wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
كلمة المهندس مروان الفاعوري

بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمدلله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه البررة المُتقين ..

    وبَعد أيها الحفل الكريم ؛ فَهَا نحن أُولاً نستروح أنسام الجنان ونَسْتَلْهِمُ أنوار العِرفان ، في مُستهل مؤتمرٍ نعتقد أنه قد جاء وقتُهُ وحضِرَ أوانُهُ  وتظاهرت أسبابه ؛ إذ قست قلوبٌ كثير من الخَلق ، وعَمِيت بصائرهم عن محاسن الاخلاق التي هي قوام إنسانية الانسان ، وعن معارج الأرواح التي تَصّعدُ فيها هِمم السالكين من الدركات إلى الدرجات لتشهد من مرتقاها ذاك وحدانية ربّ العالمين ووحدة البشر أجمعين ، ولِتَخْرُجَ بأهل هذه الدنيا من ضيق ماهم فيه من أسباب الحروب ، وتَعِلّات التظالم ؛ إلى حيث سَعَةُ التصور ورحابة الإيمان ومن حالة الهروب من الواقع إلى حالة المواجهة للتحديات التي تعصف بالأمة وكيانها والكيد الذي يحيكه بني اسرائيل ومن ظاهرهم وشايعهم علينا أجمعين، وإلى حيث يستشعر بنو آدم معنى الرَّحِم الواحدة التي تشملهم جميعاً، ثمّ يترجمون ذلك أمَنةً فيما بينهم وسلاماً ، وأخوة ً وانسجاماً وما ذلك على الله سبحانه بعزيز .

قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ آل عمران:164، وقال تعالى ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ الجمعة:2.

التصوف كما هو معلوم علم يختص بتزكية النفوس وتهذيبها وضبطها لتتلقى أحكام الشريعة بشوق ولذة ومتعة لمثل هذه الآيات الكريمة التي ذكرناها ، وهو مقام الإحسان الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث سينا جبريل المشهور : (( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )) رواه البخاري ومسلم.

وروى القشيري في مقدمة رسالته عن الجنيد سيد المتصوفة رحمه الله تعالى أنه قال في التصوف :

"مذهبنا هذا مُقيَّد بأصول الكتاب والسنَّة".

وقال الجنيد : "علمنا هذا مشيّد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وقال الجنيد : "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من أقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام".

 وقال الجنيد: "من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيَّد بالكتاب والسنَّة".

وروى أبو محمد الجريري قال: سمعت الجنيد يقول: "ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع؛ وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسنات".

وبناء على قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا )) . رواه أبو داود (4291) وغيره وصححه الحافظ العراقي .

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري [لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط، بل يكون الأمر فيه كما ذكر – بعض الأئمة -في الطائفة وهو متجه، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد].

    أيها الأخوة الكرام ، أيها الأخوات الكريمات ، أيها المنتدون من رُسُلِ التنوير المتحاببين في الله الساعين في مرضاته ، والذين لهم البشرى بأن يكونوا على منابرَ من نور يوم تشرق الأرض بنور ربّها .. إن مما نأمله في مفتح هذا الندوة الجليل أن نكونَ بمشهد وسيع الجَنَبات من حضور التصوف في تاريخ الاسلام خاصّة وفي تاريخ البشرية عامّه لنبين دور التصوف في تعميق روح الإيمان والخلق (وخالق الناس بخلق حسن)، كما أن قسوة الحياة وتشعب وديانها أودى بالإنسان في معارج تاه فيها عن قبس الهدى والنور وانتشر الإلحاد بين شبابنا وساعد على ذلك استنزاف أفراح الروح روح الإسلام الجميلة في أتون الصراع السياسي القاسي بين الساسة والدعاه، فكان هذا الملتقى لنكون ظاهِرينَ على جذور هذه الظاهرة الروحية وعلى آفاقها ، وعلى وقع نماذج واعلام السادة المتصوّفة الذين تمثلوا حقيقة الإيمان وخلائق الاسلام ، سائلين الله العلي القدير أن نخرج من فاعليتنا المباركة هذه بأجر المجتهدين وعاقبة المُتقين، وبما يزيدنا خُبْراً وإدراكاً لدور التصوف المأمول في توازن العالم وسلامه ، في حاضره الذي نرى ، وفي مستقبل أيامه .

    إننا نعول على هذا المؤتمر أن يؤكد على ضرورة مراجعة خطاب المتصوفة وآليات مباشرتهم لهذا الدرب الموصل إلى الله عبر الإبتعاد عن الشطط وما خالف العقل وصريح النص.

    لقد درج التصوف مع الفكر الإسلامي منذ يومه الأول، يصعد بصعوده ويهبط بهبوطه؛ كما تدرجت المعارف الصوفية تدرجًا طبيعيًّا، من الزهد والعزلة والذكر والتصفية القلبية، وما يلهمه صفاء القلب من فهمٍ في كتاب الله، وإدراكٍ لأسرار كلام رسوله، كما نشاهد في صوفية القرن الأول إلى سمات امتاز بها القرن الثاني؛ إذ انتقل التصوف إلى آفاق أرحب وأشمل، إلى معارف الروح وإلهاماتها، ومعاني المحبة وأقباسها، وحنين القلوب وأشواقها، وتعددتْ مدارس التصوف، وتعددت ألوانه وطرائقه ومذاهبه، تعددًا ظهرت آثاره واضحة مشرقة في صوفية القرن الثالث والقرون التالية، فمدرسة سعيد بن المسيب، وهي مدرسة التصوف الممزوج بالفقه والتوحيد، بلغتْ ذروتها في الأعلام الهُداة: الغزالي، والرفاعي، والجيلاني.

ومدرسة إبراهيم بن أدهم، وهي مدرسة التصوف الذي سِمَتُه المحبة المشبوبة، أنجبتْ ذا النون المصري، أكبر المتحدثين عن النفس ومقاماتها، والبسطامي العلَم الفرد في توضيح حالات الفناء، وهي أسمى مراتب المريدين وأعلى قمة المحبين؛ حيث تنكشف في ساحاتها الحقائق الإلهية المكنونة على غير أهلها، وحيث تسمو الروح في رحابها إلى مرتبة الفيض والإشراق.

ثم يأتي دَوْر الكمال الصوفي، ممثلًا في شيخ الطريقة الجُنَيْد، الذي شرب من كأس الحب، حتى انتشى.

وبناء على كل ما تقدم فإننا نرجو ونأمل أن يكون جمعنا هذا الذي حوى سادة من نخبة علماء التصوف أن يبثوا فيها روح التجديد والنهضة بالصوفية والتصوف وتحقيق الأمور التالية :

  1. بث العلم والوعي في صفوف المنتمين إلى منهج التصوف وذلك بتوجيههم عبر نقطة تواصل إلى العلم الصحيح المبني على نصوص الكتاب والسنة ، وعدم التعصب والتقليد المذموم كما أوصى بذلك إمام التصوف الجنيد رحمه الله تعالى .
  2. أن يقوم العلماء المؤهلون المتضلعون بتنقية وتصفية هذا الفكر وتراثه مما علق فيه مما لا يثبت عند البحث والتمحيص تحقيقا للتجديد الذي جاء في الحديث الصحيح .
  3. توجيه المنتسبين لهذا المنهج ليكونوا مؤثرين ومصلحين وقدوة صالحة في مجتمعاتهم وليحيوا هذا الطريق المبني على (تزكية النفوس) ويدعو الناس إليه على علم وبصيرة دون إفراط في تعظيم المشايخ أو ادعاء عصمة لهم وأنهم لا يخطئون، فالإمام مالك رحمه الله تعالى يقول : (كل أحد يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وآله وسلم) .
  4. السعي إلى إيجاد نظام وقانون لأهل التصوف تضبط فيه شروط الشيخ المربي وما هي المؤهلات التي ينبغي أن تتوفر فيه حتى يكون مرشداً مربياً.
  5. إيجاد هيئة لأهل التصوف تقوم بحل المشكلات وسوء التفاهم الذي يقع بين أتباع الطرق أحياناً .

إننا من مؤتمرنا هذا ومن خلال هذه النقاط نهدف إلى النهضة بأرباب هذا المنهج المبارك ، لئلا يبقى بعض أفراده غير مدركين ولا عارفين بالضوابط التي وضعها كبار الأئمة من السادة الصوفية رضي الله عنهم الذين لا يريدون أن يعيش أفراد هذا السبيل في غير الواقع ولا يقتصرون فقط على طرب القصائد أو سماع قصص الكرامات دون تحقيق أسس هذا المنهج الذي هو الطريق الأقوم إلى الله تعالى .

ولقد يَحْسُنُ بنا في هذا المقام التوجّهُ إلى مؤسساتنا الأكاديمية وجمعياتنا الأدبية وأساتذتنا المختصين بالحركات الاجتماعية والدينيّة إلى إيلاء هذه الظاهرة المتميزة الاهتمام اللائق بها ، معتبرين مؤتمرنا هذا علامة على طريق وخطوة معتبرة فيه .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                                                          المهندس مروان الفاعوري

                                                        الأمين العام للمنتدى العالمي للوسطية

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.