عنوان البحث
مخاطر وآثار التطرف والإرهاب وطرق معالجتها
لتقديمه
في المؤتمر الدولي للوسطية في مواجهة الإرهاب
المنعقد تحت رعاية
المنتدى العالمي للوسطية - المملكة الأردنية الهاشمية
الباحث
أمين العثماني
الهند
المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
مخاطر وآثار الإرهاب وطرق معالجتها
كلمات تمهيدية:
اليوم نسمع محادثات ونقاشات حادة ونقرأ كتابات وتعليقات مثيرة ونسمع أخبار الحوارات والمؤتمرات حول الإرهاب، فالصحف اليومية والقنوات التلفازية تناقش الإرهاب كل يوم وليلة وتهتم المخابرات بهذا الموضوع في كل مكان لمعالجة ظاهرة الإرهاب والإخصائيون مهتمون بالفحص عن داء الإرهاب وكثر البيان لكشف الحقائق والبحث عن خلفية الإرهاب.
في الحقيقة إن الديانات السماوية تعتبر الظلم والقتل والفساد أمراً غير مقبول، والأديان السماوية كلها تحرم القتل وسفك الدم، وأما ديانات أخرى (مثل الهندوسية والبوذية والسيخية والجينية) فإنها كذلك لا تؤيد سفك الدماء بل تجتنب من قتل الحشرات والمواشي.
فالإنسان الذي بدأ حياته على الأرض قد بعث الله سبحانه لهدايته سلسلة من الرسل والأنبياء وأنزل الصحف والكتب، فمن اهتدى نجا، ومن ضلَ فقد غوى، فالله سبحانه أرشد الإنسان وألهمه بشأن قبول القيم وفهم معانيها، وأمره للعدل والقسط في جميع مراحل الحياة، فالمطلوب من الإنسان تنفيذ العدل بالكامل، وهو يحتوي على العدل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وفق الميزان، ومن إيجابيات العدل، ظهور الأمن والسلام والوحدة الإنسانية والمودة والثقة بالنظام والقانون، ومن سلبيات الظلم والقهر والاستبداد انتشار طغيان الإرهاب، حينما يجهل الإنسان طريق الرحمن ويسلك مسلك العدوان فيكون فريسة الشيطان بما ينسى ربه ويهوي إلى الشهوات ويقترب إلى طريق الفساط والظلمات.
ومن مشاكل هذا العصر ظهور مشكلة الإرهاب وهذه المشكلة قد أقامت العالم وأقدته والتي أسفر من نتائج خطيرة والتي عمت وانتشرت على خريطة الأرض، فألصق وطالت ألسنة الأعداء الذين وجهوا التهم إلى الدين والمسلمين ولكنهم لم يلصقوا التهم بأتباع الديانات الأخرى كما فعلوا مع المسلمين، ورأوا الأحداث والجرائم الإرهابية بعيون وبمكيال مختلفة، ووجهت الوسائل الإعلامية الدولية أنواعاً من التهم إلى الشريعة والكتاب السماوي المنزل بالتعبيرات المختلفة.
فمن قضايا هذا الزمان ظهور أنواع من الإرهاب، من الإرهاب السياسي والعسكري والإعلامي والاستخباراتي والإرهاب الديني والاقتصادي وغيره، وشهد العالم أشكالاً أخرى من الإرهاب مثل الإرهاب الروسي حين تدخلت روسيا في أفغانستان وقتلت مليونين إنسان، وكذلك الإرهاب الأمريكي والغربي، والإرهاب الشيوعي والصهيوني وهذه الإرهابات فعلت فعلها في التاريخ ومعظم هذه الإرهابات كان هدفها الأصيل والدولي هو الحصول على ثروات الطبعية من الغاز والنفط والمعالم وغيرها والسيطرة على الاقتصاد العالمي كما كان هدفها البطش والضغط والمراقبة، وكل من يقوم بتحليل الأحداث ويجمع المعلومات يصل إلى حقيقة بأن القويّ الأقوى يستخدم قوته بدون أي حد وقيد، ويتعامل وفق مصالحه وأغراضه ومطامعه، وقد رأى العالم إرهاباً آخر بصورة الاستعمار البريطاني والفرنسي والبرتغالي، وهذا الاستعمار قد استعبد الناس والشعوب وامتلك الدول وأراضيها وثرواتها ومعادنها وكنوزها وأموالها للحصول على الأهداف الاقتصادية، وجعلهم عبيداً تحت الأقدام حتى لجأت الأقوام إلى إنشاء حركات التحرير والاستقلال للنجاة من إرهاب الاستعمار، فالاستعمار كذلك كان نوعاً من الإرهاب.
أما إرهاب اليوم فهو نتيجة المطامع وسياسة الدول وثمرة الظلم والقهر والذيي يستعمل ويستخدم جميع الوسائل والأجهزة للتوصل إلى الأهداف الخاصة متجهاً إلى منهج الاغتيال والاختطاف والتفجير والتدمير واستخدام الأسلحة الحديثة من الغازات والقنابل المدمرة والسفن والطائرات للقتل وسفك الدم.
واشتدت مصيبة الإرهاب وتضخمت وتفاقمت ودخلت في كل مكان، وأصبح المسلمون كبش الفداء بسبب المؤامرات والخداعات والإشاعات الدولية.
ولا يمكن التجاهل عن دور الدولي التي حققت نجاحاً في مسابقة صناعة الأسلحة الجديدة باستخدام التكنولوجية الحديث في بناء مصانع الأسلحة المتنوعة صغيرها وكبيرها من الأسلحة الذرية النووية إلى الأسلحة الضوئية والفيروسية والأسلحة المرئية وغير المرئية فإنها حاولت لتسويقها وتصديرها وتطويرها بهدف التجارة والاقتصاد.
مع أن الإسلام لا يؤيد الأعمال الإرهابية أياً كان شكلها أو نوعها كما لا يؤيد فلسفتها ونظريتها، لأن الدين يحمل فكرة السلام والأمن ويدعو إلى نشره ولإنارة شموعه في المجتمعات الإنسانية بل إنه يحرم الإرهاب اللذي يزعزج الاستقرار والأمن والنظام ويعرقل مسيرة التقدم ويقلق المجتمع ويزعجه ويخوفه.
الخلفية:
على المستوى العالمي يدور النقاش اليوم حول الإرهاب والإرهابيين فأريد بالإرهاب الإسلام وبالإرهابيين المسلمون، وحاولت الدول الغربية بالصاق تهمة الإرهاب بالمسلمين ظناً وزعماً بأن النظام التعليمي الديني بصورة المدارس والمراكز والمعهاد التربوية كلها تخرّج أفواجاً الإرهابيين، ظناً وزعماً بأن الثروات التي يمتلكها المسلمون لا تستعمل إلا لصالح الإرهاب، ظناً وزعماً بأن المؤسسات والمنظمات والجمعيات الخيرية والعلمية كلها ناشطة في نشر الإرهاب، فمكرت الدول القوية المتقدمة مكراً لشرح الأحداث تحليلها وفق مزاعمها وتصوراتها وضللت العالم بتضليلها الإعلامي وفي جانب آخر ظهرت الجماعات والمليشيات والفرق بأسماء مختلفة التي ارتكبت واستخدمت مناهج الإرهاب، وصنعت المعامل والمراصد وصدّرت الإرهاب ووسعت دائرة الأعمال الإرهابية إلى البرّ والبحر، مع أن معظم هذه الجماعات الإرهابية نتيجة سياسات الدول والحكومات بما قامت بحرمان الحقوق الإنسانية.
وفي جانب آخر استعمل العالم ذات آلة حدين لمنع الثيار الإسلامي والحركات الإسلامية كما اتخذ سياسة النفاق والخداع في حل مشاكل الشعوب.
إن المؤسسات الدولية الكبرى التي لا تعمل إلا لمصالحها الخاصة المحددة، تقوم في صف الظالم المستبد وتتعامل حسب مطامعها وأغراضها، هذا هو حال الغرب، كيف تؤيد الولايات المتحدة إسرائيل وكيف تدعمها وتقدم المساعدات إليها، وكيف غصب ونزع الغرب أرض فلسطين من أيدي المسلمين، وكيف احتلت الصهيونية على أراضي المسلمين بدعم الغرب والمؤسسات الدولية، وكيف وقع المسجد الأقصى في أيدي الصهاينة، ولماذا لم تتمكن الدول المسلمة على تحرير المسجد الأقصى وأرض فلسطين، وكيف وقعت الدول المسلمة تحت سيطرة الأعداء وهيمنهتم واستكبارهم، وكيف تقتل الأقليات المسلمة في العالم ولا تهتم الدول العالمية والغربية بحلّ مشاكلها، وكيف تتعامل الدول الغربية مع حقوق الشعوب المستضعفة الأخرى وهناك تساؤلات كثيرة التي يتساءل عنها شباب اليوم فلا يجد تفسيراً فيظن بأن استخدمام القوة هو الحل والعدل.
وفي بلادنا الهند آلاف من الشباب في السجون معتقلين بتهمة الإرهاب ولكنهم ليسوا بالإرهابيين ويطلق سراجهم بعد خمسة عشر أو ثمانية عشر سنة، ولا نحمل الأسلحة مع أننا واجهنا مشكلة الاضطرابات الطائفية بعد استقلال البلاد عام 1947م، حتى بلغ عدد الاضطرابات الطائفية إلى أكثر من ثلاثة آلاف حادثة، ولقى المسلمون خسائر مادية وروحية، ولكنهم لم يستعملوا ولم يستخدموا الأسلحة ضد الأغلبية أبداً بل لجأوا إلى الدفاع فقط، واستخدم المسلمون في الهند قوة التصويت الديموقراطي، وغيّروا الحكومات كما توجهوا إلى منهج الدعوة والحوار بكل حكمة في الهند، لا شك هناك مشاكل وصعوبات يواجها المسلمون وهوموضوع آخر.
فالإرهاب الذي يفترس العالم اليوم إنه ينتظر العلاج بالمنهج الخاص وبالتخطيط الاستراتيجي الجديد، وهو نتيجة سيكولوجية القضية وخيبة الأمل وردّ الفعل، ونتيجة سياسة الحكومات، ونتيجة حرمان العدل والحقوق، ونتيجة قبول الأفكار المنحرفة المؤامرات والمكائد المعادية للإسلام والمسلمين.
وننتقل إلى أصل الموضوع تعريفاً بالإرهاب، ففي المعاجم الحديثة استعمل الإرهاب كمصطلح سياسي، وهو رعب تحدثه أعمال عنف كالقتل وإلقاء المتفجرات أو التخريب.
الإرهاب لغة:
كلمة أرهب، معناه أخاف، فالرهبة والرهب هو الخوف، قال تعالى: [واضمم إليك جناحك من الرهب].
قال تعالى: [فإياي فارهبون] ، وقوله تعالى:[لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله].
وقال تعالى: "واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم وقوله تعالى: ترهبون به عدو الله وعدوكم".
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء: [اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك..]
وتأتي كلمة الإرهاب بمعنى إرعاب العدو وتخويفه وإثارة الفزع وإحداث الخوف في المجتمع.
الإرهاب اصطلاحاً:
هو الممارسات العدوانية بجميع صورها (وهي محرمة وممنوعة ومحذورة لدى الديانات). أما التطرف والعنف واستخدام القوة المتزايدة بدون الضرورة وفي غير محلها فهذه كلها نوع من الإرهاب ينبثق من نفسية خاصة.
فالإرهاب يطلق على جميع الأعمال العدوانية التي تثير الخوف والروع في القلوب والنفوس، وتحدث الاضطراب والخلل في الأمن، وكلمة الإرهاب تدل على القتل، والتخويف، وهتك الحرمات، واستهداف الأبرياء، وتدمير المنشآت، وتشويه سمعة الدين.
ولا نجد في الفقه الإسلامي تعريفاً اصطلاحياً للإرهاب، أما في العصر الحديث فالإرهاب مثل جريمة الحرابة والبغي والقتال ضد الدولة وعلى مؤسساتها فهو اعتداء أو عمل ضد الأبرياء والبشرية.
والإرهاب في القانون إنما هو العدوان الذي يمارسه الأفراد والجماعات والمليشيات أو الدول ظلماً وبغياً على الإنسان، بهدف إلقاء الرعب والخوف بين المجتمع الإنساني وإبطال الحرية والأمن للخطر.
فكل فعل من أفعال العنف (أيا كانت بواعثه أو أغراضه) يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردياً أو جماعياً، ويهدف إلى إلحاق الضرر بالبيئة والخسائر بالدولة.
فارتكاب الأعمال الإرهابية، يحدث التخلف والأزمات ويعرقل مسيرة التقدم العلمي والصناعي، ويبث الفوضى والخلل في الأمن، ويلقي الشكوك في قلوب الحكام والنظام، ويجر المسلمين والأقليات المسلمة إلى مشاكل، وتلقيهم في مهبة الشبهات.
لذا يجب فهم مدلول الإرهاب، وآثاره على المجتمع الإنساني فالسلوك مسلك الإرهاب بعيد عن المنهج الإسلامي.
آثار الإرهاب:
ينبت التطرف والإرهاب نباتاً خبيثاً، ومن يزرع الإرهاب يحصد حصاده في يوم ما، وفي ما يلي نظرة عابرة على آثار الإرهاب.
(1) بث الفوضى والاضطراب في المجتمع
(2) القضاء على الأمن
(3) زعزعة استقرار النظام
(4) تدمير الممتلكات وتضييع الثروات
(5) عرقلة مسيرة التقدم والتنمية
(6) نشر الخوف والرعب
(7) زرع الفتنة في المجتمع
(8) إفشال جهود الخير
(9) إضعاف الأمة
(10) تمزيق بنية المجتمع
(11) تمكين الأعداء على الأمة.
والمعلوم لدى الجميع بأنه لن تكون نصرة الدين، ولا تلبية الحقوق، ولا إعادة الأمور في مجراها، ولا أداء المسئوليات والواجبات الاجتماعية ببث الخوف والرعب وبالإفساد في الأرض، وبإلقاء الأنفس إلى التهلكة، فكل هذا مخالف لتعاليم الدين والقانون، لأن الإسلام جاء لإقامة الأمن والعدل في المجتمع الإنساني.
ومن أبرز آثار التطرف والإرهاب:
فكل عمل يخالف الأوامر والنواهي فإنما هو معارض للدين؛ لأن الشريعة تمنع من قتل الإنسان، ويعلن القرآن الكريم بأنه "من قتل نفسا كأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".
الإنسانية والإسلامية عن طريق تجفيف المنابع والمصادر المالية للجمعيات والهيئات.
الأعمال الإرهابية لا تحقق إلا مطالب الأعداء، وتفتح فرصة التدخل السافر في شؤون بلاد المسلمين.
وهذا حرام بسبب مخالفة قول الله تعالى:[ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)
القضاء على الأمن جريمة كبرى ، لأنه لا يمكن أن يعيش الناس بدون الأمن، وانتهاء الأمن يؤدي إلى الفتنة والشر والفساد.
في سبيل التقدم الصناعي والرقي العلمي والازدهار الحضاري.
لأن الأعمال الإرهابية تبث الفرقة بين المجتمع الإنساني وتفكيك الوحدة.
فالنصوص تدل على وجوب طاعة الحاكم وولي الأمر في المعروف، والصبر على غير ذلك، وأنه من خرج عن الطاعة فقد أوقع نفسه في المعصية، قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه) إلى آخر الحديث.
الذي تسلط على الفلسطين ونزع المسجد الأقصى وأرغم الدول الضعيفة على الاستقراض من البنوك الدولية
أسباب الإرهاب:
لهذا العنوان أهمية كبيرة لأن الإرهاب الدولي لم يراع مصالح الشعوب والأقوام والملل ولم يهتم بمشاكلها على المستوى المطلوب بل اتخذ سياسة الاستغلال تجاه الدول الضعيفة وفكّر عن مصالحه ومطامعه الخاصة حتى تدخّل في شئون الدول الضعيفة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً واستخدم قوته من العتاد والعدة حتى غير نتائج الانتخابات وأصوات الناقدين وسلب حقوق الشعوب والجماهير، فهذا هو الإرهاب الدولي الذي لعب دوره في مناطق مختلفة في توزيع وتقسيم البلاد والحصول على السيطرة خاصة في قضية فلسطين وقضية غزة وقضية أفغانستان وقضية العراق معروفة والأمثال كثيرة، أما الاستبداد والقهر الدكتاتوري فإنه خلق مناخاً وجواً خاصاً حيث لم يتح فرصة للشعوب والمواطنين لإبداء الآراء والتشاور.
إن الدولة والنظام حينما لا يتعامل وفق العدل سواء كان العدل السياسي أو العدل الاجتماعي بالمعنى الشمولي فإنه يفقد التوازن وينشر الظلم في محل العدل وبصول انعدام العدل يصرح الشعب مظلوماً ومغفوراً بسبب حرمانه من العدل وحرمانه من الاستفادة ببركات وثمرات العدل، والعدل الاجتماعي والسياسي كلاهما يعطيان ويمنحان فرصة للمواطنين واللشعب للمساهمة في بناء الدولة وتقوية النظام وتطوير هياكله ومؤسساته وتنمية المجتمع ولذلك يرشد الإسلام إلى تنفيذ العدل في سائر المراحل والمناهج حتى يشعر الشعب بالاطمينان والثقة والقوة.
الحرية نعمة من نعم الله، والإسلام يدعو إلى الحرية ولا يحب الإذلال والعبودية إلا لله، ويمنح الإسلام حرية كاملة إلى الإنسان حتى في قبول الحق والدين وهذا من ميزات الإسلام ومن شرف الإنسان بأن يكون حراً في تفكره وتعقله وتعامله وتصرفاته، وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه بأنه قال: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، فحينما يسلب النظام والدولة حرية الأفراد والشعوب فيشعر المواطنون بالخناق والاضطراب والقلق والضغوط على الإرادة.
لأسباب وسياسات مختلفة كثرت البطالة في المجتمعات فلا يجد الشباب فرصة للاكتساب والعمل كما لا يجد ما يسدّ حاجتهم بسبب قلة فرص العمل والكسب وهذا الوضع قد يقود الشباب إلى أن يكونوا تحت تأثير الهوي، وتحديات البطالة تحديات واقعية في هذا العصر وكذلك كثر الفراغ الممل والذي يودي الشباب إلى مجالس الشياطين
إذا يشعر الشعب بأن حقوقه قد عطلت وألغيت، وحرم من حقوقه الأساسية من الحقوق الثقافية والدينية وغيرها فيعم القلق في المجتمع وفي مثل هذه الحالة لا يجد الشعب المخرج من المأذق، فيحاول حسب فكره ورأيه بحثاً عن الحلول فيستخدم القوة وينظم المظاهرات والاحتجاجات بسبب اليأس والقنوط السائد.
لأسباب مختلفة تظهر أفكار ونظريات التي تقود الشباب والأفراد إلى طريق العنف والتطرف، وهذه الأفكار إنما يعود أصلها إلى مصادر مختلفة، وقد يحدث هذا بسبب النظام السياسي أو بسبب سوء التفاهم وبسبب قلة العلم وكثرة الجهل وغياب العقلية فيذهب الشباب إلى مذهب تغيير الحكم وتغيير الحكومة والحاكم وإحداث الثورات وتعطيل النظام، وقد يحدث هذا بسبب تصور ضيق محدود للدين، فيظن الشباب بأن الدين لا يظهر ولا يغلب إلا بالوصول إلى كرسي الحكم ولو كان بالقوة.
أحياناً يخطئ العالم والمفتي ورجل الدين فيوجه الشباب ويرشده إلى المنهج غير الصحيح بل يغويه، حتى يظن السائل والمستفتي والطالب بأن استخدام القوة واستعمال اليد والسلاح واجب وفرض للتغيير وللإصلاح فيحمل ما يحمل من استراتيجية خاطئة ويدخل في أنواع من المحاولات الإرهابية.
في غالب الأوضاع لا يهتم الشباب بالمسئوليات الوطنية وواجباته وحقوقه الوطنية بما لا يدرك أبعاد المسئولية كيفاً وكمّاً وحجماً فلا يفكر عن بناء الوطن وحفظه كما لا يفكر عن تراثه وثقافته وعاداته وتقاليده فلا يبالي بالأخطار المحيطة بوطنه وبالمشاكل التي يواجهها وطنه فإنه رغم وجوده وحضوره في وطنه لا يفكر عنه بل يفكر عن البلاد الأخرى والدول الأخرى التي تقع بعيدة وباعدة منه وهذا بسبب غياب الوعي بالمسئولية الحقيقية المطلوبة.
أحياناً يقوم الشباب بتطبيق النصوص الشرعية في غير محلها بما ينتخبون الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ويختارونها وفق عقولهم وفهمهم فيستدلون منها ويستنبطون بها في تأييد آراءهم وأفكارهم لتنفيذ ما يخفون من برنامج في صدورهم فيقعون في المأذق بسبب قلة فهمهم وقصور فكرهم
لا تتوجه الدولة إلى استعمال قوة الشباب لصالح الدولة ولبناءه في مجال التنمية والتطوير والبناء الحضاري والثقافي والمعرفي خاصة في مجال الخدمات العامة فتحمل الدولة قوة الشباب ولا تخطط لها بل تطرق هذه القوة للآخرين وفي مثل هذا الوضع يستخدم الأعداء والمنحرفون هذه القوة لتحقيق أهدافهم المختلفة لأن الشباب يريدون إنجاز مشاريع مهمة ويريدون المساهمة في الإبداء وكذلك تهمل الدولة من ناحية التربية وتطهير العقول ولا تتوجه إلى الشباب من ناحية تحليل صلاحياتهم العقلية والفكرية والاطلاع على مواقفهم في الأحداث والأوضاع والمناسبات المختلفة لفهم كيفية التفكير المبدء والتفكير المثمر والتفكير المرتكر والتفكير المفيد والمتميز والاطلاع على التفكير المخرب وهذا من نتيجة إحمال الدولة لأنها لا تهتم إلى غربلة عقول الشباب ومستويات الأفكار.
في بعض الأحوال بدون النظر إلى مقاصد الشريعة وروح الدين يتوجه الإنسان أفراد وجماعات إلى اختيار مناهج التفكير ونشر التنافر والتباغض في المجتمع المسلم فيروج التفريق بين أتباع المذاهب الفكرية المختلفة حتى يتعدى الحدود ويختار منهج الإرهاب لإخماد شعلة البغض والحقد المستور في قلبه كما ينشر الفساد والفوزة باختيار كافة الوسائل الأرهابية وهو يظن بأنه مخلص لدينه ويدخل في الجنة فيقتل الأبرياء ويساهم في التنوير والتمجيل ويعتبر هذه الجهود الإرهابية جهاداً دينياً بسبب عدم فهم الديني ومقاصد الشريعة وعدم اعتبار الأولويات وعدم التوجه إلى فقه المآلات
طرق معالجة الإرهاب
والتركيز على الدراسات الأمنية لأن المحافظة على الأمن مطلب شرعي، والأمن ضرورة أساسية للمجتمع مثل الهواء والماء، وضياعه ضياع والنفس والمال والدين
حكم الإرهاب:
الإرهاب محرم بإجماع فقهاء مذاهب الأمة الإسلامية، فلا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتبع النبي الخاتم بأن يسلك مسلك الإرهاب ويدخل في أخطوط عنكبوتية.
يعتبر القرآن قتل إنسان واحد بمثابة قبل الجنس البشري كله وقال تعالى: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} وقال تعالى: "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاءه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً" وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في عامكم هذا" وقال الرسول: لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً".
ونعمة الأمن هي من النعم التي يجب الحفاظ عليها، فبدونها يفقد الإنسان الشعور بالراحة النفسية، فيعيش قلقاً خائفاً مما يحيط به من مخاطر وصعوبات.
ويعد ممارسة الإرهاب والعنف من الوسائل التي تهدد الأمن والسلام، وتدمر الممتلكات والثروات، وإحياناً تظهر الإرهابات المعاصرة لأسباب سياسية أو اقتصادية أو ردّ الفعل أو بسبب حرمان من الحقوق أو بسبب الظلم والجور والاستبداد والقهر.
وإحياناً ينتشر الإرهاب في المجتمعات الإسلامية نتيجة الفهم الخاطئ للإسلام، والاستدلال الخاطئ في الأخذ بالنصوص، وبسبب الاستفتاء من رجال الإفتاء غير المؤهلين، وقد أدّى هذا إلى تزايد الأعمال الإرهابية في كثير من البلدان والمناطق.
من أضرار الإرهاب:
1- قتل الأبرياء والإضرار بالإنسانية:
من أهم أضرار الإرهاب هو قتل الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، وسفك الدماء، وهو من أشد المحرمات في الإسلام، وهو عدوان على النفوس البشرية التي حَرَّمَ الله قتلها إلا بالحق. فقتل الأبرياء لأسباب مختلفة أو للاختلاف في الدين أو المذهب الفقهي والفكري يعد جريمة نكراء لا يقبلها عقل أو دين.
2- تسميم الجو وتغيير الأمن بالفساد والاضطراب
3- بذر الخلافات السياسية والدبلوماسية
4- الرجعة القهقرى والعودة إلى التخلف
5- انعدام الأمن والحفظ
6- تفكيك المجتمع وتمزيقه
7- ترويج جرائم الفساد
8- تعميم البغي والحرابة ضدّ الدولة
9- تحويل الدولة كلها إلى معسكر وثكنات الجيش
10- إرغام النظام على تغيير أولوياته من تخصيص الميزانيات الكبيرة لمعالجة الإرهاب أكثر وأهم من الأمور والبنود الأخرى
الخلاصـة:
إن العالم والشعوب كلها في أشد حاجة إلى الأمن والسلام والاستقرار والتنمية والتقدم والرقي، والعالم قد تغير بتغير النظم السياسية والاقتصادية، كما تغير بسبب التكنالوجية المعاصرة والصناعات الحديثة التي أثرت في تشكيل وتكوين المجتمعات الإنسانية على المستويات العالمية، فتغيرت الأحوال والظروف بالنبت للماضي تغيراً كبيراً، ونظراً إلى حاجات البشرية ومطالبها لابد من المراجعة والإبداع في تشكيل نظريات جديدة ومناهج فكرية جديدة تتلاءم وتتوافق مع طبيعة العصر والزمان.
وفي هذا الوقت يحتاج العالم إلى المفكرين والمثقفين يقومون بتقديم أفكار جديدة لبناء العالم من جديد بدون أي تمييز وتفريق وإلا سيظهر التنافس والتشاجر والتناحر بين الشعوب سواء كانت ضعيفة أو قوية، متقدمة أو متخلفة.
ولابد للأمة الاهتمام بمراجعة المتغيرات والمتطلبات المعاصرة بكل دقة، والنظر إلى الانتقادات التي توجههاالثقافات المختلفة بخصوص إقامة التوازن في العالم.
الأمة محتاجة إلى الوسطية ولذا يجب علينا الدعوة إلى الوسطية والمنهجي الوسطي:
إنما الوسطية طريق الحل الأمثل والأفضل لحل المعضلات والمشكلات في جميع الأمور والمسيرات.
الوسطية التي يدعو إليها الإسلام ويحضّ على قبولها وتنفيذها وتطبيقها هو قدير على نشر نور السلام والأمن في ظلمات التطرف والإرهاب والعنف، ومن ميزات الوسطية وخصائصها التخلّق بأخلاق الله من الرحمة والمودة والرأفة والعطاء والجود، ولكن لمن ومع من؟ مع الخلق، مع الناس، مع كافة المجتمعات البشرية بدون تمييز وتفريق، ومن أسس الوسطية، السلوك الحسن مع عيال الله والخلق كله هو عيال سبحانه وتعالى: ومن أسس الوسطية:
أن يكون الإنسان كالشجر المثمر يرمى بالحجر فيلقى بالثمر ومن أسسها:
أن يكون الإنسان لين الكلام فمن لانت كلمته وجبت محبته.
ومن بركات الوسطية بأنها قادرة على إخراج الإنسان من المأزق والأزمة. وتنتجي من الغلوّ والتشدد.
لا شك إن الحركات الإسلامية تتخذ أساليب سلمية وشرعية لدعوتها وأشطتها ولكن إحياناً يتعجل ويسرع شبابها وكيادرها إلى تغيير النظام والحكومات، فقد انتقد بعض المفكرين المعاصرين مثل الشيخ أبوالحسن علي الندوي رحمه الله على هذا المنهج الفكري.
دور الوسطية في الإصلاح:
إن المراكز (التي اهتمت وتهتم بنشر فكر الوسطية في المجتمع عن طريق عقد الندوات والمؤتمرات وعقد الدورات والمخيمات وإعداد الكتب والكتابات وطبعها ونشرها وترجمتها) فإنها تستحق كل التقدير والاحترام على ما تبذل من جهود متواصلة في اتجاه مستقيم.
والدول والمناطق التي تعاني شدة العنف والتطرف والإرهاب، فإنها في أشد حاجة إلى العناية بنشر الوسطية شرحاً وبياناً خاصة بين علماءها وأئمتها وأساتذتها.
وكذلك هناك حاجة إلى سرعة ترجمة أدب الوسطية باللغات العالمية وتوزيعها لأن الأمة الإسلامية في أمس حاجة إلى فقه جديد من فقه الوسطية.
ابحث
أضف تعليقاً