wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
كلمة الدكتور عمر الحضرمي في ندوة" الفرقة و التجزئة و سبل العلاج"
السبت, March 15, 2014

نص كلمة الدكتور عمر الحضرمي  التي ألقاءها في  ندوة " الفرقة و التجزئة و سبل العلاج" التي عقدها المنتدى العالمي للوسطية يوم السبت الموافق 8/3/2014

الفُرْقة والتجزئة: عوامل النجاح

        لقد أكد المنظور القرآني على أن الفُرْقة والتجزئة هما ظاهرتان مخالفتان للسنّة الكونية الناظمة للحياة البشرية. وعليه فإن الوحدة قد مثّلت في جوهرها أصلاً من أصول الشرائع السماوية كافّة، وفريضة جماعيّة من فرائض هذه الشرائع. بل وقد ذهب الفقهاء إلى القول بأنّ الوحدة قد عُدّت قرينة التوحيد ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتكُمْ أُمَّة وَاحِدَة وَأَنَا رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ)  " [الأنبياء:92].

        ومن هذا المنظور تصبح الوحدة هي الخطوة المركزية في عملية الإصلاح السياسي، كونها أهم عوامل بناء المجتمعات والدول والحضارات والثقافات، وذلك لأنّ مشاريع النهوض الحضاري وليدة مجتمعات متماسكة، وليست وليدة أفراد متفرقين. وعلى الجانب الآخر فإنّ الفُرْقة ومشاريع الإنفصال والتجزئة، وتقسيم المجتمعات إلى شيّع وعصبيّات هي معوّل الهدم الأول والأخطر في عملية إسقاط الدول واندثار الحضارات.

        ويؤكد الفكر الإنساني الإسلامي أنّه لأهمية الوحدة، فقد اعتبرت، على الدوام، شرعة الرحمن رحمة بعباده (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِۚ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) [الشورى:8].

        ولكن في المقابل فقد اعتبرت الفُرْقة والتجزئة هما شرعة الشيطان وحزبه من الدجالين والطغاة والمستكبرين، (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا) [القصص:4] "إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء" [الأنعام:159].

        وعليه، فإن المجتمع الصالح يتكوّن من أفراد، ومن علاقات تشدّ بعضهم ببعض، فتجعل منهم قوّة متماسكة، ومؤثرة في الأحداث الدائرة على مستوى العالم، سواء كانت حضارية، أم ثقافية، أم اجتماعية، أم سياسية. وهنا لابد من إدراك أن الأفراد يمثلون الأجزاء التي يتكون منها الهيكل العام لبناء المجتمع، أم العلاقات فهي المفاهيم التي تجعل هذه الأجزاء متماسكة. وبقدر ما تكون هذه الأجزاء متماسكة، بقدر ما تكون العلاقات طبيعية وملائمة لغرائز الإنسان، ومتكفّلة بالحاجات الأساسيّة، عندها، يمكن أن يكون هناك مجتمع صالح وقوّي. إذن، فالعلاقات الصالحة، هي التي تأتي بالمجتمع الصالح. ونعني بالعلاقات الصالحة هنا، تلك التي تقوم بين الأفراد، جاعلة منهم كتلة واحدة لا يمكن أن تتسرب إليها التجزئة أو يعتريها الانفصال أو التمزّق. وهنا لابد من التذكير بأن أي تصدع يصيب هذه العلاقات، سيؤثر في نفوس الأفراد، وبالتالي تتعثر حياتهم، مما يسبب في النهاية فقدان ذلك التماسك، وانفراط ذلك العقد المنتظم، والقضاء على الوحدة، وانهدام ذلك البناء، وتحوّل المجتمع الصالح إلى مجتمع متفسخ منحل، وبالتالي يغدو مجتمعاً فاسداً.

        ومما يؤسف له، أن "الآخر" الغربي، والمتمثل في مراحل عدّة "بالاستعمار"، قد أدرك أن المجتمع الإسلامي، عندما كانت تحكمه الشريعة الإسلامية في جميع مجالات حياته، وتسوده الأعراف والعادات والتقاليد الإسلاميّة، وهي المقوّمات الأساسية لبناء المجتمع الصالح، فكان المسلمون كالجسد الواحد لشدّة تمسكهم بالإسلام وتماسكهم فيما بينهم (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ..) [الصف: 4] "مثل المؤمنين في توادّهم وتعاضدهم (وتراحمهم) كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [حديث شريف]، أدرك هذا الآخر، أنه طالما بقي المسلمون على هذه الشاكلة، فإنّ أحداً لا يستطيع المساس بهم، وطالما أنهم متماسكون ومتعاونون ومتّحدون، وغير مجزأين، فإنّ قهرهم يغدو مستحيلاً، مهما عظمت قوّة السلاح أو القهر.

        وحتى يتسنى لهذا "الآخر" ما يريد، فقد ركّز على وسائل هدم بناء المجتمع الإسلامي، عن طريق إفساد العلاقات بين الأجزاء وحل الروابط بينها، وإزالة التعاليم الإسلامية من نفوس المسلمين، ليعودوا متفرقين متشتتين، وبذلك يسهل الاستيلاء عليهم. هذا مع التأكيد على الفهم الإسلامي السامي لمعنى "الدولة" وأركانها، وبالتالي معنى التماسك بين أطراف الوحدات السياسية بمجملها، مع الأخذ بعين الاعتبار، أن المسلمين قد أخذوا بمقاصد الشريعة، وبيّنوا أنهم، في التزامهم بها، إنما يطبّقون ما ورد في التعاليم السماويّة على أعلى مستويات الالتزام والمسؤولية. وأن  كل الدراسات العلميّة التي ساقها وقام بها الأوروبيّون، قد أكّدت أن أحدث المواثيق والإعلانات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية الداعية إلى المساواة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وحماية حقوق الإنسان، وضمان المشاركة السياسية، وبناء التنمية السياسية، هي عاجزة، إلى حد كبير، عن مجاراة مقاصد الشريعة الإسلامية. بل وأن بعضهم قد انكفأ على نفسه قارئاً للفكر السياسي الإسلامي، ومستعرضاً لمبادئ الاقتصاد الإسلامي، ومذاكراً لقيم الدين الإسلامي الناظمة للحياة الإنسانية.

        كما حرص هؤلاء المفكرون على البحث والتنقيب في الرؤية الإسلامية لمعنى الوحدة ومحاربتها للتجزئة والتشرذم ومشاريع الانفصال. (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: 103-105]. وقد أشار المعتدلون منهم إلى أن ما ورد في الآيات القرآنية الكريمة، وفي السنّة النبويّة الشريفة، قد مثّل منهجاً متكاملاً للمعنى الاجتماعي لفكرة الوحدة السياسية بمعنى "الدولة"، وأن قيامها على النسق الإسلامي، إنما هو مؤشر على أن "الدولة"، في المعطى الإسلامي، إنما تقوم على مفهوم كونها كياناً اجتماعياً اقتصادياً، سياسياً، قانونياً، يرتكز، أوّل ما يرتكز، على الوحدة والتماسك، ونبذ الفُرْقة، ومحاربة الانقسام. وقد قال سيد البشر "من فارق الجماعة شبراً فقد خلع رِبقَة الإسلام من عنقه".

من كل ما سبق يتبيّن أن الإسلام هو دين الوحدة والألفة والمودة والاجتماع والتكاتف، ويكفي ذلك دليلاً، أن الإسلام دين أساسه كلمة "التوحيد".

عوامل التشتت والتفارق:

        ليس من الغريب أن يصف البعض الحديث عن "الوحدة الإسلامية" في حاضرنا المعاصر، بأنه نوع من المثاليّة، وضرب من الخيال، وذلك نظراً لما آل إليه المسلمون من التفرّق والاختلاف، حتى أصبحوا طرائق قِدَدا، الأمر الذي يجعل إعادة التلاقي، شيئاً مستبعداً، وإعادة اللحمة، قضية عسيرة، إن لم تكن مستحيلة. وفي الحقيقة أن مجموعة من الفقهاء والمخلصين، قد أحسّوا بفداحة المنزلق الذي انحدرنا فيه، فنذروا أنفسهم للتقريب بين المذاهب والفِرق الإسلامية، وسعوا جهدهم لردم الهوّة المصطنعة، وتضميد الجراح، وقد انطلقوا في جهدهم هذا من الإحساس بالمسؤولية، والشعور بالتكليف الشرعي، والحرص على وحدة الصف.

وإن مثل هذا السعي، إذا ما أُريد له النجاح، لابد من أن يقوم أولاً، على دراسة وافية لعوامل التفرقة وأسس الاختلاف، وذلك حتى يمكن رسم الطريق المؤدية إلى العلاج الناجع، وبالتالي إزالة تلك العوامل والتغلب على تلك المصاعب، وتحصين المجتمع الإسلامي ضدها، واستبدالها بدواعي الاتحاد والألفة، ويمكن تقسيم هذه العوامل إلى قسمين:

أولاً: عوامل داخلية، وتتمثل في النوازع البشرية المختلفة من قِبَلِ حب الرئاسة، والتسلّط، وحب الذات، ولو على حساب حقوق الآخرين، مما يدفع إلى الظلم والجور، والإقبال على الدنيا بما يتجاوز الحدود الطبيعية. وعن هذه الأمور تصدر نوازع الصراع والضغائن والأحقاد، وربما قادت إلى التحدي والطغيان وسفك الدماء، وسحق الحريات، وما إلى ذلك من تجاوزات تفتت المجتمع وتشتت الأمة، كما أن الجهل يشكل عاملاً مهماً في بث الفُرْقة.

وفي الواقع أنه ليس هناك مجتمع بشري، قد خلا من هذه الآفات. ولذلك فقد كان أحد الأهداف الهامّة للدين الإسلامي، بل وجميع الشرائع السماويّة، معالجة هذه النزعات البشرية والقضاء عليها، وذلك من خلال البرامج التربوية والقوانين الشرعيّة.

وإذا ما التفتنا إلى نظام العبادات في الإسلام، لوجدنا أن الإسلام قد هدف إلى معالجة هذه الشائنات، وذلك عندما دعا إلى تربية الإنسان على العبوديّة لله، والطاعة المطلقة له، وتحريره من قيود الشهوات الحيوانية، والنوازع النفسانيّة.

كما أن المُدارسات الأخلاقية قد تكفّلت بمعالجة هذا الجانب، فوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على سبيل المثال، في حقيقتها هي تشكيل حالة من التكافل الاجتماعي للوقاية من تلك الأمراض. أما نظام "الحدود" و"التعزيرات" فإنها أيضاً، قد شُرّعت لذات الغرض.

ومن هذه العقبات والعوامل أيضاً العادات والتقاليد، وخطورة هذه العقبة، أننا لو أردنا تجاوزها، للقينا أن هناك من يدافع عنها، ويقف في وجهنا، وحتى يمكن مقارعتها، لابد أن نكون صلبي الإيمان، وأن لا تأخذنا في الحق لومة لائم.

إضافة إلى ذلك، فإن هناك عقبة المتاجرة بالدين، التي قد تُتّخذ وسيلة للتفريق على أسس مختلفة، وبأساليب متعددة. ولعلّ خطورة هذه العقبة، أن القائمين عليها يستخدمون الدين ومكوناته ومظاهره في سبيل حماية أنفسهم، خاصة وأنهم يلعبون على حبال عواطف الناس، وميل العامّة إلى التديّن الفطري.

وإلى جانب ذلك تقوم عقبة أخرى نجدها في الاختلافات الجزئية الهامشيّة، التي يحاول البعض إثارتها، كالتفريق بين مراجع التقليد، والتعصّب لعالمٍ دون آخر، متعامين عن حقيقة كبرى، وهي أن الإسلام هو الأصل، وأن التقليد إنما هو طريق إلى الإسلام، فنحن قد عرفنا الله جلّ وعلا أولاً، ومن ثمّ عرفنا رسوله وولاة أمره، وقادة شريعتنا، وبذلك عرفنا ديننا، ومن خلال معرفتنا به استطعنا أن نقيّم الرجال، فعرفناهم بالحق الذي عرفناه.

أما إذا ما عكسنا الأمر، فعرفنا الحق بالرجال، فإننا سنكون قد سلكنا طريق الضلال والتفرقة، فالحق هو الأصل، وهو المقياس، ونحن نستطيع أن نعرف مدى صلاح الرجال، أو انحرافهم، بمقدار قربهم أو بعدهم عن محور الحق.

ومن المؤسف حقاً أن أمتنا الإسلامية تعاني من الخلاف والتمزق بين المؤمنين، حتى على أعلى المستويات، بل أن عدم توفر الوحدة والتعاون على المستوى الأول، هو الذي يسبب الخلافات والصراعات على المستوى الثاني. فحينما لا تستطيع الجهات الفاعلة والقيادة، مع ما يفترض فيها من وعي وإخلاص، أن تتعاون وتتحد، فسوف لن تنعم الجماهير والمجتمعات المتديّنة بأجواء الوحدة والانسجام، لانعكاس اختلاف القيادات على أوضاع القاعدة والأتباع.

إن هناك رؤية جوهرها أن الخلافات الفكرية والمذهبية على مستوى المعتقد، وعلى مستوى المنهج الفقهي والأصولي، تشكل عاملاً أساسياً من عوامل التشتت والافتراق، وسداً منيعاً أمام كل مساعي الوحدة والتقارب بين المذاهب الإسلامية. ولهذا السبب كرّس أصحاب هذه الرؤية كل جهودهم في مجال معالجة هذه الخلافات، فراحوا يبحثون، تارة عن نقاط الالتقاء، وتارة أخرى عن الطرق التي ربما توصل إلى تقريب وجهات النظر في مسائل الخلاف. ولعلّ البعض قد حقق نجاحاً ملموساً في هذا المعنى، إلا أنه بقي محصوراً في حدود دائرة ضيّقة، ولم تحل المشاكل جذرياً.

وكما أن الاختلافات الفكرية لا تشكل عاملاً من عوامل الافتراق بقدر ما هي أداة تستخدم في إثارة النزاعات، فإنها تُستغل من قبل دعاة الفُرْقة والتجزئة، وتشكل أرضية خصبة لنشاطهم.

إن الناظر إلى الساحة الإسلامية يجد أن هناك ثلاثة أنواع من الخلاف الفكري: النوع الأوّل: الخلاف بين المسلمين وغيرهم ممن لا يعتنقون الدين الإسلامي من اللادينيين والمشركين، أو أهل الكتاب. ومما لا شكل فيه، أن هذه الدائرة من الخلافات يمكن أن تؤخذ نموذجاً لدراسة الأساس الذي رسمه الإسلام في كيفية التعامل مع الخلافات الفكرية بشكل عام. ففي دائرة الخلاف مع اللادينيين والمشركين، فإن الإسلام لم يقطع حبل الوصال معهم، إنما خاطب عقولهم باعتبار أنه القدر المشترك بين كل البشر، وتابع الحوار الفكري معهم، ما دام ذلك ممكناً. (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل: 125].

لم ينكر الإسلام على الناس الشك في شيء، إذا كان ذلك في طريق طلب الحقيقة، وفي سبيل الوصول إلى اليقين، وإنما أنكر على المشككين الذين يرفضون الحقيقة دون حجّة ولا بيّنة، وإنما يدفعهم إلى ذلك حالة العناد والتقليد الأعمى. وفي سبيل مقابلة ذلك، دعا المنهج القرآني في طرح الحقيقة، إلى التدبر في الآيات الكونية، والتأمل بالنفس، وإعمال العقول.

أما في التعامل مع الخلاف مع أهل الكتاب، فقد أخذ المنهج القرآني بعين الاعتبار، سعة دائرة المشتركات، فهم ابتداء يؤمنون بالله، ويصدقون باليوم الآخر، ولديهم قناعة، وإن حاولوا  إخفاءها أحياناً، بوجود الرسالات السماوية، ولذلك فقد جاء الحوار معهم على أساس المُسلّمات المشتركة، (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [العنكبوت: 46]  (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران:64].

النوع الثالث: الخلاف الفكري بين المسلمين أنفسهم: إن هناك أصولاً مشتركة بين جميع المسلمين، وهي الإيمان بالله وتوحيده، والإيمان بنبوة الرسول محمد –صلى الله عليه وسلم- وبالقرآن الكريم كتاب الله المنزّل، وبالقضاء والقدر، وباليوم الآخر. ويجتمع المسلمون على أن القرآن الكريم والسنّة النبوية هما المصدران الرئيسان لمعرفة أحكام الشريعة والمعارف الإسلامية، ومع ذلك فهناك الكثير من الخلافات ترجع، في مجملها، إلى كيفية فهم الكتاب والسُنّة أحياناً، وإلى الطرق التي تثبت بها السنّة النبويّة الشريفة أحياناً أخرى، إلا أنها لا تمس الأصول الأساسية للشريفة، وإنما هي خلافات فكرية داخل إطار تلك الأصول تمليها طبيعة تعدد وجهات النظر والآراء، وتفاوت درجات الإدراك والفهم، وهو بالتالي أمر لابد منه في الجملة.

ومن المسلّم به، أن هناك بعض الظروف التي قد تلعب دوراً في تعميق هذه الخلافات وتطويرها، الأمر الذي يخلق أرضيّة مناسبة لاستغلالها من قِبَل أعداء الإسلام. ومن هذه الظروف:

  1. التأثر بالأجواء الاجتماعية الموروثة أو الدخيلة على المجتمع الإسلامي، والتي تطبع الفكر بطابع خاص، وتجعله أسيراً لنهج فكري معيّن، يقوده إلى الوقوع في انحرافات أو سلوك اتجاه قد يجانب الحقيقة.
  2. التأثر بذوي النفوذ السياسي أو المكانة الاجتماعية، الذي يجرّ عادة إلى اتّباع منهجهم الفكري، والابتعاد عن المناهج الأخرى، حتى لو كانت هي الراشدة.
  3. الميول والمصالح السياسية والاقتصادية التي لها تأثيرها الكبير في تبني نوع خاص من الرؤية بما يتناسب مع تلك الميول، وقد تدفع أحياناً إلى تشجيع الوضّاعين والدساسين الذين يتاجرون بالدين، لمآرب شخصيّة، فيقومون بوضع الحديث، أو اختلاق تفسير وتأويل خاص يخدم تلك المصالح، الأمر الذي يؤدي إلى اختلاط الحق على الناس، ونشوء تعدد في النظريات والآراء، ربما تؤدي إلى ولادة فِرْقة أو مذهب.
  4. نشاط أعداء الإسلام في زعزعة أركان الدين الإسلامي وتشويه حقيقته، وذلك عبر أساليب كثيرة كإثارة الشبهات والتشكيكات، وإدخال بعض الأفكار الغريبة، بطريق أو بآخر، وقد يلجأ البعض، أحياناً، إلى عملية الوضع بالاتجاه الذي يخدم أهواءهم، وبالتالي، إثارة الفتن والفُرْقة والتجزئة بين صفوف المسلمين.

أما العقبة الأخرى فتتمثل في الأنانيّات والذاتيّات والعصبيّات، التي هي ليس من الإسلام في شيء، وهذه من أخطر الأمراض التي تهدد سلامة الأمّة، وسلامة كيانها واكتمالها.

ثانياً: العوامل الخارجيّة، ويقصد بها العوامل الدخيلة على المجتمع الإسلامي، والتي تستهدف تجزئة هذا المجتمع، وتحطيم الأواصر، وتعظيم الخلافات، وبث الفُرْقة، وإثارة النزاعات والحروب لإضعاف المجتمع والسيطرة عليه، أو تشويه الإسلام، والحيلولة دون انتشاره أو اتساع رقعته. ومن الملاحظ أن المستفيدين والمخططين للإساءة للإسلام وللوحدة الإسلامية، قد أفادوا كثيراً من العوامل الداخلية، وعملوا على تنميتها واستغلالها كأدوات فعّالة لخدمة مآربهم.

ومن أشد الأدوات فتكاً، تلك التي تعمل بوحي الأعداء دون أن تدري، بل ربّما تصوّرت نفسها تخدم الدين، وتحرص على مصالح المسلمين.

خطوات العلاج:

إن تعدد الآراء واختلاف وجهات النظر بين العلماء والمفكرين لا تشكل حالة مرضية، وإنما هي دليل حياة، ودليل قوّة حركة العقل والفكر، وبالرغم من هذه الحقيقة، فإنه، للأسف، غالباً ما يشيع بين كثير من الناس اعتقاد بأن اختلاف وجهات النظر هو السبب الكامن وراء الفُرْقة والتجزئة والتشتت. كما أنهم ذهبوا إلى الاعتقاد بأن هذا الاختلاف هو ظاهرة غير صحيّة على الرغم من أن فعل العقل يقتضي التناظر أحياناً. ولعل دليلنا على ذلك أنه ربما يقع اختلاف بين علماء الفريق الواحد، لا يقل عن اختلاف الآراء بين الفِرَق المتعددة. وهنا علينا أن نُدرك أن عوامل الافتراق والتشتت، إنما تكمن في الأدوات التي تستخدم، وبالتالي فإنه يمكن أن ينطلق العلاج على أساس القضاء على ا لعوامل وصيانة الأدوات، وعدم السماح للآخرين باستغلالها.

ومن خطوات العلاج:

أولاً: عدم تركيز الجهود التقريبيّة على أساس تقريب وجهات النظر. وعدم تعليق كل الآمال على النجاح في هذا الجانب، وإن كانت عملية التقريب بين وجهات النظر والتقليل من الاختلافات الفكرية مطلوبة في حد ذاتها.

ثانياً: إدراك أنه طالما أن الإسلام واحد والحقيقة واحدة، فإن الاختلافات إنما تكون ناتجة عن طريقة الفهم، التي هي وليدة تصور الفكر البشري.

ثالثاً: يجب أن لا تنتظر الخطوات العملية لوحدة المسلمين نتائج الحوارات الفكرية وأن لا تتوقف عندها، بل يجب أن نعظّم قاعدة المشتركات التي قام عليها الإسلام.

رابعاً: لابد أن تكون قراءة كل فريق لغيره من الفرقاء قائمة على استهداف البحث عن الحقيقة والواقع، لا أن تكون بعين الباحث عن العيوب وتصيّد الهفوات، والتسلل من خلال الثغرات.

خامساً: الرجوع إلى العلماء والمفكرين مباشرة، وعدم الركون إلى ما ينقل عنهم، إذ ربما يكون ذلك تشويهاً مقصوداً لإثارة الفتن والخلافات.

سادساً: التفريق بين الرؤية والرأي، إذ أن ورود الرؤية في كتب قوم، لا يدل بالضرورة على أنهم يفتنون بمضمونها، أو يعتقدون بصحتها المطلقة، إذ أنهم ربما يتركون أمر الدراسة والتحليل إلى مجالات أخرى، والنتيجة أنه لا تلازم بين الرؤية وبين الاعتقاد.

سابعاً: يجب عدم فهم رأي أحد العلماء، على أنه رأي الطائفة أو المذهب، وإن كان منتسباً إليهما. فكثيراً ما ينفرد شخص برأي خاص في مسألة من المسائل أو فرع من الفروع، بينما يكون رأي الجماعة على خلافه، وهذا ما ينقذنا من التعميم المضر والمثير للفتن.

ثامناً: يفترض بالباحث أن يعتمد الأسلوب العلمي في البحث، وأن يتجنب المغالطات أو الدخول في نزاعات مفتعلة. فعلى سبيل المثال، ربما تكون قاعدة أصولية مقبولة عند شخص، وغير مقبولة عند آخر. أو أن تصح رواية بحسب قواعد هذا الفريق ولا تصح على قواعد الفريق الآخر.

تاسعاً: الحرص من آفة نقل الخلافات في دائرة ما إلى دوائر أوسع، وعليه لابد من حصر الخلافات في دوائرها الضيّقة.

عاشراً: إزالة الحاجز النفسي المصطنع الذي وضعه أعداء الإسلام بين اتباع الفرق والمذاهب المختلفة، وهذا الأمر يقود إلى إدراك الصورة الحقيقية والرؤية الصحيحة، وذلك لأن البعد والجفاء يتركان أسوأ الأثر على النفوس، وبالتالي يصل إلى العقول وهنا تكمن الطامّة الكبرى.

حادي عشر: ضرورة انفتاح المجاميع العلمية والمعاهد الإسلامية على بعضها البعض، وإقامة الندوات المشتركة، وإطلاق الحوارات العلمية بين جميع الأطراف، وفسح المجال أمام الأطراف للإطلاع على أفكارها ومناولاتها ودراساتها وأبحاثها، والابتعاد كلية عن التعصّب الأعمى، وافتراض الصحة في الذات وابتعادها عن الآخر، لذلك يجب عدم إغلاق أبواب التلاقي بين الأطراف.

ثاني عشر: العمل على الانعتاق من قيود ثقافة العصور الوسطى الأوروبية التي عانت كثيراً من نظرية فصل الدين عن الدولة، وإدراك أن مقاصد الشريعة الإسلامية لم تتناقض في يوم من الأيام مع مقوّمات الدولة الحديثة ومكوناتها.

ثالث عشر: يجب أن يُركّز الفقهاء والعلماء، على أن السياق الموضوعي القرآني قد أكد على أن الخلاف سنّة إلهية، إلا أنه دفع نحو ضرورة حلّه والذهاب نحو الوحدة، ودعوة الناس إلى تصحيح مفهوم "أن القرآن حمّال أوجه" بأنها محصورة في المتشابه فقط. وعلى ذلك يمكننا القول أن التشريع الإلهي هو ذو طبيعة تشريعية مرنة؛ لأنه يضع القواعد الكلية السنيّة المجردة الثابتة، وأن الإسلام يأمر بالوحدة وجوباً وينهي عن الفُرْقة تحريماً. والمتتبع للآيات الكريمة يُدرك ذلك بكل سهولة.

التعليقات

حقاً كلمة رائعة و تستحق القراءة و التطبيق

محاضرة عميقة ورائعة .. وندوة ذات موضوع مهم شكرا لكم

 

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.