wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ورقة عمل الدكتور هايل داود: الأوضاع السياسية والإجتماعية في عصر ابن تيمية وانعكاسها على فتاويه/الأردن
الثلاثاء, April 19, 2011 - 02:30

الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية في عصر ابن تيمية وأثرها على فقهه

     مقدمة
     إن الفقه ليس أحكاما جامدة بل يتأثر بالمكان والزمان والبيئة ، فالفقيه ابن بيئته وعصره ولا ينفك عنهما،  ولا شك أن البيئة التي عاشها ابن تيمية سواء أكانت السياسية ام الإجتماعية أم الإقتصادية أم الفكرية قد أثرت في فقهه واجتهاداته،  ، لذلك ستكون هذه الدراسة في الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والفكرية في عصر ابن تيمية وأثر هذه الحياة في فكره واجتهاده وفقهه .
أسمه ونسبه ونشأته ووفاته 
   تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم  بن تيمية الحراني الحنبلي ، ولد بحران بين العراق والشام  يوم الإثنين 10 ربيع الأول ، سنة 661 هجرية 1263 ميلادية  قدِم به والده عند استيلاء التتار على البلاد إلى دمشق سنة 667 هجرية  ودرس على علماء دمشق الأصول والحديث والفقه واللغة وعلم الكلام حتى أصبح علما يشار إليه بالبنان  ( )  ، توفي وهو معتقل في قلعة دمشق سنة 728 هجرية 1328 ميلادية  ولم ير لجنازة أحد ما رئي لجنازته من الوقار والهيبة والعظمة وتعظيم الناس لها وتوقيرهم إياها وتفخيمهم امر صاحبها وثنائهم عليه بما كان عليه من العلم والعمل والزهادة والعبادة والايثار والكرم والمروءة والصبر والثبات والشجاعة والفراسة والصدع بالحق والاغلاظ على اعداء الله والمنحرفين عن دينه والنصر لله ولرسوله ولدينه ولاهله والتواضع لاولياء الله والتذلل لهم والاكرام والاعزاز والاحترام لجنابهم وعدم الاكتراث بالدنيا وزخرفها ونعيمها ولذاتها وشدة الرغبة في الاخرة والمواظبة على طلبها 
الحياة السياسية في عصر ابن تيمية
     عاش ابن تيميه فى بداية العصر المملوكي الذي ابتدأ بسيطرتهم على مصر سنه 648 هجرية  ، ثم على بلاد الشام سنه 658 هجرية  بعد معركة عين جالوت ، وقد قام الحكم المملوكي على انقاض الدولة الأيوبية التي حكمت مصر والشام منذ عام 567 هجرية     
          وقد تميز هذا العصر من الناحية السياسية بعدم الإستقرار السياسي والإنقلابات المسلحة واغتيال السلاطين أو عزلهم ، والتجزئه السياسيه ، فقد كان العالم الإسلامي في هذا العصر مجزء على عدة أجزاء  
أ –مصر وبلاد الشام تحت حكم الدولة المملوكية  حيث عاصر ابن تيمية في بداية حياته وأول شبابه السلطان بيبرس اقوى سلاطين المماليك واحسنهم سيره، والذي أحيا الخلافة العباسية في القاهرة بعد سقوطها في بغداد  ، وواصل مطارده التتار فى بلاد الشام والعراق ، كما افلح فى دحر الصليبيين واسترجاع معظم ما احتلوه حتى كانت وفاته سنه 676 هجرية   ، إلا أن السلاطين المماليك بعده لم يكونوا بقوته وأنتهى حكم معظمهم ما بين قتيل أو مخلوع ، وأحدهم لم يستمر حكمه إلا أسبوعين ن الملك الناصر تسلطن ثلاث مرات في كل مرة يخلع ثم يعود    ، وقد عاصر ابن تيمية ثمانية سلاطين ابتداء من الظاهر بيبرس وانتهاء بالملك الناصر ، بل غوتعاقب على ولاية دمشق فى هذه الفتره نحو خمسه عشر واليا، كانوا جميعا من  المماليك الذين دخلوا الاسلام بعد اقامتهم فى مصر.
ب – الشرق الإسلامي في العراق وإيران وبلاد ما وراء النهر بخارى وسمرقند وغيرها كان تحت حكم التتار الذين غزوا العالم الإسلامي ودمروا الدول الإسلامية في الشرق الإسلامي كالدولة الغزنوية ثم الدولة العباسية حيث سقطت بغداد في أيديهم سنة 656 ه ، وتم إسقاط الخلافة العباسية  بل وقتل آخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله ، وتدمير بغداد حاضرة العالم الإسلامي ،  وحصل هذا قبل ولادة ابن تيمية ببضع سنوات ، وكان بعض المسلمين يتعاون معهم في هذا مثل صاحب الموصل   والشيعة  .
      ثم انساحوا بعد ذلك في العراق وبلاد الشام ودمروا مدنها الموصل وحلب وماردين وحماة وحمص وغيرها  ، وأرادوا التوجه نحو مصر لولا أن صدهم السلطان المملوكي المظفر قطز في معركة عين جالوت سنة 658 هجرية  ، إلا أن هزيمتهم هناك لم تنه وجودهم في بلاد المسلمين وبقوا يسيطرون على الشرق الإسلامي في العراق وإيران وبلاد ما وراء النهر ، وبقيت محاولاتهم مستمرة للتمدد نحو الغرب في بلاد الشام ، ومن أبرز محاولاتهم الهجوم الذي قاده السلطان المغولي قازان بعد إسلامه وتمذهبه بالمذهب الشيعي فاحتل بلاد الشام سنة 699 هجرية ،1299م ،  حيث استولى على حلب ، وهزم جيش المماليك في معركة واد الخزندار قرب حمص بالتعاون مع بعض أمراء المماليك  سنة 699هـ وحاصر دمشق واحتلها باسثناء القلعة التي ساهم ابن تيمية في تشجيع قائدها على عدم تسليمها ،  واحتل الأغوار والقدس وصل إلى غزة .
         كما أدى الغزو المغولي خاصة بعد تحولهم إلى الإسلام إلى تعميق الخلاف الطائفي بين المسلمين حيث تمذهبوا بالمذهب الشيعي في عصر سلطانهم قازان ، وقاد الحروب ضد أهل السنة في بلاد الشام ، كما قاموا باستمالة عدد من الولاة والحكام إلى جانبهم حيث ساعدوهم في حربهم ضد إخوانهم .
ج – الغرب الإسلامي في شمال إفريقيا وكان يعيش حالة شديدة من الصراع والقتال الداخلي بين دولة الموحدين الذين كانوا في أواخر عهدهم ودولة المرينيين ، والتي انتهت بسقوط دولة الموحدين وكانوا يستعينون بالنصارى على بعضهم   وكان أراؤهم يتقربون إلى الأمراء الإسبان   ووصل بهم الحال أن النصارى قد بدأوا بمهاجمة المغرب سنة 668ه   وكان الغلاء فاشيا بسبب الحروب المتواصلة حتى أنهم في بعض المناطق المحاصرة كانوا يأكلون الكلاب والهررة والميتة ويبيعونها بأثمان عالية    وكان بعض الناس يدعي النبوة وانتشرت الخرافات  ، حتى أنهم كانوا يتناقلون أن أحد خلفائهم كانت المراة التيي تتعسر ولادتها يأتونها بإزاره فتتيسر ولادتها ببركة إزاره    ولم يكن بينهم وبين الشرق الإسلامي علاقة  وكأنهم ليسوا أمة واحدة 

د – الأندلس كانت تعيش أوضاعا مزرية نتيجة التقاتل الداخلي والتفكك وأنتقاض أطرافها تحت الضربات الإسبانية المتعاقبة حيث سقطت قرطبة سنة 636 ه وإشبيلة سنة 645 ه وغيرها بيد الإسبان
ه – مكة والمدينة والحجاز وكانت تحت حكم قواد محليين يخضعون شكليا للدولة العباسية وكانوا في حالة صراع وقتال
و – الأناضول وكان يشهد بداية نشؤ الدولة العثمانية ابتداء من العام 700 هجرية .
      وقد شهد ابن تيمية  انتهاء غزوالفرنجة للشام ، واسترداد المسلمين منهم المدن الشامية التي كانوا قد احتلوها ، وكانت مسيرة طردهم التي بدأت منذ عصر نور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي ثم بيبرس حتى انتهت على يد الأشرف قلاوون سنة 690 هجرية   ، وإن كانوا يحاولون الإغارة على بعض المناطق مستغلين بعض الفرص كما حصل أن هاجموا مصر واحتلوا دمياط ، وتنسيقهم مع التتار في هذا الشأن .

الحياة الإجتماعية
      انعكست الأوضاع السياسية المضطربة على الحالة الإجتماعية والاقتصادية فانتشرالفقر والجهل والتفكك والأوبئة والغلاء الفاحش ، وكثرت الكوارث الطبيعيه، كالسيول والفيضانات والجفاف ، ولا يعقب ذلك شى‏ء من اعمال الاصلاح والترميم وتعويض المتضررين ، ففى سنه 694 ه وقع الجفاف في مصر وتبعه الغلاء الفاحش حتى اكل الناس الميته ، وفى سنه 718 ه وقعت المجاعه فى شمال بلاد الشام والموصل مما أدى إلى جلاء الناس وموت الكثير منهم  ، بينما كان السلاطين والمقربون والولاه والامراء يعيشون في الترف والبذخ ومعهم القضاه وكثير من الفقهاء الذين كانوا يحظون بعنايه السلطان والولاه    
      واستطال الجهل، نتيجة طبيعية  للفقر، وأدى الفقر والجهل أن يصبح المجتمع مرتعا خصبا للخرافات والاباطيل والمنكرات كالخمر والحشيشه. وازدهر سوقها واصبحت سمه بارزه فى سمات العصر   وانتشرت حكايا المنامات والرؤى وانتشرت البدع والذبح إلى القبور وزيارة المقامات   وانتشرت الخرافات من مثل ما رواه القزويني أنه في سنة 624 ظهر في حلب تنين عظيم بغلظ منارة المسجد يخرج من فمه نار تحرق كل شيء ففزع الناس حتى جاءت سحابة عظيمة فحملته وطارت به والناس ينظرون إليه ، وأن في حمص صورة إذا بلت وشرب منها الملدوغ برء وغير ذلك من الخرافات   
      يروي صاحب الأنس الجليل أنه كان يوقد في المسجد الأقصى وقبة الصخرة في ليلة النصف من شعبان عشرون ألف قنديل وفي باقي الأيام ألف قنديل        
      وفى اجواء الفقر وفقدان الأمن انتشراللصوص وقطاع الطرق، وقطعت طريق الحج أكثر من مرة    .
     وكان المجتمع خليطاً من أجناس مختلفة، وعناصر متباينة بسبب الاضطراب السياسي في البلاد، فاختلط التتار القادمون من أقصى الشرق حاملين معهم عاداتهم وأخلاقهم وطباعهم الخاصة بالمسلمين في ديار الإسلام الذين هم أقرب إلى الإسلام عقيدة وخلقاً من التتار، وهناك أسرى الحروب من الفرنجة والترك إذ كان لهم شأن في فرض بعض النظم الاجتماعية، وتثبيت بعض العوائد السيئة، والتأثير اللغوي العام على المجتمع المسلم، إضافة إلى امتزاج أهل الأمصار الإسلامية بين بعضهم البعض بسبب الحروب الطاحنة من التتار وغيرهم، فأهل العراق يفرون إلى الشام، وأهل دمشق إلى مصر وهكذا، كل هذا ساعد في تكوين بيئة اجتماعية غير منتظمة وغير مترابطة، وأوجد عوائد بين المسلمين لا يقرها الإسلام، وأحدث بدعاً مخالفة للشريعة
     في هذه المرحلة كان المجتمع الإسلامي يعيش انقسامات وخلافات داخلية وفتن طائفية كان من أبرزها الخلاف المستعر بين الشيعة والسنة والتي كانت تأخذ شكل حروب أهلية تصل إلى القتل والتدمير وحرق البيوت خاصة في العراق وكان هذا من أسباب تأييد الشيعة وابن العلقمي وزير الخليفة العباسي وكان شيعيا  لهولاكو في غزوه للعراق ظنا منهم أن هذا سيمهد لانتشار المذهب الشيعي   ،كما انتشرت النصيرية  في هذا الوقت في الساحل السوري   
4 -    انتشرت في هذه المرحلة الطرق الصوفية ،  ومعظمها ليست الصوفية الملتزمة بالكتاب والسنة وإنما الصوفية المعتقدة بالبدع والخرافات والشطحات ، وساعد على ذلك الجهل العام بفحوى الدين واهدافه الكبرى، فى اجواء من الياس والقنوط والخمول، وتاييد السلاطين المستمر وحمايتهم. فقد عنى متاخرو العباسيين بامر الصوفيه، وازدادت عنايه الايوبيين بهم، فانشاوا لهم الرباطات والتكايا، وكان صلاح الدين يحضر مجالسهم، وزاد عليهم المماليك انهم كانوا يفتتحون اعمالهم بعد التنصيب بمجلس يقيمه لهم الصوفيه
الحياة الفكرية
كان من سمات المجتمع المسلم في هذا العصر ما يلي
1 – انتشار التقليد وإغلاق باب الإجتهاد ، بل مقاومة والتشنيع على كل من جاء بقول جديد يخالف فيه أحد المذاهب الأربعة ،  والتعصب المذهبي ،وكان هذا الأمر أحد الأسباب الرئيسة لمحنة ابن تيمية وحبسه لإكثر من مرة ، وكان الناس والعوام يقتتلون نتيجة هذه الإختلافات بل ويضربون العلماء على أقوالهم وأرائهم كما روى ابن بطوطة في رحلته مشهد ضرب أحد العلماء في المسجد من قبل العوام لإنه أنكر على ابن تيمية أحد أقواله في الأسماء والصفات .
      لقد أصدر المستنصر العباسى قراره بإغلاق باب الإجتهاد واقتصار الفتوى على المذاهب الاربعه ، وسرى هذا القرار سريعا وتعصب له المشايخ وعامة الناس منذ إعلان ذلك النداء فى المدرسه المستنصريه سنه 631ه صار الخروج عليه بدعه مستنكره    
       وعندما أنشا الظاهر بيبرس نظاما يقضى بتعيين أربعة قضاة موزعين على المذاهب الأربعة،  بعد ان كان القضاء فيها حكرا على الشافعيه منذ عهد صلاح الدين الأيوبي ، الذي الزم القضاة بمذهبه الشافعي ،  وكان القرار انتصارا للمذاهب الثلاثة إلا أنه كان قرارا قاسيا على الشافعية ، ومع أن بيبرس قد احتفظ للقاضى الشافعى ببعض المزايا على غيره، كاختصاصه بالأوقاف وتقديمه فى ألايام الرسمية، إلا أن ذلك لم يحد من سخطهم الذى بلغ إلى حد اعتقادهم أن هذا النظام قد أوجب على فاعله الظاهر بيبرس دخول النار والعذاب الشديد، كما اوجب ضياع ملكه .
     يقول السبكى: حكى ان الظاهر بيبرس رأى الشافعى فى النوم فقال له الشافعى: تهين مذهبى ! البلاد لى، او لك ؟! انا قد عزلتك وعزلت ذريتك إلى يوم الدين ، قال: فلم يمكث بيبرس إلا يسيرا ومات، ولم يمكث ولده السعيد إلا يسيرا وزالت دولته، وذريته إلى الآن فقراء .
        إن السبكي يروي هذه القصة وهو يعلم بان بيبرس قد بقى فى السلطنة ثلاث عشرة سنة بعد قراره هذا ، وانه كان من احسن السلاطين سيرة، حيث منع الخمر والحشيشة فى كل البلاد ، وهزم المغول والصليبيين ولكن ذلك لم يشفع له، فالسبكى يقول: حكى أانه رئى فى النوم بعد موته، فقيل له: ما فعل اللّه بك ؟ قال: عذبنى عذابا شديدا بجعل القضاة اربعة .
     ولم يكن ذلك شان الشافعيه وحدهم، فمما تناقله الحنابله من اخبارهم ما رواه الذهبى واثبته العماد الحنبلى فى (شذرات الذهب) فقال فى احداث سنه 725 ه : كان غرق بغداد المهول، ودام خمس ليال، قال الذهبى: ومن الايات ان مقبره الامام احمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذى ضريحه فيه، فان الماء دخل فى الدهليز علو ذراع ووقف باذن اللّه  ، ذكر ذلك عن قبر احمد، ولم يخبر بمصير قبر ابى حنيفه او الشيخ عبد القادر الجيلانى وكلاهما فى بغداد، ولعله راى ان ذلك من مسووليه الاحناف والصوفيه    
     وثم احداث كبيره كان سببها التعصب المذهبى، فحجر الملك الاشرف الايوبى على العز بن عبدالسلام شيخ الشافعيه، انما كان جراء خلاف بينه وبين الحنابله الذين استمالوا الملك الاشرف واقنعوه ان قولهم قول السلف وان العز بن عبدالسلام زائغ عن الصراط
      ويروي صاحب الأنس الجليل أن المصلين كانوا يصلون أربع جماعات متتاليلة في القدس والخليل والبيت الحرام ذلك أن أصحاب المذهب لا يصلون خلف إمام من مذهب آخر  ( )  من هنا عد تمرد ابن تيميه على هذا القرار اهم ما اخذ عليه .
     ومن أقوال ابن تيمية في هذا السياق : من العجب ان الفقهاء المقلدين يقف احدهم على ضعف ما اخذ به امامه، وهو مع ذلك يقلده ، ويترك ما به شهد الكتاب والسنه والاقيسه الصحيحه ، جمودا على تقليد امامه بل يتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنه بالتاويلات البعيده الباطله نضالا عن مقلده .
2 - انشغل العلماء في الجدال والنقاش في بعض المسائل الكلامية كمسائل الأسماء والصفات والتجسيم والتشبيه والتأويل ، والصراع بين السلفية والأشعرية والتي كانت المذهب السائد من ايام صلاح الدين وعززها الأمراء المماليك     والصوفية ،
3 – انتشر بين العلماء في هذا العصر التقاذف بالتهم ، فاتهم كل فريق الآخر بالزندقة والكفر ، وكانوا يحرضون عامة الناس على العلماء المخالفين لهم في الرأي ،  بل ويستعينون بالأمراء على بعضهم  ، ومن أمثلة ذلك أنه عندما  ألف ابن تيمية رسالة ( الاستغاثة) ناقش فيها حكم الإستغاثة بالأولياء والصالحين وقال بحرمة ذلك مدعما رأية بالأدلة الشرعية ، فبدل أن يناقشه العلماء الذين يخالفونه الرأي  بالأدلة ، رموه بالكفر والزندقة والخروج من الملة ، وقاموا باستعداء العوام عليه حتى قام بعضهم بضربه ، وطالبوا الدولة بحبسه وتعزيره ومنعه من الفتوى والتدريس بل وأصدروا فتاوى بجواز قتله بتهمة الردة .
4 – كانت العلاقه بين أتباع الديانات السماويه الثلاث على اسوئها، لما شهده اليهود والنصارى من دعم وحمايه من قبل الصليبيين ثم التتار، نتيجة تعاونهم معهم في هجومهم على العالم الإسلامي ، فاستطالوا على اثر ذلك ، فخلف ذلك فتنا كثيره    وكتب ابن تيمية فى الرد على النصارى كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)،وصفه بعضهم بانه (اهدا ما كتبه ابن تيميه فى الجدال)    .
.
4 - نشط التاليف فى هذا العصر نشاطا ملموسا، ولعل الوازع اليه هو تعويض ما ضاع من التراث اثر الاجتياحين الصليبى والمغولى ومن أبرز من ساهم في هذا نصير الدين الطوسى (672 هـ ) الذى الف فى الفقه وفى الفلسفه وفى الرياضيات والفيزياء والفلك والطب وعلم المعادن وحتى فى الموسيقى، كما كان صاحب اكبر مرصد فلكى انشاه بنفسه وزكريا بن محمدالقزوينى(682 هـ )،وجمال الدين الوطواط (718 هـ )،) وبرع فى الطب: ابن النفيس (687 هـ ) مكتشف الدوره الدمويه الصغرى وفى الفيزياء: العالمان الكبيران: قطب الدين الشيرازى (710 هـ )، وتلميذه كمال الدين الفارسى (720 هـ ) وفى الرياضيات: سعيد بن محمد الصفدى (712 هـ ) وفى علم الاجتماع وفلسفه التاريخ: ابن الطقطقى (709 هـ ) فى كتابه (الفخرى فى الاداب السلطانيه والدول الاسلاميه) وكان سابقا لابن خلدون وفى اللغه: ابن منظور (711 هـ )، ومن المورخين عدد كبير: كابى شامه (665 هـ )، وابن النديم (666هـ )، وابن خلكان (681 هـ )، وابن الفوط‏ى (723 هـ )، والمزى (742 هـ )، والذهبى (748هـ وابن المطهر الحلى (726 هـ ) وعلى بن عبدالكافى السبكى (686 - 756 هـ ) امام الشافعيه، وله نحو مئه وخمسين مصنفا فى العلوم الدينيه 
     ولكن لا أثر فيها للابتكار والتجديد، بل كثرة الجمع وغزارة المادة مع نضوب في البحث والاستنتاج. ولا يعني ذلك عدم وجود بعض العلماء المبرزين إلا أنهم قلة .
5 -  شهد هذا العصر انحطاطا كبيرا فى الشعر والادب، فضعفت اغراض الشعر وشاع فيها التقليد وداخلته المعانى الركيكه والالفاظ العاميه، وابتعد عن معالجه هموم المجتمع، وكثر النظم فى الالغاز والاحاجى والحشيشه، وكثر شعر الموشحات غير انه غلب عليه التقليد والضعف ودخلته العاميه ايضا.)

كيف أثرت هذه الأوضاع مجتمعة على فقه ابن تيمية
1 – لما راى ابن تيمية المشاكل الكبيرة التي يعاني منها المجتمع المسلم في كل الجوانب السياسية والإجتماعية والإقتصادية والفكرية سلك طريق تصحيح المفاهيم والتصورات والأفكار له منهجا ، لذلك من يطلع على كتب ابن تيمية يجد أنها عالجت واقع ذلك العصر ومشاكله وألف في العلوم كلها وكان كما وصفه ابن دقيق العيد لما التقاه في مصر سنة 700 ه : رأيت رجلا العلوم كلها بين عينيه يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد   
وقال فيه ابن سيد الناس عندما قابله : أنه كاد يستوعب السنن والآثار حفظا إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته أو ذاكر في الحديث فهو صاحب علمه   
     وقد ألف ابن تيمية في الرد على الشيعة كتابه منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية وهو أشهر كتاب في الرد على الشيعة، وقد ألفه ابن تيمية في الرد على ابن المطهر الحلي - أحد أشهر علماء الشيعة الإمامية الإثنى عشرية الذي الف كتاب منهاج الكرامة في معرفة الإمامة  ليستميل به قلوب التتار إلى المذهب الشيعي   .
وألف في الرد على الفلاسفة والفرق الغالية (بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد) يرد فيه على ابن سبعين وأمثاله من الفلاسفة ويحتوي الكتاب على حكاية مذاهب الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام والمقارنة بينها ومناقشتها والرد عليها. ودرء تعارض العقل والنقل وهو كتاب من أشهر كتب ابن تيمية في مناقشة الفلاسفة وأهل الكلام وقد ألفه في الرد على القانون الكلي للرازي
وألف في الرد على النصارى ومناقشتهم حينما بدأوا يشككون المسلمين بدينهم ويشككون بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم   " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح "   وحذر المسلمين من التشبه بهم في كتابه " اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" تكلم فيه عن مسائل التشبه باليهود والنصارى وأعيادهم وهو شرح لحديث الرسول صلى الله عليه وعلى اله وسلم "من تشبه بقوم فهو منهم" 
وألف في بعض المسائل الفقهية التي دار حولها خلاف في ذلك الوقت  مثل الفرقان المبين بين الطلاق واليمين وإبطال الحيل ونكاح المحلل
وألف في تصحيح كثير من المفاهيم والبدع الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وقاعدة جليلة في التوسل والوسيلة.
 والف في تصحيح بعض المسائل العقدية مثل وشرح العقيدة الأصبهانية والكلام على قوله عز و جل الرحمن على العرش استوى  واعتقاد الفرقة الناجية و المسائل الحموية و الايمان الكبير: تكلم فيه ابن تيمية عن مسائل الإيمان ، العقيدة الواسطية والاحتجاج بالقدر
والف في بيان السياسة الواجبة على ولي الأمر في سياسة شؤون الأمة وفق الشرع السياسة الشرعية لأصلاح الراعي والرعية  ورسالة في الحسبة  ورسالة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورسالة في المظالم وأخرى في العقود
وألف دفاعا عن الأئمة الفقهاء وردا على المقلدين كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام
      وأما فتاويه ونصوصه وأجوبته على المسائل فهي اكثر من أن اقدر على إحصائها لكن دون بمصر منها على أبواب الفقه سبعة عشر مجلدا وهذا ظاهر مشهور وجمع أصحابه اكثر من أربعين ألف مسألة وقل أن وقعت واقعة وسئل عنها إلا وأجاب فيها بديهة بما بهر واشتهر وصار ذلك الجواب كالمصنف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل  وقد جمعت في 34 مجلدا 
2 – رفض ابن تيمية التقليد وحصر الإجتهاد وفق المذاهب الأربعة فقط ، قال عنه الذهبي- إنه إذ أفتى لم يلتزم بمذهب ، بل بما يقوم دليله عنده وكان ابن تيمية يقول :  لم يزل الناس يسالون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب، ولا انكار على احد من السائلين، الى ان ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين، فان احدهم يتبع امامه مع بعد مذهبه عن الادله، مقلدا له فيما قال كانه نبى ارسل ! وهذا ناى عن الحق وبعد عن الصواب، لا يرضى به احد من اولى الالباب.
     وقد بنى نظريته على ما ورد عن الامامين مالك واحمدوغيرهما، من ان كل احد يوخذ منه ويترك ، الا رسول اللّه صلى الله عليم وسلم وان ما جاء عن الفقهاء لايقبل كله قبول التسليم، بل يعرض على الكتاب والسنه، فما وافقهما وجب قبوله، وما خالفهما كان مردودا، وان كان صاحبه مجتهدا من اولياء اللّه فالواجب على الناس اتباع ما بعث اللّه به رسوله.
     ان القول المتقدم لا يعنى بطلان التقليد فمن لم يمتلك اهليه الاجتهاد يقلد من صح تقليده. ومن عمل فى مسائل الاجتهاد بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ذلك واذا كان فى المساله قولان: فان كان الانسان يظهر له رجحان احد القولين عمل به، والا قلد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم فى بيان ارجح القولين بل المحذور جدا ان يتعرض للاجتهاد من لم تتوفر فيه شرائطه وكان يقول في التقليد أنه إذا قلد المسلم أحد العلماء في مسائل الفروع جاز له العمل بما يقوله ما لم يتيقن خطأه   ويقول أيضا : لا ريب أن كثيرا من الناس يحتاج إلى تقليد العلماء في الأمور العارضة التي لا يستقل هو بمعرفتها    
     إن ابن تيمية كان يختار من بين اقوال المذاهب الفقهية ما يراه أوفق دون أن يتقيد بمذهب معين أو يتعصب له ، بل كان يخرج عنها أحيانا ، وكان يعتمد في اختياراته على القرب من الآثار أو القرب من حاجات الناس وتحقيق مصالحهم وعلى أساس تحقيق المعاني الشرعية التي شرعت لها الأحكام         
     إن ابن تيمية اعاد الفقه إلى وظيفته في تحقيق مصالح الناس ومعالجة مشاكلهم لا أن يكون نصوصا جامدة ونقولات ميتة لا علاقة لها بواقع الناس ومشاكلهم وتعصبا مذهبيا ، ومن هنا جاءت فتاواه في موضوع عدم وقوع الطلاق المعلق أو الذي جاء على سبيل اليمين ، وقد كان فقه الحيل الشرعية منتشرا بما يخرج المسائل عن مقاصدها الأصلية فحرم الحيل ومن هنا جاء تحريمه للتحليل الذي كان فاشيا وما أدى إليه من مفاسد اجتماعية كثيرة ، وبهذا طهر الفقه مما اصابه من إنحراف وخروج عن مقاصد الشريعة ،  ومن هنا كتب الحسبة لمعالجة المفاسد افجتماعية التي كانت سائدة في المجتمع وكتب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لإرشاد الحكام لسياسة الأمة بما يحقق مصالحها
وكان في فقهه ينطلق من قاعدة ثابتة إذ يقول " فإن الله تعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها   
     إن موقفه من الإجتهاد وعدم الإلتزام بالمذاهب الأربعة فقط ، قد أثار عليه العلماء والعامة وحصلت معه مشاكل عديدة فى سنه 720 ه ومن أمثلة ذلك ما أفتى به في مسائل الطلاق التي افتى فيها بخلاف المذاهب الاربعه، من أن الحلف بالطلاق لا يقع وعليه كفاره ، والطلاق المحرم لا يقع ، والطلاق الثلاث لا يقع الا واحده ، واستدعى للقضاء ومنع من الافتاء، وسجن خمسه اشهر، ومنع من الافتاء، وسجن غير مره، وصنفت فى الرد عليه كتب ورسائل ! هذا رغم اقرار الجميع بان ما قاله فى بعض هذه المسائل هو الذى كان على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم  وبه نطق القرآن، وكان على عهد ابى بكر، وسنين من عهد عمر، حتى احدث فيه عمر برايه وامضى عليه القضاء فصار قضاء رسميا يعمل به الفقهاء والقضاه، واعتمده اصحاب المذاهب الاربعه   .
     وكان سبب فتاوه في هذا الأمر ما لاحظه من أن إيقاع الطلاق في مثل هذه الصور قد أدى إلى مفاسد كثيرة في المجتمع من كثرة المطلقات وما يترتب على ذلك من مفاسد اجتماعية ، وما أدى إليه ذلك من اللجوء إلى التحليل    
      ومن المسائل كذلك فتواه بتحريم شد الرحال الى قبور الانبياء والصالحين وكثر الكلام والتشنيع عليه، ورفعوا ذلك الى السلطان وخفف عليه شيئا من شده الامر انتصار علماء بغداد له، فبعثوا كتبا بموافقه رايه، كما كتب بعض علماء دمشق فى نصرته ايضا، فرأى السلطان أن ينقل ابن تيمية الى قلعة دمشق إخمادا للفتنه، وبقى فيها حتى توفي   .
      ورغم ان المواضع التي خالف فيها  ليست كثيره، الا انها احدثت اصداء كبيره فى عالم غارق فى التقليد لا يرى الحق الا فى ما ورثه عن مذهبه، وكل ما خالفه فهو باطل مهما كانت حجته وهذا لا يعنى ان ابن تيميه كان مصيبا فى كل ما تفرد به، ، فهو بشر يخطئ ويصيب، فالذي أصاب فيه هو الأكثر والذي أخطأ فيه لا يقلد فيه، بل هو معذور لأن أئمة عصره شهدوا له بأن أدوات الاجتهاد اجتمعت فيه، حتى أن أشد المتعصبين عليه الشيخ كمال الدين الزملكاني شهد له بذلك، وكذلك الشيخ صدر الدين ابن الوكيل الذي لم يثبت لمناظرته غيره،  وعدوا ذلك اخطاء مغفوره له .

4 – مع أن العصر الذي عاشه اتسم بالتعصب الفكري والفقهي إلا أن ابن تيمية اتسم بالتسامح  ، وله قاعدة مشهورة كان يرددها وهي " أحللت كل مسلم عن إيذائه لي" وطبقها عمليا ، ولم يحاول استغلال خلافه العلمي والفكري مع أحد لمصلحة شخصية أو يدفعه الخلاف مع أحجد للإنتقام منه   
     فعندما حرض الشيخ البكري بعض العوام على ابن تيمية فضربوه ، وثارت بسبب ذلك فتنة، وأراد الناس الانتقام من البكري فمنعهم وقال لهم " أنا ما أنتصر لنفسي " فلما ألحوا عليه قال لهم : " إما أن يكون الحق لي أو لكم أو لله ، فإن كان الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني؛ وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء ومتى يشاء".وبقي البكري مختفيا حتى شفع فيه ابن تيمية عند السلطان وعفا عنه   .
     يقول ابن تيمية عن نفسه : ( أنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها، وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله له، ولا أعين عليه عدوه قط، هذه نيتي وعزيمتي، فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عوناً للشيطان على أخواني المسلمين).
     وقال في رسالة كتبها وهو في السجن إلى تلاميذه ومحبيه يتحدث عن خصومه الذين تسببوا في دخوله السجن ومصادرة كتبه : ( أنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم وأن يفتح لهم من معرفة الله وطاعته والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات) .
    وعندما انقلب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير على السلطان ناصر بن قلاوون وعاونه في ذلك بعض العلماء منهم الشيخ نصر المنبجي ، استغل المنبجي هذا الأمر فألب بيبرس على ابن تيمية لإنه كان يهاجم التصوف الذي كان يدعو إليه ابن عربي وكان السلطان من محبي ابن عربي  ،فسجنه بيبرس ومنعه من الفتوى ،  وعندما يعود قلاوون إلى السلطة يفرج عن ابن تيمية ، ويحاول السلطان أن يستعين بابن تيمية في أن يفتيه بجواز قتل من خرجوا عليه ومن عاونهم من العلماء بإصدارهم فتاوى بعزله  ، فلا يتجيب ابن تيمية لقوله بل يقول له : إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء ، فيقول له السلطان ولكنهم آذوك فيقول ابن تيمية  : من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وألح على السلطان حتى عفا عنهم ، وكان من هؤلاء  قاضي المالكية " ابن مخلوف " فلما أفرج عنه قال  : ما رأيت كريماً واسع الصدر مثل ابن تيمية فقد أثرنا الدولة ضده، وحرضنا عليه ولكنه عفا عنا بعد المقدرة، بل دافع عنا وقام بحمايتنا    
     يقول ابن القيم عنه  :( كان يدعو لأعدائه، ما رأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيت إليه يوماً أحد معارضيه الذي كان يكثر من إيذائه وعدائه، فزجرني، وأعرض عني، وقال : "إنّا لله وإنا إليه راجعون" وذهب لساعته إلى منزله، فعزى أهله، وقال : " اعتبروني خليفة له ، ونائباً عنه، وأساعدكم في كل ما تحتاجون إليه" وتحدث معهم بلطف وإكرام
      هذه النفسية التسامحية العظيمة عن ابن تيمية، أثرت عليه كثيراً حينما يتناول الطوائف والفرق المخالفة، فابن تيمية باحث عن الحق، ومن مهمة الباحث العلمي أن يعري ويكشف حقائق الأفكار وزيفها وصدقها، لأنه يقوم بمهمة علمية يفترض فيه الأمانة مع العدالة. ومع ما يوصف به ابن تيمية من الحدة والقوة في الجدل، إلا أنه أنصف أشد الطوائف عداء له، وأشدها بعداً عن المعقول والمنقول .
      فحينما تناول شيخ الإسلام طائفة الشيعة بالنقد والتحليل، لمن يمنعه العداء والرد والنقض أن ينصف ويعدل معهم ، فيقول فيهم ( كثيراً منهم ليسوا منافقين ولا كفاراً، بل بعضهم له إيمان وعمل صالح، ومنهم من هو مخطئ يغفر له خطاياه، ومنهم من هو صاحب ذنب يرجى له مغفرة الله)   .
وقال : ( والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد)  .
وقال: ( وينبغي أن يعلم أنه ليس كل ما ينكره بعض الناس عليهم يكون باطلاً، بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعضهم، والصواب مع من وافقهم ).
وذكر أن لهم جهوداً في دعوة الكفار إلى الإسلام فدخل على أيديهم خلق كثير من الكفار.
وقال عن المعتزلة : أنه مع مخالفتهم نصروا الإسلام في مواطن كثيرة وردوا على الكفار والملاحدة بحجج عقلية .وقد عاب ابن تيمية على الإمام ابن فورك الأشعري تكفيره للمعتزلة وتأليب الحكام عليهم، يقول ابن تيمية عنه أنه كفر المعتزلة وألب السلطان عليهم وعلق على موقفه هذا مستهجنا له بقوله : ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد، بل عادى من خالفه أو كفره فهو ظالم لنفسه)   .
وقال عن الأشاعرة مع مخالفته لهم في كثير من الأصول والفروع:  إنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم    .
هذا التسامح العظيم الذي كان يتحلى به ابن تيمية كان له الأثر العظيم في الناس، ولذلك أحبه الناس حباً عظيماً، وتعلقوا به .

3 - كان ابن تيمية  يتحرج كثيراً من تكفير الأشخاص ، يقول الذهبي : كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم).
وإذا لم يمكن إقامة الجمعة والجماعة إلا خلف الفاجر والمبتدع صليت خلفه ولم تعد وإن أمكن الصلاة خلف غيره وكان في ترك الصلاة خلفه هجر له ليرتدع هو وأمثاله به عن البدعة والفجور فعل ذلك وإن لم يكن في ترك الصلاة خلفه مصلحة دينية صلى خلفه وليس على أحد أن يصلي الصلاة مرتين  

4 – نتيجة مشاهدة ابن تيمية لأثر الخلافات السياسية في فرقة المسلمين وكثرة النزاعات المسلحة بينهم كان مذهبه وجوب الطاعه للسلطان، وحرمه الخروج عليه وان كان ظالما، لأن الشر المترتب على ذلك اكثر من الخير! وكان يردد دائما القول المشهور لبعض العلماء : لو كان لنا دعوه مجابه لدعونا بها للسلطان، برا كان او فاجرا   .
وعندما حبسه الناصر نتيجة بعض الوشايات قال : إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ذلك معذورا ولم يفعله لحظ نفسه وقد احللت كل واحد مما كان بيني وبينه إلا من كان عدوا لله ورسوله   
قال ابن تيمية((ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف هذه القلوب بترك هذه المستحبات ، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل هذا، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم ، تغيير بناء البيت ، لما رأى في إبقائه من تأليف القلوب ، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ، ثم صلى خلفه متمماً وقال:"الخلاف شر")).
     و كانت له المواقف المشهودة في الدفاع عن الدولة ومن ذلك أنه  بعد انتصار التتار في معركة واد الخزندار فر والي دمشق إلى مصر، فاجتمع ابن تيمية بأعيان دمشق واتفق معهم لمقابلة  السلطان قازان والتفاوض معه لحقن دماء الناس حيث كان على مشارف دمشق . فلما وصلوا إلى قازان أخذ ابن تيمية يعضه ويغلظ عليه في القول والسلطان مع ذلك مصغ لما يقول. ومما قاله له "  انك تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون فغزوتنا وأبوك وجدك كانا كافرين وماعملا الذي عملت، عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت "  
      وقام ابن تيمية بتحريض الناس وحثهم على قتال التتار ودعا التجار للتبرع لتجهيز الجيش ، وسافر إلى مصر لتحريض السلطان المملوكي الناصر على قتالهم ، فسار السلطان بجيشه  من مصر إلى الشام ووقعت معركة شقحب قرب دمشق  سنة 702 ه , في شهر رمضان وشارك فيها ابن تيمية ، فأفتى ابن تيمية بالإفطار وأنه خير من الصيام ، وأخذ يدور على الجند يأكل الطعام أمامهم يشجعهم على الأكل, واستمرت المعركة يومين متتالين وانتهت بانتصار المسلمين ، وبانتهاء معركة شقحب لم يدخل التتار الشام مرة ثانية  لذلك تعد هذه المعركة من المعارك الفاصلة ضد المغول بعد عين جالوت
     وفي كتابه منهاج السنة يحرم الخروج على الحاكم ولو كان ظالما لإنه كما يقول مفسدته أكثر من مصلحته وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ماتولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير كالذين خرجوا على يزيد في المدينة وكإبن الأشعث الذي خرج على عبد الملك في العراق وكأبي مسلم الخراساني الذي خرج في العراق وغاية هؤلاء إما أن يغلبوا أو يغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة فإن أهل الحرة وابن الأشعث وغيرهم هزموا فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين فليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال وهم أعظم قدرا عند الله وأحسن نية من غيرهم 
وقال في منهاج السنة : وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة ويأمرون بالصبر على الجور ولهذا لما أراد الحسين رضي الله عنه أن يخرج إلى أهل العراق أشار عليه ابن عمر وابن عباس أن لا يخرج ، فتبين أن الأمر على ما قاله أولئك ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتلوه مظلوما شهيدا وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء بل زاد الشر بخروجه وقتله وصار ذلك سببا لشر عظيم وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن  وهذا يبين حكمة ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم وأنه أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد وأن من خالف ذلك متعمدا أو مخطئا لم يحصل بفعله صلاح بل فساد ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بقوله إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ولم يثن على أحد لا بقتال في فتنة ولا بخروج على الأئمة ولا نزع يد من طاعة ولا مفارقة للجماعة وهذا يبين أن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم على أحد بترك واجب أو مستحب وقال : إن مذهب أهل السنة والجماعة أن الحاكم ولو كان ظالما فتصلى خلفه الجمعة والعيدان وغيرهما من الصلوات التي يقيمونها لأنها لو لم تصل خلفهم أفضى إلى تعطيلها ، ونجاهد معهم الكفار ، ونحج معهم البيت العتيق ويستعان بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود ويستعان بهم أيضا في العدل في الحكم ويعاونون على البر والتقوى ولا يعاونون على الإثم والعدوان   
ويقول أيضا : إذا لم يزل المنكر إلا بما هو أنكر منه صار إزالته على هذا الوجه منكرا ، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكرا  
     ويقول إن بعض الولاة قد يظلم باستئثار فلا تصبر النفوس على ظلمة ولا يمكنها دفع ظلمة إلا بما هو أعظم فسادا منه ولكن لأجل محبة الإنسان لأخذ حقه ودفع الظلم عنه لا ينظر في الفساد العام الذي يتولد عن فعله   
     ويقول : إن الفساد الناشىء من القتال في الفتنة أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر فلا يزال أخف الفسادين بأعظمهما
4 – لما رأى ابن تيمية أن المجتمع المسلم تنخر فيه العقائد المنحرفة كالجهميه، والمعتزله، والجبريه، والكرامية والإسماعيلية  ( )  والنصيرية والرافضة وغيرها من الفرق الغالية رأى أن وحدة الأمة تقتضي نقض أفكار هذذه الطوائف والفرق وله فى ذلك مولفات، كثيره .وقد أكثر من التأليف في الأصول أكثر من غيرها وقد رد على تلميذه البزار لما طلب من أن يجمع مسائله في الفروع ويذكر فيها ترجيحاته بأن أمر الفروع سهل ويمكن للمسلم فيها أن يقلد أحد العلماء ما لم يتيقن خطأه أما الأصول فإني رأيت أهل البدع والضلال من الباطنية والدهرية والقدرية والنصيرية والجهمية وغيرهم ىقد قصدوا إبطال الشريعة وأنهم أوقعوا الناس في التشكيك والضلال فهذا أوجب علي صرف جل همي إلى الأصول   
     بل وصل به الحال إلى المشاركة في قتال بعض الفرق التي كانت تتعاون مع الصليبين أو التتار كالنصيرية سنه 705 ه ولما عاد الجيش منتصرا كتب الى السلطان رساله يهنئه بالنصر، ومما قاله فيها: من الداعى أحمد بن تيميه إلى سلطان المسلمين. أما بعد، فقد صدق اللّه وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الاحزاب وحده، وأنعم اللّه على السلطان، وعلى المؤمنين فى دولته نعما لم تعهد فى القرون الخالية وجدد الاسلام فى أيامه تجديدا بانت فضيلته على الدول الماضية ، وتحقق فى ولايته خبر الصادق المصدوق، ، الذى أخبر فيه عن تجديد الدين فى رؤوس المئين ، وذلك أن السلطان حصل للأمة بيمن ولايته، وحسن نيته، وصحه إسلامه وعقيدته، وفضل همته وشجاعته، وثمرة تعظيمه للدين وشرعته، نتيجه اتباعه لكتاب اللّه ما هو شبيه بما كان يجرى فى أيام الخلفاء الراشدين...)
   
5 – ناقش ابن تيمية الصوفيه، ولكن ليس الصوفية الملتزمة وإنما الصوفية المليئة بالبدع والشركيات ، والتي امتلئت بالتقرب إلى القبور فبعظهم كما كان يقول ابن تيمية يستقب القبر في صلاته ويستدبر القبلة ويقول القبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة ، وبعظهم يرى أن زبارة الولي والشيخ أولى من زبارة الكعبة ،وبعظهم يقول أن زيارة الشيخ مرتين أو ثلاث تعدل حجة ، وبعظهم يذبح باسم الشيخ أوالولي إلى غير ذلك من البدع والخرافات  .
     لذلك فقد شغل نقاشهم حيزا كبيرا من كتاباته، وكان موقفه منهم سببا فى اول مجلس قضاء عقد له سنه 705 ه بمحضر نائب السلطنه بدمشقوعندما استولى بيبرس الجاشنكير على السلطنه، عقد فبن تيمية مجلس قضاء آخر في مصر بتحريض من شيخ الصوفيه نصر المنبجى ، وتراس مجلس القضاء القاضى المالكى، وبينه وبين ابن تيميه خصومه شديده بسبب اعتقاد ابن تيميه فى الصفات الذى عده المالكيه تشبيها وتجسيما ، فقرر القاضي حبسه فامضى فى السجن نحو سنتين .
6 -  لما كانت المباحث الكلامية تشغل المسلمين وتقودهم في مجادلات لا طائل من ورائها فاتخذ ابن تيميه لنفسه موقفا معارضا ، وألف كتبا في الرد عليهم وعلى الفلاسفة المسلمين كالرازى وابن سينا ، وناقش المتكلمة في مباحثهم في الأسماء والصفات ورد عليهم مما أثار عليه الأشاعرة الذين كانت لهم الصولة في ذلك الوقت وحصلت معه مشاكل كبيرة على اثر خطبه القاها على المنبر تكلم فيها فى ذات اللّه تعالى وصفاته مما أثار عليه الفقهاء والصوفية
7 – نتيجة الأوضاع الإجتماهية المتردية وانتشار كثير من الإنحرافات الأخلاقية كتب رسالة الحسبة بين فيها آراءه وأفكاره في الإصلاح الاجتماعي، وخاض بنفسه عمليات الحسبة فكان يدخل محال بيع الخمر بين المسلمين فيأمر بإغلاقها، وهاجم بيوت البغاء في مصر والشام .
8 -  لمواجهة التتار وغزوهم لبلاد الشام كتب ابن تيمية رسالة القتال، فبين فيها أن حكم رد الصائل فرض عين ولو كان مسلما، حيث كان المغول في عهده قد دخلوا الإسلام مع البقاء على ما هم فيه من بطش وفساد كما فعل السلطان غازان. وقال في رسالته تلك إن حكم دفع المغول فرض عين

19/4/2011

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.