wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الجماعات السياسيَّة ..ودورها في تحقيق النهضة

د. محمد مورو

لا شكَّ أن محاولة تحقيق النهضة بعد النجاح الثورة على الفساد والاستبداد هو الهدف الأول والأكبر في واقعنا المعاصر, ولا شك أن علينا أن ندرك الكثير من المعطيات في هذا الصدد, حتى لا يصبح الجهد المبذول في عكس الاتجاه أو يضيع جزء من هذا المجهود بسبب اعتقال الكثير من العوامل الموضوعيَّة والذاتية في هذا الإطار.
بداية لقد حقَّق الشعب المصري والتونسي ثورتهما وأطاحا بنظاميين مستبدين غاشمين فاسدين, ونأمل أن يكتمل عقد الثورة في عالمنا العربي والإسلامي, وهذا يعني أن هناك فرصة حقيقية لتحقيق النهضة بعد زوال عاملين خطيرين كانا يستنزفان الجهد والثروات الماديَّة والبشريَّة على حد سواء, ألا وهما الفساد والاستبداد.

أمَّة ذات طبيعة خاصَّة

إذا قلنا أن أي نهضة تبدأ بإدراك ما هو موجود بالفعل من ثروات وطاقات وبشر وغيرها, وأن التفاعل الإيجابي والصحي بين البشر والثروات والطاقات المتاحة, هو ما يحقِّق تلك النهضة المنشودة, ومن ثم إدراك العلاقات العلميَّة بين عناصر النهضة, لأمكننا على الفور أن نقول أن عملية النهضة تخضع بالطبع للعوامل المادية العلميَّة في الشق المتصل بالثروات والطاقات, ولكن هذا في حدِّ ذاته لا يكفي, لأن من يحول الثروات والطاقات إلى تقدم ونهضة هم البشر ومن ثم فإن إدراك التركيبة الماديَّة والثقافية لهؤلاء البشر أمرٌ ضروري, مثلا يمكن دراسة حجم الثروات, وعدد البشر وتوزيعهم الجغرافي, وكم عدد القوى العاملة فيهم, وخبراتهم العلميَّة, ومستوى الصحة والعافية لديهم, ولكن كلّ هذا ناقص لأن هؤلاء البشر خاضعون في الجزء المادي من تكونهم لعوامل الفيزياء والكيمياء وغيرها, ولكنهم خاضعون في الجزء الثقافي من تكوينهم لعوامل غير مادية, كالدين والثقافة, والحضارة, والمزاج العام والوجدان, فإذا تصدقنا مثلا بصورة محايدة مع العوامل غير المادية في التكوين البشري, واستنسخنا العوامل المعروفة بنهضة في الغرب أو الشرق, وهذا حدث بالفعل في العديد من التجارب السابقة التي فشلت –لن نصل إلى النتيجة المرجوة وسنكتشف في النهاية أننا كنا نحرث في البحر أو نجري وراء سراب, ولكن التفكير السليم يقول إن اعتقال الجانب المعنوي للإنسان والبشر هو السبب في فشل كل مشروعات النهضة السابقة التي لم تأخذ في اعتبارها أننا أمة ذات طبيعة خاصة.
إننا أمة غير مصمتة، ولكنها مفعمة بنوع بين من الثقافة والحضارة وربما بما هو الأعمق في العالم, وأي تجاهل لهذا الأمر سوف يؤدي إلى كارثة.
وفي عجالة فإن أمتنا بكل طوائفها وأديانها تنتمي إلى نوع من الحضارة والثقافة العربية الإسلاميَّة –لا نتكلم هنا عن الدين فقط, بل نتكلم عن الثقافة والحضارة- وإذا كان المسلمون وهم الأغلبية ينتمون بالضرورة إلى الحضارة والثقافة الإسلامية العربية, فإن غير المسلمين ينتمون أيضًا إلى الثقافة والحضارة الإسلاميَّة العربيّة, حتى لو كانوا على غير الدين الإسلامي، كذا فإن الأقليات غير العربية تنتمي بدورها إلى الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية وأحيانا العربية بشكلٍ ما, ومن الملاحظ مثلا أن حركة القومية العربية كانت إسلامية الطابع وكان يشارك فيها أكراد وأمازيج مثلا, أما حين أصبحت علمانية فإن هؤلاء لم يجدوا بدًّا للانخراط فيها, بل إن عليهم بالضرورة معاداتها والعمل ضدها.
إذن فإن البدء بإدراك أن البعد العربي والإسلامي ثقافيا وحضاريًّا هو القادر على تعبئة البشر، ومن ثم تفاعلهم الإيجابي مع الثروات والطاقات لتحقيق النهضة, وغياب هذا البعد كفيل بإفشال أي محاولة للنهضة.
وعلى هذا الأساس فإن الحركات والجماعات السياسيَّة ذات المرجعية الإسلامية الحضارية والثقافيَّة, هي الأقدر على قيادة مشروع النهضة, لا نقصد هنا الجماعات الإسلامية المعروفة, ولكن نقصد كل الحركات الإسلامية والعربية ذات المرجعية الإسلامية, وباستثناء الحركات الليبرالية والماركسية فإن الجميع ينضوي تحت هذا التعريف, أي أن الذين يستخدمون برامجهم من الثقافة والحضارة الإسلامية هم الأقوى على بناء النهضة وقيادة المجتمع, أما الذين يستخدمون ثقافتهم من المرجعية الرأسمالية أو الماركسية أو غيرها من أفكار الحضارة الأوروبية, غير قادرين على ذلك.

طليعة للأمة وليس بديلا عنها

 لا يكفي بالطبع أن تكون حركة أو جماعة أو حزب سياسي ذو مرجعية إسلامية حضارية بصبح صالحًا لقيادة البشر في عملية النهضة, بل هناك عدد من الشروط الموضوعية الأخرى اللازمة لتحقيق هذا الهدف, فمثلا إذا تصرفت كجماعة مستقلة عن الأمة, وبمنطق البديل عن الأمة فإنك أيضًا لن تحقق شيئا , والأمر أشبه بخلايا تنشيط في جسم الإنسان , فإذا نشطت معها باقي الخلايا نهض الجسم كله, أما إذا نشطت هذه الخلايا بمعزل عن جسم الإنسان, فإنها تتحول إلى ورم خبيث أو حميد, وهو في النهاية ورم يصبح عبئًا على الجسم وينبغي استئصاله, وكذا فإن الأمر أشبه بنشاط الخميرة داخل اللبن لتحويله إلى زبادي وإذا نشطت الخميرة خارج اللبن تصبح وباءً, ويفسد اللبن في نفس الوقت, وهكذا فإن على الحركات السياسية أن تكون فاخرة للأمة, تعمل على جرها إلى النهضة, وليست فاخرة منفصلة تسير وحدها, فتترك باقي العربات واقفة, وتصطدم هي بالواقع وتؤدي إلى حادثة مروعة.

إدراك بعد التخلُّف التكنولوجي

إذا تصورت مثلا أنك تعيش في عصر الخلافة العباسية فإن من الممكن أن يقول الخليفة العباسي للسحابة في السماء أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك، ولكن إذا أدركت أنك الآن لا تعيش في ظل حضارة إسلامية, فإن عليك أن تدرك هذا الظرف, عليك أن تدرك أننا أمة لا تزال كثير من بلادها محتلة, وأن الكيان الصهيوني قائم على رأسنا يهددنا, وأن العالم ليس لنا, بل لأعدائنا, وأن هؤلاء أكثر تقدمًا منا في العلم والتكنولوجيا, وبالتالي السلاح والآلات إلخ وهكذا فإن من الضروري أولا الاعتراف بهذا الأمر وبناء استراتيجيَّة ملائمة لهذه الحالة على مستوى الطرح الثقافي والحركة الاجتماعيَّة, مثلا إذا بنينا جيش قوى من دبابات وطائرات, فإن أعداءنا يمتلكون أحدث منها, وهكذا تضيع أموالنا في شرار السلاح دون جدوى, بل الصحيح أن نعمل على تدريب الشعب كله على السلاح الفردي, برشاشات مضادات للدبابات والطائرات وأن ننتج هذا السلام وأن نواجه عدونا بحرب المجتمعات وليس حرب الجيش، والأمر نفسه في بناء مدننا أفقيًّا وليس رأسيًّا, تصور مثلا أن إسرائيل ضربت الكباري في القاهرة, ألن تحدث كارثة, ومن ثم فإن التمدد الأفقي هو الحل, وهناك مثال آخر, تخيل أنك تريد بناء مصنع للدواء, ومن الناحية الاقتصادية فإن بناء مصنع كبير يوفر في النقل والخامات والعمالة, وهو أجدى من الناحية الاقتصادية, ولكن طالما كان هناك عدد على حدودي فإن الصحيح أن أبني مئات المصانع الصغيرة في أنحاء متفرقة، لأن مصنعًا واحدًا يمكن أن يضرب بصاروخ كروز واحد مثلا, ومن ثم تصبح إرادتي مشلولة وعاجزة أمام عدوي, وقس على ذلك طريقة التفكير في مختلف المشروعات بل في مختلف الأمور السياسيَّة والاجتماعيَّة, وبكلمة موجزه نحن نريد مجتمعًا قويًّا متعدد الأنوية وغير مركزي، ولا يعتمد على نواة واحدة، ولا نريد بناء مؤسسات قوية أو دولة قويَّة؛ لأن الدولة القوية تتغوَّل على الناس ولأن الدولة القوية والمؤسسات القوية لن تكون أقوى من دول ومؤسَّسات أعدائنا، وبالتالي سوف تخسر في أي مواجهة.
مرة أخرى يجب التصرف وفق منطق أننا أمَّة أضعف تكنولوجيًّا من عدونا، وأن طريقها الصحيح للمواجهة ليس إلا الشعب والمجتمع، ومن ثم تقوية المجتمع وليس جهاز الدولة، التمدد الأفقي وليس الرأسي، بناء نمط مستقل وغير نابع من الاقتصاد، يعتمد على خامات محلية، ومستهلكين محليين، وخبرات فنية محلية، الأمر بالطبع ليس سهلا، ولكنه يستحق الجهد والتفكير والعمل تحقيق هذا النمط.
على مستوى الأطروحة الثقافية، وما دمنا لسنا في عصر السيادة الإسلامية، ينبغي أن نركز على ما يسمى فقه الاطِّلاع.

فقه الاطلاع

نشأ الفقه الإسلامي الرائع جدًّا والمتميز جدًّا في ظل الصعود الإسلامي والسيادة الحضارية الإسلامية، وكان هذا الفقه ملائمًا لهذا العصر والظرف، وإذا قلنا أن المنحنى الحضاري الإسلامي قد بدأ وصعد ثم استقر، وفي ظل هذا كانت السيادة في العالم للحضارة الإسلاميَّة، ثم بدأ هناك نوع من التعادل الحضاري مع الآخرين، ثم إيقاف عمليَّة النزول ذاتها تم عمل انقلاب في المنحنى باتجاه الصعود ثم الصعود من جديد، ومن يحاول حرق هذه المراحل أو تجاهلها على مستوى الفكر والحركة والسلوك فإنه سيصل بنفسه وبالمجتمع والأمة إلى كارثة.

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.