وغيرهم- بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشاً أصابتهم جائحة، فأرسل مع حاطب ابن أبي بلتعة إلى أبي سفيان خمسمائة دينار ليشتري بها قمحاً، ويوزعها على فقراء قريش، وإنه في أثناء الحرب تنقطع العلاقات بين المسلمين والمحاربين بالفعل، أما رعايا الأعداء الذين لا يشتركون في القتال فإن (صلتهم) لا تنقطع وإن قامت أسبابها، ولذلك لا يمنع قيام الحرب وجود مستأمنين يقيمون في الديار الإسلامية ولا يمسون في أموالهم ولا أنفسهم، والمستأمنون هم الذين يقيمون في الديار الإسلامية مدة محدودة وأمان بعقد للإتجار وتبادل البضائع" (64)
إلا أن حالة الضعف التي يعيشها المسلمون ويشعرون معها بالظلم والاضطهاد والواقع عليهم من أعدائهم جعل بعضهم يفهم الولاء والبراء بمعنى العزلة القلبية والعملية في علاقته مع الآخرين فهو لا يكتف بالمفهوم المحدد للولاء والبراء بل ينقل تلك العزلة إلى علاقاته ومعاملاته مع الآخرين، فلا يظهر لغير المسلمين إلا غليظ القول وسيء التصرف بل إن هذا المفهوم تجاوز العلاقة بين المسلمين وغيرهم إلى علاقة المسلمين مع بعضهم البعض إذ انتشر التشكيك في معتقدات بعض المسلمين ووصموا تارة بالفسق وتارة بالبدعة وتارة بالشرك.. في أمور يسوغ فيها الاختلاف أو أنها ليست من القضايا التي وردت الأدلة القطعية عليها، بل هل محل اختلاف بين المسلمين وامتد التشكيك إلى كل من أحسن التعامل من أبناء الإسلام مع غيره من غير المسلمين في تجارة أو علم أو مصالح من رجال السياسة أو الاقتصاد أو الباحثين والعلماء وغيرهم، وترتب على ذلك الدعوة إلى تطبيق إحكام للمفارقة مع غير المسلمين مثل وجوب الهجرة من البلاد غير الإسلامية وعدم الاستفادة من علومهم إلى غير ذلك من الدعوات، التي يستند بعضها إلى نصوص شرعية صحيحة لكن استنباط الحكم منها وانزاله على واقع حياة المسلمين لا يدل عليه منطوق النص الشرعي بل إن الأحكام الشرعية الأخرى والقواعد العامة للشريعة الإسلامية تخالف ذلك الفهم للنص الشرعي.
إن مفهوم الولاء والبراء من المفاهيم التي أسيء استخدامها لدى بعض أبناء الإسلام ما يحتاج معه إلى أن يتصدى أهل العلم ببيان المنهج الوسطي لمفهوم الولاء والبراء ومدى تطبيقه على الواقع في ظل فهم صحيح للنصوص الشرعية ودلالتها من غير تعصب لرأي أو موقف ومن غير تجاوز كذلك لمعنى الولاء والبراء.
ارتبط مفهوم التكفير لدى البعض بالجهاد باعتباره المبرر الذي يستند عليه من قال بالجهاد ، إذ أن القول بكفر هؤلاء يرفع الحرج الشرعي أمام الذين يقومون بعمليات العنف باعتبارها جهاداً ، فالحكم بتكفير الناس يعطيهم الحق في قتالهم وسفك دمائهم، بل إن قتالهم مقدم على قتال الأخرين من اليهود والنصارى وغيرهم – كما يعتقد هؤلاء- ، أما المسلمين الذين يتم تكفيرهم فهم في نظر هؤلاء مرتدين ولذا فقتالهم مقدم على قتال اليهود والنصارى، وقد ارتبطت هذه الفكرة في السنوات الأخيرة بجماعات محددة من المسلمين الذين آمن بعضهم بوجوب تكفير الحاكم .. بل ذهب غيرهم إلى تكفير المجتمع بأكمله .. وتشدد فريق منهم بتكفير من لم يكفر الحاكم أو المجتمع .. ولذا برزت هذه الظاهرة القديمة المتجددة في بعض البلاد الإسلامية وعلى الرغم من محدودية هذه الأفكار واقتصارها على طائفة معينة من المسلمين إلا أن ارتباطها بالغلو و التطرف و العنف أضفى عليها بعداً جديداً في الحياة الإسلامية إذ تسببت في سفك دماء كثير من المسلمين وهتك أعراضهم أو سلب أموالهم دون وجه حق .. سوى الفتوى بكفرهم الرغم من نطقهم بالشهادتين وإقامتهم لشعائر الإسلام من صلاة وصيام وحج وغيره ذلك إلا أن أهل التكفير لا يكتفون بذلك بل يبحثون عن حقيقة إيمان هؤلاء كما يزعمون!!، لقد طرحت قضية التكفير في المجتمع المسلم تساؤلات كثيرة حول من هو المؤمن ومن هو الكافر ومدى انطباق أحكام الإيمان والكفر على الإنسان ومن له حق الحكم بإيمان أو كفر الإنسان .. وما مظاهر الإيمان والكفر التي يترتب عليها الحكم بأحدهما، كل ذلك مما يتداوله الفكر الإسلامي المعاصر، خاصة بين تيارات المتدينين من أبناء المسلمين الذين لا يجدون إجابات وافية لتساؤلاتهم في وقت تطرح فيه مصطلحات كثيرة يرتبط بعضها بالتكفير بينما يرتبط بعضها بالعنف القائم عليه، فقد ترتب على هذا الإشكال أن قضية مثل "الحاكمية" مازالت مطروحة منذ أن أعلنها الخوارج إلى يومنا هذا ولم تجد لها حسماً يحررها من التساؤل أو الاشتباك فبإسم الحاكمية يتم الحكم على أوضاع المجتمع وأفراده ومؤسساته من مجموعة من أبناء الإسلام الذين ضعفت بضاعتهم الشرعية وقويت شوكتهم العملية فكثيراً ما تساءلوا عن حقيقة معنى لا إله إلا الله!! وبنوا على ذلك أحكامهم نحو الآخرين تارة بالفسق وتارة بالعصيان وفي أحيان كثيرة بالكفر والخروج على الملة.
ومصطلح أخر مثل الجماعة، ولزوم جماعة المسلمين الذي يعتبر شرطاً لإيمان المؤمن عند التكفيرين وأي الجماعات يجب أن يلتزم به المسلمين ومن يبايع .. ولمن يطيع.. فتلك مسألة لم تحسم بعد عند علماء الأمة بينما حسمها أهل التكفير بأن النجاة والإيمان بلزوم جماعتهم –فمن لم يلتزم بجماعتهم فليس بمؤمن وإن صلى وصام وأعلن الشهادتين- ويترتب على ذلك فسخ عقود الزواج بين من تلتحق بجماعتهم وحل أموال ودماء من خالفهم وتحريم ذبائحهم وعدم الدفن في مقابرهم واعتزالهم وعدم الصلاة خلفهم .. وغير ذلك من الأحكام.
ومصطلح أخر مثل المفاصلة الشعورية .. أي أن يعيش الإنسان في مجتمع بينما ينفصل عنه بشعوره وعواطفه وأهدافه ورؤاه، وتستخدم هذه المفاصلة عند الحاجة أو الضرورة كأن يضطر أحدهم للصلاة خلف من لا يؤمن بإسلامه أو إيمانه وأن يأكل من ذبيحته أو غير ذلك، فهو يقوم بهذا الأمر ظاهراً بينما ينفصل عنه بشعوره ويرفضه في قرارة نفسه.
أما مسألة ا لجاهلية وأحكامها وهل هي جاهلية المعتقد أم جاهلية العمل والسلوك، أما جاهلية الفكر فتلك أيضاً من المصطلحات التي دخل بها هؤلاء على المجتمع المسلم وأصبحت إحدى القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي خلال العقود الأخيرة على الرغم من أن أصحاب هذا المصطلح لم يذهبوا عن طرحهم لهذا المصطلح ما ذهب إليه التكفيرون عند استخدموا لتمرير فكرتهم بكفر المجتمع لأنه لم يعد مجتمعاً مسلماً وإنما عاد مجتمعاً جاهلياً.
لا شك أن التكفير بغير دليل صريح انحراف في الفكر خاصة حين يعتقد صاحبه أن يمتلك الحق وعليه يقاس الناس وأنه المتولي للحكم عليهم بالإيمان أو الكفر على الرغم من تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" (65)
إلا أن هذه الظاهرة التي آمن بها عدد من أبناء المسلمين تحتاج إلى تحرير للمفاهيم والمصطلحات حتى لا تكون سبباً لسفك دماء المسلمين وحتى لا ينقسم المجتمع المسلم إلى طوائف وفرق يكفر بعضها بعضا ويكون الخاسر في ذلك المسلمون أنفسهم.
دار الإسلام ودار الحرب ودار العهد:
استخدم الفقهاء قديماً مصطلح دار الحرب ودار الإسلام للتفريق بين بلاد المسلمين والبلاد الأخرى حيث كان المسلمون بصفة عامة يعيشون داخل منطقة جغرافية محددة لها صفاتها ومكونانتها القائمة على العقيدة الإسلامية، وقد استخدم هذا المصطلح في سياق السياسة الشرعية التي كان المسلمون عليها في ذلك الوقت وسنعرض بعض تعريفات كلا المصطلحين:
أولاً : دار الإسلام. قال الجمهور دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام، وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن درا إسلام وإن لاصقها"
وقد ذكر الفقهاء تعريفات عدة لهذا التقسيم (66)
ثانياً: دار الحرب. وهي الدار التي لا تسودها أحكام الإسلام الدينية والسياسية ولا يكون فيها السلطان للحاكم المسلم، بل يكون فيها السلطان والمنعة للكفار وظهرت فيها أحكام الكفر. وذهب المتأخرين إلى اشتراط أن لا يكون بينها وبين الدولة الإسلامية عهد أو علاقات سلمية، وقد اختلف الفقهاء في تعريف دار الحرب إلى آراء عدة لا يتسع المجال لتفصيلها (67)
ثالثاً: دار العهد. ظهرت فكرة دار العهد بعد استقرار الدولة الإسلامية وتنظيم أمورها، وتطورت هذه الفكرة مع طور علاقاتها وبظهور أحكام وظروف جديدة للدولة الإسلامية .. فبعد أن كانت الحروب قائمة ولم يكن للدولة الإسلامية علاقات (غير حربية) مع الدول الأخرى نشأت ظروف جديدة كان من بينها استقرار الدولة الإسلامية واتساع رقعتها واتصالها بدول وشعوب مختلفة،ولذا فقد توجه الفقهاء لبحث هذه الحالة، فهذه الدار "لم يستول عليها المسلمون حتى تطبق فيها شريعتهم، ولكن أهلها دخلوا في عهد المسلمين وعهدهم على شرائط اشترطت وقواعد عينت فتحتفظ بما فيها من شريعة أحكام، وتكون شبيهة بالدول التي لم تتمتع بكامل استقلالها لوجود معاهدة معها.
وترتبط دار العهد -أو دور العهود- بالدولة الإسلامية بمواثيق وعهود ، كما تنصرف تسمية دار العهد إلى البلاد التي لم تحارب المسلمين أو تعاديهم بحيث تشمل دور العهد جميع البلاد التي ترتبط بمواثيق تنظم العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها إلى جانب أنها تشمل البلاد الأخرى التي لا توجد بينها وبين المسلمين عهود أو مواثيق إلا أنها لم تحاربهم أو تساعد محاربيهم. (68)
بعد هذا نجد من المهم طرح بعض التساؤلات للإجابة عليها حتى تلامس واقع المسلمين بعيداً عن الفهم المحدد للمصطلح دار الحرب ودار الإسلام، ومن ذلك مدى ضرورة الإلتزام بهذا التقسيم أي هل إن تقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام يدخل في أبواب الأحكام الشرعية الثابتة التي لا تجوز مخالفتها؟!
فقد ذهب عدد من الفقهاء إلى أن هذا التقسيم لا دليل عليه من الكتاب والسنة وإنما استمد قوته من الواقع التاريخي الذي عاشه المسلمون الأوائل حيث فرضت عليهم الظروف التي مر بها المسلمون ودولتهم الناشئة وما واجهته من حروب وكذلك سيادة الحرب بصفة عامة بين الدول في تلك الحقيقة التاريخية إلى أن يقسموا العالم إلى دار إسلام ودار حرب (69)
بدليل أن الفقهاء عدلوا عن التقسيم "الثنائي" للعالم إلى تقسيم "ثلاثي" وهو دار الإسلام ودار الحرب ودار العهد، ولو كان الأمر حكماً لازماً لما تجاوزه الفقهاء، وهنا يأتي السؤال الأخر هل يجب الوقوف عند هذا التقسيم؟ أم يمكن الاجتهاد فيه وإعادة بحث دلالته، إذ طرح بعض الفقهاء المتأخرين تقسيمات جدية مثل أمة الدعوة وأمة الإجابة، ونظر إلى العلاقة بين المسلمين وغيرهم باعتبارها علاقة دعوة قائمة على تبليغ الرسالة الإسلامية فالسلام والحرب ليسا هما العلاقة الطبيعية بين المسلمين وغيرهم وإنما هما منهجان في العلاقات الدولية قديماً وحديثاً يأخذ بهم المسلمون وفقاً للحاجة في ضوء الضوابط الشرعية الحاكمة لهما.
كما طرح آخرون مصطلح دار الإسلام حكماً وحقيقة ودار الإسلام حكماً لا حقيقة، ودار الحرب باعتباره تقسيماً جديد في زمن حدثت تحولات كثيرة في العلاقات الدولية المعاصرة تأثر بها المسلمون مثل البلاد التي يعيش فيها المسلمون باعتبارهم أقلية فيها على الرغم من كثافتهم وعددهم الذي يتجاوز عدد المسلمين في مجموعة من الدول الإسلامية مثل المسلمين في الهند والصين وروسيا وغيرها من بلدان العالم كما أن هناك حالة من الهجرة والتنقل لأسباب شتى يصبح فيها المسلمون مواطنون في بلدان غير إسلامية، وكذا البلدان الإسلامية الخاضعة للاستعمار أو الاحتلال مثل فلسطين، وكذلك البلدان التي تضم أغلبية سكانية مسلمة بينما يحكمها غير المسلمين، ثم ما هو الموقف من تعدد الدول الإسلامية، ومصطلح وحدة الأمة وتعدد الدول كل هذه المتغيرات تدعوا إلى إعادة النظر في هذا التقسيم والبحث عن تقسيم يجمع بين الرؤية والقواعد الشرعية وبين الواقع الذي يعيشه المسلمون.
"إن فاعلية هذا التقسيم (دار الإسلام ودار الحرب) حتى هذا الزمن غير مانعة من مراجعته وإعادة النظر فيه، من غير أن يحسب البعض أن ذلك انتهاكاً لحكم شرعي، فتغير البيئة الدولية وبروز متغيرات في النظام الدولي تتطلب جملة من العناصر الدافعة إلى المراجعة المنهجية، وتشير إلى مبررات حاسمة قد تدفع إلى ضرورة البحث في عناصر قسمة جديدة تستلهم عناصر "الواقع" وأصول الشريعة. لا شك أن بروز الدول القومية والمسألة الشرقية وانيهار الدولة العثمانية والخلافة التي ارتبطت بها، وتبدل عناصر ومفاصل حاسمة تفرض (قسمة جديدة) والتفكير بها تفكيراً منهاجياً عميقاً.
أن التقسيم الدولي للمعمورة ليس كما يتصور تقسيم حدود ولكنه أعمق من ذلك وأوسع، فربما تكون فكرة الحدود أحد عناصره، ولكن تظل النقطة الجوهرية فيه هو أنه يشير إلى تصورات (أوصاف) وحالات (علاقات) ومآلات (تغيرات)، ومن ثم يجب إعادة النظر في هذه الرؤية ضمن رؤى خاصة بالنظام الاقتصادي الدولي، وعمليات الاعتماد المتبادل، ورؤى التبعية ومسالك الاستعمار الجديد، والمنظمات الدولية غير الحكومية وتغير مفهوم الحدود والدولة القومية والسيادة، وبزوغ مفاهيم مساندة لفكرة الكونية والعالمية، من المواطنة العالمية، والتعليم من أجل السلام، ومؤتمرات دولية النشاط والرؤى : السكان –التنمية الاجتماعية- المدن، والمجتمع المدني الآلي –والتدخل الدولي لحقوق الإنسان، وثورة المعلومات وسلطة المعرفة" (70)
إن اجتهاداً جديداً لطبيعة العلاقة بين المسلمين وغيرهم وفق المنهج الوسطي – سيعيد هذه العلاقة إلى أصولها الشرعية وسيحقق رسالة الإسلام في الوصول إلى الناس ودعوتهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجعل للمسلمين حضوراً إنسانيا وعالمياً واضحاً في العلاقات الإنسانية الدولية، إن ذلك لا يعني أن يذوب المسلمون في غيرهم أو يكونوا تبعاً لهم أو يغيروا من معتقداتهم وعباداتهم وأخلاقهم بل يعني أن ينقل المسلمون رسالتهم إلى الناس كافة تنفيذاً لقوله تعالىلنبيه صلى الله عليه و سلم" وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ" (71)
الهوامش
ابحث
أضف تعليقاً