
يبدأ عنوان هذا المقال بجزء من آية قرآنية. من هنا، فالأغلبُ أن يُفكّر بقراءته من يطّلع عليه من (الملتزمين) بأي معنىً من المعاني. وفي نفس الوقت، من الأرجح أن ينصرف عنه أولئك القراء الذين يعتبرون أنفسهم في خانة (التقدميين) أو(الحداثيين) أو(العلمانيين) أو غير هذا من المترادفات.
وهي مترادفات أصبحت في ثقافتنا الهجينة الفوضوية السائدة تتناقض مع المصطلحات التي تُصنّف تحت الخانة (الدينية) تصريحاً أو تلميحاً. وقد تصاعد التناقض المذكور بحيث لم يعد ممكناً لدى الكثيرين، في الواقع العربي بالذات، أن تكون هناك دوائر تقاطع بين معاني ودلالات ومقتضيات المفردات والمصطلحات التي تندرج تحت الخانتين.
هكذا، حاصر العرب أنفسهم ثقافياً بشكلٍ لايكاد يمكن التعامل بسببه مع أي مشكلةٍ من مشكلاتهم الكثيرة. فرغم أن التديّن الحقيقي في جوهره يقتضي أول مايقتضي وأكثر مايقتضي إعمار الأرض، والإقبال على الحياة الطيبة، والتخلص من كل ماله علاقة بثقافة الإصر والأغلال، والمساهمة في عمليات التنمية، والعمل على إصلاح الأوطان والمجتمعات بكل طريقة ممكنة. غير أن تنزيل هذه المعاني على أرض الواقع يبدو مُستعصياً على الغالبية العظمى من الفريقين المذكورين أعلاه.
صحيحٌ أن بعض المتدينين يدندن حول تلك الأفكار. لكن هذا يبقى في كثيرٍ من الأحوال شعوراً قلبياً أو خاطرةً تسكن في الأذهان، أو في أحسن الأحوال كلاماً نظرياً تسمعه في بعض الندوات والمحاضرات. وقد تحاول شرائح كبيرة من هؤلاء إيجاد الأعذار مؤكدين أن الفريق (الآخر) يشنُّ حرباً شعواء على هويته، وأن الدفاع عن هذه الهوية له الأولوية القصوى، وأن كل شيءٍ آخر قابل للتأجيل بسبب ذلك.
لا نوافق ابتداءً على إطلاق صفة الحرب على العلاقة بين الفريقين، ونعتقد أنها علاقة تحتاج إلى كثير من التحليل وإعادة النظر، وأنّ سوء الفهم والتواصل يكاد يكون العامل الأقوى فيما آلت إليه من مصير. ولكن، حتى بغض النظر عن هذا، فإن المهم في الموضوع أن هؤلاء يَغفلون أن تنزيل التدين على أرض الواقع بالمعاني المذكورة قبل قليل هو أكثر مايستطيعون القيام به للدفاع عن الهوية. ولو أن هؤلاء بدل أن ينشغلوا بالمناكفات الخطابية، وفتاوى التفسيق والتكفير، وملاحقة كل عبارةٍ فيها مظنة شبهة لديهم، وكل مقال يحتمل التأويل في أنظارهم، لو أنهم انشغلوا عن ذلك كله حقيقةً بالمساهمة الكثيفة والمُبدعة في عمليات التنمية.
ولو أنهم انشغلوا بإعمار الأرض، وتشجيع الناس على الإقبال على الحياة الطيبة، ومحاربة كل محاولات الاستعادة لثقافة الإصر والأغلال في مجتمعاتهم، لوجدوا قبولاً ثقافياً واجتماعياً يفرض مقتضيات هويتهم حباً ورغبةً، ولخلقوا واقعاً عملياً يُظهر جوهر دينهم تطبيقاً ومثالاً. بل ربما أحدثوا انقلاباً في علاقتهم مع من يعتبرونه (الآخر) حين يرى المخلصون من هؤلاء لبلادهم وشعوبهم وهويتهم، وهم كثر، حجم دوائر التقاطع ليس فقط على مستوى الرؤية والتفكير، بل حتى على مستوى الأهداف الكبرى.
لكن المسؤولية في عملية الاستعصاء التي نحاول تحليلها لايمكن أن تُلقى على عاتق فريقٍ دون آخر. بل ربما كانت مسؤولية من يرون أنفسهم من (المتنورين) أكبر. وتحديداً بسبب قناعتهم بأنهم أهلٌ لحمل تلك الصفة.
من هنا، يُصبح من التناقض مع كل قيمةٍ أصيلة يمتلكها المثقف أن يُعرِض عن كل مافيه (شبهة) أو (رائحة) الدين والتدين. وأن ينفر من أي إنتاجٍ ثقافيٍ أو إعلاميٍ أو تعليميٍ ابتداءً ومن اللحظة الأولى، فقط لأن فيه إيحاءات أو مصطلحات دينية، بداعي أنها تتناقض مع التنوير بالضرورة الحتمية. وبدلاً من القيام بواجب المثقف حين يبحث عن الحقيقة في مثل ذلك الإنتاج، كما في غيره، ليميز الغثّ من السمين، ويبني على أي خيرٍ يوجد فيه، يُصبح الإلغاء السريع والحاسم بسبب التصنيف خيانةً كبرى لدور المثقف ولكل القيم الحقيقية للثقافة.
قد يكون غريباً أن نطرح كل ماسبق مقدمةً لما نريد الحديث عنه في آخر المقال باختصار، لكن هذا يبدو ضرورياً في عالم الثقافة منذ أن مارسه ابن خلدون في عمله المشهور.
لاتفسدوا في الأرض بعد إصلاحها. أي عاقلٍ يمكن له أن يعتبر رفض الإفساد في الأرض مسألةً دينية بحتة؟ وهل يمكن بناء وطن أو القيام بعملية تنمية حقيقية حين يُصبح الإفساد في الأرض تجارةً وصناعة لدى بعض بني البشر؟ ثمة فرقٌ دقيق لغوياً وشرعياً بين الفساد والإفساد. ورغم أن الشرّ هو مآل الممارستين في نهاية المطاف، إلا أن هناك فارقاً نوعياً بينهما يتعلق بمساحة التأثير. فشرُّ الفاسد قد يكون في الأغلب محصوراً في دوائر ضيقة. أما الإفساد حين يُصبح صناعةً وتجارةً فإنه ابتلاءٌ استراتيجي خطير يبتلع تدريجياً مقدّرات الشعوب والأوطان، ويُصبح سبباً لضياع مواردها البشرية والمادية.
الأخطر في الأمر أن يفقد البعض كل شعورٍ بالمسؤولية وأن يستخدموا أساليب العصر وأدواته ومخترعاته لتوسيع دوائر الإفساد قدر الإمكان. فنحن مثلاً نعيش عصر انفجار تكنولوجيا وتقنيات وسائل الاتصال والإعلام، وهذه الوسائل بحدّ ذاتها محايدةٌ لايحاربُ وجودَها إلا سفيهٌ أو جاهل. وفضلاً عن إمكانياتها غير المحدودة لتطوير عمليات التنمية في كل مجال، ولتفجير طاقات الإنسان، فإن استخدامها للترفيه ولتأكيد معاني وقيم الجمال والفنّ أمرٌ مطلوبٌ قبل أن يكون مشروعاً. لكن ثمة حدوداً للموضوع لايُجادل فيها إلا مكابر. وهي حدودٌ يتفق عليها العقلاء في الغرب والشرق قبل أن تكون حدود دينٍ أو شريعة. إذ ماالمعنى مثلاً في أن يُصبح الهاتف النقال وسيلةً لممارسة القمار، وهي ظاهرةٌ أصبح البعض يتفنن في مداخلها وأساليبها لدرجة باتت تثير الاشمئزاز وتزكم الأنوف؟ ألا تؤكد مثل هذه الممارسة ثقافة البحث عن الربح السريع ومحاولة الاستقالة من كل ماله علاقة بالعمل والبناء وغيرها مما يؤكد إنسانية الإنسان؟ ألا يُعتبر مثل هذا الفعل استغلالاً رخيصاً لمئات الآلاف من أطفال ومراهقين يدفعون مبالغ طائلة بكبسة زر، وغالباً من مال أهلهم ودون علمهم، أملاً بوهمٍ زائف تُزينه عباراتٌ منمقةٌ مخادعة؟ فتضيع أموال ملايين من البشر كان يمكن أن تكون ثمن كتاب، أو تكاليف عمليةٍ صحية، أو مساهمةً في عمل خير، أو استثماراً في مشروعٍ يعمر الأرض، في حين تتكدس عشرات الملايين من الريالات والدراهم والجنيهات والليرات في خزائن حفنةٍ معدودة. الأمثلة كثيرة ومثلها الأسئلة. لكننا نعود للسؤال الأساسي: هل يتعلق الأمر بأوامر ونواهي تصدر عن دينٍ ينفر منه (المتنورون)؟ أم بأوطان بات مصيرها معلقاً في مهبّ الرياح.
منقول عن المدينة نيوز
بتاريخ 10/1/2010
ابحث
أضف تعليقاً