
قيام الأفراد بتنفيذ الحدود فوضى واستباحة للدماء
تصل هذه القراءة إلى الحلقة الأخيرة في المراجعات التي قامت بها الجماعة الإسلامية المقاتلة، (التي تنشرها الغد بالتنسيق والتزامن مع موقع الإسلاميون.نت على شبكة الإسلام أون لاين، ويحررها الزميل السيد زايد من الموقع نفسه).
إذ تتعرض الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة في الجزء الأخير من مراجعاتها الفقهية والشرعية إلى قضية إنزال الحكم على الناس وتقول إن الحاكم هو المكلف بإقامة الحدود وأن فتح باب إقامتها لآحاد الناس هو باب للفوضى واستباحة دماء المسلمين، وتؤكد على أن الشرع لا يسند إنزال الحكم لشخص بمجرد قراءة كتاب أو سماع شريط".
وتدعو الجماعة الشباب الملتزم إلى التمسك بمنهج "دعاة لا قضاة"، الذي يرجحه قادة الجماعة في مسيرتهم الجديدة، لما فيه من خير للدعوة الإسلامية، محذرة في ذات الوقت من شيوع التكفير لما يترتب عليه من مخاطر تضر بالمجتمع المسلم.
وفي خاتمة المراجعات يقول قادة الجماعة "أردنا أن نضع معالم تنير الطريق لمن يلتمسه كي لا يقع في عثرات وقع فيها غيره وتسبب ذلك في التأثير على مسيرة الدعوة إلى الله تعالى".
ونعرض فيما يلي لأهم ما جاء في الباب التاسع والأخير من مراجعات الجماعة، التي تحمل عنوان "دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس"، وقد قام بإعدادها قادة الجماعة "المقاتلة" في القسم العسكري بسجن بو سليم بليبيا.
إنزال الحكم وخطورة التكفير
يتحدث قادة الجماعة في الفصل الأخير عن قضية "إنزال الأحكام على الناس" ويقولون في هذا الشأن إن "مسألة إنزال الأحكام على المعنيين من تبديع أو تفسيق أو تكفير عملية عظيمة الشأن كبيرة الخطر ولذلك جاء التحذير الشرعي لمن وصف مسلماً بالكفر عظيماً، بسبب ما يترتب على ذلك من أحكام عملية في واقعه كاستباحة دمه، وماله، وتطليق زوجته، وانتفاء توارثه مع أقاربه من المسلمين وانقطاع موالاته وتحريم الصلاة عليه أو الاستغفار له أو دفنه في مقابر المسلمين وغيرها، وما يترتب على تفسيقه من رد شهادته وروايته وامتناع تنصيبه في الكثير من الوظائف الشرعية التي اشترطت فيها العدالة، وعلى تبديعه من جواز هجره في بعض الأحيان وغيره".
وتلفت الجماعة الانتباه إلى أن "القيام بعملية إنزال تلك الأحكام على معين ما (أي على شخص ما) في الواقع تحتاج أولاً إلى معرفة درجة الفعل الذي قام به، وهل هو محذور شرعاً أم لا، وإن كان محذوراً فهل هو من الصغائر أم من الكبائر أم من الشرك والكفر، وإن كان من أصناف الكفر فهل هو من الكفر الأصغر أم من الكفر الأكبر المخرج من ملة الإسلام، فكم من الأخطاء تقع في واقع الناس في تقييم درجات أفعال المكلفين، وذلك لنقص العلم الشرعي أو الجهل بمدلولات النصوص أو إنزال الآيات والأحاديث الدالة على أوصاف أفعال المكلفين على غير مقصود الشارع منها كمن يحمل ألفاظ الكفر كلها على الكفر الأكبر ونحو ذلك أو كمن يرتب الفسق على مرتكب الصغائر مع أن ذلك لا يوجب تفسيقه، ثم إذا علم أو سمع بأن معيناً ما قد فعل فعلاً وعلمت درجة ذلك الفعل فإن الواجب أيضاً هو التثبت من صدور ذلك الفعل منه وهل فعله أو قاله حقاً أم لا".
وللتثبت ـ كما تقول الجماعة ـ طرقه الشرعية المعلومة..فكم من أمور تنقل عن الناس وهم منها براء, وإذا بحث الإنسان في أسباب ذلك وجد للحساسيات الشخصية أو الاختلافات الفكرية أو المذهبية, أو الأمزجة النفسية والطبائع الشخصية دورها الكبير في نسبة الأفعال لغير فاعليها وإلصاق المقولات بغير قائليها...ومعلوم أن الفعل أو القول لا يثبت على صاحبه إلا بإقرار أو بينة ثم إذا تيقن الإنسان من أن ذلك المكلف قد فعل ذلك الفعل وأن هذا الفعل من الكفر المخرج من الملة الذي لا لبس فيه ولا اختلاف، فإن هناك أمراً آخر وهو النظر في حال هذا الفاعـل، وهل توفرت فيه شروط إنزال الحكم أم لا: فمن شروط ذلك أن يكون عاقلاً، وأن يكون بالغاً..، وكذلك هل انتفت عنه موانع إنزال الحكم أم لا، وهذه الموانع كالجهل والإكراه والخطأ والتأويل".
الحاكم وإقامة الحدود
وإذا توفرت شـروط إنزال الحكم على شخص ما وانتفت الموانع المذكورة، كما ورد بالمراجعات، فإن هناك أموراً تسبق إنزال الحكم عليه، وذلك كإقامة الحجة عليه وكشف الشبهات عنده إن كان ثمة شبهة يتمسك بها، وفي هذا كله فإن وجدت شبهة ما فإنه يدرأ عنه بهـا، للقاعدة الشرعية المعروفة وهي: درء الحدود بالشبهات ـ ثم إن استتابته واجبة بأن تعرض عليه التوبة ويرغب فيها وينصح بها، فإذا أصر بعد ذلك فإنه يحكم عليه، ومع هذا فإن الإسلام قد شرع لكل جرم حداً من الحدود وإقامة تلك الحدود تتعلق بها أمور كثيرة من جهة من هو المكلف بإقامتها وقد ذكر العلماء كالقرطبي وغيره أنه لا يقيمها إلا الإمام ـ الحاكم ـ أو نائبه ولها شروط أيضا كالقدرة، فإن الحدود كغيرها من الأوامر الشرعية تسقط بالعجز.
وجاء بالمراجعات " وحتى لو توفرت القدرة فإن النظر في مآلات الفعل وما يترتب عليه من المصالح والمفاسد له اعتبار في ذلك، فإن كان في إقامة الحدود من المفاسد ما يربو على المصالح لم تُقَمْ.." وبهذا يُعلم أن فتح باب إقامة الحدود لآحاد الناس هو فتح باب للفوضى واستباحة الدماء وغيرها من الحرمات فلا يريد أحد أن ينتقم من أحد بالقتل إلا فعل وادعى أنه مرتد أو قاتل أو غير ذلك مما عقوبته القتل وهذا ما لا تأتي الشريعة بمثله أبداً".
دعاة ولسنا قضاة
وفي معرض الحديث عن من يقوم بإنزال الأحكام يقول قادة الجماعة المقاتلة في المراجعات " لقد اشترط العلماء للعالم المجتهد شروطاً لا يجوز لمن لم تتوفر فيه أن يقوم باستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، كما اشترطوا للقاضي شروطاً فلا يجوز نصب الرجل قاضيا إلا إذا توفرت فيه تلك الشروط، إذ أنه لا يعقل أن يترك مثل هذا الأمر العظيم ـ إنزال الأحكام ـ بلا ضوابط ولا شروط، ولذلك فإننا أوضحنا مراراً أن هناك فرقا كبيرا بين وظيفتين اثنتين من الوظائف الشرعية التي أمر الله بها وهما وظيفتا الدعوة والقضاء وقلنا إننا: دعاة ولسنا قضاة.
ويضيفون" لقد أمر الإسلام جميع المسلمين بأن يكونوا دعاة إلى الله سبحانه وتعالى بقدر طاقتهم وعلمهم وظروفهم، يستوي في ذلك الرجال والنساء والصغار والكبار والعلماء والعوام، فالأب داعية والأم كذلك، ومن ذلك تربية أبنائهم على الدين القويم وتجنيبهم المعاصي، والطالب يمكن أن يكون داعية والموظف كذلك ومثلهم المزارع والصانع وغيرهم، فإن وظيفة هذه الأمة الدعوة إلى الله بشتى الطرق المشروعة لإصلاح نفسها ولإنقاذ غيرها من الأمم".
وعن وظيفة الدعاة جاء بالمراجعات "وظيفة الدعاة هي إيصال الحق إلى الناس وتربيتهم على تعاليم الإسلام وليس من وظائف العامة أو الدعاة أن يكونوا قضاة يحكمون على الناس بالكفر أو الفسوق أو العصيان أو الابتداع ويرتبون على ذلك الحكم آثاره، وأما الحكم على المعين ممن وقع في كفر أو فسق أو بدعة فإنه لا يكون إلا للراسخين في العلم ممن توفرت فيه الشروط الشرعية والأهلية لذلك وأولئك هم العلماء وأهل الإفتاء والقضاة".
صفات القاضي
وفيما يخص صفات القاضي المخول لإنزال الأحكام على المعينين إذا ما رُفعت القضايا إليه ترى الجماعة أنه" من المستحيل أن يسند الشرع مسألة عظيمة كهذه إلى كل أحد من المكلفين لينصبوا أنفسهم قضاة على الناس أو أن يصير الرجل مؤهلا للإفتاء أو القضاء بمجرد قراءة كتاب أو سماع شريط, والتفريط في هذا الأمر وعدم التفريق بين ـ الدعاة والقضاة ـ يجر إلى الكثير من الأخطاء والتي يترتب عليها أمور عظيمة فتنزل الأحكام من غير أهلها وربما على غير أهلها، وقد يتطور ذلك إلى إنزال العقوبة وإقامة الحدود فلا تسأل عندئذ عن ثمرات ذلك ونتائجه، وإذا كان بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم قد وقعوا في بعض الأخطاء الحكمية إما لأنهم جهلوا الأحكام في تلك الوقائع أو لاجتهاد منهم أو لاستعجال(..) فإن من دون الصحابة في العلم والدين هم أولى بالاحتياط لذلك وعدم التسرع فيه لاتساع دائرة احتمال الخطأ عندهم.
وتذكر الجماعة بعض الشروط العامة للقضاة المؤهلين لمثل تلك المهام الكبيرة تنبيهاً إلى عظيم خطر إقدام من لم تتوفر فيه على إنزال الأحكام، فمن الشروط : الاجتهاد، الحكمة، الورع، العقل وغيرها.."، وعن عمر بن عبد العزيز قال : ينبغي للقاضي أن تجتمع فيه سبع خلال إن فاتته واحدة كانت فيه وصمة ـ العقل والفقه والورع والنزاهة والصرامة والعلم بالسنن والحكم ـ والبعض قال أن يكون من أهل الاجتهاد..وليس هنا محل تفصيل شروط القاضي بل الغرض أن نشير إلى هذه الشروط التي لا تكاد تجتمع إلا في القليل من أفراد الأمة وأن من دونهم لا يجوز لهم الإقدام على إنزال الأحكام على المعينين"
ويؤكد قادة الجماعة على أن "ما يقع من أخطاء في واقع الصحوة اليوم يظهر مدى الحاجة للانضباط والالتزام بإسناد هذه الأمور إلى أهلها، ومن هنا فإن ما نلتزم ونلزم به أنفسنا وننصح به عامة المسلمين والشباب الملتزم بدينه خاصة هو التمسك بهذا السبيل القويم وهو منهج ـ دعاة لا قضاة ـ هذا الطريق الذي يجعل من المسلم فردا بنَّاءً في مجتمعه إذا رأى خيراً شجعه وأيده وحرص على زيادته لأن الإكثار من الخير والصلاح من مقاصد الشريعة الغراء وإن رأى شرًا أو سوءاً نهى عنه ونصح فاعله، بهذا تنهض الأمة ويقوى بناؤها وتأخذ مكانتها اللائقة بها.
معالم تنير الطريق
وفي خاتمة المراجعات يقول قادة الجماعة "أردنا بهذه الدراسة أن نضع أيدينا على أهم المواطن التي نظن أن لها تأثيرا كبيرا على مسيرة الصحوة الإسلامية في بلادنا وفي غيرها من بلاد المسلمين وأن الخلل والقصور في فهمها أو تطبيقها ينتج كثيراً من السلبيات والمفاسد.
وعن أهمية القضايا التي تناولتها الدراسة يوضحون أنها "لم تعط حقها من الاهتمام لا سيما من جانب بعض شباب الصحوة الإسلامية, سواء من جهة التصور أو من جهة السلوك, ولا نهدف من وراء هذه الكتابة إلى تجريح أحد وليس مرادنا مجرد السرد التاريخي لاستجلاب صفحات الماضي فذلك كله قد مضى وانقضى, ولعل في حسن نوايا أصحابه عزاء لهم, ولكنا أردنا أن نضع معالم تنير الطريق لمن يلتمسه كي لا يقع في عثرات وقع فيها غيره وتسبب ذلك في التأثير على مسيرة الدعوة إلى الله تعالى".
منقول عن صحيفة الغد الاردني
بتاريخ:15/9/2009
ابحث
أضف تعليقاً