
يعكس تبني تنظيم داعش لاعتداءات باريس مرحلة جديدة أطلقها مقاتلوه خارج الحدود السورية والعراقية ليمد نفوذه أكثر فأكثر باتجاه دول بعيدة مستفيدا من شبكة متمكنة وواسعة، في أعنف هجمات تشهدها أوروبا منذ الاعتداءات على قطارات مدريد العام 2004.
ويرى محللون أن هذه الاعتداءات أظهرت الإمكانات الهائلة التي يملكها التنظيم والتي جعلته قادرا على تنفيذ هجمات منسقة بهذا الشكل بعدما كان هدد منذ أشهر عدة باريس بـ"كابوس" لمشاركتها في التحالف الدولي ضد الإرهابيين في العراق وسورية.
ويقول الباحث المتخصص في شؤون (الجماعات الجهادية) شارلي وينتر "أعتقد أن هذا هو المسار المنطقي في استراتيجية تنظيم داعش، فهو يبتعد حاليا عن التوسع والتثبت في سورية والعراق ليضمن أن لديه الزخم الكافي عبر تنفيذ اعتداءات في دول أجنبية مثل لبنان وفرنسا".
واستهدف تنظيم داعش الخميس الضاحية الجنوبية لبيروت بتفجيرين أسفرا عن مقتل 44 شخصا.
وبالنسبة لكلينت واتس، الباحث في معهد السياسات الخارجية، فان ما يحصل "يمثل على الارجح المرحلة الثانية لتنظيم داعش، فهم مقيدون اليوم ويخسرون ميدانيا في سورية والعراق، ولذلك سنراهم يبتعدون عن عمليات توسيع النفوذ في هذين البلدين في اتجاه عمليات ذات طابع مختلف مستغلين فيها شبكتهم الواسعة".
ومني تنظيم داعش مؤخرا بخسائر ميدانية في مناطق انتشاره، إذ تمكنت قوات البشمركة الكردية من "تحرير" مدينة سنجار في شمال البلاد من ايدي التنظيم المتطرف بدعم من غارات التحالف الدولي. وفي سورية المجاورة، فكت قوات النظام بدعم من الطائرات الروسية حصارا فرضه التنظيم المتطرف لأشهر عدة على مطار استراتيجي في شمال البلاد.
ويوضح واتس "إذا وجد تنظيم داعش نفسه من دون انتصارات في مناطق عملياته، فإنه سيوسع دائرة العنف إقليميا وباتجاه الغرب"، مشيرا إلى أنه "في حال لم يسجل أي تقدم في سورية والعراق، فسيبحث عن انتصارات في مناطق اخرى، وفرنسا تبدو مكانا مناسبا لذلك".
وليست تلك الاعتداءات الأولى في العاصمة الفرنسية، اذ هاجم ارهابيان فرنسيان في السابع من كانون الثاني (يناير) صحيفة شارلي ايبدو الساخرة ما اسفر عن مقتل 17 شخصا.
ومنذ ذلك الحين اعتقلت الشرطة الفرنسية عشرات المشتبه بتورطهم بصلات مع تنظيم داعش. وفي العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، اعتقل شاب في الـ25 من العمر لتورطه مع تنظيم داعش في التخطيط لاعتداء ضد قاعدة بحرية في جنوب شرق فرنسا.
وبالنسبة لأيمن التميمي الخبير في شؤون الاسلاميين المتطرفين في سورية والعراق، فان تلك الحوادث تثبت أن تنظيم داعش لم يغير من استراتيجيته بل بدأ يحقق نتائج ملموسة اليوم.
ويقول التميمي ان ما حصل "لا يعني تحولا في استراتيجية تنظيم داعش بل تحولا في معدلات نجاحه".
واستهدفت هجمات باريس مسرح باتاكلان ومنطقة مجاورة لاستاد فرنسا في الضاحية الشمالية للعاصمة وشوارع عدة في باريس. وتظهر العمليات المنسقة في باريس "امتلاك التنظيم لشبكة متطورة في القارة الاوروبية، وليس مجرد عمليات فردية"، وفق التميمي.
وهذا الامر يؤكده وينتر، اذ يرى ان "العملية المحبوكة بهذا الشكل تظهر انه تم التحضير لها جيدا فضلا عن كونها منسقة وسبقتها تدريبات".
وتشارك باريس في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في سورية والعراق، وشنت في 30 أيلول (سبتمبر) أول غارة لها ضد معاقل التنظيم المتطرف في سورية.
واعتبر واتس أن فرنسا تشكل بيئة اسهل من غيرها لاعتداءات مماثلة فهي "سجلت اعدادا كبيرة من المقاتلين الأجانب الذاهبين والعائدين من سورية، كما لديها عوامل أخرى مسهلة للإرهابيين، مثل القدرة على حيازة السلاح مقارنة مع دولة اوروبية أخرى".
ويعتمد تنظيم داعش على حملة دعائية ضخمة عبر الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص، و"هو يروج لانتصاراته عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، على قول واتس، الامر الذي امن له عددا كبيرا من المؤيدين والمناصرين الراغبين بالانضمام اليه في القارة الاوروبية.
واتخذت دول اوروبية عدة من بينها فرنسا اجراءات مشددة هدفها منع انضمام المتطرفين الى صفوف الجهاديين في سورية والعراق، الأمر الذي قد ينعكس سلبا.
ويوضح واتس ان الخشية تكمن اليوم في "تحرك المتطرفين في بلادهم بعدما بات دخولهم الى سورية والعراق صعبا للالتحاق بالإسلاميين المتطرفين".
ابحث
أضف تعليقاً