
في عصر الفتن التي تموج وتعصف بالناس لا يسلم منها إلا من رحم الله، يستذكر الإنسان المؤمن آيات الله التي تطمئن القلب وتريح النفس والوجدان، يتذكر قوله تعالى»وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، هذا الإعلان الإلهي حدد الصّلة بينه وبين الثقلين من خلقه، وهو موضوع جميع رسالات الأنبياء والرسل الكرام، الهدى الذي تكفل الله أن يؤتيه خلقه منذ أن أهبطهم إلى الأرض، قال الله تعالى :» قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» وفي الجملة فإنّ هذا الإعلان تذكير بالعهد الذي عهد به سبحانه إلى خلقه، « وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم».
إنّ كل آيةٍ في كتاب الله متضمنةٌ للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإنّ القرآن الكريم: إما خبر عن الله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، فهو التوحيد الإرادي الطّلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته في الدنيا والآخرة، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في الآخرة من العذاب.
وقد خصّ الله الجن والإنس بالذكر في الآية مع كون جميع الموجودات تشترك معهم في الأمرين، فالجميع خلق الله، والجميع خلق لعبادته، قال تعالى» وإن من شي إلا يسبح بحمده»، وحاصل الأمر أن الجن والإنس إنما خصوا بالذكر لأنهم هم المكلفون بالعبادة على سبيل الابتلاء والامتحان من بين جميع الخلق، وأصناف الخلق غيرهم إما مسخرة للعبادة تسخيراً لا تكليفاً أو مكلفة لا على سبيل الابتلاء، وهذا المعنى قررته الآيات في كتاب الله، قال الله تعالى:» الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً «.
ومعلوم أن إثبات الشيء معلّلاً أرسخ في النفس من إثباته مجرداً عن التعليل،وهذا التعليل واقع يعد استثناء، وهو يدل على معنى جليل في هذه الآية وهو: أنّ الله تعالى يستحق العبادة لذاته عز وجل، لا لكونه خلق الخلق فقط، فليس خلق الخلق شرطاً لاستحقاقه العبادة من غيره، بحيث إنه لو لم يخلق لم يكن مُستحقاً للعبادة من غيره لذاته، ولكنه سبب استحقاقها، والعبادة سبب لخلق الخلق من جهتين: الأولى من جهة مقتضى الحال، فإن مقتضى الحال أن الخالق مستحق للعبادة، لا يجوز صرفها لغيره، وصرفها لغيره أعظم المنكر وأقبحه، والثانية :من جهة إرادة الخالق سبحانه، فإنه أراد منهم العبادة شرعاً، ولم يأمرهم بالكفر أو الشرك، فالآية الكريمة عامّة تشمل جميع المكلفين من الثقلين، والمقصود بالعبادة فيها العبادة الشرعية المتعلقة بطاعة الأمر والنهي الشرعيين والتي أُمر بها الرسل الكرام، قال الله تعالى: }يا أيها الناس اعبدوا ربكم{ ولأن المعنى المعبر عنه بالفعل في الآية الكريمة هو الإرادة، وعليه يكون المراد بالإرادة هنا الإرادة الشرعية التي هي الأمر والنهي والتكليف بهما فقط.
إنّ كمال السعادة والطمأنينة يجدها المؤمن بطاعة الخالق عز وجل وذكره وتلاوة آياته التي تمنحه الثقة والصبر والعزم، قال تعالى: }الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب{ وإذا شغل القلب بذكر الله عز وجل فإن الإنسان يخلص في عمله ويندفع للإبداع والعطاء، وينزه نفسه عن سفاسف الأمور، ويحرص على مصالح دينه وأمته، لأنه يستشعر رقابة ربه عز وجل في السر والعلن عندها تصفو نفسه، ويحسن عمله، لأنه عرف وفهم العبادة بمعناها العام، فكل قول صائب أو فعل صحيح على الوجه المشروع يطلب فيهما المؤمن مرضاة الله فهو عبادة.
الرأي:17/6/2011
ابحث
أضف تعليقاً