wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ورقة عمل الدكتور نوح الفقير: التصوف عند شيخ الإسلام ابن تيمية/ الأردن

التصوّف عند شيخ الإسلام ابن تيمية

الدكتور نوح مصطفى الفقير

    الحمد لله؛ ربّ الشعرى؛ خلق فسوّى، وقدّر فهدى، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، النبي  العربي المجتبى؛ وعلى آله وصحبه، ومَن به اقتدى فاهتدى... وبعد؛ فإن البحث في درجة قُرب الصوفية من ابن تيمية أو بعدهم شيق؛ غير أنه شائك؛ كما تكون في بحر لجي؛ تلاطمت أمواجه، واضطربت فيه مراكبه. 
     ومن ذلك أنك تجد الدكتور المشهور محمد العريفي قد كتب أطروحة دكتوراة في موقف ابن تيمية من التصوف، وقدمها إلى جامعة محمد بن سعود الإسلامية وحظيت الرسالة العلمية بأنها أجيزت  بتقدير ممتاز؛ وفي ختامها خلص إلى نتائج؛ أهمها الإشادة بمذهب السنة والجماعة، وجهود شيخ الإسلام ابن تيمية في خدمته؛ وأن الشيخ عرض آراء الصوفية، وفصّل الشيخ عقائدهم في الأبواب المختلفة العقدية منها والسلوكية، ومن منهج الشيخ أنه لا يكتفي بعرض المذهب، بل يرد عليه ويفنده، ويذكر ما فيه من حق وباطل، وفي البند التاسع من النتائج قال العريفي: ( من خلال ردود الشيخ ومناقشاته للصوفية برز في منهجه أمران:
  الأول: إنصاف الشيخ خصومه الصوفية، وذلك باعترافه بما معهم من حق-وإن كان قليلاً- وعدم التعميم في الحكم عليهم بالبدعة، بل تفصيل حالهم.
   الثاني: الرد على المتصوفة فيما خالفوا فيه مذهب أهل السنة والجماعة، مع ذكر قواعد الردود وتأصيلها؛ إضافة إلى الإحاطة والمناقشة المفصلة للمسائل التي خالف فيها الصوفية أهل السنة والجماعة .
   وأما الدكتور  مصطفى حلمي الأستاذ المساعد في الجامع الأزهر فقد كتب كتاباَ عنونه بالعنوان الآتي: (ابن تيمية والتصوف)، وفيه استخلص أن ابن تيمية اتخذ موقف المؤيد للاتجاه الروحي في الإسلام، وأنه لم ينكر هذه المعاني العميقة التي أرشدنا إليها الكتاب والسنة، وأن من يقرأ له هذه التفسيرات الذوقية للنصوص القرآنية يراه شبيهاً بالصوفي؛ الذي يتدرج في أحواله ومقاماته، ولكن ليس معنى هذا أن نعدّ ابن تيمية من الصوفية، فإن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، كل ما هنالك أنه تأثر بالتيار الصوفي العنيف حوله، ولما حاول أن ينأى عن صوفية وحدة الوجود، ويتحدث عن ما رآه من مآخذ في التصوف السني اضطره ذلك إلى الخوض في الموضوع بأسلوب القوم، فظهرت هذه النزعة في كتاباته.
   وقال الدكتور مصطفى حلمي: قد نأخذ على شيخنا أنه لم يستطع التخلص من تأثير الصوفية، وكان الأجدر به إنكار التصوف بكافة مظاهره، ومختلف أشكاله إنكاراً تاماً؛ لأنه في حديثه عن نشأته وتطوره أقرنه بالبدع؛ شأنه شأن علم الكلام، الذي كره السلف الخوض فيه، فكيف يعده ابن تيمية من قبيل البدع، ثم يعود فيتحدث في هذه الموضوعات التي خاض فيها الصوفية، وكأنه يوافقهم على نظرياتهم، لا سيما وأنه أقرّ جانب التصوّف الذي سماه التصوّف المشروع، إنه لم ينكر التصوّف في عصره كمنهج للتصفية، والتقرب إلى الله إذا ما اتفق مع المشروع، ولهذا استهوته نظريات أهل السنة والجماعة التي خلت من شوائب الحلول والوحدة، فيمكن القول إذن بأنه رأى الاتجاه الصوفي من حوله قد استأثر باهتمام المسلمين، وسيطر على شيوخهم، والجماهير الغفيرة منهم، فأراد أن ينبه إلى العناصر الأجنبية فيه، وأن يقيم بدلاً منه منهجاً للتفسير الوجداني؛ يتطابق مع الأصول الإسلامية، وقد نجح ابن تيمية في أداء هذا الدور . 
   أقول: إنك لا تظمأ وأنت تبحث عن صوفية ابن تيمية ولا تضحى؛ إذ في كتاب الفتاوى المشهور (مجموع الفتاوى) مجلد كامل معنون في كعب جلده بعنوان (الصوفية)؛ تعريفاً وفكراً وسلوكاً، وفي أوله  قال: (لفظ الصوفية لم يكن مشهوراً في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك؛ وقد نقل التكلم به غير واحد من الأئمة والشيوخ؛ كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي سليمان الداراني وغيرهما) ، ويبدو بلا ريب أن شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر أيضاً  الباز الأشهب  الشيخ عبد القادر الجيلاني كثيراً، وهو رحمه الله علم من أعلام الصوفية وشيخ من شيوخهم، وفي المجلد العاشر من الفتاوى قال ابن تيمية: (قال الشيخ أبو محمد "عبدالقادر" في كتاب "فتوح الغيب" لا بد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمر يمتثله، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به، فأقل حاله لا يخلو المؤمن فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة، فينبغي له أن يلزم بها قلبه، ويحدث بها نفسه، ويأخذ بها الجوارح في كل أحواله، قلت : هذا كلام شريف؛ جامع يحتاج إليه كل أحد، وهو تفصيل لما يحتاج إليه العبد) ، ثم شرع ابن تيمية يشرح ذلك بإسهاب . 
 وفي هذا المجلد من الفتاوى ناقش سبب تسميتهم بهذا الاسم؛ وهل هو نسبة إلى لبس الصوف؟ أو نسبة إلى أهل الصفّة؟ وغير ذلك، وتسأل عن منشأ الصوفية؛ ورجّح أنهم نشأوا في البصرة، وقال : (والتصوّف عندهم له حقائق وأحوال معروفة، قد تكلموا في حدوده وسيرته وأخلاقه؛ كقول بعضهم: "الصوفي مَن صفا من الكدر، وامتلأ من الفِكر، واستوى عنده الذهب والحجر، التصوّف كتمان المعاني، وترك الدعاوي" وأشباه ذلك، وهم يسيرون بالصوفي إلى معنى الصديق، وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} ، ولهذا ليس عندهم بعد الأنبياء أفضل من الصوفي؛ لكن هو في الحقيقة نوع من الصديقين؛ فهو الصدّيق الذي اختص بالزهد والعبادة على الوجه الذي اجتهدوا فيه؛ فكان الصديق من أهل هذه الطريق كما يقال: صديقو العلماء، وصديقو الأمراء، فهو أخص من الصدّيق المطلق، ودون الصدّيق الكامل الصديقية من الصحابة والتابعين وتابعيهم) ، ثمّ ذكر تنازع الناس في الصوفية؛ وأنّ طائفة ذمتهم؛ لأنهم أهل بدعة، وطائفة غالت فيهم، وقال: (والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله؛ ففيهم السابق المقرّب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كلّ من الصنفين مَن قد يجتهد فيخطئ، ومنهم مَن يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم مَن هو ظالم لنفسه، عاصٍ لربه) .
 فالشيخ ابن تيمية يقبل النهج الصوفي من وجه، ولكنه بلا شك يشترط شروطاً في قبول الصوفي؛ وقد ذكر بعض هذه الشروط في مسألة الوقف على الصوفي؛ إذ سئل  عن حكم واقفٍ وقَفَ رباطاً على الصوفية، وكان هذا الرباط قديماً جارياً على قاعدة الصوفية في الربط؛ من الطعام والاجتماع بعد العصر فقط؟ فتولي نظره شخص فاجتهد في تبطيل قاعدته، وشرط على مَن به شروطاً ليست في الرباط أصلاً، ثم إنهم يصلون الصلوات الخمس في هذا الرباط ويقرأون بعد الصبح قريباً من ثلاثة أجزاء، حتى أن أحدهم إذا غاب عن صلاة أو قراءة كتب عليه غَيبةً، مع أن هذا الرباط لم يُعرف له كتاب وقفٍ؛ ولا شرط، فهل يجوز إحداث هذه الشروط عليهم ؟ أم لا ؟ وهل يأثم من أحدثها أم لا ؟ وهل يحل للناظر الآن أن يكتب عليهم غيبة أم لا؟ وهل يجب إبطال هذه الشروط أم لا؟ وهل يُثاب ولي الأمر إذا أبطلها أم لا؟ وإذا كانت هذه الشروط قد شرطها الواقف؛ هل يجب الوفاء بها أم لا؟ وما الصور في الذي يستحق ذلك؟ وهل إذا كان في الجماعة من هو مشتغل بالعلوم الشرعية يكون أولى ممن هو مترسم برسم ظاهر لا علم عنده؟ ومن لم يكن متأدباً بالآداب الشرعية هل يجوز له تناول شيء من ذلك أم لا ؟ وإذا كان فيهم من هو مشتغل بالعلم الشريف وله من الدنيا ما لا يقوم ببعض كفايته هل يكون أولى ممن ليس متأدبا بالآداب الشرعية ولا عند شيء من العلم؟ أفتونا مأجورين وبينوا لنا ذلك بيانا شافيا بالدليل من الكتاب والسنة رضي الله عنكم.
   الجواب: لا يجوز للناظر إحداث هذه الشروط ولا غيرها فإن الناظر إنما هو منفذ لما شرطه الواقف ليس له أن يبتدئ شروطاً لم يوجبها الواقف، ولا أوجبها الشارع، ويأثم من أحدثها فإنه منع المستحقين حقهم، حتى يعملوا أعمالاً لا تجب ولا يحل أن يكتب على من أخل بذلك غيبة بل يجب إبطال هذه الشروط ويثاب الساعي في إبطالها مبتغيا بذلك وجه الله تعالى، وأما الصوفي الذي يدخل في الوقف على الصوفية فيعتبر له ثلاثة شروط :
أحدها: أن يكون عدلاً في دينه، ويؤدي الفرائض ويجتنب المحارم.
 الثاني: أن يكون ملازماً لغالب الآداب الشرعية في غالب الأوقات، وإن لم تكن واجبة مثل آداب الآكل والشرب واللباس، والنوم والسفر والركوب والصحبة والعشرة والمعاملة مع الخلق، إلى غير ذلك من الآداب الشريفة قولاً وفعلاً، ولا يلتفت إلى ما أحدثه بعض المتصوفة من الآداب التي لا أصل لها في الدين من التزام شكل مخصوص في اللبسة، ونحوهما مما لا يستحب في الشريعة فإن مبنى الآداب على إتباع السنة ولا يلتفت أيضاً إلى ما يهدره بعض المتفقهة من الآداب المشروعة يعتقد لقلة علمه، أن ذلك ليس من آداب الشريعة لكونه ليس فيما بلغه من العلم أو طالعه من كتبه بل العبرة في الآداب بما جاءت به الشريعة؛ قولاً وفعلاً وتركاً كما أن العبرة في الفرائض والمحارم بذلك أيضاً.
  والشرط الثالث في الصوفي: قناعته بالكفاف من الرزق بحيث لا يمسك من الدنيا ما يفضل عن حاجته فمن كان جامعا لفضول المال لم يكن من الصوفية الذين يقصد إجراء الأرزاق عليهم وأن كان قد يفسخ لهم في مجرد السكنى في الربط ونحوهما فمن حمل هذه الخصال الثلاث كان من الصوفية المقصودين بالربط والوقف عليها وما فوق هؤلاء من أرباب المقامات العلية والأحوال الزكية وذوي الحقائق الدينية والمنح الربانية؛ فيدخلون في العموم لكن لا يختص الوقف بهم لقلة هؤلاء ولعسر تمييز الأحوال الباطنة على غالب الخلق فلا يمكن ربط استحقاق الدنيا بذلك ولأن مثل هؤلاء قد لا ينزل الربط إلا نادرا وما دون هذه الصفات من المقتصرين على مجرد رسم في لبسة أو مشية ونحو ذلك، لا يستحقون الوقف ولا يدخلون في مسمى الصوفية لا سيما إن كان ذلك محدثا لا أصل في السنة فإن بذل المال على مثل هذه الرسوم فيه نوع من التلاعب بالدين وأكل لأموال الناس بالباطل وصدود عن سبيل الله ومن كان من الصوفية المذكورين المستحقين فيه قدر زائد؛ مثل اجتهاد في نوافل العبادات أو سعي في تصحيح أحوال القلب أو طلب شيء من الأعيان أو علم الكفاية فهو أولى من غيره ومن لم يكن متأدباً بالآداب الشرعية فلا يستحق شيئاً البتة وطالب العلم الذي ليس له تمام الكفاية أولى ممن ليس فيه الآداب الشرعية ولا علم عنده بل مثل هذا لا يستحق شيئاً.

والحمد لله رب العالمين

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.