
جاء الإسلام ومنهجه منهج علمي أصيل ذلك أنه بدأ كتابه المعجز بقوله تعالى:» اقرأ باسم ربك الذي خلق»، ثم وجدنا العلماء يقولون بأن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما، لأنه مصحح للنية المصححة للعمل، قال الله تعالى:» فاعلم أنه لا اله إلا الله واستغفر لذنبك» فقدم العلم على الشهادة، ثم قال عز وجل:» إنما يخش الله من عباده العلماء «، فالعلم في الإسلام لا يُراد مجرداً عن العمل منفصلاً عنه، إنّما العلم والعمل أمران متلازمان لا ينفكان أبداً.
إنّ العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، فالخالص أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السنة أي على الوجه المشروع، قال تعالى:» فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً «، ولا يتمكن العامل من الإتيان بعمل يجمع هذين الوصفين إلا بالعلم، فلولا العلم لما كان عمله مقبولاً، لأنه الدليل على الإخلاص والمتابعة، وإذا أهمل العمل بالعلم فإنه يُنسى، والعلم هو الذي يوصل صاحبه إلى مرضاة الله سواء أكان علماً شرعياً أو علماً دنيوياً إذا وظف لخدمة الدين والبشرية قاطبة.
لم ينل العلماء المخلصون هذا المكانة الرفيعة في نفوس العامة والخاصة إلا لما امتازوا به من علم وخلق وأمانة وزهد، وذلك لتمسكهم بالقيم التي كانوا يؤمنون بها ويعبرون عنها، فكانت أقوالهم معبرة تماماً عن أفعالهم، وكانت أفعالهم ترجمة حقيقية لكل ما يقولون، لقد كان العلم بالنسبة لهم التزاماً يجب الوفاء به، وعهداً لا فكاك منه، فإذا تحدث أحدهم عن الأخلاق نجده أول من يلتزم بها، وإذا تحدث عن الصدق والامانه ضرب المثل الأعلى في الالتزام بهما.
إنّ العلم في نظر الإسلام ليس مجرد حشو الرؤوس بالمعلومات مهما تكن قيمتها، فلا يكفي فيها محض اكتسابها وتحصيلها بل لا بد لصاحبها من الالتزام بالعمل وبالقيم الخلقية التي يفرضها العلم على أهله، والتي جعلتهم أهلاً لأن يكونوا ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إنه يجب أن يتحول الإيمان والخلق الإسلامي إلى واقع حي يمارسه الناس وينتفعون به في صلاح أنفسهم ومجتمعهم، والعلم النافع هو الذي يُهيء الإنسان الصالح لاكتساب المهارات التي تعينه على المساهمة في عمارة الحياة وكسب عيشه، ولذا استعاذ الرسول الكريم من علم لا ينفع، ويجب على كل من تعلم علماً أن يعمل به فلا يكذب قوله فعله، لأن العلم يدرك بالبصائر، والعمل يدرك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر، فإذا خالف العمل العلم منع الرشد، ومتى يستقيم الظل والعود أعوج؟، ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكبر من وزر الجاهل، إذ يزل بزلته عالم كثير ويقتدون به، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، يقول الإمام علي كرم الله وجهه:» قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك، فالجاهل يغر الناس بتنسكه، والعالم يغرهم بتهتكه وانحرافه «، وقال بعض الحكماء:"من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل، وأشد منه عذاباً من أقبل عليه العلم فأدبر عنه ".
منقول عن الرأي
بتاريخ: 28/1/2011
ابحث
أضف تعليقاً