
لا طريق يوصل إلى الإصلاح إلا عبر جسر الحوار وإن كان ضيقاً، ومَن يعتقد أن عقارب الساعة يمكن أن تعود إلى الوراء، أو يتم التحكم في حركتها، فهو واهم. ومن يعتقد أن بإمكانه منع رياح الحرية من هزّ الرؤوس، بالاعتماد على وسائل عفّا عليها الزمن، فهو خارج مسيرة الحياة. فلا البلطجة ولا قمع المسيرات بالنار والدبابات ولا غير ذلك، يمكن أن ينجح أمام عزيمة التغيير والمطالبة بإنجاز الإصلاح الحقيقي.
حتى لو كان صحيحاً أن ما حدث من اشتباكات في مسيرة الجمعة أمام المسجد الحسيني هو احتجاج من تجار وسط البلد، لكن الجهات الأمنية تتحمل المسؤولية لأنها المعنية بالمحافظة على سلامة المعتصمين من كل الأطراف مهما اختلفت شعاراتهم.
منذ بدء الحراك الشعبي في معظم المدن الأردنية، كان الموقف الأمني حضارياً ومحل تقدير من الجميع.
لا الهراوات، ولا البلطجة، ولا الغاز المسيل للدموع، تبني مدماكاً واحداً في مسيرة الإصلاح التي بدأت عجلتها الفعلية تدور بسرعة، رغم أن المطالبات بإنجازها سبقت بسنوات ثورتي تونس ومصر، لكن ما بين النوايا والإرادة والإنجاز مسافات واسعة، ولعل الحكومة الجديدة ترمي عن نفسها تهمة البطء، وكبر سن أعضائها، وتنجز ما عجزت عن إنجازه حكومات الشباب.
لا أحد يتمنى أن يرى عنفاً يقع في المسيرات التي تطالب بالإصلاح، وعلى الجميع أن يقتنعوا بأن حمى المسيرات التي أشعلتها نار التهمت جسد التونسي محمد البوعزيزي لن تخمد حتى تصل إلى مدياتها في المطالبة بالحقوق وبإرساء الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ودولة القانون في دول عربية عديدة، لذلك نحتاج إلى تعامل جديد يختلف عما نشاهده في عديد العواصم العربية.
الحكومة بدأت بخطوات مريحة هدّأت من توتر أعصاب الشارع، وبخاصة الذين يطالبون بالإصلاحات السياسية، فبعد أن أعلنت الحكومة البدء في تذليل أي عقبات تواجه قيام نقابة للمعلمين، حركت فوراً قانون الاجتماعات العامة الذي يحتل موقعاً متقدماً في المطالب الإصلاحية، فهو قانون لا يصلح للزمن الجديد، ونحتاج إلى قانون ديمقراطي يعلي من شأن الحريات، ويحمي حقوق التعبير والتظاهر.
كما فتحت ملفات في الحريات الإعلامية أدت إلى خلق أجواء ارتياح في الوسط الصحافي والإعلامي والسياسي، وكانت خطوة وزير العدل بالمشاركة في اعتصام يطالب بالإفراج عن أحمد الدقامسة قفزة غير متوقعة في العمل الحكومي الرسمي، وهو ما أوجد ارتياحاً بالغاً في وجدان الشعب الأردني.
إدانة الحكومة لما حدث في مسيرة وسط البلد لا تكفي، وتعهدها بكشف "المجهولين" خطوة سوف نتابعها حتى نعرف من يتجرأ في هذا الوقت على أن يسمح لبلطجيته القيام بأعمال همجية تواجه المطالبين بالإصلاحات السياسية بالعصيّ والهراوات.
الشعوب العربية تعرف أن ثمن التغيير غالٍ، ويحتاج إلى تضحية، وهو ما رأيناه ونراه بأم أعيننا وعلى الهواء مباشرة. وهو ما يستحوذ على عقول الجماهير بشكل يفوق جاذبية القراءة أو الاستماع، وقد لا يستوعبها عقلنا العربي بداية من درس الإنشاء حتى تسميع المحفوظات والأناشيد الثورية.. لكن سيكون لذلك، شئنا أم أبينا، دور في شحن هذه الشعوب وتوجيه دفة إبحارها.
منقول عن الغد
بتاريخ:20/2/2011
ابحث
أضف تعليقاً