
تزامنت تصريحات جلالة الملك عبدالله الثاني لصحيفة «الحياة» اللندنية حول مدينة القدس واعتبارها خطا احمر ودعوته الاسرائيليين الى عدم اللعب بالنار ومطالبته بانهاء الاحتلال الاسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة على التراب الوطني الفلسطيني في سياق اقليمي شامل يؤدي الى انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية السورية واللبنانية.. تزامنت مع فاعلية جديدة يحتضنها الاردن حاليا الا وهي عقد المنتدى العالمي للوسطية لمؤتمر للدفاع عن المدينة المقدسة والسعي لتحفيز العالم لدعم القضية الفلسطينية في اطار الحملة الاهلية التي يرعاها الاردن لدعم احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية لعام 2009 ، وفي خضم اطلاق الفعاليات والانشطة المتعددة من اجل القدس.. في اوسع امتداد جغرافي في نطاق العالم العربي ، هذا المؤتمر كما شرحه امينه العام للمنتدى المهندس مروان الفاعوري في مؤتمر صحفي يهدف الى تأسيس لجان محلية فاعلة وقادرة على العمل والتفاعل لابراز دور هذه المدينة والمقدسات الاسلامية ، وكذلك تأكيد الهوية الثقافية لمدينة القدس فلسطينيا وعربيا واسلاميا ومسيحيا وتكريس رمزية هذه المدينة والتعريف بما تُعانيه وأهلها في ظل الاحتلال الصهيوني العنصري وتعزيز دورها كقضية جامعة واحدة.
هذا المؤتمر الاسلامي الكبير الذي ينعقد في عمان حاليا ولمدة يومين ، بدعم من المنتدى العالمي للوسطية يأتي تجسيدا على ان القدس جزء لا يتجزأ من الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948 والتي استكمل الاحتلال الصهيوني احتلالها عام 7691,. بل ان هذا اللقاء يُكرس مكانتها في الوجدان العربي والاسلامي والمسيحي ويرفع من قيمتها ومكانتها الحضارية والثقافية ودورها في بناء ثقافة التعايش والتسامح بالاضافة الى دعمها في مواجهة الصمود والتهويد خاصة وان نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل وباراك وزير خارجيتها قد اكد في مؤتمرات بالكنيست او في امريكا او اوروبا..وفي المفاوضات العبثية مع الجانب الفلسطيني بان «القدس الموحدة هي العاصمة الابدية لاسرائيل..ولن نساوم في شأن هذا المبدأ..ولن نتخلى عنه».
والواقع ان برنامج حزب الليكود وغيره من الاحزاب الاسرائيلية التي تدعو «للسلام» تنطلق من كون اسرائيل «دولة يهودية ، صهيونية وديمقراطية» فالصهيونية هي حركة التحرير الخاصة بالشعب اليهودي كما تدعي.. وهذه الدولة هي وسيلة لتحقيق اهداف الصهيونية وزيادة الهجرة والاستيطان وبناء اسرائيل وتطويرها وتعميق ارتباط الشعب اليهودي بالعالم وتعزيز التعليم اليهودي والصهيوني «ومنع ذوبان الشباب اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها في انحاء العالم».
هذه السياسة التوسعية والقمعية الاسرائيلية عبر عنها حاخامان اسرائيليان يوم الاول من امس بدعوتهما الى قتل كل شخص سواء اكان فلسطينيا طفلا او رضيعا من اجل الدفاع عن اسرائيل باعتبار كما يزعمان «ان حق الشعب اليهودي «المجرم» بالمدينة المقدسة حق ابدي غير قابل للنقض.. وان وجود اسرائيل مرهون بالحفاظ على امنها من اجل ردع كل «عدو» وضمان قدرتها على الدفاع عن نفسها..في اي وقت والحفاظ على مدينة القدس موحدة».
هذه البرامج الاسرائيلية التي ترفض السلام.. وتدعو الى مواصلة القتال والقمع والاستيطان في القدس وفي الضفة الغربية وازالة المقدسات الاسلامية دعت هذا المنتدى في مؤتمره السادس لكي يناقش اوضاع هذه المدينة وقدسيتها بعنوان «القدس دين وتاريخ» لكونها تمثل صلب النزاع العربي الاسرائيلي.. وان السلام العادل والدائم والشامل يجب ان يقوم على الانسحاب غير المشروط لاسرائيل عن الاراضي العربية المحتلة في حزيران عام 1967 بما فيها القدس الشرقية ويعيد اللاجئين الى مدنهم وقراهم ويتم تعويضهم بعد عودتهم عن الخسائر التي لحقت بهم خلال السنوات التي قضوها في الشتات..
فهذا المؤتمر يشكل حلقة جديدة من حلقات التواصل والدعم للقضية الفلسطينية وهو ما انتهجه المنتدى العالمي للوسطية في الدفاع عن قضايا الامتين العربية والاسلامية ، باعتبار ان فلسطين وعاصمتها القدس هي حق ثابت لا شك فيه للشعب الفلسطيني الذي استقر في فلسطين منذ الاف السنين ، كما قال سماحة الشيخ عكرمة صبري خطيب المسجد الاقصى في منتدى «الدستور» في الاسبوع الماضي ، وان الحجج الاسرائيلية القائمة على مزاعم وبراهين توراتية وتاريخية زائفة ، لا تعطي اليهود اي حق لا في فلسطين ولا في القدس ، لأن العالم لو اقر بهذا المنطق وطالب كل شعب او امة بحقه في منطقة او ارض لان اجداده عاشوا برهة من الزمن فيها قبل الاف السنين لانقلب العالم رأسا على عقب ، ولأشعل حروباً مدمرة لا تبقي ولا تذر ، كما هو الحال مع اسرائيل التي تواصل عدوانها الآثم على الشعب العربي والاسلامي في اماكن متعددة من هذا العالم وتتوعد ايران بضربة بالتعاون مع امريكا لوقف برنامجها النووي العلمي في حين تستحوذ على اكثر من مائتي رأس نووي.
ولا شك ان عقد هذه المؤتمرات التي تدافع عن المقدسات الاسلامية تجيء في ضوء اهتمامات الاردن نحو رفع الظلم عن الفلسطينيين واستعادة اراضيهم المحتلة وانهاء الاستعمار في الوطن العربي ، ووقف الممارسات الاسرائيلية التي تقوم بها اسرائيل في القدس والمقدسات وغيرها ، ومحاولاتها هدم المسجد الاقصى ، هذه الاجراءات التي تمس حقوق الانسان للشعب الفلسطيني ، وغيره من السكان العرب في الاراضي المحتلة تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولدعوات المجتمع الدولي ايضا لها بالامتثال لالتزاماتها القانونية والتي أعاقت الجهود الرامية الى استئناف العملية السلمية على اساس قرارات الامم المتحدة ذات الصلة ، ومرجعية مؤتمر مدريد ، ومبادرة السلام العربية وخريطة الطريق فضلا عن تسببها في مزيد من التدهور والاستقرار في المنطقة جراء مواصلة اسرائيل غاراتها في بقية الاراضي الفلسطينية وخاصة في غزة وعمليات الاعتقال في الضفة الغربية حيث يوجد في المعتقلات الاسرائيلية اكثر من عشرة الاف اسير بما فيهم الاطفال والنساء والشيوخ واعضاء من المجلس التشريعي المنتخب ديمقراطيا ، حيث يتعرضون لمعاملة جسدية ونفسية سيئة وتعذيب مستمر ، بالاضافة الى مصادرة الاراضي وتدمير الممتلكات في مختلف المدن ، وخاصة في سلوان بالقدس وحي البستان ونقل مئات الالاف من المستوطنين وبناء الجدار وانشاء الطرق الالتفافية لربط المستوطنات بعضها مع بعض والتدابير الاخرى غير المشروعة واعمال المستوطنين المستمرة لاقتحام المسجد الاقصى.
ان هذا المؤتمر الذي يشارك فيه سياسيون وباحثون عرب وغيرهم يؤسس الى مرحلة جديدة من ابراز القضية الفلسطينية ، ويسهم في التوصية لعقد قمة اسلامية تبحث اوضاع المسلمين في القدس وبالاراضي الفلسطينية من أجل وقف هذه الاعتداءات وانهاء الممارسات المتكررة ، خاصة وان هذه الدعوات تجيء ايضا بمناسبة الذكرى العشرين لسقوط جدار برلين واقامة جدار الفصل العنصري في فلسطين الأمر الذي يتطلب من المجتمع الدولي للعمل الجاد بالضغط على اسرائيل لوقف اعتداءاتها على اهالي بيت المقدس وانتهاكاتها بالاراضي الفلسطينية ، وتجسيد عنوان هذا المؤتمر بأن القدس تمثل «الدين والتاريخ» ايضاً.
منقول عن صحيفة الدستور الأردنية
بتاريخ: 16/11/2009
ابحث
أضف تعليقاً