
يعيش الفرد والجماعات والأمتان العربية والإسلامية في هذه الأيام المباركة في ذروة الإيمان والصدق والفضيلة. ولا يعود الإنسان إلى ضميره وإلى الصدق مع نفسه أو لمخاطبة الخالق والصلاة له أكثر مما يفعل في الشهر الفضيل. الصيام الحقيقي ليس فقط في الإمساك عن الطعام وغث الكلام ، فهو لا يخص الأبدان والجوع أو توزيع الطعام على الفقراء والمحتاجين والمساكين وابن السبيل ، إنه عودة الروح المؤمنة إلى الإنسان ونبذ الكراهية إلى الأبد ، وهو تفكير الفرد بأحوال الجماعة وأمته العربية والإسلامية. إن عظمة رمضان هو عودة الفرد بكل حواسه إلى الله والعكس صحيح بالنسبة للجماعة والأمة إن تفكر بالفرد وأحواله.
جميل الاحتفال بمقدم رمضان والبهجة الغامرة التي تملأ القلوب المطمئنة وهي ليست فقط الاحتفال بالمظاهر ونشاطات الترفيه ولا بإقامة مآدب الرحمن ، فمن أراد أن ينفق في سبيل الله ، فعليه العودة إلى قواعد الدين في الإحسان. لقد كان الفاطميون وبعض الأوائل يضفون على هذه المناسبة المعاني الدينية ويبتعدون عن البدع والالتزام بأخلاق الإسلام.
نقول في هذه الأيام عن كل شي عشناه في الماضي وفقدناه: أيام زمان ، ونقول: رمضان أيام زمان. وما يذهب قد تقتضيه طبيعة الأزمان ولا تغيير في الإيمان. قلنا كلاماً عاطفياً وحنيناً إلى رمضان أيام زمان وكم كنا سعداء به وبطقوسه المتواضعة. لم نكن نذهب إلى كوزمو أو إلى محلات السوبر ماركت لنشتري "المجدرة أو الكُشري" كما يقول الأخوة المصريون ، ولا نقف في الطوابير الطويلة حتى نحصل على كيلو غرام من القطايف أو نشتريها جاهزة ، لم تكن الجبنة بطعم جبنة اليوم "يفطر عليها الصايم" كما يقول المثل الشعبي. كنا نسمع المؤذن من مآذن القدس (الله أكبر) وهي تعلن الإفطار في خيام الأهل المنتشرة على مرتفعات جبال غربي السلط.
كانت طبيعة الفرد فطرية وكان إيمانه على حاله منذ ولادته (يولد الإنسان مسلماً) وكان لسانه نظيفاً وقلبه ابيضاً ويداه غير آثمتين وضميره صادقاً ، كانت الجماعات ليست مخيمات إرهاب أو تكفير "الجماعة إن هاجرت فإنما هجرتها إلى الله وحده" كانت المجتمعات ملتزمة بقواعد الدين الحنيف وآدابه ولم تكن هناك طقوس أو بدع ، فقد كان الإسلام إسلاماً هزم الكفار والفرق المارقة أو التي حاولت أن تخطف الإسلام بعيداً عن الفطرة وعن طبيعة النفس البشرية والرشاد والحكمة وكما أراده الله.
وتغيرت أحوال المسلمين في الأمتين العربية والإسلامية ، من حال إلى حال ، وواجهت الأمة أعداءً حقيقيين واختلفت المذاهب وصاروا شيعاً وأحزاباً ليس في داخل الوطن الواحد (الدولة القطرية) بل في شتى ديار الإسلام (جغرافياً وسكانياً) واعتدي على الأرض والدين واقتُطع من ديارهم ما اُقتطع وشُتت منهم من شُتت وقُتل منهم من قُتل في مجازر إبادة ممنهجة ، أتُهًم المسلمون في عقر دارهم ووصفوا وإن كانوا على حق بالتطرف والإرهاب وبأنهم الخطر القادم على العالم. وهكذا فقد الفرد والجماعة والأمة قوّتهم وترابطهم من أجل رسالتهم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
إن المطلوب في هذه الأيام الصعبة على المسلمين والإسلام العودة إلى الله بقلوب صافية والتفكير في إعادة صناعة الفرد والجماعة والأمة المسلمة ، لأن في فعل ذلك والإيمان به النهوض وعودة الروح إلى الفرد والجماعة والأمة.
وكل عام وانتم بخير.
التاريخ : 17-08-2010
ابحث
أضف تعليقاً