wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ورقة عمل الدكتور عز الدين بن زغيبة: أفكار وفتاوى ابن تيمية وتطبيقاتها على الواقع المعاصر/الجزائر

أفكار وفتاوى ابن تيمية وتطبيقاتها على الواقع المعاصر

الحمد لله نستغفره ونسستعينه ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه, ومن حمل دعوته واستن بسنته, واهتدى بهديه إلى يوم لقاه.
مقدمة
 إن صاحبنا الذي هو موضوع بحثنا في هذا المؤتمر هو؛ أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر الشميري الحراني الدمشقي الحنبلي, أبو العباس, تقي الدين بن تيمية, الإمام شيخ الإسلام, المولود في سنة 661 هـ والمتوفى سنة 728 هـ.
 إن كل ما يمكن أن يقال في سير الرجال والعلماء والعظماء, والترجمة لهم, وذكر حياتهم في أدق تفاصيلها فقد قيل في ابن تيمية, ولم يبق لمن جاء من المتأخرين شيء يمكن أن يضيفوه لحياة الرجل من الأحداث, إلا ما يمكن أن يأتي به التحليل والاستنباط والسبر والمقابلة لعناصر ترجمته ودراسة سيرته وشخصيته حيث قد تفرز تلك الدراسات بعض الأفكار حول حياته, نتمكن من خلالها فهم أحداث كثيرة لم نتمكن من فهمها من قبل, وبناء عليه فإن سرد ترجمته على العارفين بها وبتفاصيلها أمر غير مرغوب. ومن هذا المنطلق رأينا عدم التعرض لترجمة الرجل. 
أولا: ابن تيمية وحضور مدرسته في المجتمع الإسلامي. 
 لقد كان عصر ابن تيمية عصر مثقل بالمشاكل والجراح, فالتدهور المستمر كان يطبق على الدولة ونظامها, بل على الحكام أنفسهم, فقد كان أداؤهم لمهمة الحاكم – الحارس للدولة, والمدافع عن البيضة – في انهيار متواصل, وكان التراجع المخيف يأتي على الفكر والتصور والسلوك ومؤسسات المدارس والقضاء والحسبة ونحوها, ومن جهة أخرى كان التمزق ينخر جسد الدولة, حيث تحولت الدولة الإسلامية إلى قطع متجاورات من الأرض, ومن الكتل البشرية, تقام على كل قطعة منها دولة أو إمارة, تسيطر عليها أسرة من الأسر الحرة, أو ثلة من المماليك أو العبيد, وكل تلك القطع الممزقة والمسماة بالدول أو الإمارات أو غير ذلك من الاسماء, كانت مثخنة بجراح معارك الصلبيين واعتداءاتهم, مذعورة من غزوات التتار وحروبهم. ( )  
 ولقد كانت البلاد الإسلامية في هذا العصر بدويلاتها وإماراتها بل قبله, قد سيطر على معارفها الدينية والفكرية, واتحكمت في أركانها العلمية, المذهبية في العقيدة, والفقه, والسلوك, ففي العقيدة كانت الأشعرية هي القائدة إلى جانب الماتريدية, أما في الفقه فكانت المذاهب الفقهية المعروفة المشهورة هي المتبعة المقلدة, ومرجعية الحكم والقضاء والحسبة, وأساس التعليم, أما السلوك, فقد كانت طرائق التصوف المتنوعة, هي صاحبة الكلمة العليا في توجيه هذا السلوك كل حسب منهجه وطريقته التي ورثها من شيخه, ولقد كان عدد غير قليل من الحكام والسلاطين والأمراء والولاة ومن رجال الدولة, منضوين تحت عباءة تلك الطرائق, بل إن كثيرا من العلماء وفقهاء المذاهب كانوا كذالك, فهذا ابن عاشر الفقيه المالكي يقول في منظومته الفقهية: 
في عقد الأشعري وفقه مالك      وطريقة الجنيد السالك
وفي خضم هذه الأوضاع السائدة, والمكينة الجذور في التفكير, والراسخة القواعد في العلم والعمل والسلوك جاء شيخ الإسلام ابن تيمية وحمل معه للأمة نظاما معرفيا جديدا, وضع فيه تصوره ومنهجه ورؤيته في إعادة صياغة البناء المعرفي للأمة, وجعله متواصلا مع منبعه الأول الصافي دون شوائب, ودون وساطة الفلسفة اليونانية, والمنطق الأرسطوطاليسي, وبخاصة في أركانه الرئيسة وهي: العقيدة والفقه والسلوك لما دخل عليها من مخالفات وابتداع, وبناء عليه كانت هذه الأركان هي منطلق الإصلاح عند ابن تيمية, لأنها الأساس في كل بناء معرفي إسلامي صحيح. 
 ويتلخص هذا الإصلاح فيا يأتي: 
1 – إصلاح العقيدة:  حيث تبني فيه ابن تيمية مذهب السلف في الاعتقاد القائم على توحيد الألوهية والربوبية, والصفات ووصف الباري تعالى بكل ما وصف به ذاته جل شأنه من غير تعطيل ولا تأويل ولا تشبيه. 
2 – إصلاح الفقه: وتبنى فيه إلى جانب المذهب الحنبلي الذي نشأ وكبر في بيئته وبين أهله - ومنهم أسرته التي كان عدد من رجالها من أعلام المذهب الحنبلي - مذهب السلف في الفقه, وهو اللالتزام بالدليل والقول بمقتضاه بغض النظر عمن وافقه من الأئمة والعلماء أو خالفه, وأن أقوال الأئمة تعرض على الأصلين الكتاب والسنة, فما وافق دليلا منهما أخذ به وقبله, ومالم يوافق الدليل, أعرض عته, فعنده بالأصلين تعرف صحة وعدم صحة أقوال العلماء, وإليهما يتم التحاكم لا العكس. 
3 – إصلاح السلوك أما في السلوك فقد تبنى التصوف السني القائم على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم, والتمسك بسنته, المتمثلة في تقوى الله في السر والعلن, واتباع السنة في الأقوال والأفعال, والرضا عن الله في القليل والكثير, وذكره والتعلق به في السراء والضراء, والتجافي عن دار الغرور, والإنابة إلى دار الخلود, والاستعداد للموت قبل نزوله. 
 وبمرور الوقت أخذت هذه المدرسة بمنهجها اللإصلاحي الجديد تتوسع شيئا فشيئا, وأخذت مواقف زعيمها المتنوعة مع الحكام والسلاطين, ومناظراته مع العلماء والفقهاء, ومؤلفاته المنتشرة بين الناس  صيتا واسعا وحضورا قويا في المجتمع, حضور شعر معه العلماء والفقهاء بخطر يهدد ما ألفوه من الأوضاع الدينية والفكرية والعلمية, وما شيدوه من صروح معرفية, فتآلف الجميع على اختلاف مشاربهم العقدية, ومذاهبهم الفقهية, وطرائقهم السلوكية لمواجهة هذه المنظومة الفكرية الجديدة وأتباعها, ووجد السلطان نفسه منحازا للأوضاع القائمة المألوفة, لارتباط ملكه وعرشه بالمؤسسة الدينية, ووجد الناس أنفسهم حائرين بين ما ألفوا وما وجدوا, فحدث التقابل بين الفئتين, فئة غالبة مسيطرة, مؤيدة من السلطان, تريد إنهاء الوارد الجديد وكسر شوكته, بالمناظرات العلمية والقوة السلطانية, وفئة قليلة ترى أن مواقفها هي الحق الذي لا يقبل التنازل, فكان منها الصمود والثبات وعدم التراجع عنها. 
 وبناء على ما سبق استعرت نار المواجهة بين الفريقين, وكان على ابن تيمية أن يتحمل ما هو آت, فثبت الرجل على مواقفه وأرائه رغم الإيذاء السلطاني, وتآمر بعض العلماء عليه الذي تجسده هذه القصة.
 لقد وجهت لابن تيمية دعوة لزيارة مصر من قبل علمائها لما سمعوا عنه من ذيوع صيته بين أهل الشام, وحددوا له موعد الحضور إلى مصر, فلبى تلك الدعوة, وكان موعد وصوله للقاهرة في نفس الموعد الذي حددوا وكان القوم قد بيتوا أمرهم على سوء نية, وقد جعلوا مكان الدعوة القلعة , حيث اجتمع القضاة وكبار رجال الدعوة, ولما كانت الندوة وأراد ابن تيمية الكلام, وقفوا منه ومنعوه, لما يخشون من قوة منطقه وحجته وتأثيره في السامعين, وأخذ زين الدين بن مخلوف؛ وهو قاضي المالكية بمصر, يتحداه فيما نشر من آراء, وينهمه في بعضها, وبعد ذلك طلب منه الجماعة أن يجيب دون إطالة, فحمد الشيخ الله وقال: من الحاكم في قيل له القاضي المالكي, فقال الشيخ كيف تحكم في وأنت خصمي, فغضب القاضي غضبا شديدا, وأمر بسجن الشيخ, فسيق ألى سجن الجب مكرها.
 وعلى الرغم من هذا فإن الرجل كان حريصا على العدل والإنصاف في آرائه ومواقفه, وعدم الغضب والانتصار لشخصه, ولم يكن يقبل أن يكون مطية لسلطان يصفي بها حساباته مع خصومه, وهو ما يظهر بجلاء في هذه القصة. 
 لقد ذكر ابن تيمية أن الناصر بن قلاوون لما رجع إلى الحكم في مصر بعد خلعه, جلس معه وأخرج من جيبه فتاوى لبعض المشايخ من خصومه في قتله, واستفتاه في قتل بعضهم قال: ففهمت مقصوده وأن عنده حنقا شديدا عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير, فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم, وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك. أما أنا فهم من حل في حقي ومن جهتي وسكنت ما عنده عليهم, قال: فكان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف يقول بعد ذلك: ما رأينا أتقى من ابن تيمية لم نبقي ممكنا في السعي فيه, ولما قدر علينا عفا عنا.  والمعروف لدينا جميعا أن هذا النزاع بين الفئتين لم يتوقف, بل تزيد حدته أحيانا وذلك مثل ما وقع بين الحركة الوهابية لزعيمها محمد بن عبد الوهاب, والدولة العثمانية التي عملت بكل الوسائل لإخماد هذه الحركة, أو تحجيمها ومنعها من الانتشار في العالم الإسلامي وهو ما نجحت فيه, ولا يزال قائما حتى الآن على الرغم ما أيدت به هذه الحركة من مال وسلطان.
 كما ظهر في العالم الإسلامي حركات أخرى, تتخذ من مدرسة بن تيمية منهجا لها ولدعوتها ومنها الحركة السلفية في العالم العربي, ومنها جماعة أنصار السنة, وجماعة أهل الحديث في شبه القارة الهندية. 
 بينما نجد حركات أخرى وقفت موقفا وسطا بين الفريقين, رغبة منها في توحيد الأمة وجمعها ومنها: حركة الإصلاحيين ( جمال الدين الأفغاني وتلاميذه, ومحمد عبده), والجماعة الإسلامية للأستاذ المودودي, وحركة الإخوان المسلمين لزعيمها الأستاذ حسن البنا.

ثانيا: قواعد في أصول التعامل بين مكونات المجتمع الإسلامي.
1 – طريق الله لا تتم إلا بعلم وعمل. فروع القاعدة 
1 – الرد على أهل البدع واجب، وأوجب منه أن يكون بعلم وهدى، لا بجهل وهوى.
قال رحمه الله : (إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم – يعني في الصحابة – بالباطل فلا بد من الذب عنهم وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل)

2 – لايشرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا علم بحكم المأمور به, والمنهي عنه، ولا بحال المأمور, وحال المنهي.
قال رحمه الله : ( لابد من العلم بالمعروف والمنكر وتمييز بينهما ، ولابد من العلم بحال المأمور وحال المنهي، ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي على الصراط المستقيم ، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود) 
3 – الدعوة إلى العلم دون العمل ، أوإلى العمل دون العلم طريقة أهل البدع.
قال رحمه الله : ( فمن دعا إلى العلم دون العمل المأمور به كان مضلاً ، ومن دعا إلى العمل دون العلم كان مضلاً... فهذا وهذا كثير في المنحرف المنتسب إلى فقه، يجتمع فيه أنه يدعوإلى العلم دون العمل والعمل دون العلم، ويكون ما يدعو إليه بدع تخالف الشريعة، وطريق الله لا تتم إلا بعلم وعمل ، يكون كلاهما موافقا للشريعة)

4 – تجب الدعوة إلى العلم والعمل جميعاً، وهذه طريقة الأنبياء.
قال رحمه الله :(فالرسل والكتب المنزلة أمرت بهذا- يعني العلم والعمل – وأوجبته، بل هو رأس الدعوة ومقصودها وأصلها)    
2 - الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها
لقد روعي في وضع الشريعة جهة العبد, فمن ثم جاءت الشريعة بتحصيل المصالح وتكميلها, وتعطيل المفاسد وتقليلها, كما قال ابن تيمية   وأمرت المكلفين باكتساب ما للمصلحة من أسباب, ونهتهم عن اكتساب ما المفسدة من أسباب, وطلبت منهم الحيطة والحذر في مواقع الشبهات, قال صلى الله عليه وسلم: ( الحلال بيّن والحرام بيّن, وبينهما أمور مشتبهات, لا يعلمهن كثير من الناس, فمن وقع في الشبهات وقع في الحرام)  , كما أوكل للمجتهدين مقام الترجيح, وحذرتهم من اقتران الآراء بالأهواء, والشرعيات بالشهوات, لأن مجال المصالح والمفاسد متشابك ومتداخل والنظر فيه دقيق وخطير, والخلاف فيه قائم وعائم, والخروج من المتعارضات فيه ليس باليسير, والزلّل في تلك المواقع وراءه فساد كبير .
وانطلاقا من هذا رسم العلماء منهجا للتعامل مع المصالح والمفاسد جلباً ودفعا عند حدوث التعارض في جهة منها, أو فيما بينها, وقبل التعرض لفروع القاعدة لا بدّ من بيان أربعة أمور هي:
1) لا يعتبر الشارع المصلحة المجلوبة والمفسدة المدفوعة من مقاصده, إلا إذا تعلّق بها غرض صحيح, ويقول المقري في هذا: (( لا يعتبر الشارع من المقاصد إلا ما تعلّق به غرض صحيح, من جلب مصلحة أو درء مفسدة, ولذلك, لا يسمع الحاكم الدعوى في الأشياء التافهة الحقيرة, 
2) إن المصالح والمفاسد لا يرجح منها شيئ إلا من جهة الشرع, لأن الله سبحانه وتعالى منزّه عن النفع والضرّ, فلا يحتاج أى منفعة, ولا تلحقه مضرة, لأنّه الغنى بإطلاق, إنّما يعود الضر والنفع للإنسان, فهو يفتقر إلى ذلك, ومن ثم لا تقبل مصلحة لا اعتبار لها في الشرع, وكذلك المفسدة.
3) قال البقوري: ( اعلم أنّه ليس كل المصالح يؤمر بكسبها, ولا كل المفاسد ينهى عن فعلها, بل المصالح والمفاسد منها ما يكتسب, ومنها مالا يكتسب, فما يكتسب يقع الأمر به والنهى عنه, وما لا يكتسب كحسن الصورة وجودة العقل ووفور الحواس, وشدّة القوى والرقة والرحمة والغيرة وما شبه ذلك, ومثل هذا كقبح الصورة, وسخافة العقل, وضعف الحواس, والغلظة غير ذلك مما يشبهها, فهذه أشياء لا طاقة على اكتسابها للعبد, فهو لا يؤمر بشيئ من ذلك, ولا ينهى عنه, ولكنه يقع الأمر بآثارها والنّهي عن آثارها, الضد الآخر, فمن أطاع بحسب ذلك, فقد أصاب, ومن عصى فقد خاب,  
4) الظاهر أنّ الاعتماد في جلب معظم مصالح الدنيا والآخرة, ودرء معظم مفاسدها مبني على الظن, لأن المقطوع به منهما قليل, ولو فات المظنون به منهما لفسد أمر الدارين وهلك أهلهما, واعتمادنا على الظن هنا قائم على أن الله سبحانه وتعالى تعبدنا به, كما أن الغالب صدقه عند قيام أسبابه.
هذه أربعة أمور على كل خائض في مسالك الترجيح بين وجوه المصالح والمفاسد أن يستصحبها معه, زيادة على ما سبق ذكره حول هذا الموضوع, وبالله التوفيق.
فروع القاعدة:
1 – لو امتنع الدعاة وأهل العلم والفضل عن الصلاة على مظهري الكبائر والمجاهرين بها، ودعوا لهم في الباطن، كان ذلك مشروعاً لإمكان الجمع بين المصلحتين .
2 – وهجر أصحاب المنكرات المعلنين بها فيه مفسدة حصول التقاطع بين المسلمين، ولكن إذا كان في الهجر مصلحة كضعف شرهم ، وخفيتهم، أو رجوع العامة عن مثل حالهم، فهذه مصلحة أعظم من تلك المفسدة فيشرع ذلك وإلا فلا .
3 – لايجوز أن يترك المسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله ، لما في ذلك من أذى بعض الناس والأنتقام منه ، ويغفل عن المصلحة الراجحة من ذلك، حتى يستولي الكفار والفجار على الصالحين الأبرار  .
 4 – لا يجوز للمسلم أن يجالس الظالمين والزنادقة وأهل البدع والفجور وسائر أهل المعاصي ، ويخالطهم ، إلا أن يكون ذلك لمصلحة دينية راجحة على مفسدة المجالسة، فتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة .
5 – قال رحمه الله: (إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين منكر ومعروف بحيث لا يفرقان بينهما ، بل إما يفعلوهما حميعاً أو يتروكهما جميعاً ، لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر ، بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أمر به ، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر ... وإن كان المنكر أغلب نهي عنه ، وإن استلزم فوات ماهو دونه من المعروف... وإن تكافأ المنكر والمعروف المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر ، وتارة يصلح النهي ، وتارة لا يصلح أمر ولا نهي ... وذلك في الأمور المعينة الواقعة) .
3 – الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين. 
إن الحرص على تأليف القلوب واجتماع الكلمة وإصلاح ذات البين والحذر من أن يكون الخلاف في المسائل الفرعية العقدية والعملية سببا في نقض عرى الأخوة والولاء والبراء بين المسلمين, من أعظم أصول الشريعة ومقاصدها التي بنيت عليها.
يقول رحمة الله في هذا: (تعلمون أن القواعد العظيمة، التي هي من جماع الدين، تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول: (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم){الأنفال:1}، ويقول:(وعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا){آل عمران:103}، ويقول:(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ){آل عمران:105}, وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف 
، وتنهي عن الفرقة والاختلاف, وأهل هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة.
وبين الشيخ أن الخلاف في المسائل الفرعية  العقدية والعملية، جرى بين الصحابة والتابعين من سلف الأمة، مع محافظتهم على هذه القاعدة، وأن العاصم من ذلك كان في رد النزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء الحق وحده، فيقول مقرراً مسلكهم رضي الله عنهم:(وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله:(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا){النساء: 59}.وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين.. نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة، أو ما أجمع عليه سلف الأمة، خلافا لا يعذر فيه، فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع، فعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قد خالفت ابن عباس وغيره من الصحابة، في أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه، وقالت:(من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله تعالى الفرية)، وجمهور الأمة على قول ابن عباس رضي الله عنهما، مع أنهم لا يبدعون المانعين الذين واقفوا أم المؤمنين رضي الله عنها، وكذلك أنكرت أن يكون الأموات يسمعون دعاء الحي، لما قيل لها:إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، فقالت: إنما قال: (إنهم ليعلمون الآن أن ما قلت لهم)..ومع هذا فلا ريب أن الموتى يسمعون خفق النعال، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام)،وصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الأحاديث.. وأم المؤمنين تأولت، والله يرضى عنها، وكذلك معاوية رضي الله عنه، نقل عنه في أمر المعراج أنه قال: (إنما كان بروحه)، والناس على خلاف معاويةرضي الله عنه، ومثل هذا كثير.
وأما الاختلاف في الأحكام فأكثرمن أن ينضبط، ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا، لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة، ولقد كان أبوبكر وعمر رضي الله عنهما، سيدا المسلمين، يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخبر.. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بني قريظة: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، فأدركتهم العصر في الطريق، فقال قوم: لا نصلي إلا في بني قريظة، وفاتتهم العصر. وقال قوم: لم يرد منا تأخير الصلاة، فصلوا في الطريق، فلم يعب واحداً من الطائفتين، أخرجاه في الصحيحين، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهذا إن كان في الأحكام، فما لم يكن من الاصول المهمة فهو ملحق بالأحكام).
وأكد الشيخ على مراعاة الأخوة والموالاة بين المسلمين بحيث لا يؤثر عليها ما يقع من خلاف بسبب دواع اجتهادية، مبيناً أن العاصم من ذلك تقديم حق الله على حق النفس، وفي هذا يقول : ( جعل الله... عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وجعلهم إخوة، وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين، وأمرهم سبحانه بالائتلاف، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، فقال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا){آل عمران:103}، وقال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله){الأنعام:109}، فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة، ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى وبلا برهان من الله تعالى، وقد برأ الله نبيه صلى الله عليه وسلم ممن كان هكذا، فهذا فعل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين، وأستحلوا دماء من خالفهم. 
فروع القاعدة
1 – لايجوز أن يدعي أحد في أصول الدين إلى مذهب معين ، إنما يدعي إلى الكتاب والسنة وما اتفق عليه سلف الأمة .
2 – لايجوز أن يكفر أحد من المسلمين أو يفسق إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة وانتفت المحجة .
3 – لايجوز أن يؤدي التنازع في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد إلى الحكم بتكفير المخالف أو تفسيقه أو تبديعه .
4 – لايجوزالتحزب والاجتماع إذا صاحبه زيادة على المشروع بين المسلمين عامة ، كالتعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم 
5 – قال رحمه الله: (أما الانتساب الذي يفرق بين المسلمين، وفيه خروج عن الجماعة والائتلاف إلى الفرقة وسلوك طريق الابتداع ومفارقة السنة والاتباع، فهذا مما ينهي عنه ويأثم فاعله، ويخرج بذلك عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم) .
6 – قال رحمه الله: (لو كان الإمام يرى استحباب  شيء والمأممون لا يستحبونه ، فتركه لأجل الاتفاق والائتلاف كان أحسن ، مثال ذلك الوتر  
4 – دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه. 
إن سبيل الأمة الوسط هو إنصاف الطرفين في ذكر ما لهما من محامد ومذام, وقبول ما عندهما من حق, ورد ما عندهما من باطل وتصحيجه, وإرشادهما للوسط الجامع, المأممور به جميع الناس. 
وقد قرر شيخ الإسلام أن منهج أهل السنة والجماعة في الثناء والذم, القائم على الكتاب والسنة والإجماع, فقال: وأهل السنة والجماعة يقولون ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع وهو أن المؤمن يستحق وعد الله وفضله والثواب على حسناته, ويستحق العقاب على سيئاته, وأن الشخص الواحد يجتمع فيه ما يثاب عليه وما يعاقب عليه, وما يحمد عليه وما يذم, وما يحب منه وما يبغض منه. 
 وبين رحمه الله أن هذا هو المنهج الصواب فقال: ( والصواب أن يحمد من حال كل قوم ما حمده الله ورسوله, كما جاء به الكتاب والسنة, ويذم من حال كل قوم ما ذمه الله ورسوله, كما جاء به الكتاب والسنة  وهذا هو سبيل الأمة الوسط, القائم على العدل والإنصاف, وإعطاء كل ذي حق حقه, من غير مداهنة في باطل, ولا غمط في حق 
وخلاصة القول: إن اعتماد العمل والعدل شرطان أسساسيان في الكلام على الناس عموما وفي الحكم على أقوال المخالفين وأعمالهم خصوصا
 ولابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات, ليتكلم بعلم وعدل, ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت, وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات, فيتولد فساد عظيم. 

فروع القاعدة: 
1 – يجب على المصلحين الإنكار على الناس ماهم فيه من مخالفة الأوامر وارتكاب النواهي بالطريق الشرعي الوسط بلا اعتداء ولا تقصير
2 – مخالطة الدعاة والمربين للناس مطلقا خطأ, وترك مخالطتهم والعزلة عنهم أيضا خطأ, والصواب المشروع مخالطتهم بقدر ما فيه منفعة, ومعاونة لهم على البر والتقوى, والعزلة عنهم بقدر ما يهم الدعاة أنفسهم ويتفقدون أحوالهم ويصلحون قلوبهم. 
 قال رحمه الله بعد ذكره للمخالطة والانفراد: ( فاختيار المخالطة مطلقا خطأ, واختيار الانفراد مطلقا خطأ, وأما مقدار ما يحتاج إليه كل إنسان من هذا وهذا, وما هو الأصلح له في كل حال, فهذا يحتاج إلى نظر خاص )  
3 – الطريق الواجب على الدعاة والمصلحين هجر أهل البدع والإنكار عليهم إذا قدروا على ذلك، وكان هجرهم فيه مصلحة شرعية، وإذا لم يقدروا على ذلك يجب هجر بدعتهم وإنكارهم ونهي الناس عنها فهذا الطريق الوسط، فلا هم الذين هجروا وأنكروا بغير الطريق الشرعي، ولاهم الذين رضوا بالبدعة وسكتوا عنها. 
5 – العدل نظام كل شيء. 
 إن اسم العدل مشتق من المعادلة بين شيئين, وهو بذلك يقتضي وجود شيء ثالث وسط بينهما, وقد جاء في كلام العرب استعمال اسم الوسط بمعنى العدل في بعض الأحيان, فقد أخرج الترمذي في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) {البقرة: 143 } قال: ( عدلا, والوسط العدل ).  
 وقد عرف ابن عاشور العدل بقوله: هو مساواة بين الناس أو بين أفراد أمة, في تعيين الأشياء لمستحقيها, وفي تمكين كل ذي حق من حقه بدون تأخير.  
 ولا يعد من العدل توزيع الأشياء بين الناس بالتساوي بدون استحقاق. 
 ولما كان العدل ميزان الله المبرأ من كل زلة, ووسيلة استقرار نظام الأمم عده الحكماء من جملة الفضائل, فقالوا: الإنفاق الكثير هو التبذير والتقليل جدا هو التفقير, والعدل هو الفضيلة. 
 وعلق الرازي على هذا بقوله: وهو المراد من قوله تعالى: ( قل العفو ) { البقرة: 219}, ومدار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على رعاية هذه الدقيقة, فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة , وشرع النصارى على المسامحة التامة, وشرع محمد صلى الله عليه وسلم متوسط في كل هذه الأمور, فلذلك كان أكمل من الكل. 
فروع القاعدة. 
1 – يجب على المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعدل، سواء رضي الناس عنه أو سخطوا ، وسواء أعطوه أم منعوه.
قال شيخ الأسلام في بيان أحد أصناف أهل الاحتساب:(يرى- أي الإنسان - قوماً ينكرون على المتولي ظلمة لرعيته واعتداءه عليهم، فيرضى أولئك المنكرين ببعض الشيء من منصب أو مال فينقلبون أعواناً له، وأحسن أوحوالهم أن يسكتوا عن الإنكار عليه) 
2 – يجب على المعلمين العدل بين الصبيان، فلا يحابي قريباً ولا يمنع بعيداً, قال رحمه الله :(وكل من حكم بين اثنين فهو قاض ... حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدونه من الحكام)  
3 – مناظرة الكفار وأهل البدع ودعوتهم يجب أن تكون قائمة على العدل، فلا ينكر ما عندهم من حق، كما لا يسكت عما عندهم من باطل.
قال رحمه الله:(والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوزلنا إذا قال يهودي أو نصراني فضلاً عن الرافضي قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق)  

19/4/2011

 

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.