wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
نوح ـ عليه السلام ـ وحواره مع قومه
الأحد, July 5, 2009 - 05:00

خطة البحث
وتتكَّون من مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة.

أما المقدمة فتتناول تعريف الحوار، والفرق بينه وبين الجدل والمِراء، وغيرها من الألفاظ ذات الصلة. وبيان أهمية الحوار ومكانته، وقواعده، وأشكاله وأنواعه، مع الاستدلال والتمثيل له بشواهد ونماذج.
ثم يأتي المبحث الأول، ويتضمَّن تعريفاً بسيدنا نوح عليه السلام؛ اسماً، ونسباً، ومولداً، وبعثة، وعمراً، ووفاة، وأسرة، وقوماً، وزمناً، وصفة، وعبادة، واصطفاءً. كما يتضمَّن بيانَ أهم ما تميَّزت به مدة دعوته من محطات، وأنواع اتهامات قومه له.
ثم يتلوه المبحث الثاني، حيث أستعرض فيه مضمونَ حوار نوح عليه السلام، والمتمثِّل في ثلاثة محاور؛ في حواره مع قومه، وحواره مع ولده، ثم حواره مع ربه بشأن ولده، مع التركيز على منهجيته في هذا الحوار، وبيان أهم ما تميَّزت به دعوته من خصائص.
ويفرد المبحث الثالث للحديث عن النتيجة التي آلت إليه دعوته، والعقاب الذي حلَّ بقومه وولده وأهله في أمر الطوفان، والعبر والعظات المستفادة من أسلوب نوح عليه السلام في هذا الحوار الشامل؛ مع ربه، وقومه، وولده.
ويركز البحث على ربط مفرداته ومباحثه بالواقع المعاصر، وما تعيشه الأمم من صراع الحضارات وصدام الثقافات، من خلال التعليق على الحدث التاريخي في قصة نوح عليه السلام، وذلك بمقارنته مع ما يماثله من مواقف مشابهة في العصر الحاضر، من محاولات أعداء الرسالات والملاحدة للتصدِّي لدعوة الحق، والإعراض عنها، واختلاق المعوِّقات في وجه كلمة الخير لِتَحُوْلَ دون نشرها، والتربص بأهل الإيمان في سعيهم لنشر الفضيلة والهدى، والحيلولة دون تبليغهم رسالة العدل والأمان، للعالم والإنسانية جمعاء.
وتأتي الخاتمة لتحديد أهم الحقائق التي أتوصَّل إليها، والنتائج المتوخَّاة من البحث، مع التذليل بتوصيات مناسبة في ختام البحث، إضافة إلى فهرسة ثبَت المصادر أصولاً.
المقدمة:
تعريف الحوار:
حار في اللغة بمعنى: رجع، وأصل التحاور في اللغة: هو المراجعة في الكلام، يقال: تحاوروا أي: تراجعوا الكلام بينهم. والتحاور: التجاوب، والمحاورة: المجاوبة. ومن الألفاظ ذات الصلة: الجدل، والمناظرة، والمناقشة، والمِراء.
فالجدل: مقابلة الحُجَّة بالحُجَّة، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة. وهو قسمان: جدل محمود ممدوح، وذلك إذا قُصِد به تأييد الحق، أو إبطال الباطل، أو أفضى إلى ذلك بطريق صحيح. وجدل مشؤوم مذموم، وهو كل جدل على الباطل إذا قُصِد به التعالي على الخصم، وطلبُ المغالبة به. وهو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو شبهة، وهو لا يكون إلا بمنازعة غيره. أما الجدل المحمود فهو ما قُصِد به إظهارُ الحق، بعيداً عن معاني المنازعة والخصومة، وهو ما يتصل بالحوار معنىً، ومضموناً   .
أما المناظرة: فهي ترداد الكلام بين شخصين، يَقصِد كلُّ واحد منهما تصحيحَ قوله، وإبطالَ قولِ صاحبه، مع رغبةِ كل منهما في ظهور الحق. يقال: ناظره مناظرة: بمعنى جادله مجادلة، أي تقابلا، وهي من النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين، إظهاراً للصواب   .
أما المناقشة: فهي مراجعة الكلام بقصد الوصول إلى الحق غالباً، كما يقصد بها الاستقصاء في الحساب، حتى لا يُترَك منه شيء   .
أما المِرَاء: فهو الجدل المذموم، يقال: ماريته إذا طعنت في قوله؛ تزييفاً للقول، وتصغيراً للقائل، ولا يكون المِراء إلا اعتراضاً، بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداءً واعتراضاً   . وقد عرَّفه الجرجاني فقال: هو طعنٌ في كلام الغير لإظهار خلل فيه، من غير أن يرتبط به غرض، سوى تحقير الغير   .
الفرق بين الحوار والجدال والمِراء:
الحوار أحد الطرق المهمة في التربية، وهو أسلوب حضاري يقوم على احترام الرأي الآخر، وإظهار الحجة بالمنطق والدليل. وقد يعترض المحاور على خصمه فيدَّعي الجدل، وشتَّان بينهما؛ فالجدل هنا: عبارة عن مِراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها، والغرض منه إلزام الخصم، وإقحام مَن هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان. أو هو دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه، وهو الخصومة في الحقيقة   ، حينما يقوم على فرض الرأي بالقوة، وعدم احترام الرأي الآخر، لذا جاءت السنَّة النبوية تحضُّ على ترك المِراء والجدال بالباطل. فعن أبي أمامة  قال: قال رسول الله :  أنا زعيم ببيت في رَبَضِ الجنة لِمَن ترك المِراء وإن كان مُحِقَّاً، وببيت في وسط الجنة لِمَن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لِمَن حَسَّنَ خُلُقَه    . وعن أنس بن مالك  قال: قال رسول الله :  مَن ترك الكذب وهو باطل بُنِي له في رَبَضِ الجنة، ومَن ترك المِراء وهو مُحِقٌّ بُنِي له في وسطها، ومَن حسَّنَ خُلُقه بُنِي له في أعلاها    .
بيان أهمية الحوار ومكانته:
لقد اهتمت الرسالات السماوية بالحوار من حيث أنه يمثِّل الرأي الحر، ويقدِّر للتعبير حريته، بعيداً عن نوازع الهوى التي تحكم العواطف فتصدُّها عن قبول الحق، لذا نجد الدعوة صريحة في القرآن الكريم إلى أهمية الحوار، ومكانته في إقامة الحجة، بالأسلوب الإنساني الرشيد، القائم على احترام الآخر، وإرادة الخير له. من هنا بيَّن القرآن الكريم أسلوب الحوار، وصفة الجدل المحمود، ونهى عن المِراء والجدل المذموم، وعدَّه صفة إنسانية مذمومة،
كما حدَّد أهمية الحوار وهدفَه في أكثر من موضع قرآني؛ من حيث إقامة الحجة، والإتيان بالدليل، كي لا يكون للخصم عذرٌ في التراجع، وعن أنس  أن النبي  قال:  جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم    .
وإنما يكون الجهاد باللسان في تبيان الحق بالحجة والبرهان، لا بالشغب، والسبِّ، والشتم، والهذيان. والقرآن الكريم أبلغُ في حُجَجِه وبراهينه، ولهذا أُمِر الرسولُ  أن يجاهِد الكفارَ به، والحوار والجدال بالحق من النصيحة في الدين.
قواعد الحوار:
من خلال تتبع آيات الحوار في القرآن الكريم نستطيع أن نحدد أهم قواعده المتمثِّلة بالأدب، وإظهار الحق، والبعد عن التناقض، والبعد عن المكابرة، والتجرد، والصدق، والعلم، وطلب الدليل.
فيتجلَّى الأدب في الحوار باحترام إنسانية الطرف الآخر المحاور، واستماع رأيه، دون تسفيه، أو تحقير، وإعطائه الفرصة كاملة لعرض الفكرة، وشرح الرأي. وهذا ما كان يفعله النبي  في سياسة المفاوضات، ودوننا أمثلة كثيرة في السيرة النبوية على هذا، نستشهد باثنين منها؛ فقد استمع إلى عمه أبي طالب، وعتبة بن ربيعة في عرض موقف المشركين بإنصات وأدب، حتى إذا فرغا من عرضهما قدَّم رأيه بأدب وثبات وحجة   .
أما إظهار الحق فهو هدف سامٍ يسعى إليه المحاور، بعيداً عن التعسُّف والتحجُّر، فهو يعرض الرأي بتجرُّد وإنصاف، ويعلِّل ويناقش بموضوعية ونزاهة، بعيداً عن المصلحة الشخصية، ودون عصبية، أو خصام.
ويتمثل المحاور بالاتزان والموضوعية في عرض الفكرة، بعيداً عن تناقض الآراء، واضطراب الردود، وتعارض الأفكار، إذ كثيراً ما يسقط المحاور أمام خصمه، ويُؤتَى من هذا الجانب، ذلك لأنه تعبير واضح عن ضعف الشخصية، ووهن الفكرة المنافح عنها.
وطالما أن هدف الحوار الوصول إلى الحقيقة، فلا يحسن بالمحاور أن يجاسر في تشدده بالرأي، وتشنُّجِه لنصرته، بل يسعى للحوار بحِنكة ودماثة، مبتعداً عن المكابرة، ومجانباً لأي سلوك عنفواني، قد يؤدي إلى خسارة الجولة في النهاية، وانقلابها سلباً ضده، فلا تحسب له، بل تُعدُّ مأخذاً عليه.  
ومما لا يخفى أهمية تجرد المحاور عن النوازع الشخصية، والحظوظ الدنيوية، والانتصار للذات، فهو ينتصر للحق، ويسعى لإظهاره بالحكمة واللين، إذ هو صاحب رسالة، فلا بدَّ أن يتمثل سماتِها سلوكاً، ودعوة، وانتماءً.
كذلك فإن أهم ما ينبغي على المحاور التزامه الصدق في الأقوال، والثبات والرسوخ في المواقف، إذ أن هذه السمات الأخلاقية تزيده قوة وصلابة، تضاف إلى قوة فكرته التي يحاور فيها، وتعطيه دفعاً أمام خصمه حين يتسم بالجدِّية والصدق والثبات أمامه، فيكون أدعى للاحترام في نظر الخصم، والوصول المتوقع إلى النتيجة المرضية.
وفوق هذا كله يلزم المحاور تمام العلم بالقضية المحاور فيها، والإحاطة الشاملة بحيثياتها وجزئياتها، إذ أن أخطر ما يواجه المحاور جهله بما يحاور فيه، حين ينقلب الأمر إلى مراء سقيم، وجدل عقيم، إن لم يكن كما يطلق عليه في اللقاءات بحوار الطرشان؛ ذاك الذي لا وجهة له ولا هدف، ولا قواسم مشتركة بين المتحاورين، ولا مقدمات واضحة تصل إلى نتائج إيجابية مفيدة.
ومما يؤخذ على المتحاورين أحياناً قصورهم في الجانب العلمي، والجهل بالبيِّنات والأدلة، والشواهد والأمثلة، فيُطلب ممَّن يتصدى للحوار الإحاطة العلمية الموسَّعة بالقضية التي يبحث فيها، والإلمام العميق الدقيق بتفاصيلها، حين يحاور فيها، وربطها بكل ما يتصل بها من فروع العلم والمعرفة الأخرى، واستحضار الأدلة إن هو طولب بها، أو استدعى الأمر إلى الاستشهاد بها، ويقصد بالدليل هنا الأدلة النصية من الكتاب والسنَّة، وما يعضدها من أقوال أهل العلم، إضافة إلى الحقائق العلمية الثابتة، والشواهد التاريخية الموثقة.
أشكال الحوار وأنواعه:
تنوَّع الحوار في القرآن الكريم، وأخذ أشكالاً وأنواعاً مختلفة؛ فمن أشكاله: السرِّي، والعلني، ومن أنواعه: الحوار بين الله تعالى والأنبياء، والحوار بين الله تعالى والإنسان، والحوار بين الله تعالى والملائكة، والحوار بين الله تعالى وإبليس، والحوار الإنساني الدعوي؛ وذلك بين الأنبياء وأقوامهم، والحوار بين الإنسان والكائنات الأخرى، والحوار بين أهل النار في القيامة، وفي القرآن الكريم شواهد عديدة، ونماذج كثيرة لكلٍ مما سبق. كما قد يكون الحوار محموداً، وهو الأصل، وقد يكون مذموماً، إذا كان بهدف المِراء، كما سبق ذِكْره   .
المبحث الأول: التعريف بسيدنا نوح عليه السلام؛ وفيه المطالب التالية:
المطلب الأول: اسمه ونسبه عليه السلام:
هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس عليه السلام  جدُّه الأكبر ، ابن يرد بن مهلايل بن أنوش بن قينان بن شيث عليه السلام حيث ينتهي نسبه إليه، ابن آدم عليه السلام أبي البشر. قال الكلبي: كان بينه وبين آدم عشرة آباء كلهم مؤمنون، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يكفر لنوح والد فيما بينه وبين آدم عليهما السلام   .
المطلب الثاني: مولده عليه السلام:
ذكر ابن جرير وغيره أن مولد نوح عليه السلام كان بعد وفاة آدم بمائة وست وعشرين سنة   . فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:  كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة الحق، فلما اختلفوا بعث الله النبيين والمرسلين، وأنزل كتابه، فكانوا أمة واحدة    .
وعن أبي أمامة :  أن رجلاً قال: يا رسول الله أنبيٌّ كان آدم؟ قال: نعم مكلم، قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون    .
ويحتمل المراد بالقرن مائة سنة كما هو المتبادر، فبينهما ألف سنة لا محالة، ولكن لا ينفي أن يكون أكثر، باعتبار ما قيَّدت به رواية ابن عباس رضي الله عنهما بشريعة الحق، إذ قد يكون بينهما قرون أُخَرُ متأخرة لم يكونوا على الحق، كما يحتمل المراد بالقرن الجيل من الناس، فقد كان الجيل قبل نوح يعمِّر الدهور الطويلة، فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف السنين، والله أعلم.
وبالجملة فنوح عليه السلام إنما بعثه الله تعالى لما عُبِدت الأصنام والطواغيت، وشرع الناس في الضلالة، فبعثه الله تعالى رحمة للعباد، فكان أولَ رسول بعثه إلى أهل الأرض، كما يقول أهل الموقف يوم القيامة، كما جاء في الصحيح عن أنس  عن النبي  قال:  يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك، حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه فيستحي، ائتوا نوحاً، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحي فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه... . الحديث   .
المطلب الثالث: بعثته عليه السلام:
نوح عليه السلام أول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، كما جاء في حديث البخاري السابق، واختُلِف في مقدار سنِّه يوم بُعِث؛ فقيل: كان ابن خمسين، وقيل: ابن ثلاثمائة وخمسين، وقيل: ابن أربعمائة وثمانين سنة، حكاها ابن جرير، وعزا الثالثة منها إلى ابن عباس رضي الله عنهما   .
المطلب الرابع: عمره عليه السلام:
ذكر القرآن الكريم أن نوحاً عليه السلام مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، فيكون قد عاش على هذا ألفاً وسبعمائة وثمانين سنة، على أصحِّ الروايات، وهي أطول حياة عاشها إنسان، والله تعالى أعلم   .
المطلب الخامس: أسرته عليه السلام:
كان لنوح عليه السلام أربعة أولاد هم:  سام، وحام، ويافث، وكنعان ، فعن سمرة بن جندب  أن رسول الله  قال:  سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش    .
وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول:  وَلَدُ نوحٍ  ثلاثة: سام وحام ويافث، فولَدُ سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير، وولَدُ حام السودان والبربر والقبط، وولَدُ يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج    . وهؤلاء الثلاثة قد نجوا من الغرق، وكان من نسلهم أهل الأرض، إذ كل الخلائق يُنسَبُون إلى هؤلاء الأولاد الثلاثة لنوح عليه السلام، أما كنعان فهو ولده الرابع الهالك مع الهالكين، لأنه أبى أن يركب مع أبيه في السفينة، وهو الذي دعا نوح ربه أن ينجيه، لكن الله تعالى عاتبه فيه أنه ليس من أهله، وأنه عملٌ غير صالح. فقد كان كاتماً للكفر، غيرَ متظاهر به. كما أن امرأة نوح كانت من الهالكين أيضاً بكفرها وخيانتها زوجها. وهي أمُّ أولاده كلهم، كانت كافرة، وماتت قبل الطوفان، وقيل: إنها غرقت مع مَن غرق، وكانت ممن سبق عليه القول لكفرها، فقد أخبر القرآن الكريم عنها أنها كافرة، وضُرِبت مثلاً للذين كفروا كامرأة كانت تحت عبد ورسول صالح فخانته. وقد ذكر العلماء أن خيانتها لم تكن بارتكاب الفاحشة، ففي الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:  ما بغت امرأة نبيٍّ قطُّ    ، بل تمثَّلت خيانتها في الدين، وذلك بعدم اتباعه، وكفرها ومناصرة كَفَرَة قومها، فكانت تخبر قومها أنه مجنون، كما كانت تخبر جبابرة قومها بما تعلم مِن سرِّه في دعوته لدين الله تعالى، وتنصر قومها عليه. قال ابن كثير: وهذا هو مذهب أئمة السلف والخلف، ومَن قال خلاف هذا فقد أخطأ خطأً كثيراً   .
المطلب السادس: قومه عليه السلام:
ورد في الآثار أن قوم نوح عليه السلام أولُ مَن عُوقب من الأمم   . كما لم يكن على الأرض غيرهم من الأقوام والأمم. وقد جعلوا الأوثان التي تعبد في زمنهم آلهة عبدوها، وعبدتها العرب من بعدهم من دون الله تعالى. ثم جاء من بعدهم قوم عاد الذين أرسل الله تعالى فيهم أخاهم هوداً عليه السلام.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:  صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ؛ أمَّا ودٌّ كانت لكلب بدَومة الجندل   ، وأمَّا سُواع كانت لهُذَيل   ، وأمَّا يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف    عند سبأ، وأمَّا يعوق فكانت لهمدان   ، وأمَّا نسر فكانت لحِمْيَر    لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصِبُوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَدْ، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخَ العلمُ عُبِدَتْ    .
وذكر ابن حجر في الفتح عن ابن إسحاق وابن أبي حاتم: أن قوم نوح عليه السلام كانوا يبطشون به، فيخنقونه حتى يُغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. قال ابن حجر: قلت: وإن صح ذلك فكأن ذلك كان في ابتداء الأمر،
المطلب السابع: زمنه عليه السلام:
تميَّز زمنه بانتشار الوثنية وعبادة الأصنام، بعد زمن طويل كان الناس فيه على التوحيد والإيمان، وإنما انتشرت الوثنية في قومه نتيجة تباعد الزمان، واختلاف الناس، حتى بعث الله تعالى النبيين.
وروي عن قتادة قال:  كانوا على الهدى جميعاً فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أولُ نبي بُعِث نوحاً عليه السلام    .
المطلب الثامن: صفته عليه السلام:
تميَّز نوح عليه السلام بما خصَّه الله سبحانه من وصفه بصفة الشكر في قيل: كان نوح عليه السلام يحمد الله تعالى على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله.
وعن أنس بن مالك  قال: قال رسول الله :  إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها    .
والظاهر أن الشكور هو الذي يعمل بجميع الطاعات القلبية والقولية والعملية؛ فإن الشكر يكون بهذا وبهذا   .
وروى عبد الرزاق بسند مقطوع: أن نوحاً كان إذا ذهب إلى الغائط قال:  الحمد لله الذي رزقني لذَّته، وأبقى فيَّ قوَّته، وأذهب عني أذاه    . 
المطلب التاسع: عبادته عليه السلام:
ونستعرض ما ورد في السنة من أخبار عبادته عليه السلام، فقد اشتهر عنه الصوم والحج. أخرج ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: سمعت رسول الله  يقول:  صام نوح الدهر إلا يوم الفطر، ويوم الأضحى    .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مر رسول الله  بوادي عسفان حين حجَّ، قال:  يا أبا بكر أيُّ واد هذا؟ قال: وادي عسفان، قال: لقد مرَّ به هود وصالح على بكرات حمر، خطمها الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يلبُّون يحجُّون البيت العتيق    .
ويقوِّي هذا ما ذكره البيهقي في دلائل النبوة أن آدم وحواء أولُ مَن بنيا البيت، وأولُ الناس الذين طافوا فيه، ثم تناسخت القرون حتى حجَّه نوح عليه السلام، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السلام القواعدَ منه   .
وعن أبي هريرة  قال:  مرَّ النبي  بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء، فقال: ما هذا مِن الصوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي نجَّى الله موسى وبني إسرائيل من الغرق، وغرَّق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجوديّ، فصامه نوح وموسى شكراً لله تعالى. فقال النبي : أنا أحقُّ بموسى، وأحقُّ بصوم هذا اليوم، فأمر أصحابه بالصوم    .
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله :  لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع، وفي رواية أبي بكر قال: يعني يوم عاشوراء    . وعن أبي قتادة  أن النبي  قال:  صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله    .
المطلب العاشر: اصطفاؤه عليه السلام:
والاصطفاء: الاختيار، والانتقاء الخالص الخاص بشخص نوح عليه السلام. كما يتجلَّى هذا الاصطفاء والانتقاء في الوحي المنزَّل عليه، والوحي سُنَّة من السنن المتكررة للأنبياء.
المطلب الحادي عشر: أهمُّ ما تميَّزت به مدة دعوة نوح عليه السلام من محطَّات:
أولاً: صبر نوح عليه السلام على تكذيب قومه له.
وقد عُدَّ نوح عليه السلام أوَّلَ أولي العزم من الرسل الخمسة حسب تاريخ وجودهم، يليه إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين، وإنما خُصُّوا بأولي العزم من الرسل لتكاليف تتعلق بمهمات هذه المرتبة زيادة على غيرهم من الأنبياء، تتناسب مع اصطفائهم للرسالة العظمى، وتحمُّلِ البلاء الأشد من أذى المدعوِّين والتكريم الأعلى. وكانت صفة الصبر الغالبةَ المميزةَ فيهم، لذا نزل القرآن الكريم يأمر النبي الكريم  بالتأسِّي بهم في درجة الصبر التي امتازوا بها، وأن يصبر كما صبر سالفوه من هؤلاء الرسل الكرام،
ثانياً: طول مدة دعوته عليه السلام:
حيث قاربت الألف سنةٍ إلا قليلاً، ولا يخفى ما في هذا الامتداد الزمني للدعوة من أهمية في مدى تحمُّل أعباء الرسالة، ومقابلة صدِّ المدعوِّين بمعاناة ومشقة، وكان كلما انقرض جيل جاء مَن بعده أخبث وألعن، فقد كانوا يوصون أبناءهم بعدم الإيمان به، وكان الوالد يقول لولده إذا بلغ وعقل: يا بني احذر هذا لا يغرنَّك عن دينك وآلهتك   .
وعن عبد الله بن مسعود  قال:  كأني أنظر إلى النبي  يحكي نبياً من الأنبياء، ضربه قومه فأدمَوه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون    .
ثالثاً: دعاؤه عليه السلام ومناجاته ونداؤه ربه:
ومما لا شك فيه أن الدعاء حالة من صدق العبد في توجُّهه إلى خالقه طالباً منه العون والنصرة، ولكنه حين يتكرر مع الاستشعار بالافتقار إلى هذه النصرة، والاعتراف بغَلَبَة القوم عليه، فإنه يعطي المؤشر إلى مدى قسوة وعنف المدعوِّين في هذه المواجهة، وما تحمله من ضراوة الصدِّ، وشراسة الإعراض، وحتى في دعائه هذا لم يعيِّن نوعَ النصر ووِجْهتَه، بل فوَّض ذلك لرب العالمين. إلا أن الدعاء كان ملحَّاً، فقد رفع صوته به إلى حدِّ النداء من شدة ما وصل وأهلُه إليه من عِظَم الكرب.
رابعاً: سؤاله عليه السلام لربه ما ليس له به علم:
ومما يؤيد التزام نوح عليه السلام بالمنهج النبوي في أخلاقيَّات التعامل مع الله تعالى، وحسن المناجاة، ذلك الأدبُ في السؤال، واللطفُ في الطلب؛ فقد ورد في معرض مناجاتِه ربَّه استغفارُه من سؤاله ما ليس له به علم، وطلبُ المغفرة والرحمة، والاستعاذةُ به من أن يكون من الخاسرين. وعن أنس  عن النبي  قال:  يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يُريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه فيستحي، ائتوا نوحاً، فإنه أولُ رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحي فيقول: ائتوا خليل الرحمن . الحديث   .
المطلب الثاني عشر: أنواع الاتهامات لنوح عليه السلام من قومه:
لقد واجه قوم نوح نبيَّهم عليه السلام بشتى أنواع الاتهامات القولية والفعلية، وتفنَّنوا في إيذائه واتهامه، وهذا دأب المعاندين الكافرين في شنِّ أعتى أنواع الأسلحة الممكنة في وجه الدعاة والمصلحين، وهو سلاح يتكرر استعماله في كل عصر وحين، حين يتصارع الضدَّان؛ الحق والباطل على البقاء، فلا يعدو سلاح المعاندين أن يكون حرباً قولية أو عملية في وجه الحق وأهله. وتتجلى أنواع اتهامات قوم نوح لنبيِّهم عليه السلام بالأمور التالية:
الأمر الأول: اتهامه عليه السلام بالسفه والضلال:
فهو يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وعبادته، محذراً لهم من عذاب الله تعالى لكفرهم، لكنهم يردُّون عليه دعوته، ويتَّهمونه بالسفه والضلال لمجرد أنه يذكِّرهم بدعوة الحق، ورغم هذا فهو يدفع عن نفسه الاتهام، ويؤكد لهم نبوَّته، وصدقه في تبليغ رسالته. الأمر الثاني: اتهامه عليه السلام بالجنون:
وهذا ما يذكِّر القرآنُ الكريم به الأممَ اللاحقة لنوح عليه السلام، فيشير إلى قوم نوح عليه السلام، وزجرهم له، واتهامه بالجنون، لمجرد دعوته إياهم إلى الإيمان والتوحيد،
الأمر الثالث: اتهامه عليه السلام بالتكبر والغرور:
وهذه حُجَّة الضعيف، ومنطق الغبيِّ، فهم يزعمون أن لدى الأنبياء مطامع دنيوية في دعواتهم، كما هو شأن السادة والكبراء، في سياسة الأتباع وقيادتهم، وتناسَوا أن الأنبياء أصحابُ دعوة، وأُمَنَاءُ رسالة، وهم بعيدون كل البعد عن مقاصد الدنيا ومصالحها، وحظوظ النفس وشهواتها.
الأمر الرابع: اتهامه عليه السلام بالسحر والصرع ومسِّ الجنِّ أيضاً:
وحيث انتشر السحر في زمنهم، فقد زعموا أن نوحاً ساحر. الأمر الخامس: اتهامه عليه السلام بكثرة الجدل والافتراء على الله تعالى:
وهذا ما أثبته القرآن الكريم في وصف ردِّهم عليه.
الأمر السادس: تهديده عليه السلام وتوعُّده بعقوبة الرجم:
وكان هذا التهديد له ولِمَن آمن معه أيضاً، إن لم ينتهِ عن متابعة دعوته، ويكفّ عن تبليغها.
الأمر السابع: مقابلته عليه السلام بالسخرية والتهكُّم:
وهذا شأن الكبراء في محاولة الاستخفاف والاستهزاء من كل جادٍّ وعملي، وصاحب حجة ومنطق، فهم يلتفُّون عليه بدعوى الهزء والازدراء، ويتهرَّبون من مناقشته، لأنهم لا يملكون حجة يبررون بها تعنُّتهم، سوى التهكُّم والسخرية.
الأمر الثامن: اتهامه عليه السلام بالكذب:
وهذا أبسطُ ما يوجِّهونه من اتهام، وأقلُّ ما يدَّعونه من افتراء، رغم قناعتهم الداخلية بصدق النبي، وصدق دعوته، وقد تمثَّل اتهامهم له بالكذب في أمرين اثنين؛ التكذيب بأنه رسول من عند الله تعالى، والتكذيب بما أنبأهم به عن ربه تعالى.
ويبدو أن تهمة التكذيب هذه اشتهرت بها أقوام الأمم السابقة لأنبيائهم، حتى عُدَّ قوم نوح أول الأقوام السبعة المكذِّبين لأنبيائهم، إضافة إلى قوم هود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، ومدين، وموسى، كما تكرر ذِكْرُ ذلك في مواطن عدَّة من القرآن الكريم.
التاسع: اتهامه عليه السلام بأن أتباعه من أراذل الناس وفقرائهم:
فهم ينظرون إلى الآخرين من بسطاء الناس وعامتهم نظرة الفوقيَّة، ويعتبرون الفقر رذيلة تُنزل من قدْر الفقير في الرتبة، فلا يستحق الفضل والإجلال، فضلاً عن استحقاقه الاتهام بالكذب والافتراء، وقدحه نعتاً بأقبح الصفات.
الأمر العاشر: إنكار نبوَّته عليه السلام:
وتجلَّى هذا الإنكار لنبوَّته حين أكَّدوا تساويه معهم في البشرية، وادَّعوا استعلاءه عليهم تفضُّلاً.
المطلب الثالث عشر: وفاته:
توفِّي نوح عليه السلام بعد أن مكث في قومه تسعمائة

- أ.د.عدنان بن عبد الرزَّاق الحموي العُلَبِي

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.