
"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم".
الحملة المضادة للرسوم المسيئة للرسول تضر ولا تنفع، وإعادة بعثها ونبشها من جديد يزيد الضرر، فهي تسيء إلى المسلمين في أوروبا وتضر بأوضاعهم ومصالحهم ومكتسباتهم هناك، وتجلب عليهم العداوة والكراهية، وقد يتعرضون للعنف والاضطهاد بسبب هذه الحملة التي لن تفيد شيئا حتى لو أحضر الرسام الدنماركي إلى المحكمة وسجن. فالمطلوب في حالة التعامل مع غير المسلمين ليس مواجهة الإساءة للإسلام والرموز الدينية بالمحاكمة والاحتجاج والحملات الإعلامية، وإن كان ثمة ضرورة لذلك فيجب أن يقوم به المسلمون في الدنمارك وأوروبا انطلاقا من مواطنتهم وحقوقهم التي تمنحهم إياها قوانين وأنظمة البلاد التي يعيشون فيها، والمسألة ابتداء هي شأنهم وتخصهم، وعليهم إدارتها وفق تقديرهم وخبراتهم وأحوالهم هناك، وما يمكن أن نقوم به هنا في الأردن والعالم الإسلامي هو الدعوة والحوار والمجادلة بالحسنى، فالأوروبيون يعيشون في بلادهم وليس في بلادنا، وفي ظل ثقافة وقوانين لا ترى بأسا بانتقاد الدين، حتى الدين المسيحي السائد في أوروبا، ولا ترى بأسا برسم الشخصيات الدينية وتمثيلها في المسرح والسينما، ولا تجد مانعا في انتقادها، ولا يفهمون السلوك الإسلامي تجاه ذلك سوى أنه اعتداء على الحريات وحق التعبير والاعتقاد والرأي، ويظهر المسلمين على أنهم غير متسامحين، وينتمون إلى ما قبل الحداثة او مقاومة الحداثة. وسواء كنا مخطئين أو مصيبين في ذلك، وسواء كان الأوروبيون مخطئين أم مصيبين فلن يغير ذلك شيئا، فلا يمنع حرية الرأي والاعتقاد أن يكون خاطئا، وإن كنا نرى ذلك إساءة لمعتقداتنا ومشاعرنا فإنهم لا يرونه كذلك، وإن كانت قوانين بلادنا تمنع الإساءة إلى الدين، فقوانين بلادهم لا تمنع ذلك.
وفي المقابل، نستطيع أن نحقق مكاسب كبيرة بتجاهل المسألة وعدم تضخيمها، وبالدخول في حوار هادئ وعقلاني مع الناس هناك، وربما يكون بإمكان المسلمين الأوروبيين أن يفعلوا شيئا، وربما يكونون أقدر منا وأولى منا بفعل ذلك. وعلى أي حال فلن يضر الإسلام بشيء أن يشتمه الأوروبيون أو أن يسيئوا إليه في وسائل الإعلام، وإن كان ذلك مسيئا فلن يضيف ذلك شيئا، وربما يكون من الوهم الكبير أن نطالبهم بما نطالب مواطني الدول الإسلامية، وربما يكون الوهم الأكبر أن نعتقد أننا نردعهم أو نخيفهم، العكس هو الصحيح فإننا بذلك نستفزهم، ونشجعهم على مزيد من الإساءات، وعلى العدوان على المسلمين الذين يعيشون أقليات ومستضعفين هناك وتحت رحمة غيرهم.
وأخيرا، فإنني أرى في توقيت الحملة إعاقة للحراك الإصلاحي وإشغالا للناس والمجتمعات عن أولوياتهم ومطالبهم، وذلك آخر ما نحتاج إليه في هذه المرحلة التي يبدو فيها جميع الناس مشغولين بالإصلاح، ويجدون فرصة لتحقيق إصلاح تاريخي قد يعود بالخير على مستقبل مجتمعاتنا وبلادنا ويؤثر إيجابيا في مصيرها لعقود طويلة مقبلة.
الغد:21/4/2011
ابحث
أضف تعليقاً