
الأمة التي تبني في أبنائها ثقافة عدم تقبل الآخر، ولا تزرع فيهم الآليات المهمة لبناء عوامل مشتركة مع الفئات الأخرى في المجتمع هي أمة ترمي في أحضانهم ألغاماً قابلة للانفجار في أي وقت.
نحن ندعو للتقارب بين فئات المجتمع كلها، مهما كانت خلفياتها الفكرية، والحزبية، والدينية، لأن التقارب والتعايش هو خيار الأقوياء، ولكننا في هذا المقال سنتحدث عن التقارب بين الإسلاميين من أعضاء الجماعات المختلفة، أو أصحاب المدارس الفكرية المتعددة، أو بشكل أبسط بين من يؤمنون بطرق حياة مختلفة بناء على مرجعية دينية معينة.
التقارب الذي نقصد به هنا هو الاتفاق على الأهداف العامة المشتركة، وترك الوسائل والأساليب للاجتهاد، ومع ذلك فهناك أسباب حالت دون هذا التقارب منذ مئات السنين، وما زالت، ومنها ما هو حديث، وإليكم بعضها:
أولاً: انتشار ثقافة الصحيح الواحد حتى في الفرعيات، والأمور المختلف فيها، وعدم تقبل أي شخص، أو رأي مخالف، بل ان هناك هاجساً ما زال يسيطر على عدد لا بأس به من المسلمين وهو توحيد الأمة، ليس بالمعنى الحقيقي الصحيح، بل من خلال جعل الجميع نسخاً متشابهة، وهذا مخالف للعقل، ولم يدع إليه الدين بهذا الشكل.
ولعل ما ساعد من انتشار هذه الثقافة هو فهم حديث الفرقة الناجية الذي أحدث –أي هذا الفهم- انقلاباً، وفتناً لا تحصى في التاريخ الإسلامي، نتيجة توجيه فهمه من أجل أهداف سياسة، أو حزبية، بطريقة فيها الكثير من لوي عنق النص.
وهذا الحديث يقول في إحدى رواياته: "ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين, اثنتان وسبعون في النار و واحدة في الجنة "
ومن كثرة تكرار هذا الحديث على الألسنة يظن الناس أنه متواتر، مع أن معظم رواياته ضعيفة أو موضوعة، بل إن الرواية الوحيدة الصحيحة فيه لا تتضمن آخر مقطع منه (كلها في النار)، ويقول الإمام الشوكاني – رحمه الله-: أما زيادة "كلها في النار إلا واحدة" فقد ضعفها جماعة من المحدثين.
أما ما قيل حول متن الحديث فكثير، ومنه ما قاله العلامة القرضاوي: وفي متن هذا الحديث إشكال من حيث إنه جعل هذه الأمة التي بوأها الله منصب الشهادة على الناس ووصفها بأنها خير أمة أخرجت للناس أسوأ من اليهود والنصارى في مجال التفرق والاختلاف حتى إنهم زادوا في فرقهم على كل من اليهود و النصارى.
ويضيف القرضاوي: ثم إن هذا الحديث حكم على فرق الأمة كلها – إلا واحدة - بأنها في النار هذا مع ما جاء في فضل هذه الأمة، وأنها مرحومة و أنها تمثل ثلث أهل الجنة أو نصف أهل الجنة. على أن الخبر عن اليهود والنصارى بأنهم افترقوا إلى هذه الفرق التي نيفت على السبعين غير معروف في تاريخ الملتين وخصوصاً عند اليهود فلا يعرف أن فرقهم بلغت هذا المبلغ من العدد.
ثانياً: انتشار ثقافة التقليد غير المبني على علم، فهناك من يقلد السابقين دون تشغيل العقل لفهم ما قالوا، ورده إلى القرآن الكريم، وصحيح السنة، والمنطق، بل من المؤسف ان هناك من يعتبر فهم الأقدميين للدين مقدساً، ويخلط بين النصوص المقدسة، والأفهام، في عملية تخالف العقل والمنطق، وهذا يؤدي إلى ان يتعصب كل فريق لرأيه، وان يتم استنساخ الخلافات القديمة، وبعث الحياة فيها.
ثالثاً: عدم التفريق بين الأهداف والوسائل.
هناك من لا يفرق بين الأهداف والوسائل، بل ومن يعتبر الأساليب خروجاً عن الدين، مع أنها - أي الأساليب- لا دين، وجنسية لها، بل وهناك من لا يفرق بين الفرقة الدينية بمفهومها الشامل الذي يعني في إحدى جزئياته اختلافاً في العقائد، والمرجعيات، وما بين الأحزاب التي تتبع أساليب ديمقراطية للوصول إلى الحكم.
رابعاً: اختراق الجماعات، والأحزاب الإسلامية، وغياب الديمقراطية عنها.
يجب الاعتراف ان غالبية الأحزاب، والجماعات الإسلامية تتعامل وفق مبدأ (الأبوية)، ولا يتم اختيار قادتها وفقاً للكفاءة، والقوة، بل لمبدأ الولاء، والسن، وعدد سنوات الانتماء للجماعة، وفي أحيانٍ بناء على عدد السنوات التي قضوها في السجن بسبب هذا الانتماء.
إضافة إلى ذلك فإن هناك مفهوماً خاطئاً لدى كثير من المسلمين ان الإنسان كلما كان أميل إلى التحريم، وعدم تقبل الواقع، والتغييرات الاجتماعية، كان أكثر صفاء، وأقرب إلى الدين، بل إنك تصدم وأنت تتناقش مع بعض الناس غير الملتزمين دينياً، حينما يؤيدون نظرياً الأفكار المتشددة، بينما هم يعيشون حياة توصف أنها بعيدة عن الدين، وهذا كله ناشئ من عقدة التطهير التي تجعل الإنسان الذي يقترف الذنوب يؤيد أكثر الأفكار تطرفاً ليتطهر من المعاصي، والسيئات ـ حسب اعتقاده ـ.
وكل هذا يؤدي إلى عدم بروز قادة حقيقيين في العمل الإسلامي، فالقائد هاجسه دائماً التشبيك مع الآخرين، وإيجاد العوامل المشتركة معهم لأن فيها قوة للجميع، أما الصغار الذين لا يهمهم سوى الأهداف الضيقة، ولا ترى عيونهم سوى الاختلاف، فلا يدخل هذا الأمر من ضمن أولوياتهم.
وكذلك فإن الجماعات الإسلامية الصغيرة والتي توصف بالتشدد، تكون أكثر عرضة للاختراق من قبل أجهزة داخلية، وخارجية، كما أن صغار العقول من بعض أعضائها يتحمسون كثيراً لتكفير، وتخطيء الآخرين، ومقاومة كل أشكال التعاون مع الآخر، ولو أدى هذا إلى الاقتتال، واستخدام الأسلحة في ذلك.
بل وان بعض هؤلاء يمكن ان يتقبل شخصاً من دين آخر، ولكن لا يتقبل فرداً من الدين نفسه، لأنه يعتنق فكرا آخر.
وبعد، الأمة التي تستطيع ان تبني ثقافة قبول الآخر، مهما اختلفت معه، والتي تقبل الألوان، هي أمة حية متطورة، أما من يعتقد ان الناس كلهم يجب أن يكونوا نسخاً كربونية فهؤلاء صغار العقول الذي أهلكونا، وأهلكوا الأمة، وشكلوا بالنسبة لها قوى للشد العكسي، هاجسها الأول: تدمير كل شيء، وشعارها الانتحاري: علي وعلى أعدائي.
الغد: 23/12/2011
ابحث
أضف تعليقاً