
تهدف نظرية (المقاصد) ابتداءً إلى إضفاء طابع المعقولية على معاني الشريعة الإسلامية وأحكامها وأغراضها. ويقع مفهوم (المصلحة) – وفي استخدام بعضهم: (المنفعة) – في القلب الموجِّه لهذه النظرية.
أول ما ينبغي أن أنبّه عليه هو أن المشكل الذي أنهض للنظر فيه لا يدور في سياق "نظام إسلام قائم" ذي سلطان يُطلب إليه أن يكون "علمانيّاً، وإنما في سياقات علمانية قائمة ذات سلطان، متعاظمة الانتشار والاستحواذ، ظافرة، يراد لها أن توافق دين الإسلام وأن تجد فيه مسوغاً لوجودها ولشرعيتها.
وبين الذين يكررون القول إن مصطلح "العلمانية الإسلامية" مصطلح ينقض آخرُه أوَّلَه، وبين الذين يلقون القول "الإسلام علماني"، يمتد فضاء يتطلب الإنارة وقدراً عظيماً من وجوه الإدراك والروّية والتحديد التي قد تأذن بافتراضات أو اقتراحات جديدة معقولة.
ليس سراً أن التجربة التركية الحالية التي خَلُصت إلى التركيب الهيجلي والغادامري بين علمانية أتاتورك الراديكالية وبين "ثيوقراطية" نجم الدين أربكان "الدينية"، وتجسدت في مشروع (حزب العدالة والتنمية) الذي يقوده فريق رجب طيب أردوغان الذكي، هي الأصل والمثال لهذا المصطلح الجديد: "العلمانية الإسلامية".
في هذا المشروع، مشروع (العدالة والتنمية)، تسليمٌ بمبدأ "الفصل" العلماني الكمالي ذي السِحنة الفرنسية، أي فصل الدينيّ عن السياسيّ – لكن بتوجيهه إلى "العلمانية الحيادية" وبتوجّه صريح إلى الأخذ بالديمقراطية الاجتماعية الأوروبية والتعلق بجملة المبادئ والقيم الحداثية بالتشديد على قيم العدالة والحرية والرفاهية وحق الاختلاف والتعددية والتنمية والتضامن والتكافل الاجتماعي والخير العام وجملة حقوق الإنسان، وبتعزيز هذه المبادئ بقراءة تنويرية ليبرالية للنصوص الدينية، قراءة تسوّغ الذهاب للأخذ بهذه المبادئ، وتنهض بها ثلة من الباحثين الأتراك المنتمين إلى (كلية الإلهيات) بأنقرة وإلى (هيئة الشؤون الدينية التركية – ديانِتْ). والقصد هو تصميم مركب نموذجي يستند إلى الجمع بين الإسلام وبين الديمقراطية بحيث تعاد قراءة الإسلام وتفسير نصوصه الدينية – القرآن والحديث – قراءة نقدية تعزز المبادئ الحداثية، وتنحو نحو مدرسة المفكر الإصلاحي الباكستاني فضل الرحمن، الذي يرى أن القرآن يجسد مجموعة من الحقائق التي يتعين البحث عن معانيها "الحقيقية"، أي تأويلُها. تأثر بعض هؤلاء الإصلاحيين بمنهج النقد التاريخي للأناجيل وذهب بعضهم الآخر إلى تأويلية هانس – جورغ غادامر، واجتمعوا على الأخذ بمنهج (الرأي) الحنفيّ وبرؤية (المعتزلة) العقلانية، وشددوا على حتمية "فتح باب الاجتهاد"، بمعنى بذل الجهد و"تكييف" الإسلام من أجل اكتشاف حلول مناسبة لقضايا العصر. وفضلاً عن ذلك – ومثلما أبانت الأستاذة (أليف جينار) في كتابها (الحداثة والإسلام والعلمانية) – شددت فلسفة (حزب العدالة والتنمية)، في المجال السياسي، على مبدأ التوفيق بين العلمانية وبين الإسلام من أجل تكوين هوية قومية جديدة وإيديولوجية سياسية تجمع بين التقاليد الإسلامية وبين التقاليد القومية العلمانية وتسهم في تشكيل نموذج إسلامي علماني معزز بالليبرالية، تتضافر فيه الليبرالية الاقتصادية والسياسية والقيم الاجتماعية المحافظة والهوية القومية الثقافية. وفي المجال الدولي تمّ الانفتاح على الفضاء الأوروبي والعمل على الانضمام لـ(اتحاد)ه، وفي الوقت نفسه أداء دور إقليمي متعاظم وفاعل. وكل ذلك يعني، عند (أليف جينار).
العلمانية الاسلامية التركية
ان العلمانية الإسلامية التركية المستحدثة تبتكر طرقاً جديدة من أجل الربط بين الفكر وبين الممارسة الإسلامية للعلمانية، على نحو يمهد لظهور "حداثة الإسلام".
ليس يعنيني، في سياق هذا القول، ما يتردد على ألسنة الذين يتكلمون على "عثمانية جديدة"، أو "إسلام تركي" مضاد "للإسلام العربي" أو بديل له، أو على "هيمنة تركية" إقليمية ذات زيّ إسلامي.. أو غير ذلك. ما يعنيني هو أن أتحقق من الأسس التي تقوم عليها دعوى "العلمانية الإسلامية" التي تجاوز اليوم الفضاء التركي لتجد لها آذاناً صاغية في كل الفضاءات العربية والإسلامية ولتكون معقد الأمل والرجاء لدى كثير من أبناء هذه الفضاءات، وذلك برغم ما يطلقه "الإسلاميون" حول "ضلال" هذه الدعوى ومناقضتها لـِ"الشريعة الإسلامية"، أو ما هو، عند غيرهم، من مكرور القول إن العلمانية ظاهرة غربية خالصة وثيقة الصلة بفصل الكنيسة أو الكنائس عن الدولة، وأنه ليس في الإسلام كنيسة أو كهنوت لكي تطلق، في فضائه، دعوى العلمانية، أي فصل دين الإسلام – أو الجامع – عن الدولة! ما أبالي به قبل كل شيء هو أن أذهب مباشرة إلى أس المسألة، لا بتعميم القول وتبسيطه بالزعم أن النصوص الدينية الإسلامية تنطوي على مبادئ الحداثة وحقوق الإنسان أو أنها لا تنطوي عليها، أو بالقول إن الإسلام يجمع بين الدين والدولة أو إنه ليس مُلكاً دنيوياً.. وإنما برد السؤال التالي إلى أصوله الإيبستمولوجية والمعيارية العملية: هل يمكن قيام علمانية إسلامية؟
لا يتمثل مدخل الإجابة عن هذا السؤال عندي في العودة إلى "التجربة التاريخية" بالقول مثلاً، على طريقة بعضهم، إن معاوية بن أبي سفيان في مُلكه وحين توقف عن إمامة الصلاة وأوكل أمرها إلى إمام يؤمها – والأرجح أن ذلك كان لأسباب أمنية – قد أرسى قواعد العلمانية في الإسلام وإن "النظم الخلافية" لم تكن إلا "مُلكاً عضوضاً"، أو باستحضار أدلة الشيخ على عبدالرازق أو محمد أحمد خلف الله ومن يذهب مذهبهما في إنكار "الأصل الديني" لنظام الخلافة أو لأن يكون النبي (ص) ملكاً! مثلما أن المدخل إلى الإجابة عن السؤال لا يمكن أن يتمثل في التطاول والاستفزاز والاجتراء على مادة الحديث بإقصائها إقصاءً تاماً وامتهان علمائها والاقتصار على مرجعية القرآن وحده والجنوح إلى مواقف "ليبرالية مسرفة" في فهم هذه المسألة أو تلك من مسائل الإسلام الفقهية أو العملية. المدخل السديد إلى الإجابة عن هذا السؤال يكمن في أمرين:
الأول: تحديدُ الطبيعة الماهوية والنواة القاعدية الإيبستمولوجية لمفهوم العلمانية من ناحية، وبيان تَشَخّصها العملي من ناحية أخرى.
الثاني: تحديد الغائية الأساسية للوحي الإسلامي، أو دين الإسلام، وبيان مقاصده النهائية.
العلمانية مصطلح متشابه
قد يقود النظر في هذين التحديدين، والمقابلةُ بينهما، إلى إجابة "معقولة" عن سؤالنا: هل يمكن قيام علمانية إسلامية؟
عرضتُ في كتابي (في الخلاص النهائي: بحث في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين) جملة المعاني التي تُحمَل على مفهوم (العلمانية) من جهة تحديد ماهيتها ومقاصدها. وأبنت عن أن هذا المصطلح مصطلح "متشابه"، أي أنه يمكن أن يُحمل على أكثر من معنى واحد، مثلما أنه يمكن أن يتجسد في أكثر من صيغة عملية واحدة.
وقفت في ذلك العرض على أكثر المعاني جوهرية في تحديد معنى هذا المصطلح، مثلما وقفت عند الشكلين الرئيسين العمليين أو المشخصين له. ويخلص من جملة النظر في ذلك كله أن العلمانية تعني، بحسب تمثّل براين ويلسون وعزيز العظمة، عملية تاريخية آيلة إلى تنظيمات عقلانية – وبعبارات ماكس فيبر ومارسل غوشيه نزع غلائل السحر عن العالم و"الخـروج مـن الدين" "Sortie de la religion" وسيادة العقل؛ مثلما تعني، عند عادل ضاهر، "الاستقلالية الأيبستيمولوجية للعقل الإنساني" وتحكيم العقل في شؤون العالم. أما عملياً فهي "تكنولوجيا في الحكم" وموقفٌ من الدولة قائمٌ على نهج ديمقراطي تمثيلي حر "يفصل" الدين ومتعلقاتِه ورموزَه عن الدولة، أو يتبنى موقفاً "محايداً" من الدين ومتعلقاته، فيظهر في "علمانية، مناضلة"، راديكالية متصلبة، على الطريقة الفرنسية، أو في "علمانية، حيادية" رحيمة، مثلما هو سائد في جملة الفضاءات الغربية.
في النظر المقابل، ما الذي يعنيه إطلاقنا للصفة "الإسلامية" حين نقرن هذه الصفة بأي موضوع من الموضوعات، من جهة الماهية والمفهوم ومن جهة الغائية العملية؟
لا شك في أننا حين نستخدم هذا المصطلح إنما نحيل إلى دين الإسلام، أي إلى الوحي الإلهي الذي تمثل في الرسالة المحمدية الحاملة لمنظومة من العقائد والعبادات والأحكام والمعاملات المتعلقة بمجمل شؤون الحياة الفردية والمجتمعية والإنسانية في العالم مما يمثل صلاح الإنسان وخيره ومصلحته وسعادته في الدارين، دار الدنيا ودار الآخرة.
والسؤال الذي يثار هنا ونحن قبالة حشد عظيم من "دقيق الكلام" والعقائد، وفق مصطلح المتكلمين المسلمين، وقدرٍ لا تكاد تكون له حدود من الأحكام التعبدية والمعاملاتية الفقهية الزمنية النازلة.. السؤال هو: هل ينبغي علينا في الفهم والممارسة أن نقدّم الأجزاء أو النوازل والمفردات اللامتناهية على "الكل" – فنسير، فلسفياً، في طريق المذهب "الاسمي"؟ أم أن علينا أن نقدّم "الرؤية الكلية"، أو "النظرة الشاملة" أو الهولستية وفق تعبير أسماء برلاس وأمينة ودود، إلى مجموع المعطيات المفردة الماثلة؟ بتعبير آخر، أعظمَ وضوحاً وأقلَ التباساً: هل ثمة غائية جوهرية يمكن أن تنتهي إليها جملة العناصر والأحكام المشكِّلة لعقائد دين الإسلام وأحكامه وأغراضه؟ ذلك أننا حين نعتبر "أصول الاستنباط"، أعني الأصول التي تستنبط منها الأحكام الفقهية، وحين نعتبر أصول الدين، أي عقائد الإسلام، نجد انفسنا قبالة محيط عظيم من الجزئيات.. فهل لهذه الجزئيات اللامتناهية جوامع كلية، أو كليات تجسد معانيَها وغائِياتها النهائية؟
الجواب في مقاصد الشريعة
لقد أجاب نفر جليل من علماء الإسلام القدامى والمحدثين من أبي المؤثر الخروصي إلى الماوردي والجويني إلى الشاطبي والقرافي إلى عبدالله بن حميد السالمي (الإباضي) والطاهر بن عاشور وجمال الدين عطية من معاصرينا عن هذا السؤال بتعبير فذ هو: مقاصد الشريعة. فوراء جميع العقائد والأحكام تكمن "مقاصد" جامعة، هي التي يتوخاها الشرع من عقائده وأحكامه. وفي ضوئها يتعين فهم أو تسويغ مفردات هذه العقائد والأحكام.
ما هي هذه المقاصد؟ وما طبيعتها وأسسها؟ وما موقعها من المشكل الذي أعرض له في هذا القول؟
يسبق هذا السؤالَ سؤالٌ آخر:
ما هي الغاية الأساسية لوجود الإنسان في العالم، وفق الرؤية العامة الشاملة لدين الإسلام؟ وما الذي تقصد إليه الشريعة من هذا الوجود؟ الجواب يكمن في هذين المصطلحين المركزيين: الاستخلاف والعدل، استخلاف الإنسان في الأرض واستعماره فيها، أي إعمار العالم واستخراج خيراته وتنميتها والإفادة منها، قصداً إلى السعادة وتأسيساً على العدل.
من هذا التصور ظهرت (نظرية المقاصد) التي بلورها فقهاء وأصوليون كبار أبرزهم : أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي – من علماء القرن الثالث الهجري-، وأبو محمد بن بركة – من علماء القرن الرابع -، ومن بعدهما أبو الحسن الماوردي وإمام الحرمين الجويني وأبو حامد الغزالي، ثم توسع فيها وشهر بها، بعد القرن السادس الهجري، العزُّ بنُ عبدِ السلام وشهابُ الدين القرافي وابن القيم الجوزية وأبو اسحاق الشاطبي وعبدالله بن حميد السالمي الإباضي في شرحه الفذ (طلعة الشمس على شمس الأصول).
تهدف نظرية (المقاصد) ابتداءً إلى إضفاء طابع المعقولية على معاني الشريعة الإسلامية وأحكامها وأغراضها. ويقع مفهوم (المصلحة) – وفي استخدام بعضهم: (المنفعة) – في القلب الموجِّه لهذه النظرية.
أكد أبو الحسن الماوردي، في رؤية متوازنة لغائية الخلق والتكليف، أن "المنفعة" –بمعنى المصلحة- هي أساس هذه النظرية ذات القطبين المتضافرين: العقل والسمع، أو النص: "اعلم أن الله سبحانه وتعالى إنما كلف الخلق متعبداته وألزمهم مفترضاته وبعث إليهم رسله وشرع لهم دينه لغير حاجة دعته إلى تكليفهم ولا ضرورةٍ قادته إلى تعبدهم، وإنما قَصَد نفعهم تفضلاً منه عليهم، كما تفضل بما لا يحصى عدا من نعمه، بل النعمةُ فيما تعبدهم به أعظم، لأن نَفْعَ ما سوى المتعبدات يشتمل على نفع الدنيا والآخرة، وما جَمَعَ نفعيْ الدنيا والآخرة كان أعظم نعمة وأكثر تفضلاً. وجعل ما تعبدهم به مأخوذاً من عقل متبوع وشرع مسموع. فالعقل متبوع فيما لا يمنع منه الشرع، والشرع مسموع فيما لا يمنع منه العقل، لأن الشرع لا يرد بما يمنع منه العقل، والعقل لا يُتبع فيما يمنع منه الشرع. فلذلك توجه التكليف إلى من كَمَل عقله" (أدب الدنيا والدين: 78).
في ضوء هذا التصور حدد الماوردي المبادئ التي يقوم عليها "صلاح الدنيا"، أي "المصلحة"، وجعلها قواعد أساسية لبناء الدنيا وانتظام أمورها وصلاح أهلها: الدين المتبع، والسلطان القاهر، والعدل الشامل، والأمن العام، والخِصب الدارّ في المكاسب وفي المواد، والأمل الفسيح في أحوال الدنيا والعمران (نفسه: 120-131).
هذه القواعد هي التي أصبحت عند إمام الحرمين الجويني ما أسماه "المقاصد"، إذ يؤكد أن "من لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة" ( البرهان في أصول الفقه 1-295). وعليها بلور تلميذه أبو حامد الغزالي نظريته في المقاصد والمصلحة حيث أكد أن مبدأ المصلحة يعني "المحافظة على مقصود الشارع، ومقصود الشارع خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم. فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يُفَوِّت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة (المستصفى في علم الأصول 1-286).
ومن هذا المعنى الرئيس اشتق فقيه المقاصد البارز، العز بن عبدالسلام (ت 660هـ) في كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) الشعار المركزي لنظرية المقاصد وهو أن المقصود الشرعي الأول هو "إقامة المصلحة ودرء المفسدة". وعليه أيضاً، وبالمعنى نفسه، بنى القرافي في (الفروق) مفهومه في "المناسِبات المصلحية".
فالقصدُ في الأحكام والاستدلالُ على الأحكام منوطان بالمصالح والمفاسد، أي بـ"تحصيل مصلحة أو درء مفسدة". وعلى ذلك جاءت الكليات الخمسة: حفظ الدين، وحفظ النسب، وحفظ العقل وحفظ المال – وقيل حفظ العِرض، مثلما أنه على ذلك أيضاً تمّ ترتيب "الوسائل" المؤدية إلى المقاصد وفقاً للضروريات والحاجيات والتحسينات أو التتمات.
اساس المصلحة
ههنا ندرك مسألة جوهرية قصوى وحاسمة هي مسألة "التعليل".
بمَ تُعَلّل (المصلحة)؟ أي ما هو "الأساس" الذي تقوم عليه وتستند إليه؟
وههنا يظهر الخلاف بين فقهاء المقاصد. كان الماوردي قد تنبه إلى هذه المسألة حين تكلم على "العقل المتبوع" و"الشرع المسموع" وأكد أنهما متضافران متوافقان لا أحد منهما يذهب مذهباً مضاداً للآخر. أي أن "الاعتماد" بينهما متبادَل مطلق. وقد كان ذلك من قبل مبدئياً مذهب المعتزلة، لكن هؤلاء لاحظوا أن اختلافاً "ظاهرياً" يمكن أن يعرض بين العقل وبين النص، فحلوّا هذا المشكل باللجوء إلى "تأويل" النص والذهاب به – في نظريتهم في الحسن والقبح الذاتيين، إلى ما يؤديه العقل – أي عملياً ترجيح وتقديم "التعليل العقلي"، وهو ما سيذهب إليه ابن رشد من بعد، وهو ما عارضه "أصحاب الحديث" من الحنابلة والنقليين على وجه التحديد.
هذه المسألة تثور هنا مع فقهاء المقاصد الذين ينقسمون إلى فريقين: الأول يجعل للعقل دوراً مستقلاً في تعليل المصلحة واستنباط الأحكام والتدليل عليها، وذلك مذهب أبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي وابن بركة والعز بن عبدالسلام وابن القيم الجوزية. الثاني يحد من دور العقل ويعلق هذا الدور بالنص. وذلك مذهب الشاطبي والقرافي.
يقول الممثل الأبرز للتيار العقلي العز بن عبدالسلام بنبرة اعتزالية: "ومعظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروف بالعقل، وذلك في معظم الشرائع، (..) واعلم أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد، نظراً لهم من رب الأرباب" (قواعد الأحكام 1: 5-7). لا شك في أن مصالح الآخرة تعرف بالشرع، وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طُلب من أدلته، ومن أراد أن يعرف المتناسِبات والمصالح والمفاسد، راجِحَهما ومرجوحَهما، فليعرض ذلك على عقله، بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك، إلا ما تعبد الله به عباده ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته، وبذلك تَعْرِفُ (أو: يُعْرَفُ) حسن الأفعال وقبحها.." (نفسه 1-10).
مبنى الشريعة عند ابن القيم
ويلحق بفلسفة المصلحة – "الطبيعية"
و "العقلية" – عند أصحاب هذا التيار وبخاصة عند ابن القيم الجوزية، مبادئ "العدل" و"الرحمة" و"الحكمة" في مبنى الشريعة وأحكامها؛ يقول ابن القيم: "فإن الشريعة مبناها وأساسُها على الحكمة ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل" (إعلام الموقعين 3:3). ويشدد تشديداً خارقاً على مبدأ العدل حتى إنه ليقول: "فإن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره. والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلتَه وأماراتِه في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بَيَّنَ، بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استُخرج بها الحق ومعرفةُ العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها. والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذاتها وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد" (نفسه 373:4).
يقف الشاطبي على رأس أصوليي الفريق الثاني، الفريق النقلي أو النصي، الذي يعلق الأحكام التكليفية والمقاصد الشرعية في جلب المصالح ودرء المفاسد على النص أولاً وآخراً. أما العقل فدوره محدود عنده، وهو منوط بالنص ابتداءً؛ يقول: "الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم، فإما تستعمل مركّبة على الأدلة السمعية، أو معينة في طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة، لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع" (الموافقات 35:1). ويزيد على ذلك بياناً بالقول: "إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون ًمتبوعاً ويتأخرَ العقل فيكونَ تابعاً، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل" (نفسه 1: 87-91). أشعرية صريحة.
هذان هما الوجهان الرئيسان لنظرية المقاصد – المقاصد عقلية أو المقاصد نقلية أو نصية – التي أثارت اهتمام الفقه الإصلاحي الإسلامي المعاصر على نحو حَفَزَ بعض المفكرين المسلمين على "بعث" هذه النظرية والاجتهاد في تطويرها والزيادة في "كليات" مقاصدها وتفعيل هذه المقاصد قصداً إلى مزيد من الاستجابة لمتطلبات العصر.
لكن السؤال الذي لم يعرض له هؤلاء المفكرون الفقهاء – وهو سؤال حالي جوهري – هو التالي: ألا تفتح نظرية المقاصد هذه باباً حقيقياً للتواصل مع نزعة العصر الهَجوم؟ أعني مع العلمانية الضاربة في الليبرالية، بحيث يصبح مذهب الفقهاء المسلمين الأتراك وغيرهم في الكلام على "علمانية إسلامية" مذهباً "معقولاً" لـ"التصالح" والتوافق مع الزمن الحالي وللكلام، مع أليف جينار، على "حداثة الإسلام"، وللخروج من عنق زجاجة التصور المغلق للعقيدة والفعل والتاريخ!
العلمانية تتغلب على الحرية
لا شك في أن "العلمانية المتصلبة"، علمانية الفصل الراديكالي على الطريقة الفرنسية والكمالية، تستعصي على "المصالحة" مع الدين، وهي تبدي أعراضاً "عصابية" قبالة متعلقات الدين ورموزه – وأظهر الأمثلة على ذلك في السنوات الأخيرة حظر الحجاب في الفضاء العام في فرنسا، وحظر بناء المآذن في سويسرا، حيث تخرج العلمانية المتصلبة على أخص مبادئها، الحرية، وتنقض نفسها قبالة الخوف أو النفور من رموز الدين الإسلامي معلنة بذلك عن رفض صريح لمقصد "حفظ الدين"، برغم قبولها بجملة مقاصد الدين الأخرى، في سياق نظامها الاجتماعي – الثقافي – السياسي الخاص بطبيعة الحال. لذا كان الامتثال لهذا الضرب من العلمانية، أعني "علمانية الفصل" الجذرية مبايناً بل مضاداً لمبدأ الأخذ والقبول بعلمانية قابلة لأن توصف بـ"الإسلامية"، حتى ولو أتاحت الحرية العلمانية لمظاهر أخرى من الحياة الدينية أن تعبر عن نفسها في المجتمع. ومن المؤكد أن الترافع والإقصاء سيبلغان أقصى مداهما إن فهم (أهل الدين) أن المقصود بـ"حفظ الدين"، من المقاصد، التطبيق الفعلي المادي المشخص الظاهري لأحكام الشريعة الإسلامية وبخاصة ما يتعلق بالحدود والمساواة ومطلق الحرية في مجمل شؤون المجتمع والدولة. فالموقف العلماني هنا بيّن ولا يحتمل أية مراجعة أو تساهل أو تأويل. والحقيقة أن هذا الوجه يصدق أيضاً على علمانية الحياد.
بتعبير آخر قد يمكن التسليم بأن ثمة مبدأ أساسياً مشتركاً بين ما هو مقاصديّ "إسلامي" وبين ما هو "علماني" متصلب، هو مبدأ رعاية المصلحة، من جهة أن هذه العلمانية نفسها تطلب هي أيضاً تحقيق منفعة المواطن والخير العام – إن كانت متعلقة بليبرالية اجتماعية في حقيقة الأمر – إلا أن دخول مقصد "حفظ الدين" في نظرية المقاصد – سواءٌ أكان المعنى احترام الدين ورعاية مصالحه أم مطلق تطبيق أحكام الشريعة – يحول بكل تأكيد في هذا السياق دون قيام علمانية يمكن وصفها بالإسلامية.
هل يستقيم هذا الوصف حين يتعلق الأمر بعلمانية الحياد؟
وهل يمكن أن ينجم ههنا "اعتراف متبادل" يأذن بالجمع بين حدي المصطلح: علمانية وإسلامية؟
أجاب حداثيو (العدالة والتنمية) بـ(نعم). وتوسلوا لذلك بإعادة قراءة (النصوص الدينية) وتوجيهها لتفضي إلى هذا المعنى، على ما أبانت عنه (أليف جينار)، ومثلما عَرَضنا في بداية هذا القول. وكذلك فعل من قبلهم جميع الذين قرأوا (النصوص) قراءة تأويلية. وقد نستطيع أن نقدّر الآن، في ضوء التحليلات التي سُقتها أن الجمع بين حدّي المصطلح والكلام على "علمانية إسلامية" هو أمر يمكن أن يكون له ما يسّوغه عند القائلين به، لكن في الحدود التالية:
مصالحة مع العلمانية الحيادية
1) ما يؤكده فقهاء المقاصد العقليون الذاهبون إلى أن (العقل) هو أساس المقاصد الشرعية وأن ما يقره العقل الصريح يوافق قصود الشارع. وهذا المذهب الذي لا يقبله "النصيّون"، يسير مع الأصل الأبستيمولوجي للعلمانية إلى منتصف الطريق على الأقل، وقد يتابع عند بعضهم السير معه إلى نهاية الطريق.
2) أن بناء الشرع على مبدأ المصلحة – أي تحصيل المنفعة ودفع المفسدة، وفقاً لقيمة (العدل) – وأنه حيثما ظهرت أمارات العدل والرحمة والحكمة فثم شرع الله، يأذن بقيام "مصالحة" حقيقية بين المسلمين وبين "علمانية حيادية" توجه نظاماً اجتماعياً سياسياً يقيم القسط والعدل والرحمة بين المواطنين، ويرعى مصالحهم، ويراعي متعلقات دينهم.
3) أن العلمانية "بما هي حياد" تحترم العقائد الدينية ولا تميز بين أتباع الديانات ويمكن لها أن تدعم المؤسسات التربوية والاجتماعية الدينية، معنوياً ومادياً – وهو ما تنكره "علمانية الفصل". وهي لا تقبل بإلحاق الإساءة والضرر بالدين ومتعلقاته، أي أن قوانينها تحمي وتحفظ حياة الدين في المجتمع في حدود القانون بطبيعة الحال، وجرياً مع آمِر حقوق الإنسان.
4) أن فهماً لدين الإسلام لا يعتمد مبدأ "الانفصال" أو "الصدام" أو "المجابهة"، ويتمثل طريق العدل والإنصاف والمصلحة والرحمة في الأمور الدنيوية، يمكن أن يحقق حالة من "المصالحة" والعيش الآمن مع "علمانية الحياد". وفي هذه الحالة لا يكون مصطلح (العلمانية الإسلامية) مصطلحاً ينقض آخرُه أوّلَه.
مبدأ الحاكمية يتصادم مع العلمانية
5) أن فهماً للإسلام قائماً على مبدأ (الحاكمية)، وفق مذهب أبي الأعلى المودودي وسيد قطب والحركات الدينية المتصلبة، لا يأذن بالسير على هذه الطريق، وهو لن يولد إلا علاقات تقابلية صدامية مع الدولة والمجتمع و(الآخرين) من شأنها أن تحمل مخاطر حقيقية لمقصد "حفظ الدين" في المجتمع والتاريخ، وخرقاً صريحاً لمبدأ علمانية الحياد نفسه.
6) أن تكون الغاية من مقصد "حفظ الدين" هي ضمان الشروط الضرورية من أجل ممارسة حياة دينية طبيعية آمنة، واستمرار وجود الدين واجتناب مفسدة إلحاق الضرر به وإظهار العداء له، لا أن يكون القصد هو إلزام الدولة العلمانية الحيادية بتطبيق أحكامه بالضرورة، وإخراجها من حظيرة الدين إن هي وضعت أحكامه بين قوسين، أو لم تأخذ بها جملة وتفصيلاً.
7) إذا كانت علمانية الحياد لا تقصد في غاية الأمر إلا بناء مجتمع سياسي قائم على مبادئ وقيم ومعايير "إنسانية" خالصة تتجسد واقعياً في الحرية والمساواة والعدالة والكرامة والحكم التمثيلي وطلب الخير العام والاعتراف بجملة حقوق الإنسان وإنفاذها، فإن من شأن "قراءة إنسانية"، عقلية، تأويلية، للنصوص الدينية، أن تأذن بأن توجه المجتمعَ منظومةٌ فكرية وعملية يتضافر فيها العقل المصلحي المقاصدي والعقل العلماني الحيادي، فتجد القيم العقلية الإنسانية العليا في هذا السياق مكانها المناسب وحقوقها. وقد يعزز هذا المذهب ويعضده ما جنح إليه اجتهاد عبدالرزاق السنهوري في مسألة العلاقة بين الشريعة وبين القانون المدني، من الدعوة إلى أن تكون الشريعة مصدراً من مصادر القانون. في حدود هذا التصور وتأسيساً على منطق "العقل المصلحي"، قد تكون الطريق إلى معنى (العلمانية الإسلامية) طريقاً سالكة، من شأنها، عند الآخذين بها، أن تأذن بحفظ دين الإسلام في عملية التطور التاريخية والكونية وتحول دون أن يجد نفسه، فيها، متجاوَزَاً وأنه ينتمي إلى صِوان الماضي فحسب.
ومع ذلك فلا مفر من الاعتراف بأن المخزون النفسي والمفهومي لهذا المصطلح يبدو ثقيلاً في ذاته وثقيلاً على أنفس أهل كل حد من حديه – الحد الإسلامي والحد العلماني – إذ كل واحد يتعلق بنقاء حده وبخصوصية حقله الدلالي. لذا كان الأجدى والأنجع هو أن نذهب إلى الكلام على "علمانية موافقة للإسلام" أو "إسلام متصالح مع العلمانية" بدلاً من الكلام على "علمانية إسلامية" أو "إسلام علماني"! وحينذاك قد يمكن القول إن التعبير ليس مما ينقض آخرُه أوّلَه!
ومثلما كانت الحال عليه في كل الأزمنة فإن عصراً آخر قابلاً، ذا نزعة مغايرة، يمكن أن يدفع إلى اجتهادات أخرى وأن يُلزم أهله بخيارات مباينة في الفهم وفي الفعل.
فهمي جدعان
منقولة عن صحيفة الوسط
بتاريخ 17/2/2010
ابحث
أضف تعليقاً