
صورة مشوّشة.. ومطالب عقيمة
من هم مسلمو أوروبا؟..
هم وسواهم.. سواء
التفاعل مع أحداث الساعة
الشذوذ.. شذوذ لا يُعمّم
مزاعم الاستفزاز عبر مظاهر إسلامية
القصور والتقصير
أسباب أخرى للوم والنقد
قبل استفتاء سويسرا حول حظر المآذن كان ما يكتب في إعلام البلدان العربية عن مسلمي أوروبا يجمع بين التأييد واللوم، والتحفيز والنقد.. وبعد الاستفتاء غلب اللوم والنقد وتحميلهم المسؤولية عما يُصنع بهم وبالإسلام!..
في الحالتين بقي الكلام الإعلامي متأثرا بدرجة لا يستهان بها من الجهل والتعميم، وقد يغلب ذلك كثيرا فيزداد اللوم والنقد، وقد يتوافر بعض العلم بحقيقة الأوضاع فيتناقص اللوم والنقد ولكن لا يضمحلان.
هذا.. وما تبدّل حال المسلمين في أوروبا خلال الفترة الأخيرة قبل ذلك الاستفتاء تبدلا كبيرا.. فما الذي طرأ على صورتهم في نظر من يتابع مثل هذه القضايا؟.. أم أن الاستفتاء أصبح القشة التي قصمت ظهر البعير، عند من ينطلق ابتداءً من تحميل مسلمي أوروبا المسؤولية عما سبق من تصعيد لأحداث سلبية كالإساءات الكاريكاتورية والبابوية وغيرها، ثم كان الاستفتاء فجعل من يتردد بعض التردد عن حملات اللوم والنقد يتخلى عن تردّده؟..
قد لا تجد هذه التساؤلات أجوبة قاطعة، إنما لا بد على كل حال من الحرص على الموضوعية في التعامل مع المسلمين في أوروبا ومع غير المسلمين، ومع القضايا التي ترتبط بهم مباشرة ومع سواها من القضايا، وعسى أن تساهم السطور التالية في شيء من بيان معالم أساسية حول مسلمي أوروبا تحديدا.
صورة مشوّشة.. ومطالب عقيمة
إلى الآن ورغم كثرة الحديث عن المسلمين في الغرب عموما، ومنهم المسلمون في أوروبا، لا تزال معالم الصورة عنهم لدى المسلمين أو عموم السكان في البلدان الإسلامية حافلة بالغموض والتشويش، ويسري هذا على كثير من الإعلاميين الذين يتابعون قضايا الإسلام والمسلمين في الغرب، ومما يثير الاستغراب أحيانا، أن يجزم بعضهم بصحة ما ينسجه من معلومات، دون الاعتماد على مصادر أصلا أو دون التوثق من مصادر ينقل عنها، كما يجزم أيضا بما يطرحه من تصورات متسرعة، قد يتردد كثير من المطلعين ومن أصحاب العلاقة المباشرة عن طرحها، لا سيما في التعامل مع مشكلات متعددة الوجوه والتعقيدات.
ويثير الاستهجان لا الاستغراب فقط أن تصدر عن بعض الكتاب مواقف في صيغة النصيحة مع اللوم والاستنكار، محورها من قبيل: فليرحلوا عن بلاد الغرب إذن.. أو فليعودوا إلى البلدان الإسلامية!..
مثل هذه المطالب لا يمكن أن يجد استجابة أصلا، ولا تتوافر للاستجابة أية شروط موضوعية، وقد تجد استهزاء مريرا، لا سيما عندما تصل إلى مسلمين من ذوي أصول أوروبية -وماهم قلّة- فما الذي يعنيه رحيلهم عن بلادهم إذ أسلموا؟.. هل هو تطهير سكاني "ديني"؟.. ألا يمضي من يطالب بذلك أشواطا بعيدة لا يكاد يطرحها حتى المتشددون الأوروبيون ضد الوجود الإسلامي؟..
ثم أين من يطالب غير المسلمين بالرحيل عن مواطنهم لأنهم يدينون بغير دين الغالبية فيها؟..
مثل هذه المطالب محرّمة دينيا، وخطيرة سياسيا، ومحظورة إنسانيا.
ويسري شبيه ذلك دون استثناء على مواليد الجيل الثاني والثالث من المسلمين، ممن منعت موانع قاهرة لا يحملون المسؤولية عنها، كثيرا منهم من مجرد رؤية بلاد أجدادهم "الوافدين" قديما، وهم لا يعرفون سوى البلد الأوروبي الذي يقيمون فيه موطنا، ولا يتعاملون معه إلا على أساس أنه موطنهم من المهد إلى اللحد.. فعلام يرحلون وإلى أين يرحلون؟!..
ولئن رحلوا إلى بلدان إسلامية حقا -ولن يرحلوا- فما الذي ينتظرهم فيها؟.. ومن أين تنشأ تلك التصورات الغريبة بصدد "ترحيل" من يختلف عقيدة أو ثقافة أو سلوكا عن الآخر في بلد مشترك؟..
ثم هل يختلف حال مسلمي أوروبا المستوطنين اختلافا يستحق الذكر عن حال ذوي الأصل الألماني أو الإيرلندي مثلا، المواطنين كسواهم في الولايات المتحدة الأمريكية، مع اختلاف الديانات لا الأجناس فقط؟!..
لا حاجة إلى الخوض في أسباب مثل تلك المطالب العقيمة، بغض النظر عن غموض صورة واقع مسلمي أوروبا عند كثير ممن "يحكمون على أوضاعهم، ويخاطبونهم لائمين وناصحين ومنددين" وكأنهم يعيشون في عالم آخر تصنعه مواقعهم الإعلامية أو توجهاتهم الذاتية في البلدان الإسلامية.
من هم مسلمو أوروبا؟..
قد تساهم في توضيح الصورة كلمات موجزة تعتمد على مشاركة ومعايشة مباشرة للمسلمين في أوروبا، لا سيما في ألمانيا كمثال، على امتداد أكثر من أربعين عاما، بما شمل أوساط العمل الإسلامي، والعمل الإعلامي، كما شمل التواصل الدائم مع المسلمين وغير المسلمين، من فئات متعددة، وأول سؤال ضروري لتوضيح الصورة هو: من هم مسلمو أوروبا؟..
ليس مسلمو أوروبا فئات غلبت على الحديث الإعلامي عنها صور نمطية قديمة: وافدون، جاليات، أجانب، متخلفون، متشددون، يحملون قضايا بلدانهم الأصلية إلى أوروبا .. إلى آخره، بل هم بغالبيتهم العظمى:
- فئات "شعبية" كما هو الحال مع سائر فئات المجتمع الأخرى..
- يعملون في مختلف القطاعات..
- يدفعون الضرائب ويلتزمون بالقوانين..
- يشاركون قدر المستطاع في كثير من جوانب الحياة الثقافية والعلمية والمهنية والمدرسية والجامعية والتجارية وحتى السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والحقوقية..
هذه الغالبية الكبرى، هي الضحية قبل سواها عند التعامل كتابة وتصرّفا بأسلوب التعميم مع (مسلمي أوروبا) مع الجهل أن هذا الوصف يعني تلك الغالبية بنسبتها العالية جدا إلى عموم مسلمي أوروبا.
ومن وجوه كونها ضحية ذلك التحامل والجهل، أنّ الإعلام الغربي والعربي والإسلامي لا يسلط عليها الأضواء كما ينبغي، إذ لا تصدر عنها أعمال أو مواقف أو صور أو ممارسات تصلح لعنصر "الإثارة" الإعلامية، لأنها تعيش حياتها "الاعتيادية" وربما الرتيبة، في مواطنها الأوروبية.
يضاف إلى ذلك أن غالبية العاملين في "الإعلام" الأوروبي، ليسوا "حياديين" في تعاملهم مع الإسلام والمسلمين، بغض النظر عن النوايا، ولئن كان بعضهم على الأقل يتعمّد تشويه الصورة فقد يكون بعضهم الآخر "ضحية" أيضا، أي:
- ضحية الجهل بواقع الإسلام والمسلمين اليوم..
- وضحية موروث أوروبي/ غربي معرفي قديم ومنحرف خطير..
- وكذلك ضحية التفاعل مع أحداث خارج أوروبا، ومع أوضاع سلبية داخل البلدان الإسلامية..
- ولا نريد الاسترسال بالتنويه إلى صور سلبية يأتي بها الزوار المسلمون من البلدان الإسلامية بغرض السياحة أو سواها في بلدان أوروبية..
ومن ذلك كله يستمدّ كثير من الإعلاميين الأوروبيين، بعضهم دون قصد وبعضهم بأسلوب انتقائي مقصود، صورا منحرفة يجعلها نمطية عن الإسلام والمسلمين..
ثم.. وهنا ما يستدعي الاستغراب.. يتلقّى مسلمو أوروبا اللوم أكثر من سواهم على انتشار تلك الصور!.. ومن ذلك القول: إن مسلمي أوروبا مقصّرون في التعريف بإسلامهم!..
ومع تحفيز مسلمي أوروبا عموما على تجاوز القصور والتقصير، والأمل في مضاعفة جهودهم على هذا الصعيد، يبقى ثابتا وجديرا بالانتباه أن الإعلاميين الأوروبيين المعنيين لا ينطلقون بصورة مماثلة من منطلق الجهل عند حديثهم عن فئات أخرى، كالبوذيين من حيث الديانة، أو الفييتناميين من حيث الجنس، ومن المؤكد أن البوذيين أو الفييتناميين أو الأرمن أو سواهم من فئات عديدة لا تنتسب إلى جنسية أوروبية أو ديانة أوروبية، لا يبذلون للتعريف بأنفسهم وديانتهم جهدا أكبر مما يبذله مسلمو أوروبا، ولكن يؤدّي الإعلامي الأوروبي واجبه الإعلامي كما ينبغي، فيستقصي هو الحقائق ليكتب عندما يكتب عن علم وبينة، ولا يتحامل ليقال من بعد، حتى ألسنة "مسلمين" من خارج أوروبا: سبب التحامل هو الجهل، وسبب الجهل قصور مسلمي أوروبا!..
هم وسواهم.. سواء
إن الغالبية الكبرى من مسلمي أوروبا:
- لا تختلف في كثير من جوانب حياتها الاعتيادية عن غالبية المسلمين في البلدان الإسلامية إذا نظرنا إليها بمنظور انتماء إسلامي: أي من حيث تفاوت درجات تديّنها، وتعدد طرق معيشتها، وتباين أحاسيسها وأفكارها وأذواقها ومظاهرها العامة.. وكذلك من حيث وجود "فريق" من الناشطين يبذل جهدا مضاعفا أكثر من سواه للتعريف بالإسلام، والأمثلة على هذا الفريق كثيرة لا ينفسح المجال هنا للتفصيل فيها..
- كما أن هذه الغالبية الكبرى لا تختلف في كثير من جوانب حياتها عن غالبية سكان البلدان الأوروبية عموما، إذا نظرنا إليها بمنظور انتماء وطني: أي من حيث تعدد درجات الالتزام بالقوانين والأنظمة، وتفاوت مستويات المشاركة في الإنتاج والعطاء، واختلاف قوة التفاعل مع سلبيات المجتمع وإيجابياته، ومع أحزابه وتياراته، ومع أوضاع الحقوق والحريات والقضاء فيه..
ليس في هذا وذاك ما يستحق الاستغراب، ولا ما يستدعي اللوم، وإن كنّا أو كان بعضنا يتمنى من منطلق إسلامي أن تكون الغالبية أكثر عطاء وتمثيلا لحقيقة الإسلام، وأكثر عطاء وتفاعلا مع غير المسلمين من غالبية السكان، إنما لا يمكن اعتبار أوضاع هذه الغالبية من مسلمي أوروبا، التي لا تختلف "عموما" عن أوضاع سواهم، مسوّغا لتحميلهم المسؤولية عمّا يصنع المتطرفون، لا سيما من اليمين الأوروبي، من قبيل ما شهدته الساحة السويسرية مؤخرا، وشهده سواها من قبل.
التفاعل مع أحداث الساعة
إن الأنشطة التي يمارسها مسلمو أوروبا أو نسبة منهم -والمعتاد أن يكون الناشطون في كل فئة سكانية قلّة.. وهذا هو الحال مع مسلمي أوروبا- هذه الأنشطة:
- لا تقتصر على ما يوصف عادة بالنشاط "السلبي" أي المظاهرات والاحتجاجات، وغالبها في الوقت الحاضر ما تثيره أحداث وقضايا سياسية وأمنية وإنسانية أصبحت البلدان الإسلامية مستهدفة على صعيدها..
- بل أصبحت سياسات الغرب المسؤولة عن هذا الاستهداف سياساتٍ مرفوضة عند غالبية أهل البلدان الغربية عموما وفق استطلاعات الرأي وتطور الوعي بما يجري عالميا، كما يشهد على ذلك تنامي معارضة حرب أفغانستان بعد معارضة حرب العراق، ونصرة أهل غزة بعد الحرب عليهم واستمرار حصارهم..
لقد خرج الملايين متظاهرين إبان انتفاضة الأقصى وإبان احتلال العراق، فهل يمكن اعتبار وجود نسبة من المسلمين بينهم قريبة من نسبة المسلمين إلى عموم السكان، أمرا سلبيا.. أم صورة من صور الاندماج والتلاقي على أرضية إنسانية وسياسية مشتركة؟..
لا ينبغي قطعا الربط بين التحامل على الوجود الإسلامي في أوروبا، وبين هذه الأنشطة وإن تضاءل حجمها، كما لا ينبغي قطعا الزعم أن المسلمين في أوروبا(وافدون فحسب) يهتمون بقضايا بلدانهم الأصلية.. فهذا تشويه كبير للواقع الفعلي المشهود، أو صورة عتيقة لم يعد لها في الوقت الحاضر وجود يذكر!..
ثم إن مشاركة نسبة مئوية محدودة من الناشطين، وهم بدورهم نسبة مئوية محدودة من عموم مسلمي أوروبا، في مثل تلك المظاهرات والاحتجاجات، ليست استفزازية، ولا تحريضية، ولا حتى مرفوضة أو مستهجنة أو مستغربة، ولم يسبق أن صنفتها الأعراف والقوانين الأوروبية الحديثة تحت عنوان جريمة أو جنحة أو مخالفة للأنظمة، سواء كان المشارك مسلما أو غير مسلم، وسيان هل كان ما يعبر عنه موافقا لسياسات رسمية أم مخالفا لها.
ورغم تمنّي أوضاع أفضل وأنشطة أكثر وتنوّع أوسع، ففي الوقت الحاضر يمكن القول إن أنشطة الناشطين من مسلمي أوروبا متنوعة، فإن كان من بينها ما يرتبط بأحداث البلدان الإسلامية، فمن بينها أيضا قضايا أخرى مشتركة، كقضايا البيئة والمناخ والبطالة وهيمنة المال على صناعة القرار السياسي. ولئن انتشر الانطباع بأن تعدادهم في هذه الميادين منخفض، فربما يتبين عبر دراسة قويمة، أو عبر مجرّد إمعان النظر أن نسبة وجود المسلمين إلى تعدادهم في أوروبا بالمجموع، ليست أقلّ من نسبة وجود غير المسلمين في تلك الميادين إلى تعداد مجموع السكان في أوروبا، فهم موجودون -كسواهم من الفئات السكانية- في مثل هذه الأنشطة وسواها، كما سبقت الإشارة.
الشذوذ.. شذوذ لا يُعمّم
إن شذوذ أفراد أو جماعات -محدودة العدد والتأثير قطعا بالقياس إلى حجم "الكتلة البشرية" للمسلمين في أوروبا- هو من الممارسات المرفوضة الضارة المؤذية.. كارتكاب العنف غير المشروع "إرهابا"، أو الإعلان عن مواقف تفتقر إلى الموضوعية والفهم معا "تطرّفا"..
- ولكن هذا الشذوذ محدود، كما ونوعا..
- يستحق الإدانة والرفض واللوم والتنبيه والنقد.. إنما في حدود ما يستحقه فعلا، وما يتناسب مع حجمه الحقيقي، وليس بأسلوب التعميم..
- ثم إنه شذوذ عن أوضاع الغالبية الكبرى من مسلمي أوروبا، لا يختلف كما ولا نوعا عن شذوذ فئات من الأوروبيين غير المسلمين أيضا، ترتكب العنف وتتخذ من المواقف المفتقرة إلى الموضوعية والفهم معا ما تتخذ، في قضايا سياسية وغير سياسية..
لا بد في التعامل مع كل شذوذ من ملاحظة أساسية:
- لا أحد يتعامل مع عموم غير المسلمين من سكان أوروبا وكأنهم "حاضنة" لشذوذ "القلّة" من المتطرفيين والعنصريين وغيرهم في صفوفهم..
- ولا ينبغي لأحد أـن يتعامل مع مسلمي أوروبا كما لو أنهم حاضنة لشذوذ "القلة" من المسلمين من المتطرفين والعنصريين في صفوفهم..
إن معالجة الشذوذ مطلوبة على كل حال، والإسهام في ذلك مطلوب من كل قادر عليه، إنما لا يمكن أن يساهم في ذلك إسهاما إيجابيا، أن ينزلق اصحاب الأقلام الإعلامية في بلدان إسلامية، إلى ما ينزلق إليه إعلاميون غربيون، يتناقص عددهم تدريجيا، يمارسون عمدا أو جهلا، انحيازا مرفوضا ضد فئة سكانية بعينها، عبر تركيز الحملة على مسلمي أوروبا، تركيزا يأخذهم جميعا بجريرة أفعال قلّة منهم.
مزاعم الاستفزاز عبر مظاهر إسلامية
على صعيد مظاهر الحياة الإسلامية في بلدان غير إسلامية، كالحجاب والمساجد والأعياد والأذان، وما شابه ذلك، وحتى امتناع التلميذات المسلمات عن السباحة المختلطة في المدارس، أو المشاركة في رحلات مدرسية مختلطة لعدة أيام.. جميع ذلك وأمثاله مما يُصنّف تحت عنوان مظاهر أو خصوصيات إسلامية:
- يمكن أن نرصد تفاوت انتشاره بين بلد أوروبي وآخر تبعا لتفاوت القوانين والأنظمة والتوجهات الشعبية في المجتمع..
- مثلما نرصد تفاوت انتشار المظاهر المسيحية في بلدان إسلامية، تبعا لتفاوت القوانين والأنظمة والتوجهات الشعبية في المجتمع..
ولا ينبغي أن يكون هذا ولا ذاك ضحية مبالغات إعلامية لا أصل لها، وافتراءات لا تخدم مصلحة أحد.
وقد كشفت الحملة على النقاب في فرنسا مثلا، أن عدد المتنقبات بين ملايين المسلمات لا يتعدى العشرات..
وانكشف في مناسبات أخرى أن عدد المعلمات المسلمات المحجبات في بلد كألمانيا (زهاء 4 ملايين و300 ألف مسلم) لا يصل إلى العشرات، واستهدفتهن قوانين حظر "التدريس" مع ارتداء الحجاب..
ولا يكاد يرتفع الأذان في أي مكان من أوروبا (كأجراس الكنائس في البلدان الإسلامية) إلا في حالات أقل من أن توصف بالنادرة..
وكشفت حملة حظر المآذن في سويسرا أن عددها أربعة فقط، وأنها في حدود عشرة في المائة وأدنى من ذلك بالنسبة إلى تعداد المساجد والمصليات في معظم البلدان الأوروبية الأخرى..
فما الذي يسوّغ اتهام مسلمي أوروبا باستفزاز سواهم عبر مظاهر تدينهم، ويسوّغ تحميلهم المسؤولية عما يجري نشره من تخويف من الإسلام في أوروبا؟..
هل يمكن توجيه الاتهام أو تحميل المسؤولية عن التخوّف من المسيحية في بلدان ذات غالبية إسلامية، رغم أن مظاهر ممارستها أوسع نطاقا بما لا يقارن.. ناهيك عن أنشطة التنصير؟..
لا بد من التأكيد أن مظاهر الوجود الإسلامي في أوروبا لا تأخذ صيغة "تحدّي" سكانها من غير المسلمين، ولا صيغة استفزاز أو استعراض أو مبالغات، بل قد لا تصل درجة توافرها إلى تلبية الاحتياجات الأساسية ذات العلاقة بها، ولا تستنفذ ما تسمح به القوانين السارية المفعول.
القصور والتقصير
لا أحد في الأوساط الإسلامية في أوروبا يقول إن الأنشطة الإسلامية خلال عدة عقود ماضية، قد أدّت جميع واجباتها، ليس في ميدان إعطاء صورة قويمة محببة مقبولة عن الإسلام والمسلمين فحسب، بل أيضا في ميادين تلبية احتياجات المسلمين وأطفالهم وناشئتهم والمتقدمين من السن منهم والعاملين في المصانع والطلبة في الجامعات والتلاميذ في المدارس ناهيك عن الفقراء والعاطلين عن العمل واللاجئين السياسيين والمهاجرين فرارا من الحروب والنزاعات المسلحة والأوضاع الاقتصادية المنهارة.
إن القصور والتقصير موجودان ومعروفان والجهود للتعويض عن النتائج قائمة ومتصاعدة، إنما لهما أسباب ومعطيات تاريخية معروفة، منها ما يعود إلى المسلمين وتنظيماتهم، ومنها ما يعود إلى التخلي عنهم وعن دعمهم بالأمس من جانب كثير من المسلمين في البلدان الإسلامية ممن يلومونهم اليوم وينتقدونهم.
انشغل المسلمون الوافدون قديما بقضايا بلدانهم الأصلية أكثر مما ينبغي لفترة من الزمن.. ولكن الجدير بالذكر هنا، أن هذا الانشغال كان ينطلق من توجهات قومية وشيوعية وعلمانية ويسارية أكثر بكثير من توجهات إسلامية، فلم تتبدل الصورة إلا مع أواخر سبعينات القرن الميلادي العشرين، مع انتشار الصحوة الإسلامية، وآنذاك فقط بدأ وصف هذا الاهتمام بأنه "سلبي"، ثم تضاءل حجمه واضمحلت مظاهره مع ازدياد نسبة المسلمين من أهل البلاد الأصليين ومن مواليد الجيل الثاني والثالث، فأصبح -كما سبق الحديث- في حدود ما يعادل اهتمام غير المسلمين بقضايا البلدان الإسلامية من منطلقات الغرب على صعيد حرية التعبير والمشاركة السياسية وغير ذلك مما "تحثّ" الدساتير والقوانين والتوجيهات الثقافية والفكرية والتربيوية عليه.
- لم تعد هذه القضايا إذن طاغية على الأنشطة الإسلامية، بل يمكن القول إن المبالغة قديما تحولت إلى تقصير، لا سيما عند المقارنة بتزايد عدد المنصفين من غير المسلمين وظهورهم للعيان بمواقفهم وأنشطتهم، في مثل قضايا العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال، ويبقى مقياس التقصير هو أن هذه القضايا المعنية، تتجاوز بأبعادها ونتائجها حدود "مسلمين وغير مسلمين" و"بلدان إسلامية وغير إسلامية".. فهي قضايا "عالمية" بأحداثها، "إنسانية" بجوهرها، تفرض فرضا العمل من أجلها، سواء تحت عنوان أديان سماوية ترفض الظلم وما يصنع الظالمون، أو تحت عناوين الإنسان وحقوق الإنسان وحرياته.. ويجب الكفّ عن تصوير مشاركة المسلم في ذلك، سواء كان في أوروبا أو في غيرها، جريمة أو خطأ، بل الجريمة والخطأ ألا يشارك.. وهذا ما يمكن اعتباره تقصيرا في الوقت الحاضر، فالمشاركة ضعيفة، وضعفها يستحق الاستغراب، إنما يثير استغرابا أكبر أن تعتبر أقلام إعلامية في البلدان الإسلامية مثل تلك المشاركة المفروضة دينيا وإنسانيا "مستفزة" إذا شارك مسلمو أوروبا فيها!..
- نتائج القصور والتقصير قديما تظهر في الوقت الحاضر في ميادين أخرى، كتعليم الدين الإسلامي في المدارس، وافتقاد ما يكفي من دور حضانة أطفال تراعي الاحتياجات الإسلامية، وغياب المؤسسات الاجتماعية والثقافية والرياضية وماشابهها مما يراعي الأطروحات الإسلامية.. والمطالبة حاليا بذلك، لا تتجاوز حدود ما تقرره الدساتير والقوانين والأعراف الأوروبية، وقد تركزت جهود مسلمي أوروبا أو الناشطون منهم على هذه الميادين، وبدأت ثمار ذلك بالظهور تدريجيا.. إنما يحتاج كل تطور من هذا القبيل إلى ما يكفيه من الوقت، والمفروض بدلا من توجيه اللوم إلى مسلمي أوروبا بسبب قصور وتقصير قديما، الحرص على تقديم الدعم لهم، وتبني احتياجاتهم، أو الكف عن لومهم ونقدهم على الأقل.
والجدير بالذكر أن الدول الغربية جميعا، لا تنقطع عن تأييد مطالب تلبية احتياجات المواطنين من غير المسلمين في البلدان الإسلامية، ومع التأكيد بأن تلبية هذه المطالب هي في صميم ما يقرره الإسلام، فلا أقل من المعاملة بالمثل، أي لا أقل من أن تؤدي الحكومات المعنية في البلدان الإسلامية واجبها في مطالبة الدول الأوروبية بتلبية احتياجات المسلمين من المواطنين الأوروبيين، وأن يؤدي الإعلام في البلدان الإسلامية واجبه ببيان هذه الاحتياجات ودعم المطالبة بها.
أسباب أخرى للوم والنقد
لا يراد بعد محاولة عرض واقع مسلمي أوروبا الخوض بالتفصيل في جوانب أخرى تكمن فيها أسباب أعمق لتحوّل ملحوظ في "بعض" ما يكتب وينشر في البلدان العربية والإسلامية عن أحداث أوروبية مثل استفتاء سويسرا، من التركيز على أسبابه الكامنة في وجود متطرفين في عدائهم للإسلام والمسلمين، إلى التركيز على مسؤولية مسلمي أوروبا أو قصورهم وتقصيرهم عن أداء واجباتهم. إنما يمكن التلميح إلى بعض تلك الأسباب:
1- حالة العجز المنتشرة على امتداد العالم الإسلامي عن مواقف وردود وسياسات وعن طرح فكري وعملي لمواجهة أساليب التعامل السياسية وغير السياسية من جانب الدول الغربية، ومراكز صناعة القرار فيها، سياسة وفكرا وإعلاما، تجاه الإسلام والمسلمين، وقد غلبت السلبيات عليه، بدءا بالحروب الإجرامية المدمرة مرورا بمسلسل الإساءات والافتراءات المتعاقبة انتهاء بالقوانين "الاستثنائية" وحتى الاستفتاءات غير المشروعة على حقوق إنسانية ثابتة..
كأن هذا العجز يدفع من يستشعره أو من يريد إنكاره داخل البلدان الإسلامية، إلى البحث عن مسؤول عن هذا الخلل الكبير، ويجد في مسلمي أوروبا "كبش الفداء"!..
2- كثير من اللوم والنقد ينطلق مما ساد من صور نمطية مرفوضة داخل البلدان الإسلامية عن التعامل مع قضايا الإسلام والمسلمين، وقضايا الإنسان والعالم، فيغلب التعميم دون تمحيص، ويغلب ما يسمى "جلد الذات" على الرؤية المتكاملة للصورة، وإذا بما تفعله فئات من غير المسلمين، في الدول الأوروبية، متعصبة متشددة متحاملة حتى بموازين تلك الدول وعموم أهلها، يجد عند تلك الأقلام صورا لا مسوّغ لها من التبرئة، أو التجاهل، لتبحث عن أسباب ما تصنعه عدوانا عند ما يصنعه مسلمو أوروبا عموما أو ما لا يصنعونه تقصيرا، ولو كان هؤلاء ملائكة يمشون على الأرض، لما تخلت تلك الفئات عن تعصبها وتشددها وتحاملها ضد الإسلام والمسلمين.
3- من يطلع بما فيه الكفاية على ما كتب في الإعلام الأوروبي وصدر عن مسؤولين أوروبيين من غير اليمينيين المتشددين والعنصريين، من مواقف منصفة بعد استفتاء سويسرا بالذات، ويقارنه بغلبة اللوم والنقد في الساحة الإعلامية العربية تجاه مسلمي أوروبا، يعجب من حقيقة أن الإنصاف يزداد ظهورا للعيان في أوروبا نفسها مقابل ازدياد التحامل في بلدان المسلمين على مسلمي أوروبا، وأن الخشية من أفاعيل الفئات المتطرفة المتعصبة المتشددة تجاه الإسلام أصبحت تلحق ضررا كبيرا بأوروبا وأهلها من مسلمين وغير مسلمين، مقابل غلبة أسلوب التسويغ -ولو عن غير قصد- في متابعة حدث من قبيل ذلك الاستفتاء ونتائجه.
4- إن التشنج في طرح مواضيع الوجود الإسلامي في أوروبا من مختلف جوانبه، مرفوض على صعيد مواجهة المتطرفين من غير المسلمين وحملاتهم المتوالية لأسباب تاريخية وذاتية في الدرجة الأولى.. ولكنه مرفوض أيضا في التعامل مع المسلمين أنفسهم. وإن الموضوعية المطلوبة في التعامل مع هذا وذاك هي التي تتطلب أن يكون الحديث عن الوضع القائم حديثا موضوعيا متوازنا، عن علم لا يلقي الكلام على عواهنه، وعن بحث واستقصاء لا يدع للارتجال في طرح الأحكام مكانا، وعن اطلاع وتواصل لا يغلب عليه تدافع المسؤولية وتبرئة الذات بتوجيه أصابع الاتهام للآخر.
5- إن التغيير إلى الأفضل مطلوب على الدوام، والعمل من أجله مفروض على الدوام، والمسؤولية عن ذلك مسؤولية مشتركة، والتعاون ضرورة من ضرورات تحقيقه.. إنما لا ينبغي أن ينتظر أحد التغيير إلى الأفضل بين ليلة وضحاها، ولا تبديل ما استقر في المجتمعات من أسباب تساعد على التغيير أو تعرقله، دون جهد متواصل صادر عن وعي يتنامى ويتلاقى عليه الجميع لتتكامل جهودهم وإن تعددت نظراتهم ومنطلقاتهم وأساليبهم ووسائلهم في العمل. ومن يقارن بين أوضاع الإسلام والمسلمين في أوروبا بين ما كانت عليه قبل جيل واحد وما أصبحت عليه اليوم، لا يمكن إلا أن يتفاؤل تفاؤلا موضوعيا بما يمكن أن يتحقق في المستقبل المنظور، على أيدي جيل المستقبل، فشبيبة المسلمين في أوروبا، ذكورا وإناثا، بدأت تمتلك تدريجيا أسباب عطاء أفضل وجهد أكبر، فالأمل كبير دون إغفال النواقص والسلبيات، ولا العقبات الذاتية والخارجية.. إنما لن تساهم في تحقيق الأمل زيادة اللوم والتقريع والنقد دون روية، بل يساهم فيه الدعم والتشجيع مع النقد والنصيحة وفق رؤية متوازنة، وروية مستديمة، وصدق في الطرح، وصدق في العطاء.
15/12/2009
ابحث
أضف تعليقاً