
في الحادي عشر من آذار (مارس) المقبل، يعقد مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف مؤتمره الثالث عشر للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وسيكون من أهم محاوره مناقشة التعصب الديني، والافتراق العقدي، ودور النزاعات الطائفية في إضعاف الأمة الإسلامية، والبحث عن السبل الكفيلة بجمع كلمة الأمة وإقامة وحدتها.
وبالنظر إلى توصيات مؤتمر الأزهر السابق في العام 2002، وما كان يُتوقع منه من إنجازات وحلول للإشكاليات المطروحة سالفة الذكر، التي لم يتحقق منها الكثير على أرض الواقع، نذهب للاعتقاد أن المؤتمر الحادي عشر سيتخذ هو الآخر صورة نمطية وتكرارية لدعوات سابقة، غلب عليها طابع المجاملات والبعد عن "المدرسة الواقعية" للبحث الجاد.
الواقع الصريح يؤكد أن الخلاف العقدي بين المذاهب الإسلامية، الذي له جذور تاريخية، وعلى وجه الخصوص بين "السنة والشيعة"، لن تجمعه مقاربة تقليدية، وإن ضعف الأمة وتعزيز وحدتها العقدية ولمّ شملها على أصول واحدة، يحتاج إلى وسائل غير اعتيادية، وإن التعصب المذهبي والتنافس العقدي والسياسي مايزال يتسيد المشهد المذهبي الإسلامي، الذي لم تزحزحه المؤتمرات السابقة للتقريب بين المذاهب الإسلامية.
بعد مؤتمر الأزهر لتقريب المذاهب الإسلامية في العام 2002، أخذ الشرخ العقدي والمذهبي يتعمق في الساحة الإسلامية، على عكس المتوقع من توصيات المؤتمر، الذي نادى بالوحدة الإسلامية وجمع كلمتها، ولعن التعصب المذهبي والخلافات الطائفية بين المسلمين، إلى غير ذلك من تلك الصورة التقليدية النمطية للأقوال النظرية والمجاملات الخطابية بين علماء ومفكري المسلمين، التي طبقت على أرض الواقع بعكس تمنيات المؤتمر!.
فمن مفارقات المؤتمر، أن تقوم المؤسسة الدينية الإيرانية، ذات الحضور الدائم في مؤتمرات التقريب بين المذاهب الإسلامية، باستثمار دعوات التسامح المذهبي في المؤتمرات السابقة؛ لبسط وتعزيز العقيدة الشيعية في بعض المجتمعات الإسلامية السنية، وهي المسألة التي أثارت حفيظة الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، عندما انتقد في حوار مع صحيفة المصري ما أسماه "محاولة الإيرانيين غزو بعض المجتمعات السنية، واستثمار إيران للقول السني". وقد حظيت تصريحات القرضاوي بردود قاسية من قبل وكالة الأنباء الإيرانية "مهر"، وبعض المراجع الشيعية، من أبرزهم: محمد حسين فضل الله ومحمد علي تسخيري، وقد عكست هذه الردود مدى عمق الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة، وهو ما فشلت في تقويضه مؤتمرات التقارب السابقة.
وبعكس توصيات مؤتمر العام 2002، الذي دعا إلى مناصرة الشعب الفلسطيني ودعم صموده بكل الوسائل لمواجهة الممارسات القمعية الإسرائيلية، ومن بين ذلك تخصيص زكاة أموال المسلمين لهذه الغاية، عمدت إيران إلى دعم بعض فصائل المقاومة الإسلامية بأموال لغايات الاستقطاب السياسي، بغير المقصود الجمعي للزكاة، ما ساهم في تعميق الشرخ السياسي والأيديولوجي بين الفلسطينيين، وساهم فعلياً في تذرير الموقف الفلسطيني وخلخلة عمقه الاستراتيجي.
كان من الطبيعي أن تقود هذه السياسات إلى تعميق الشرخ المذهبي بين المسلمين، وإعطاء كلٍ وجاهة الرد على الآخر في الدفع عن مذهبه، ومن ثم الرجوع إلى لغة القوالب التاريخية، وقوفاً على المربع الأول من تلك الحوارت التقليدية، فلو كان الحوار صريحاً وواضحاً ينسجم مع الشعارات التي تنادي بها تلك المؤتمرات، والقيام ببحثها على بساط الواقع، والدعوة إلى تجاوز الأسلوب النمطي التقليدي في التقارب المذهبي، الذي لم يسعف عملياً في وضع آليات جادة للإشكاليات المذهبية المزمنة، منذ أن أنشئت أول دار للتقارب المذهبي في مصر في مطلع القرن المنصرم، لكان من المؤكد أن يأخذ هذا المؤتمر بعداً فلسفياً آخر في المقاربة المذهبية التي تؤدي عملياً إلى الوحدة الإسلامية وتقويض الخلافات الدينية وامتداداتها في السياسية والمجتمع.
حتى يتحقق المقصود من مؤتمرات "التقريب بين المذاهب"، يجب أن يمتلك علماؤنا ومفكرونا الأفاضل، لغة مغايرة عن لغة الحوارات السابقة، تنطلق من بنية علمية بحثية عصرانية، لها القدرة على إنتاج خطاب نقدي غير تقليدي لإشكالية التطاحن المذهبي والتعصب الديني، ما يساهم بفعالية في تكريس الوحدة العقدية للأصول الإسلامية، وتقويض البنى المفاهيمية المنتجة للخلافات فيها، ذلك من خلال عمليات النقد المعرفي، ودراسة أصول المذاهب الإسلامية دراسة تحليلية وبنيوية، وعلى وجه الخصوص العقدي منها، ما سينعكس إيجابياً على وحدة الأمة ونهضتها وتقدمها، ويضع الجميع في إطار دراسة عقلانية مسددة بالوحي والعقل معاً.
يتمنى هذا المقال على علمائنا الأكارم أن يضعوا على هامش مؤتمر الأزهر القادم، فكرة إعادة النظر في الخبر التاريخي، وغربلته نقدياً من الأدران السياسية والثقافية والمجتمعية التي التصقت التصاقاً جنينياً بالمذاهب التاريخية للمسلمين، وكرّست عملياً التعصب المذهبي والافتراق العقدي والتأجيج الطائفي، وضعف الأمة الإسلامية في راهنها المعاصر، وهو ما نعتقد بتواضع، أنه يضع تمنيات مؤتمر الأزهر القادم على قدر كبير من الجدة، في مناقشة تلك الإشكاليات وإيجاد الحلول العملية لها، بالشكل الذي يحقق حلم جميع المسلمين
منقول عن جريدة الغد الاردني
27/2/2009
ابحث
أضف تعليقاً