wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ماذا يخبرنا "داعش" عن الطبيعة الإنسانية والتعذيب؟
الأحد, July 12, 2015

تعني الكتابة عن "الدولة الإسلامية" بشكل حتمي مشاهدة الفيديوهات التي تصدرها المجموعة، لكن ذلك شيئاً لا أتمناه لأحد. لقد صنعت المجموعة مسرحاً عاماً علنياً للموت على الإنترنت -قطع رؤوس الناس، إغراقهم، حرقهم، وتكسير عظامهم.
هذه الوحشية المتطرفة هي جزء من العلامة التجارية لمجموعة "الدولة الاسلامية". والمقصود منها أن ترهب، وهي تنجح في ذلك، حيث تعمل الصور فائقة العنف على تخويف الأعداء -وإلى حد مقلق، تحفيز المتطوعين الشباب على الانضمام إلى المجموعة. لقد خلق "فرسان" الجهادية، كما يتصورون أنفسهم، شكلاً متميزاً من حرب الاتصالات الحديثة.
لكن مثل هذه العروض العامة والعلنية للوحشية تشكل بالكاد شيئاً جديداً أو فريداً من نوعه. ويصف الناس في كثير من الأحيان تصرفات "الدولة الإسلامية" بأنها تنتمي إلى "العصور الوسطى"، لأنهم يتذكرون مشاهد التعذيب العلني والعام الذي كان ذات مرة ممارسة شائعة في ساحات مدن بريطانيا، وفرنسا، والعديد من الأمم الأوروبية الأخرى.
كان ابتكار مجموعة "الدولة الإسلامية" الجديد هو وضع هذا النوع من التمثيل والأذى على شبكة الإنترنت. وتجري رواية المصاحب الصوتي للأفلام بعبارات قرآنية، ويتم دعمها بالهتافات العربية المعروفة باسم "الأناشيد". لكن صور الفيديو هذه تستثير همجية تسمو على الدين أو الثقافة. ويقف الجهاديون في ذلك جنباً إلى جنب مع نازيي الهولوكوست الألمان، وتوركيمادا وكهنة اعترافه في محاكم التفتيش الإسبانية. وربما يعتقد الجهاديون أنهم يقلدون الإيهام بالغرق الذي تمارسه الولايات المتحدة خلال التحقيق مع أعضاء تنظيم القاعدة. وقد كان ذلك تعذيباً حقاً؛ لكنه لم يكن إعداماً علنياً مروعاً أيضاً.
إنك إذا قمت بكتم صوت الأناشيد المصاحبة للفيديوهات، فسيمكنك أن ترى نوع الزمالة التي تحتضنها مجموعة "الدولة الإسلامية" حقاً. إن المجموعة هي أحدث دليل على قدرة الإنسان شبه العالمية على إضفاء صفة الهمجية على أولئك الذين ينظر إليهم على أنهم "آخرون"، على أنهم غير مؤمنين، ويعاملهم وكأنهم شكل مختلف من أشكال الحياة.
على مدى الأسابيع القليلة الماضية، أصدرت مجموعة "الدولة الإسلامية" أشرطة فيديو عدة مثيرة للقلق بشكل خاص من العراق. وسوف أصفها باقتباس اللغة التي استخدمتها مجموعة "سايت" للاستخبارات، وهي خدمة المراقبة الخاصة التي تقوم بتجميع وترجمة المواد الجهادية.
هناك فيديو من محافظة نينوى، يظهر فيه إعدام 16 شخصاً يشتبه بأنهم جواسيس "عن طريق إغراقهم في قفص، وإطلاق النار على سيارة يجلسون فيها بواسطة صاروخ (آر. بي. جيه)، وقطع رؤوسهم عن طريق حبل ناسف متصل ملفوف حول أعناقهم". ويظهر فيديو آخر من الفلوجة إعدام أربعة رجال من المثليين المزعومين بإلقائهم من فوق سطح أحد المباني.
إن مجموعة "الدولة الإسلامية" تحتفي بالصور المروعة. وقد اختار مركز مجموعة الحياة الإعلامي في الأسبوع قبل الماضي فيديو عمليات الحرق والإغراق وقطع الرؤوس من نينوى ليحتل المركز الرقم 1 على لائحة أفضل 10 أشرطة فيديو قادمة من العراق.
ولكن، ما هو أصل هذه الأعمال الشنيعة؟ درس الفلاسفة وعلماء الأنثروبولوجيا هذا السؤال كوسيلة لتقييم الطبيعة الإنسانية في أشكالها الأكثر بدائية والأكثر تحضراً. وقد استكشفت إلين سكاري، أستاذة الأدب في جامعة هارفارد في كتابها الصادر في العام 1985 "الجسد في حالة الألم"، العملية التي وصفتها بأنها "تحوُّل الألم الحقيقي إلى حكاية للسلطة".
في العصور الوسطى، عادة ما كان الموضع الذي يجري فيه هذا العرض للسلطة مكاناً للتجمع، والذي كان يشكل مسرحاً بشكل حرفي تقريباً. وما يزال الإحساس بالمسرحانية مستمراً حتى اليوم. وتكتب سكاري: "إنه ليس من قبيل الصدفة أنه في لغة التعذيب، كانت تسمى الغرفة التي تحدث فيها الوحشية "غرفة الإنتاج" في الفلبين، و"قاعة السينما" في جنوب فيتنام، و"المسرح المضاء بالأزرق" في تشيلي".
رأى الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو مستوى الوحشية في العقوبة على أنه مؤشر على مدى تطور المجتمع. وكانت عمليات الإعدام العلنية البشعة شائعة في أوروبا حتى أواخر القرن 18. وكانت الميتات المصممة لتكون مؤلمة وبطيئة في كثير من الأحيان جزءا من المشهد. وكان يُنظر إلى المقصلة، التي نعتبرها الآن قاسية، في زمن الثورة الفرنسية على أنها وسيلة قتل إنسانية رحيمة، لأنها كانت "آلة لإنتاج ميتة سريعة وسرية".
وصف فوكو في كتابه الصادر في العام 1975 "الانضباط والعقاب: ولادة السجن" الأخلاقيات الجزائية ما قبل الحداثية التي يبدو الآن أن مجموعة "الدولة الإسلامية" قد أعادت تبنيها: "لا يقتصر الأمر فقط على وجوب أن يعرف الناس (العقوبة)، وإنما يجب عليهم أن يروها بأم أعينهم أيضاً، لأنه يجب جعلهم يخافون؛ وإنما أيضاً لأنهم يجب أن يكونوا الشهود والضامنين".
أصبحت المجتمعات الأوروبية حديثة ومتحضرة عندما حلت محل هذه الطقوس الدموية القوانين الجزائية التي تعتبر السجون مؤسسات "إصلاحية"، أو "إصلاحيات"، والتي حذر فوكو من أن لها هي نفسها طابعها القمعي الخاص.
مع مزيجها الغريب من الحديث وما قبل الحديث، قامت مجموعة "الدولة الإسلامية" بإحياء ممارسة التعذيب القديمة بوصفها عرضاً علنياً عاماً -كما أضفت عليها بريق لعبة الفيديو أيضاً.
يجب علينا أن نفصل الصوت عن الفيديو عند التفكير في "الدولة الإسلامية". ربما تكون الأصوات مستخلصة من التقاليد الإسلامية، لكن الصور ليس لها دين أو أساس سوى كونها دليلاً على القدرات البشرية المأساوية فيما يتعلق بتحصيل المتعة والسرور من معاناة الآخرين.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.