دور المثقف في استنهاض الأمة
م. مروان الفاعوري
في إطار التدافع الراشد للكلمة الذي يسعى الى ايجاد صحوة ثقافية تضع مجتمعاتنا في إطار التأهيل لمشروع نهضة شاملة تمكننا من المحافظة على موطئ قدم لتآخي هذا العالم، تأتي مسؤولية المثقفين كصفوة عالمة لترشيد حركة القيم، والإهتداء الى أيسر السبل لبحث طاقات الفرد او الجماعة الذهنية والروحية الجسدية، وتؤهل للإستغلال الكثيف للزمان والمكان لتحقيق الأثر الأقصى والأعمق في الفكر والعمل، إذ العمل أطول وابلغ آلاف المرات من عمر الانسان القصير في إطار النسبية.
ان دور المثقف هو اليوم فضُّ الاشتباك بين قوى الأمة الحداثية والإسلامية، وإعادة الاعتبار إلى المثقف عبر التطلع المنصف الى الفكرويات العالمية ووصفها في حجمها الصحيح مقارنة بالقوة الثقافية الأرجح عالمياً وهي الاسلام، هذا التطلع وهذه الرؤية يحث عليها قوله تعالى: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا قوماً ليسوا بها بكافرين)، وقوله – صلى الله عليه وسلم- : (يحمل هذا العلم من كل خلف عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)
فضُّ الاشتباك المقصود هنا بين الوافد من الماضي المنقول، والصالح المقبول والمعقول في إطار اجتهادات ترتكز على العقل والمنفعة، والمقصد والالهام، والإحاطة بالواقع بوعي ومزاوجة.
إن الفرق الإسلامية منطلقة من أسس أصبحت سماتٍ واضحةً لهذه الفرق، فأهل السنة والسلف ينطلقون من حبهم والتزامهم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والشيعة ينطلقون من حبهم وعشقهم لآل بيت محمد صلى الله عليه وسلم.
والمتصوفة ينطلقون من الأشواق الروحية لعقيدة الإيمان، وهذه الرؤى يجب أن تحترم دون أن يفرض أصحابها الزام الآخرين بها.
إن أدب الاختلاف يقوم على الاتفاق على الجوامع الكلية، واحترام الاختلاف في القضايا الجزئية، والمجادلةِ بالحسنى على الاجتهاديات، لأن التنوع الثقافي فطرةٌ في البشر (ومن آياته اختلاف السنتكم وألوانكم).
دور المثقفين الآن يتركّز على تجاوز حالة التمزُّق، بمزيدٍ من التركيز على الجوامع والمشتركات والتغاضي عن كل ما يضعف الأمة ويهدّد صمودَها ( ان لله عباداً يحبون الحق بذكره ويميتون الباطل بعدم ذكره)، كما عليهم بلورة حالة من التوحد والانسجام تكون عابرة للدول والأحزاب والمذاهب والجماعات، لأن حصون الأمة كلها الآن في خطر عظيم فهي مهددة من الداخل والخارج.
لقد هُزمت ألمانيا ولكنها حافظت على ثقافتها فنهضت، وانهارت إمبراطورية اليابان فبقيت معتزةً بثقافتها فقامت وأصبحت أقوى من ذي قبل، وأمتُنا تعرضت لغزو المغول والتتار والحروب الصليبية وموجات الاستعمار المتتالية وحملات التتريك، إلا أن روحها بقيت متوقده لم تنطفيء، فهزم التتار بل انصهروا في الحضارة الإسلامية، واندحر الصليبيون، وغادر الاستعمار، ولكن المعركة الثقافية لازالت دائرة بين اقطاب الصراع هنا وهناك.
لابد هنا من تأكيد أن اولئك الذين يريدون فرض نموذجهم على الآخرين بالقوة والعدوان وبإسم الجهاد مثل القاعدة وداعش وأخواتها يمكن فهمهم في إطار المحاولات الفاشلة لاسترداد الكرامة وردات الفعل العاجزة المحبَطَة القاهرة التي لاترقى إلى منزلة الاحترام والاعتبار والانجاز.
ينبغي أن نراجع منظومتنا الثقافية بصورة جريئة غير مسبوقة فلا علمانية تنكر الدين ولاتدين لايؤدي الى العلم والمدنية، والإجابة عن أسئلة النظام الكوني في الديمقراطية وحقوق الانسان والحرية وحقوق المرأة وغيرها، ولابد كذلك من تشخيص أسباب غياب النخب المثقفة في الأزمات ومن هذه الأسباب:
الأول :
الاعتياد على الطرائق التقليدية ، والتحرز من التجديد في الأسلوب؛ لأن تخطي الأمور التقليدية أمر شاقٌّ على النفس ، والإقدامُ على كسر الطرق التقليدية يحتاج لجرأة ربما يكون لها بعض العواقب التي لا يحب المثقف أن يدخل فيها لما يترتب عليها من تبعات ! .
الثاني :
الاستقلالية التي يشعر بها بعض الدعاة ، فهو لا يعمل إلا من خلال قناعاته الخاصة ، وهذا الأمر سبب انفصامًا في مواقف المثقف ، ومن ثم عدم التنسيق بينهم في المواقف تجاه الأحداث، فتخرج الجهود مبعثرة بسبب القناعة الذاتية بتصرفات الداعية نفسه .
الثالث :
غياب العمل المؤسسي الجامع ، الذي يوحد الجهود ، ويصوغها في منظومة واحدة ، متسقة ومتينة ، وهذا الغياب ربما أوجده الوضع المعين الذي تعيشه بعض البلاد ، وغياب المحاولة في إيجاد المؤسسات الجامعة بين الدعاة والمفكرين والمثقفين
الرابع :
المبالغة في الهاجس الأمني ، الذي ربما يكبل بعض الجهود ، ويعيق الأعمال النافعة ، وخاصة في الأحداث الجسام ، إن طريق الإصلاح أمر لا بد أن يحمل في طياته بعض المخاطر التي ينبغي ألا تقعد الإنسان عن العمل ( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عـزم الأمـور).
الخامس :
( الحزبية والانشغال بالسياسة) يشكلان عاملاً هامًا في هذا الأمر ، إذْ يعيش المثقف في إطار الحزب الذي ينتمي إليه ، ويكون كل جهده منصبًا على العمل من داخل الحزب ، وإن كان لهذا ثمارٌ كثيرة في حركة الإحياء الإسلامي المعاصر ، إلا أنه أسهم في تشتت جهود الدعاة والمثقفين في العالم الإسلامي فيظلّ الحزبي يعيش في فلك أفكار الحزب والصراع مع الآخرين حولها، ولا يتعداها، مما يُسَبَّب في الواقع قتلا للأفكار والإبداع.
السادس:
تضخيمُ الحدث ، والمبالغةُ في توصيفه ، فيصوّر المثقف الحدث بأنه فوق القدرة والطاقة، مما يبرر له عدم التفاعل مع الأحداث ، والحضورِ الفاعلِ في مواجهتها، أو التقليل من شأن الحدث ، وأنه حدث سهل لا يستدعي كل هذه الجهود ، ولأن الحدَث سهل ، وعواقبه سليمة؛ فلا حاجة إذن إلى الخوض فيه لا من حيث توصيفه ، ولا من حيث مواجهتُه.
السابع
محاولةُ تحميل الحدث لجهة معينة ، وأنها هي التي جعلت الأمة في هذا المأزق ، فهي إذن التي تتحمل تبعات الحدث ، ويتم التركيزُ على هذا الجانب ، حتى يخلص المثقف من هذا كله إلى أنه غير مسؤولٍ عن الحدث.
الثامن
بعض المثقفين ، يصنع لنفسه نموذجًا محتذى ، وقدوةً عليا ، ويظن أن الإسهام في قضايا الفكر والدعوة لا بد أن يكون على مستوى تلك القدوة ، فيقعده ذلك عن العمل ، ويكبل جهوده ، دون أن يدري أن هذه القدوة لم تصل إلى هذا المستوى إلا بعد أن أضنَت نفسها في هذا الطريق حتى وصلت إلى هذا المستوى، ولا يجوز بعد ذلك إغفال أن الله قد قسم بين الناس قدراتِهم ، ومواهبَهم ، واستعدادهم الذهني كما قسم بينهم أرزاقهم
التاسع :
انشغال بعض المثقفين بالمشروعات الخاصة ( الدنيوية ) ، وهو أمر لا يلام عليه إنسان إلا إذا تعدى إلى ترك الإسهام في معالجة قضايا الأمة والدعوة ، والواقع يشهد تساقطًا مريعًا لكثير من الدعاة والمفكرين عند الدخول في هذه المجالات التي تصرِفُ الإنسان إلى الدنيا ، وتجعله يغفل عن طريق الأنبياء والمصلحين، ويغيب عن واقع أمته والمساهمة في إصلاحه ، ومدافعة الباطل والشر.
العاشر:
المفكرُ أو المثقفُ بات يواجه أزمةً تجاه ثورة المعلوماتية والاتصال، وتحديداً الإنترنت والفضائيات، والأخيرة جعلته أسيراً لأجندتها وأولوياتها طامعا في الظهور والكارزمية المنبرية التي توفرها له الشاشة الملونة، ومضطرا لها لغياب مؤسسات العمل الفكري الأهلي المستقل.
هذه بعض الأسباب التي أراها تسهم في غياب كثير من المثقفين عن واقع الأمة المعاصر ، وهي قابلة بعد ذلك للأخذ والرد، حتى نستطيع ترميم بعض مشكلاتنا ومآسينا ، ونشارك في النهوض بالأمة إلى حضارتها المنشودة.
فالمثقفون اليوم مدعوون إلى نتاج ثقافي وسطي يربط الماضي بالحاضر دون استلاب او تفريط لوضع خارطة طريق للإحياء الفكري والمعرفي لأن المطلوب ترشيد التدافع الحضاري وامتلاك القوة الإقتراحية للعلاج والمشاركة في فعل التنزيل والتنفيذ.
نريد أن تكون مسلمين بالعقيدة حداثيين بالثقافة، وليس العكس، فمصفوفة التدافع إقدامٌ وانجازٌ محسوب ودفاعٌ يطور آليات الممانعة والمقاومة، وصمود وترقُّب لبناء المستقبل هذا لا يكون إلا عبر تحالف المسلمين والمسيحيين في القضايا الأخلاقية والإنسانية والكونية، والتركيز على الحقوق التي تمس الأمن الوطني لبلداننا، وهذا جوهر منهج الوسطية توليف وتأليف راشدٌ لمواجهة القهر الديني، والقهر الاقتصادي والفساد السياسي والانهيار الاجتماعي.
ابحث
أضف تعليقاً