wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
مفهوم الجمال في الإسلام
السبت, March 31, 2012

 إذا كانت “الحضارة” هي جماع إبداع الأمة في عالمي “الفكر” و”الأشياء”، أي في “الثقافة” التي تهذّب الإنسان وترتقي به، وفي “التمدن” الذي يجسد ثمرات الفكر -في التطبيق والتقنية- أشياء يستمتع بها الإنسان المتحضر.. إذا كانت هذه هي “الحضارة”، فإنها كإبداع بشري في المنظور الإسلامي وفي التجربة الإسلامية، وثيقة الصلة بدين الإسلام كوضع إلهي نزل به الوحي على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

   ففي التجربة الحضارية الإسلامية، كان “الدين” هو الطاقة التي أثمرت -ضمن ثمراتها؛ توحيد الأمة وقيام الدولة والإبداع في كل ميادين العلوم والفنون والآداب- شرعية وعقلية وتجريبية، كما كان الدافع للتفتح على المواريث القديمة والحديثة للحضارة الأخرى، وإحيائها وغربلتها وعرضها على معايير الإسلام، واستلهام المتسق منها مع هذه المعايير، لتصبح جزءًا من نسيج هذه الحضارة الإسلامية التي وإن كانت إبداعًا بشريًا، إلا أنها قد اصطبغت بصبغة الإسلام الدين)، كما كانت ثمرة للطاقة التي مثلها وأحدثها عندما تجسد في واقع المسلمين. تلك هي العروة الوثقى بين دين الإسلام وبين حضارته، بما فيها من إبداع شمل مختلف الميادين؛ الشرعية، والعقلية، والتجريبية، والجمالية.

الجمال المسخَّر للإنسان
   إن “الجمال” الذي يظن بعض من الناس مخاصمة الإسلام إياه، هو -إذا نحن تأملناه- بعض من آيات الله سبحانه وتعالى التي أبدعها في هذا الكون وأودعها فيه، إنه بعض من صنع الله وإبداعه سبحانه، سوّاه وسخّره للإنسان، طالبًا من الإنسان أن ينظر فيه ويستجلي أسراره ويستقبل تأثيراته ويستمتع بمتاعه ويعتبر بعبرته: ((وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ في ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) ((وأينما يمّم الإنسان بصره أو بصيرته أو عقله أو قلبه، فإنه واجد آيات الله التي خلقها “زينة” للوجود ودعاه إلى النظر فيها: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِد)).

   فهذه “الزينة” التي هي آيات إبداع الله عز وجل هي “زينة-جمال”، يدعو الله الإنسان إلى النظر فيها، بل وكأنه يقول لنا، إن خلقها ليس “للحفظ” فقط ولا “للمنفعة” وحدها، وإنما “للزينة” التي أبدعها الله لينظر فيها الإنسان ويستمتع بما فيها من جمال. ومثال ذلك حديث القرآن الكريم عن آيات خلق الله التي أبدعها لنا في صورة “الحيوان” المسخّر للإنسان، فليست “المنفعة” المادية وحدها هي الغاية من هذا الخلق والتسخير، وإنما “الجمال” و”الزينة” أيضًا، غايات يتغياها الإنسان في هذا الخلق الذي خلقه الله: ((وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ))

   إن تنمية الإحساس الجمالي لدى الإنسان المؤمن، هو تنمية للملَكات والطاقات التي أنعم بها عليه الله سبحانه وتعالى، وإن في استخدام هذه الملَكات، سبلا للاستمتاع بما خلق الله سبحانه وتعالى في هذا الكون من آيات الزينة والجمال.

النظر في الجمال هو امتثال لأوامر الله
   إن هذا الجمال وتلك الزينة هي آيات الله، أبدعها وبثها في هذا الكون، وأمر الإنسان أن ينظر فيها، فالنظر في هذا الجمال، والاستقبال لآيات الزينة، وفتح قنوات الإحساس الإنساني على صنع الله، هو امتثال لأمر الله عز جل: ((أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا)). وهذا النظر في هذه الآية وغيرها من الآيات، هو سبيل من سبل الاستدلال على وجود الله سبحانه وتعالى وعلى كمال قدرته وبديع صنعته. وما تعطيل النظر في آيات الجمال، إلا تعطيل للدليل على وجود الصانع المبدع لهذه الآيات.

   فإن تنمية الإحساس الجمالي لدى الإنسان المؤمن، هو تنمية للملَكات والطاقات التي أنعم بها عليه الله سبحانه وتعالى، وإن في استخدام هذه الملَكات، سبلا للاستمتاع بما خلق الله سبحانه وتعالى في هذا الكون من آيات الزينة والجمال، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال:”إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده” رواه الترميذي.

الفطرة تمثِّل التجمّل والتزين
   ولأن هذا هو موقف المنهج الإسلامي من آيات الجمال والزينة المبثوثة في الكون من صفات الحسن والبهاء المتاحة للإنسان في هذه الحياة، كانت دعوة القرآن الكريم الناسَ إلى اتخاذ الزينة عند كل مسجد، أي إلى إقامة التلازم وعقد القران بين التزين وبين دعاء الله والمثول بين يديه، فكلاهما التزيين والصلاة) شكر لله سبحانه وتعالى: ((يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)). نلحظ أن هذه الآيات تدعو الإنسان وليس المسلمين وحدهم، وذلك تنبيهًا على أن هذا هو مقتضى الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ طلب الزينة والجمال، وتصحيحًا للانحراف الذي جعل العبادة رهبانية تدير الظهر لصفات الحسن ومظاهر الجمال في هذه الحياة. إنه المنهج الإسلامي الذي يعيد الإنسان في هذه القضية وسواها، إلى “فطرته” والتي يمثل التجمل والتزين ملمحًا أصيلًا من ملامحها، وفي حديث عائشة رضى الله عنها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عشر من الفطرة: قص الشارب، وقص الأظافر، وغسل البراجم، وإعفاء اللحية، والسواك والاستنشاق، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء”. رواه النسائي

   وإذن، كان “المسجد” في العرف الإسلامي، هو مطلق مكان السجود، ولذلك كانت الأرض كلها مسجدًا لأبناء الإسلام. فإن اتخاذ الزينة هو فريضة إسلامية في الأوقات الخمسة التي يمثُل فيها المسلم -يوميًّا- بين يدي مولاه، أي إنها فريضة إسلامية في كل زمان -تقريبًا- وفي أي مكان.
وهذه الفريضة يتأكد التنبيه عليها في أيام وأماكن الاجتماع، كالجمع والأعياد.. وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من اغتسل -أو تطهر- فأحسن الطهور، ولبس من أحسن ثيابه، ومس ما كتب الله له من طيب أو دهن أهله ثم أتى الجمعة، فلم يلغ ولم يفرق بين اثنين، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى” رواه ابن ماجة). لقد ميز الإسلام ما بين طلب الجمال والاستمتاع به عندما يحكمه الاقتصاد والاعتدال وعندما يكون شكرًا لأنعم واهب هذا الجمال، وبين “الكبر” الذي نهى عنه الإسلام وتوعد مقترفيه.

الزينة التي يطلبها الإسلام
   ولا يحسبن أحد أن “الزينة” التي يطلبها الإسلام ويأمر بها، مقصورة على الثياب الحسنة والطيب وحسن التجمل -فقط- عند المثول بين يدي الله في الصلاة، ذلك أن “الزينة” إذا كانت اسمًا جامعًا لكل شيء يُتزين به، فإن مصادر طلبِها ومواطن الإحساس بها، مبثوثة في كل آيات الجمال التي خلقها الله، وأبدعها وأودعها في سائر أنحاء هذا الوجود.

   ولقد ميز الإسلام ما بين طلب الجمال والاستمتاع به عندما يحكمه الاقتصاد والاعتدال وعندما يكون شكرًا لأنعم واهب هذا الجمال، وبين “الكبر” الذي نهى عنه الإسلام وتوعد مقترفيه. فعندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه ابن مسعود رضي الله عنه: “لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر”، عند ذلك قال رجل: يا رسول الله إني ليعجبني أن يكون ثوبي غسيلًا ورأسي دهينًا وشراك نعلي جيدًا -وذكر أشياء حتى ذكر علاقة سوطه- أفمن الكبْر ذلك يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا، ذلك الجمال، إن الله جميل يحب الجمال، ولكن الكبْر من سفه الحق وازدرى الناس” رواه مسلم.

 

                                                                       د.محمد عمارة
جريدة الدستور: 31/03/2012

 

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.