
كان دخول أبو مصعب الزرقاوي العراق عام 2002 مرورا بمناطق كردستان العراق التي لم تكن لنظام صدام حسين سيطرة عليها هو أول فتح للقاعدة لجبهة جديدة بعد سقوطها في أفغانستان بسقوط حليفتها حركة طالبان الأفغانية .
صحيح أن الزرقاوي لم يكن قد انضم فعلياً إلى تنظيم القاعدة آنذاك وإنما ترأس تنظيمه الخاص "السلفية والجهاد" لكنه بما يحمله من فكر سلفي جهادي قتالي يتلاقى مع القاعدة في منابذة الأمريكان، والإطاحة بأنظمة الحكم وتولية أنظمة بديلة، أهم ما يمكن أن يستلفت الانتباه أن "التوحيد والجهاد" ذلك التنظيم الذي تأسس قبيل سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين واحتلال القوات الأمريكية والأجنبية المتحالفة معها للعراق، والذي عبر عن أهدافه واستراتيجيته" تحرير العراق وإقامة دولة تحكم بالشريعة الإسلامية فيه "أن غالبية أعضائه من العرب وقلة قليلة فيه فقط من العراقيين، لكن الأكثر غرابة أن عدد أعضائه على الأقل حتى قتل زعيمه الأبرز أبو مصعب الزرقاوي لم يزد على ثلاثين مقاتلاً فقط لا غير؟!
ونفاذاً لذلك قام التنظيم في عامه الأول - على أرجح التقديرات التي رصدت نشاطاته - بخطف جنود أمريكيين وقطع رؤوسهم وتفجيرات عبوات ناسفة بسيارات مفخخة على الآليات العسكرية واغتيال بعض الشخصيات المتعاونة مع الاحتلال والنظام العراقي.
ورغم نفى التنظيم صلته أو مسؤوليته عن كثير من التفجيرات التي شهدتها بغداد وبعض المدن الأخرى وتفسيره ارتكابها للتناحر الداخلي بين الأحزاب التي تريد فرض وصايتها على مناطق العراق والامريكان، إلا أنه دخل في سجالات عنيفة مع الشيعة واتهم ميليشيات جيش المهدي وفيلق بدر باستهداف أهل السنة والجماعة في العراق، مما يرجح دخوله في صدامات طائفية حرفته عن مقصده الرئيس وهو مقاومة الامريكان ودحر الاحتلال، كثف تنظيم الزرقاوي "التوحيد والجهاد" نشاطاته في السنة الثانية عام 2003 ونسب إليه قيامه بعملية اغتيال محمد باقر الحكيم ومائتين معه.
كانت أجندة الزرقاوي متشابهة مع أجندة الشيخ أسامة بن لادن حتى في تردده بين القومي والوطني أو بين الدولي والمحلي، إذ قام الزرقاوي بحركة مسرحية درامتكية بإطلاق صواريخ على ميناء "إيلات" الإسرائيلي عام 2004 وجرد سرية من أربعة أفراد تسللوا إلى العاصمة الاردنية عمان قاموا بعمليات تفجير في فنادق وسط عمان.
وكان عام 2005 حاسما في الإعلان عن دخول أبو مصعب الزرقاوي في طاعة شيخة أسامة بن لادن ومبايعته له البيعة الشهيرة التي أعلن في إثرها على تعيين بن لادن للزرقاوي أميرا لـ "القاعدة في بلاد الرافدين" وحذر السنة من المشاركة في العملية الانتخابية التي جرت في ذلك العام، وعاد مرة أخرى للتصادم مع الشيعة على سند من القول أنهم يتعاونون مع الاحتلال من عملياته التفجيرية مستخدما السيارات المفخخة مع إعلان الزرقاوي أوائل عام 2006 انه سوف يقتل ويستهدف جميع عناصر الشرطة والجيش والمدنيين الشيعة والمناطق التي تتواجد بها الميليشيات، وأعلن عن تشكيل فيلق "عمر" لمواجهة فيلق "بدر".
في أكتوبر عام 2006 انضم تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين مع عدة تنظيمات أخرى مسلحة وأعلنوا قيام "دولة العراق الإسلامية" في حركة استباقية لما توقع إقراره من اعتماد مناطق لا مركزية وذلك داخل مناطق تضم غالبية سنية تمركزت في مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار.
لم أكن من الذين يعتمدون نظرية المؤامرة في قراءة الأحداث وتفسيرها، لكن وجدتني أبحث دون ترتيب أو إعداد في هذا الإطار وأنا أتابع ما جرى ويجري في العراق منسوبا لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، لأنني أفهم اهتمام هذا التنظيم وفروعه أو امتداداته الاقليمية في المغرب العربي أو باكستان أو الحجاز كما يقولون بأمور داخلية خاصة تعني بالبلد الذي ينتمي إليه أعضاء التنظيم، فالقاعدة في بلاد الرافدين مؤكد أن أول ما يتبادر إلى الذهن اهتمامه بتحرير العراق وانهاء الاحتلال الاجنبي ومقاومته، وأفهم أيضا على الأقل بحكم خبرتي في ملف الجماعات المسلحة أن ذلك التنظيم - حسب الفهم المحدود لأعضائه - قد يلجأ لإحداث فتن طائفية هناك وقلاقل بين الشيعة والسنة في إطار إحراج الاحتلال وإدارته، هكذا فكرت دوائر مسلحة في مصر أبان دخولهم في صدام مسلح مع النظام المصري، فبعد محاولات اغتيال بعض رموزه وضباط الأمن لجأت في محاولة لاضعافه ولي يده إلى تفجير بعض المصارف والبنوك لاحداث بلبلة في الاقتصاد الوطني، ولما فشلت لجأت إلى اغتيال السياح الاجانب.
لكن أن يلجأ تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين إلى تفجير كنيسة في العراق أو اختطاف أسرى واتخاذهم رهائن لإملاء مطالب تتعلق بمصر؟! وتهديدات للكنيسة المصرية؟! فهذا أمر فيه نظر، وأصابع لها مصلحة في وقوع فتنة طائفية وتهديد الأمن والسلم في مصر.، فما هي صلة تنظيم يعمل من أجل مقاومة احتلال – أو هكذا يقول ويعلن – بتبني عمل أو التهديد بعمل انتقامي في مصر يستهدف الكنيسة المصرية؟!
أذكر منذ سنوات طويلة ربما عام 96 تقريبا أن بيانا تم بثه عبر وكالات الأنباء منسوبا للجماعة الإسلامية في مصر يتهدد حياة ثلاثة من رجال الأعمال المسيحيين نجيب ساويرس ورامي لكح وصادق غبور، وقامت الدنيا ولم تقعد، كان هذا البيان ونشره سببا من أسباب غلق جريدة الدستور الأولي، وتبين لأجهزة الأمن عدم صحة البيان وسارعت الجماعة إلى نفي صلتها به وتأكدت أجهزة الأمن في مصر من ضلوع بعض من لهم صلة في معاملات اقتصادية متشابكة بإصدار هذا البيان المزيف.
أنا لا أنفي "غباء" بعض من يعلنون صلتهم بالقاعدة وإمكانية تورطهم في القيام بمثل هذه الجرائم مندفعين وراء مشاعر مكذوبة واهتمامات بالتواجد في بؤرة الضوء، لكن في كل الأحوال أعتقد أن توظيف الحدث مسؤولية جهات تحسن تدبير الأمور في اتجاهات سلبية ترمي إلى الضرر بمصر وأمنها واستقرارها أو تحسين صورة الكنيسة المصرية في وقت توترت فيه الأجواء بسبب تصريحات الانبا بيشوي الصادمة التي اعتبرت المسلمين ضيوفا على المسيحيين في مصر، وامتناع بطريرك الكنيسة المصرية عن حضور احتفالات اكتوبر في صلف وغرور، وبينما يتساءل الدكتور سليم العوا وغيره عن سلطان الكنيسة وتحولها لدولة داخل الدولة، وعدم قدرة أجهزة الأمن تنفيذ القانون داخل الكنائس جاءت تهديدات منسوبة للقاعدة إلى الكنيسة المصرية لتعيد أجواء التعاطف مرة أخرى ويبقى المطلوب حفظ أمن الكنائس بدلا من تفتيشها وقدرة الأمن على تنفيذ القانون داخلها.
منقول عن موقع منتصر الزيات
بتاريخ:14/11/2010
ابحث
أضف تعليقاً