wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
من معالم الوسطية

من معالم الوسطية

د محمد هيثم الخياط
عضو مجامع اللغة العربية بدمشق وبغداد وعمان والقاهرة وأكاديمية نيويورك للعلوم. كبير مستشاري المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط

يُؤْثَرُ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، قولُه في خطبته يوم بُويع بالخلافة: (اليمينُ والشمالُ مَضَلَّة، والوُسطى الجادَّة). وهذا القول المأثور عن أحد الخلفاء الراشدين المهديين، الذين أمَرَنا سيدنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نعضَّ على سنته وسنتهم بالنواجذ، يرسم للمسلمين طريق الصواب ومحجَّة الهدى، ويبيِّن أنْ لا خيرَ لهم في يمين أو شمال، لأن طريقهم الذي شقّهُ لهم ربهم -عزّ وجل- وألْحَبَهُ [أي أوضحه ونَهَجه] هو الطريق الأوسط، أما تلك الطرق الأخرى التي على كلٍ منها شيطـان يدعو إليه، فكلها من طُرُق الضلالة وسُبُل الزيغ عن الصراط المستقيم، الذي يدعو المسلم ربه سبع عشرة مرة في اليوم على الأقل أن يهديه إليه، بعيداً عن أي غُلُوٍّ أو جفاء، كما قال سيدنا عليٌّ رضي الله عنه: (خيرُ الناس هذا النَّمَطُ الأوسط، يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي)، وكما قـال الحسـن البصري رحمه الله: (السُّنَّةُ والذي لا إلهَ غيره بين الغالي والجافي، فاحرصوا عليها رحمكم الله، فإنَّ أهلَ السُّنَّة كانوا أقلَّ الناس في ما مضى، وهم أقلُّ الناس في ما بقي: الذين لم يذهبوا مع أهل الأتراف في أترافهم، ولا مع أهل البـِدَع في بـِدَعهم، وصبروا على سُنَّتهم حتى لقوا ربَّهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا). 
والتزامُ هذه الجادَّة الوُسطى، والتحنُّف [أي التباعد] عن اليمين والشمال، هو ما يُطلق عليه (الحنيفية) في المصطلح الإسلامي؛ لأنَّ (الحنيف) هو المستقيم كما جاء في لسان العرب.
وقد أطلق ربُّنا عزّ وجل صفة (الحنيف) في وقتٍ معاً على الدين الذي يمثـِّل هذه الجادَّة الوُسطى: {{أقِمْ وجهك للدين حنيفاً}}[يونس: 105]، وعلى مُعْتَنِق هذا الدين وحامله: {{مِلَّةَ إبراهيم حنيفاً}}[البقرة: 135، آل عمران: 95، النساء: 125، الأنعام: 161، النحل: 123]؛ {{قانتـاً لله حنيفاً}}[النحل: 120]؛ {{حُنَفَاء لله}}[الحج: 31]. واشتقَّ سيِّدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفة الحنيف اسماً هو (الحنيفيّة) للدلالة على هذا الدين فقال: (أُرسلتُ بحنيفيَّة سَمْحة) [رواه الإمام أحمد بإسناد حسن]. 
وهذه الحنيفية هي بنصّ القرآن المُعْجِز، نفسُ الفطرة التي فطر الله الناس عليها: {{فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرةَ الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخَلْق الله ذلك الدين القيّم}}]الروم: 30[. وهذا شيء فوق العقل البشري أن يتصوّره: هذا التداخل العجيب بين الدين وبين فطرة الناس وبين خَلْق الله كله، وهو يقودنا إلى البُعد الثاني من أبعاد الوسطية، ألا وهو اليُسْر ورفع الحَرَج.
وإنك لترى مصداقَ ذلك في خاتمة سورة الحج، التي تتداخل معانيها في نسيج عجيب: {{ هُوَ اجتباكُمْ وما جَعَلَ عليكُمْ في الدِّين من حَرَج ملّةَ أبيكُمْ إبراهيم هُوَ سمَّاكم المسلمينَ مِنْ قَبْلُ وفي هذا ليكونَ الرسولُ شهيداً عليكُمْ وتكونوا شهداءَ على النَّاس}}]الحج: 78[.
فاللّه سبحانه هو الذي اختار هذه الأمة، واصطفاها على الناس وشرَّفَهَا بحَمْل رسالته، وجَعَلَها أمةً وَسَطاً، وجعـل رسالتَها رسالة (وَسَطيَّة)، وكـان من أعظـم آيـات هـذه (الوَسَطيَّة) أنْ لم يجعل عليها في الدين من حَرَج، فوسّع لها دينها تَوْسِعَةَ ملَّةِ أبيها إبراهيم الحنيف المسلم، صاحب الملّة الحنيفية السمحة.
وهذا هو ما فهمه الإنسان العربيُّ المخلوقُ على الفطرة، كما قال الأعرابيُّ للحَسَن: (علِّمْني ديناً وَسُوطاً: لا ذاهباً فُروطاً ولا ساقطاً سقوطاً)، فقال له الحسن: (أحسنت يا أعرابي خير الأمور أوساطها).
والانحرافُ عن هذه الحنيفية الوَسَطية السَّمْحة، إفراطاً أو تفريطاً، غُلُوّاً أو جفاءً، رجسٌ من عمل الشيطان، كما بيّن ذلك (شاهدُ) هذه الأمة صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عــن عياض بن حمار المجاشعي: (إني خلقت عبادي حُنَفَاء كلَّهم، وإنّهم أتَتْهُمُ الشياطين فاجتالتهم [أي حوّلتهم] عن دينهم، وحرَّمَتْ عليهم ما أحلَلْتُ لهم، وأمَرَتْهم أن يُشركوا بي ما لم أنزِّل به سلطاناً). 
فقد مثّل سيدنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للابتعاد عن الحنيفية والاجتيال عن الدين بتحريم الحلال.. كما يفعل المتنطّعون في عصرنـا.. بل قَرَن ذلك بالشرك والعيـاذ باللّه، كما قَرَنَ الله بينهما في آية سورة الأنعام: {{سَيَقولُ الذين أشركوا لو شاء الله ما أشرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حرَّمنا من شيء}}[الأنعام: 148]. وتلك مزلّة كبرى ومَدْرَجَةٌ من مدارج الهلاك.
وقضيَّةُ تحريم الحلال هذه من أهم قضايا العقيدة، لأن الله سبحانه قال لعباده: {{خَلَقَ لكم ما في الأرض جميعاً}}[البقرة: 29]، وما خَلَقَهُ لهم فقد أحلَّه وأباحَهُ لهم. وتحريمُ أيِّ شيء من هذا الذي أحلَّهُ الله وأباحَهُ، ولو مثقالَ ذرَّة، إنما هو من صلاحيات الذي أحلَّ وأباحَ وحدَه، والذي يَجْتَرئُ على التحريم بغير بُرهان من الله أتاه، إنَّما يَجْتَرئُ على مقام الله عزَّ وجَلَّ، ويحاول أن يُنازعَهُ سُلْطانَه، وذلك تصرُّفٌ، يُضارع الشِّرْكَ والعياذُ بالله.
وإذا كان الله عَزَّ وجَلَّ قد حرَّم على بعض الأقوام السابقة بعضَ الحلال عقوبةً لهم، فإنه الله عزَّ وجل لـمَّا أرسلَ النبيَّ الخاتم صلى الله عليه وسلم، وصَفَهُ بأنه ]يُحِلُّ لهم الطيِّبات ويحرِّمُ عليهم الخبائث[، وبذلك أعادَ الله سبحانه –بمنِّه وكرمه– مُعْظَمَ الأمور والأشياء إلى دائرة الحلال والمباح، وأعادَ بفضله تضييقَ دائرة الحرام وحَصَرَها في كلِّ ما يعود بالضرر، ظاهراً كانَ ذلك الضررُ أم غيرَ ظاهر، فجعل الإثم في مقابلة النفع ومعاكساً له، فهو الضَّرَرُ إذَنْ؛ ووَضَعَ الضوابطَ الصَّارمةَ التي تَحُولُ دون أيِّ تجاوُز أو عُدْوان على سلطة التحريم، فنصَّ على أنّه –سبحانه- {{قد فَصَّلَ لكم ما حرّم عليكم}}[الأنعام: 119]، فالتحريم لا يكون إلا بنصٍّ مفصَّل صريح، ولا يكون أبداً بنصٍّ مُجْمَل أو إشارة خفيَّة.
ومن أجل ذلك عَدَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم (من أعظم الناس جُرْماً من سَأَلَ عن شيء لم يُحَرَّمْ فحُرِّم من أجل مسألته). ومن أجل ذلك كان من القُرُبات التي يتقرَّبُ بها العباد إلى ربِّهم أن يتمتَّعوا بما رخَّصَ لهم من رُخَص، (لأن الله يُحبُّ أن تؤتَى رُخَصُه كما يُحبُّ أن تؤتَى عزائمُه) [رواه الإمام أحمد في مسنده]. 
وهذا ما فهمه علماءُ هذه الأمة من أصول دينهم حتى قال التابعيُّ الجليل سُفْيان الثـَّوري رحمه الله: "إنما الفقهُ: الرُّخصةُ من ثِقَة، أما التشديد فيُحسنُهُ كلُّ أحد"، وقال الإمام الشوكاني رحمه الله في عبارة له رائعة: "لا يُشْرَعُ التنزُّهُ عن فعل الشَّيء الحلال، فليس في تَرْك الحلال وَرَع" [إرشاد الفحول: ص 236].
ولعلَّ من أكبر نِعَم اللّه على عباده أنْ بعث إليهم الدين بواسطة الرسل والأنبياء، ليكونوا (شُهَدَاءَ) على الناس. وتعبير (الشهداء) هذا أكبرُ بكثير من أن يُتَرْجَمَ عن معناه بكلامٍ من كلام البشر، ولكن المرءَ يحاول أن يتلمَّسَ بعض ما في هذا التعبير من معانٍ جليلة. ولعلَّ من خير ما يعبِّر عن بعض ما في لفظة (الشهيد) أو (الشاهد) من معانٍ، ما يطلقون عليه في علوم العصر (معيار ضمان الجودة).
فالجودة أمرٌ مطلوب في كل عمل من أعمال العصر، علمياً كان ذلك العمل أم صناعياً أم تجارياً أم غير ذلك. ومِن قَبْلُ قال سيدنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن شدَّاد بن أوس: (إن اللّه كَتَبَ الإحسانَ على كلِّ شيء). وحتى يعرف الناس الجودة المطلوبة فيحقِّقوها، كان لا بُدّ لهم من ( مُثُل) يضعونها نصبَ أعينهم، أو (معايير حيّة) يعملون على الاقتداء بها والتأسِّي. ولقد كان من رحمة اللّه بعباده أن أرسل إليهم أنبياءَه ورُسُلَه، يمثِّلون لأقوامهم تمثيلاً عملياً هذه الأسوة أو القدوة التي ينبغي أن يعمل الناس على التشبه بها، وأن يحاولوا قدْرَ مُستطاعهم أن يتحلَّوا بما تحلَّت به من خُلُق، ويتَّصفوا بما اتَّصفت به من دين: {{فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}}]النساء: 41[.
وقد عبَّر اللّه تعالى عن ذلك بألفاظ متعدّدة، توكيداً لأهمية هذا المعيار الحيّ: منها الأسوة الذي يُتأسَّى به: {{لقد كان لكم في رسول اللّه أُسوة حسنة}}]الأحزاب: 21[. ومنها الأمة الذي يُؤتَمُّ به: {{إن إبراهيم كان أُمة}}]النحل: 120[.  ومنها القدوَة الذي يُقتدى به: {{أولئك الذين هدى اللّه، فَبـِهُداهم اقتَدِه}}]الأنعام:9[
ثم لما أكمل ربُّنا -عز وجل- الدين وخَتَمَ الرسالات، أخرجَ للناس أمةً بأكملها تقتدي برسولٍ (شاهد) فتتحوَّل بذلك إلى قدوة للناس أجمعين. ومن أجل أن تتحقق لهذه الأمة صفـة (الشهادة)، جعلهـا اللّه سبحانه أمـة وسطاً وقال لها:{{جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}}]البقرة: 143[. 
ذلك لأن الأمة التي يُطالَبُ الناس بالاقتداء بها، ينبغي أن تكون أمةً معتدلة، تسلك في حياتها سلوكاً بشرياً سوياً يكون في مُكنة البشر أن يسلكوه، ميسوراً لا يستَوْعِرُ على الناس فيطلب منهم الـمُحال أو ينفِّرهم بالتعسير.
بل إن الشريعةَ السَّمْحَةَ تَتَعَدَّى ذلك لتؤكد على ضرورة التزام اليُسْر لا مجرد الإمكان المادي للعمل. واقرأ إن شئت قولَه تعالى: {{يريد الله بكم اليُسْرَ ولا يريد بكم العُسْر}}]البقرة:185[،{{يريد الله أن يخفِّف عنكم}}]النساء: 28[؛ لتعلم أن الله قد لخَّص شريعته في كلمة واحدة هي "اليُسْرَى". وهذا ما يُفْتَرَضُ في الشريعة التي يمكن أن يتقبَّلها جميع الناس بقبول حسن، وتكونَ صالحةً لكل زمان ومكان. وهذا ما فهمه مُبَيِّنُ هذه الرسالة ومعلِّمُها صلوات الله وسلامه عليه حين كان يقول: (إن هذا الدين يُسْر، فأوْغِلْ فيه برفق)]رواه أحمد عن أنس[، وحين كان هذا الفهم يتجلَّى في سلوكه العملي، إذْ (ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرَيْن إلا اختار أيسَرَهُما ما لم يكن إثماً) ]متفق عليه، عن عائشة أم المؤمنين[. ومن أجل ذلك علّم (الشهداءَ) على الناس من بعده فقال لهم في الحديث الذي رواه البخاري في الأدب المفرد عـن محجن الأسلمي: (إنَّ خيرَ دينكم أيسَرُه) وقـال لهم في الحديث المتفق عليـه عن أنس: (يسِّروا ولا تعسِّروا وبشِّروا ولا تنفِّروا).
وانظر في مقابل ذلك إلى لفظة "الحَرَج" وما توحي به من تضييق يأبَى الله سبحانه أن يعرِّضَ الإنسان إليه: {{وما جَعَلَ عليكم في الدين من حَرَج}}]الحج: 78[؛ {{ليس على الأعمى حَرَجٌ ولا على الأعرج حَرَجٌ ولا على المريض حَرَج}}]النور: 61[. وقد علّمنا المعلِّم العظيم صلى الله عليه وسلم كيف نفهم هذا المبدأ القرآني ونتوسّع فيه غاية التوسُّع الذي يُرضي الله عز وجل. فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عَمْرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقَفَ في حجة الوداع بـمِنىً فجعلوا يسألونه، فقـال رجل: لم أشعُرْ فحلقْتُ قبل أن أذبح؛ قال: (اذبَحْ ولا حَرَج!). فجاءه آخر فقال: لم أشعـر فنحرتُ قبـل أن أرمي؛ قال: (ارم ولا حَرَج!).فما سُئِل يومَئذٍ عن شيء قُدِّمَ أو أُخِّرَ إلا قال: افعل ولا حَرَج!
ولقد كان صلوات الله وسلامُه عليه وهو يقول ذلك أو يفعل ذلك، يلفت أنظارنا إلى مقوِّم من مقوِّمات الخُلُق الكريم -وهو هذا اليُسْر- ويُلحُّ عليه، وهو مَلْمَحٌ أشار إليه ربُّنا عزّ وجل بقوله: {{واعلموا أنَّ فيكم رسولَ الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لَعَنِتُّمْ}}]الحجرات: 7[. فهذا التشدُّد والتنطّع والتكلّف الذي نراه اليوم من كثير مـمَّن ينتسبون إلى الإسلام، ليس من الله في شيء لأنه يؤدي إلى العَنَت، {{ولو شاء الله لأعْنَتَكُمْ}}]البقرة :220[ ولكنه لم يَشَأْ ذلك رحمةً بعباده وتفضُّلاً. بل أمر نبيه  صلى الله عليه وسلم أن يقول: {{وما أنا من المتكلِّفين}}]سورة ص:86[، وكان من حديثه صلوات الله عليه: (هلك المتنطِّعون}]رواه مسلم عن ابن مسعود[.
وواضحٌ أن الـمُرادَ باليُسْر ليس انتفاء الـمَشَقَّة، فاليُسر الذي وَصَفَ الله به دينَه، هو ما يُعتبر يُسراً بالنسبة إلى الإنسان (الوسط)، والعُسْر الذي نفاه الله عن شريعته، هو ما يَعْسُر على الإنسان (الوسط). ومن هنا يتبيّن أن هذه (الوسطية) هي المحور الذي تدور حوله حياة المسلم الحقّ في شتّى مناحيها.
ثم إن هذا التوسط يعني الاعتدال في كل شيء، وقد فُسِّر (أوسطُهم) في قوله سبحانه: {{قال أوسطهم ألم أقُلْ لكم لولا تسبِّحون}}]القلم: 28[ بأنه (أعدَلُهم). وهذا الاعتدال أو قُل: التوازن، أمرٌ وضعه اللّه في طبيعة الكون بكل ما فيه من إنسان وحيوان ونبات وجماد وبيئة، وأعلمنا بذلك جل وعلا بقوله: {{ووضع الميزان؛ أنْ لا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط، ولا تُخسروا الميزان}}]الرحمن: 7-9[. فبيّن سبحانـه أنـه قـد جعل هـذا التوازن سِمَةً من سِمَاتِ الكون بمختلف منظوماتـه، ثم طلـب من عبـاده أن يلتزمـوا مختاريـن طائعـين بمثـل هـذا التـوازن في حياتهـم، وأن يحاذروا من أي طغيانٍ فيه، أو إخسار، لأنهم سيدفعون ثمن هذا أو ذاك غالياً: {{يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم}}]يونس: 23[!
فهذه ثلاثةٌ من أبعاد هذه الوسطيَّة وهُنَّ: (التحنُّف) أي التباعد عن اليمين والشمال وعن الغُلُوِّ والجفاء، و(اليُسْرُ) أو نَبْذُ الـحَرَج، و(التوازُن) أو الاعتدال في كل شيء. أمـا البُعـد الرابع مـن أبعـاد الوسطيـة فهـو (العدل). وهو قيمة جوهرية في نظر الإسلام لأنه غايةٌ أساسية من غايات إرسَال الرُسُل: {{لقد أرسلنا رُسُلَنَا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزانَ ليقوم الناس بالقسط}}]الحديد:25[.
وقد أمر الله الناس بها أمراً عاماً: {{إن الله يأمر بالعدل}}]النحل: 90[. 
وأمر بها نبيه أمراً خاصاً: {{وأُمِرْتُ لأعدِلَ بينكم}}]الشورى: 15[.
وأثنى على فئة صالحة من الناس {{يهدون بالحق وبه يعدلون}}]  الأعراف:181[
وذكر في كتابه الكريم ما يدل على أن العدل ينبغي أن يتخلَّل كل شيء:
في القول: {{وإذا قلتم فاعدلوا}}]الأنعام: 152[
في الحكم: {{وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}}]النساء: 58[
في الإصلاح: {{فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا}}]الحجرات: 9[
في القوامة: {{وأن تقوموا لليتامى بالقسط}}]النساء: 127[
وحذَّر مِنْ كل ما يمكن أن يُخِلَّ بالموقف العادل: {{فلا تتَّبعوا الهوى أن تعدلوا}}]النساء: 135[؛ {{ولا يجرمنَّكم شَنَآنُ قومٍ على أن لا تعدلوا}} ]المائدة: 8[. 
والعدلُ في اللغة التي نزل بها القرآن يتضمّن معنى المساواة أيضاً كما في قوله تعالى: {{أو عَدْلُ ذلك صياماً}}]المائدة: 95[، أي ما يساوي ذلك صياماً؛ وقولِهِ: {{ولا يؤخذ منها عدل}}]البقرة: 48[.
وقد وردت الإشارة إلى ذلك في الصحيفة (دستور المدينة) بما يدل على المعاملة بالمساواة والعدل لجميع المنتمين إلى المجتمع الإسلامي، مسلمين كانوا أو غيرَ مسلمين: (.. وأنه من تَبـِعَنا من يهود فإن له النصر والإسوة غير مظلومين ولا مُتَنَاصر عليهم.. )
والإسوة هي المساواة: تقول العرب.. القوم إسوةٌ في هذا الأمر أي حالهم فيه واحدة؛ وهو إسْوَتُك أي أنت مثله وهو مثلك؛ ومنه قول عمر لأبي موسى رضي الله عنهما: آس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك أي: سَوِّ بينهم ]لسان العرب لابن منظور: مادة أس و[. 
وقد حرّم الله الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرّماً: {{إن الله لا يظلم مثقال ذرة}}]النساء: 40[؛ {{إن الله لا يظلم الناس شيئاً}}]يونس: 44[؛ (يا عبادي! إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً. فلا تظالموا).
حتى لقد اشتهرت بين الناس مقولة ابن تيمية: (إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة).
فهذه أربعةٌ من أبعاد (الوسطية): التحنُّف، واليُسْر، والتوازن (الاعتدال)، والعدل. أما البُعد الخامس فهو الاعتراف بالآخر. والآخر هو في الأصل كلُّ ما سوى الذَّات. فحينما بُعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافَّة، كانوا جميعاً يمثِّلون الآخر بالنسبة إليه. فاعتَرَفَ بهم لا اعترافَ ازدراءٍ واستعلاء، كما توحي بذلك مُزْدَوجة (اليونان والبرابرة) أو (الرومان والبرابرة)، وإنما اعترافَ تمايـُز وتكـافؤ: {{لـكم دينُكُمْ وليَ دين}}]الكافرون: 6[ .. (لليهود دينهُم وللمسلمين دينهُم) ]كما جاء في الصحيفة، أو قُلْ دستور المدينة[.
وانطلق تعامُلُه معهم من مبدإٍ أصيل كان يدعو به صلى الله عليه وسلم كلَّ يـوم: (وأشهد أن العبادَ كلَّهم إخـوة)]رواه الإمام أحمد في مسنده[، لأنهم يشتركون جميعاً في أنَّ لهم أباً واحداً، فَهُمْ كما يسميهم القرآن (بنو آدم)، وهم يشتركون جميعاً كذلك في أن لهم رباً واحداً، وأنهم مهما اختلفوا فإن ربوبية الله تجمع بينهم: {{الله ربُّنا وربُّكُمْ}} ،{{الله يجمعُ بيننا}}]الشورى: 15[.
وأنهم سَوَاسيةٌ في التمتُّع بخيرات هذه الربوبية، لا تفرقةَ بينهم ولا تمييزَ في أيِّ أمر من الأمور التي تتعلق بربوبية الله عز وجل، كالماء والغذاء والرزق والعطاء والدواء والشفاء والإمداد بسائر أسباب الحياة: {{كلاً نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاءُ ربِّك محظوراً}}]الإسراء: 20[.
وهذا الاعتراف بالآخر يَسْتَتْبع الالتزامَ بأدب الحوار كما نصَّ عليه القرآن: {{ادْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن}}]النحل: 125[؛ {{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}}]العنكبوت: 46[.
ولا يَخْفَى أن آية سورة النحل تلفت نظرنا إلى ناحية مهمة. فالدعوة إلى الله ينبغي أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، أما الجدال فلا يكفي أن يكون جدالاً حسناً، وإنما هو جدال بالتي هي أحسن.
ثم إن هذا الاعتراف بالآخر يستتبع البحثَ دائماً عن صعيد مشترك: {{تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم}}]آل عمران: 64[؛ {{الله ربُّنا وربكم؛ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم؛ لا حُجَّة بيننا وبينكم}}]الشورى: 15[. بَلْ هناك الجامع الأكبر بين الطائفتَيْن: {{الله يجمع بيننا}}]الشورى: 15[.
وتتفرع عن هذه القيمة الرئيسية قيمتان فرعيّتان: أُولاهما الانفتاحُ على الآخَر. فالله عزَّ وجَلَّ قد جَعَلَ الناسَ شعوباً وقبائلَ ليتعارفوا ]الحجرات: 13[. وما كان الله ليجعلَ الناسَ شعوباً وقبائل وهو يريدهم أن ينصهروا في بوتقة واحدة. وما كان الناس ليتعارفوا ما لم يَفْتَحْ كلٌّ منهم أبوابَ عقله وقلبه على مصاريعها لما عند الآخر. ويلفت نظرَنا أخونا الدكتور حسان حتحوت إلى أن لفظةَ التعارُف تتضمَّن أيضاً مفهومَ التفاعُل مع الآخر بالمعروف.
والله سبحانــه يبشِّر عباده {{الذين يستمعون القولَ}} -هكذا بإطلاق (القول)- {{فيتَّبعون أحسَنَه}}]الزمر: 18[. والنبيُّ صلى الله عليه وسلم -فيما رُوِيَ عنه- يجعل (الكلمة الحكمة ضالَّة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُّ الناس بها) [والحديث رواه الترمذي في أبواب العلم عن أبي هريرة وقال: حديث غريب، وذكر أن فيه راوياً يضعف الحديث من قِبَل  حفظه؛ ورواه ابن ماجه في الزهد. والحديث ضعيف الإسناد ولكن معناه صحيح ومقبول عند المسلمين ومعمولٌ به].
 ولذلك قال سيدنا علي رضي الله عنه في عبارة رائعة: (العلمُ ضالَّة المؤمن، فخذوه ولو من أيدي المشركين) ]رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم 1، 121[.
ولذلك نرى أن هذه الملَّة (الوسطية) (الحنيفيَّة) لا تفرض أيَّ حظر من أيِّ نوع كان على كلام الآخرين، ملفوظاً كان أم مكتوباً، ولا تُصادر أيَّ رأيٍ ولو كان كفراً. فالقرآن المجيد يقصُّ علينا ما قاله الآخرون بنصِّه: {{وقـال الذيـن كفـروا… }}]الرعد: 7] 
وتعجبني في هذا المقام عبارة نفيسة لسلطان العلماء العز بن عبد السلام ]في كتابه: الفتاوى الموصلية، ص: 134[ يقول فيها: (وليس كلُّ ما فعلته الجاهلية منهياً عن ملابسته، إلا إذا نهت الشريعة عنه، ودلّت القواعد على تركه). كما يقول ]ص:31[: (ويختصُّ النهي بما يفعلونه على خلاف مقتضى شرعنا، أما ما فعلوه على وفق النَّدْب أو الإيجاب أو الإباحة في شرعنا، فلا يُترك لأجل تعاطيهم إياه، فإن الشرع لا ينهى عن التشبُّه بمن يفعل ما أذن الله تعالى فيه). (ولو تُرك الحق لأجل الباطل، لَتَرَكَ الناس كثيراً من أديانهم!)]ص: 42[. ولا شك عندي في أن مــا قالـه ينطبق على ما يسمّونـه جاهلية القرن العشرين مثلما ينطبق على الجاهلية الأولى.
ثم إنَّ هذه الأمة الوَسَط تتَّصفُ بالخيرية: {{كنتم خيرَ أمة أخرجت للناس}} وهذه الخيريّةُ تقتضي أن يكون انفتاحُها على الآخَر انفتاحاً إيجابياً يَصُبُّ في مصلحة هذا الآخَر: (أنتم خيرُ الناس للناس) كمـا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. ويتجلَّى ذلك أوَّلَ ما يتجلَّى في دعوة هذا الآخر إلى الخير: {{ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير}}؛ وهذه الدعوة هي في الأصل إحدى المهمّات الرئيسية الخمـس التي بُعِثَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء ذكرُها في سـورة الأحــزاب ]46[ وهي كونه صلى الله عليه وسلم{{داعياً إلى الله بإذنه}}، ثم أصبحـت مهمةً رئيسيةً من مهمّات كلِّ مَن اتَّبعه: {{قل: هذه سبيلي: أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتَّبَعَن}}]يوسف: 108[؛ {{ومَنْ أحسـنُ قـولاً مـمَّن دعا إلى الله}}]فصِّلت: 33[. فالـمُنْدَرجون في تيّار هذه الحنيفيَّة الوسطيَّة كلُّهم دعاةٌ بالحكمة والموعظة الحسنة، لا يَسْأمون من الدعوة إلى الخير، ولا يَقْنَطون من بُطء استجابـة الآخرين لهم، ولا يجادلون إلاَّ بالتي هي أحسن، ولا يَحكُمون على عقائد الناس {{فالله يحكمُ بينهم يوم القيامة}}]البقرة: 113[، ولا يكفُّون عن تألُّف القلوب الذي هو صَدَقَةٌ قولية إلى جانب كونه زكاةً عباديّة؛ فقد خصَّص الله سهماً من أسهم الزكاة ليُصرف على {{المؤلفةِ قلوبُهم}}]التوبة: 11[؛ وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (كلُّ كلمـة طيِّبة صَدَقة)]رواه البخاري في الأدب المفرد بإسناد حسن[.    
أما القيمة الفرعية الثانية المتفرعة عن الاعتراف بالآخر فهي الاعتراف بالاختلاف. فالله عز وجل يبيِّن أنه قد خلق الناس مختلفين، وأنهم سوف يظلُّون كذلك: {{ولا يزالون مختلفين}}]هود: 118[، وأنه ]لذلك[ -أي للاختلاف- ]خَلَقَهُمْ[ ]هود: 119[. وما كان الله ليأذَنَ بقَمْع هذا الاختلاف وهو قد خَلَقَ الناسَ له. وقد حَكَمَ سبحانه بأنه {{لا إكراهَ في الدين}}]البقرة: 256[. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {{لست عليهم بمصَيْطر}}]الغاشية: 24[؛ {{ ولو شاء ربُّك لآمن مَنْ في الأرض كلُّهم جميعـاً؛ أفأنت تُكرهُ الناس حتى يكونوا مؤمنين؟}}]يونس: 99[. فليس من الإسلام ما يحاوله اليوم بعض من ينتسبون إليه، من محاولة قَسْر الناس على فكر واحد، سواء كان ذلك في نطاق المسلمين أو خارج هذا النطاق؛ بل إنَّ في هذه المحاولة مخالفةً صريحةً لأمر الله. 
وبعد، فهذه بعضُ معالم (الوسطية)، التي تتصف بها الأمة الوَسَط كما سمَّاها ربُّها عزَّ وجلَّ، وهي بأمثال هذه المعالم تصبح أمة شاهدة على الناس، ويتجلَّى كونُها {{خيرَ أمة أخرجت للناس}}.

 

وعلى الله قَصْدُ السَّبيل

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.