
الوسطية الإسلامية تنظيرا وتنزيلا
بحث مقدم بالندوة الدولية "دور الوسطية في البناء الحضاري في العالم الإسلامي"
عمان- المملكة الأردنية الهاشمية
28-29 أفريل 2014
بالتعاون بين الإيسيسكو والمنتدى العالمي للوسطية والألكسو والجامعة الأردنية
إعداد وتأليف
أ . د . نورالدين مختار الخادمي
وزير الشؤون الدينية
في حكومة السيد حمادي الجبالي وحكومة السيد علي لعريض
وأستاذ التعليم العالي بجامعة الزيتونة بتونس
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
المقدمة:
يعد موضوع الوسطية الإسلامية أحد الموضوعات المعرفية والمنهجية التي تناولتها أقلام كثيرة ولهجت بها ألسنة عدة. وكان تناولها محل تفاوت بين الباحثين في المقدار الكمي والأسلوب البياني والخلفية الموجهة والسياق المتبع. وكانت أبرز هذه التناولات ترنو إلى إبراز الإسلام في سماحته وعدله ورحمته، وإلى التعريف بإحدى مبادئه ومعانيه، وهي وسطية أحكامه ومقاصده، ووسطية أمته وكيانه، ووسطية منهجه وصراطه.
وفي مقابل ذلك، ظهرت دعاوى كثيرة تتبنى الوسطية شعارا مرفوعا وزعما ملفقا وهرجا مكررا؛ لحسابات معينة وخلفيات محددة، تتراوح بين الابتزاز السياسي والتحريف الفكري والتوظيف السلبي. وهو الأمر الذي أورث الشعور بالتلاعب بمعنى الوسطية في ضوء مبناها ومضمونها، والتعسف في استدعائها على غير محالها وخارج سياقها اللغوي والاصطلاحي وبعيدا عن مسارها الحضاري والإنساني. بل ظلت في أحيان غير قليلة بوابة للغلو وأسبابه ونافذة للعتو وأربابه، صادرة من ذوي السياسة الظالمة والفساد العريض والهيمنة الغاشمة، من أجل تصفية الخصوم وتبرئة الطغاة وتحريف الكلم عن موضعه وإهلاك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد.
والحق الذي ينبغي أن يصار إليه، رد الوسطية إلى مدركها في لغة العرب ونصوص الشرع وكلام أهل العلم، وتنزيل ذلك في سياقه وبحسبه، وفي ضوء ضوابطه وأدواته، ودون اعتساف أو إسفاف، ومن غير إفراط أو تفريط. وهو ما قصدته في هذا البحث الميسر والشرح المحرر والتحقيق المقرر، وفقا للمستطاع والميسور ودرءا للمتعذر والمعسور.
إن أحوج ما تحتاجه الوسطية ودعاتها: تحقيق معناها وتحرير محل النزاع فيها وتنزيل مفهومها على قضاياها وتفعيل أثرها في مسارها، وهو ما تمثل في أعداد كثيرة من البحوث والأنظار، وأقوال فقهاء الأمصار، بمنطوق الكلام وما حواه من الأسرار، وبالتدبر والاستقراء والاستذكار.
وما شمله هذا البحث قدر ما، يدل على بعض المقصود ويحقق بعض المطلوب. وأهم ما فيه الجمع بين التنظير المفهوم والتنزيل المعلوم وتنقيح الصحيح من الموهوم.
والمأمول من ندوتنا العامرة تحقيق ما نصبو إليه جميعا من تحصيل المفاهيم وترشيد السلوكيات وتحرير الإرادات وبناء العزائم والمؤسسات وإنتاج الخير والصالحات، بجمع ليس فيه تفريق، ونخبة مباركة من أهل التحقيق، ينشدون الحسن والجمال فيما ينتهي إليه النظر والمقال، راجين من الكريم رحمته وساعين إلى السداد بمنته، فهو سبحانه خير مسؤول وإليه يرفع الدعاء والسول. والشكر موصول للسادة القائمين على هذه الندوة القيمة والمشاركين فيها والجهات الأربع المنظمة لها، فجزاهم الله خيرا كثيرا، وسدد خطاهم، ونفع بهم في الدارين. إن سميع مجيب.
وكتبه نورالدين مختار الخادمي
بعاصمة تونس الحرة المعتدلة
صباح السبت 26 أفريل 2014/جمادى الآخرة 1435
المبحث الأول
الوسطية الإسلامية تنظيرا من نصوص الشرع وكلام العلماء
تعريف الوسطية بصورة إجمالية:
الوسطية نسبة إلى الوسط، والوسط هو الوقوف بين طرفي الإفراط والتفريط لكل شيء. كالتوسط في الكلام بين كثرته غير النافعة والإمساك عنه بالمرة، وكالإنفاق المشروع واللازم الواقع بين الإسراف والتقتير.
والوسطية كذلك نسبة إلى أمة الوسط المذكورة في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}[1]. وأمة الوسط هي أمة الإسلام التي توصف بأمة العدل والحق والاعتدال والتوازن في جميع أمورها وأحوالها.
والإسلام باعتباره دينا لأمة الإسلام ولكافة الناس، إنما يتضمن حقيقة الوسطية التي تجعله صالحا لكل الناس وشاملا لجميع الشؤون ومبينا لسائر القضايا والوقائع والنوازل.
فالوسطيةُ معنى إسلامي وصفةٌ لازمة وملازمة للشريعة الإسلامية الغراء. وهي ملحوظة في سائر أحكامها ومبادئها ومقاصدها. وملاحظتُها لا تقتصر على مجال دون آخر، بل هي سارية في العقيدة والعبادة والمعاملة والأدب. وكلُّ ذلك مستمد من وضع شريعة الإسلام بالنسبة إلى مختلف الشرائع التي شهدها وجود الإنسان وقيامه[2].
الوسطية في إطار اللغة العربية:
الوسط بالتحريك : المعتدل، يقال: شيء وسط أي بين الجيد والرديء، ويقال: وسط الشيء: ما بين طرفيه وهو منه[3].[4]
أما الوسْط بالسكون، فهو ظرف بمعنى بين، يقال: جلس وسْط القوم أي بينهم. جاء في لسان العرب: وكل موضع ذكر فيه وسط إن صلح فيه بين فهو بالتسكين، وإن لم يصلح فيه ذلك فهو بالفتح، وربما سكن وليس بالوجه[5]. ويقال: وَسَطْتُ القومَ أَسِطُهم وَسْطا وسِطَةً، أي: صرتُ وَسْطَهم[6].
الألفاظ ذات الصلة بالوسطية:
الغلو: وهو التشدد في الشيء ومجاوزة الحد فيه، ومجانبة الوسط والعدل في اتجاه الشطط والمبالغة. والصلة بينه وبين الوسط: التضاد.
الإفراط: وهو الإسراف ومجاوزة الحد، وهو ضد الوسط.
التفريط: وهو التقصير في الأمر وتضييعه، وهو ضد الوسط[7].
التشدد، والإسراف والتنطع والتعصب وغيرها من الألفاظ التي تضاد الوسطية وتعارضها.
وتوجد ألفاظ أخرى ذات صلة بالوسطية على سبيل الموافقة أو المشاركة، ومنها: الاتزان والاعتدال والعدل والاقتصاد الذي هو "الوقوف في موقف الوسط والاتزان، فلا جنوح أو شذوذ، ولا ضمور، ولا إفراط ولا تفريط[8]"
وأوسط الشيء: ما بين طرفيه. ومن وسط قومه: من خيارهم. فالرسول من أوسط قومه: أي خيارهم[9].
الوسطية في إطار نصوص القرآن الكريم:
احتفى القرآن الكريم بالوسطية من جهتين اثنتين: جهة التصريح بألفاظها ومشتقاتها، وجهة التنصيص على معانيها ودون تصريح بألفاظها، وهو ما أبينه فيما يلي:
الجهة1: الآيات المصرحة بألفاظ الوسطية:
أولا: قوله تعالى:"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا[10]".
حيث ذكرت لفظ الوسط الذي هو الخيار والعدول. وروى أبو سعيد الخذري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى الآية أن الوسط هو العدل. وبذلك جزم المحققون في تفسير هذه الآية.
وبعض لطائف هذه الآية هي:
ثانيا: قوله تعالى: قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33.
وبعض لطائف هذه الآية هي:
ثالثا: قوله تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين[15]".
وبعض لطائف هذه الآية هي:
رابعا: قوله تعالى: "فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة[17] ".
وبعض لطائف هذه الآية هي:
وعبارة من أوسط ما تطعمون تعني من أعدل ما تنفقون ومن أقومه. وهو عند بعض العلماء أدنى ما يكفي، أو التوسط في القدر أو القيمة[18]، أو غير ذلك مما يحقق المقصود من الإطعام وبحسب إمكان المنفق المكفر وقدرته.
خامسا: قوله تعالى: "فوسطن به جمعا[19]":
أي: فوسطن بركبانهن العدو، أي الجمع الذي أغاروا عليهم[20]. والمراد: الخيل التي تَغير بفرسانها على العدو؛ فتَوَسّطْنَ بركبانهن جموع الأعداء، فَفَرَّقْنها وشتَّتْنها[21]. وهو إشعار بأن الهجوم على وسط العدو إنما هو ضرب لمركز القيادة ومركز الجمع، وهو ما يفيد بأن الوسط قوة أو مركز القوة، واستهدافه إنما هم استهداف للقوة وإضعاف للعدو ومواجهة لجوره وظلمه وجبروته.
الجهة2: آيات تشير إلى معاني الوسطية:
وردت في القرآن الكريم عدة آيات كريمة تشير إلى معاني الوسطية، ومنها:
أولا: قوله تعالى: "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا[22]"
ثانيا: قوله تعالى: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا[23]"
ثالثا: قوله تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله[24]"
رابعا: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير[25]
الوسطية في إطار أدلة السنة الشريفة:
احتفىت السنة الشريفة بالوسطية من جهتين اثنتين: جهة التصريح بألفاظها ومشتقاتها، وجهة التنصيص على معانيها ودون تصريح بألفاظها، وهو ما أبينه فيما يلي:
الجهة1: بعض الأدلة السنية المصرحة بألفاظ الوسطية:
أولا: حديث "خير الأمور أواسطها[26]".
ثانيا: حديث أبي هريرة: "وسطوا الإمام وسدوا الخلل[27]". "فإن وقف الإمام في ميمنة الوسط أو في ميسرته فقد أساء لمخالفة السنة[28]".
ثالثا: حديث ابن عباس مرفوعا: "البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من حافتيه ولا تأكلوا من وسطه[29]". فالأكل من وسط القصعة مخالف للسنة، ويكره الأكل مما يلي غيره، ومن الأعلى والوسط. ويستثنى من ذلك الفاكهة ونحوها، ويعد أكل وسط الخبز وترك حواشيه من الإسراف[30].
رابعا: حديث حذيفة "أن رسول الله لعن من قعد وسط الحلقة[31]".
يحمل الحديث على المؤذي بجلوسه غيره، أو على من يجلس استهزاء كالمضحك، أو من يجلس لأخذ العلم نفاقا[32].
ورود معاني الوسطية في السنة الشريفة:
الجهة2: بعض الأدلة السنية المشيرة إلى معاني الوسطية:
وردت في السنة الشريفة عدة أدلة تشير إلى معاني الوسطية، ومنها:
أولا: أدلة التيسير والتخفيف ورفع الحرج ونفي العنت والاستطاعة والوسع ...
ثانيا: أدلة النهي عن التنطع والتشدد والتكلف...
ثالثا: أدلة العدل والعدالة والاستقامة والسماحة والتقوى وملازمة الصراط المستقيم... ومن هذا: حديث: "بعثت بالحنيفية السمحة[33]".
رابعا: أدلة اعتماد الأولى ومراعاة المآل وفعل الممكن وموازنة التصرف وغير ذلك مما روعي فيه اتباع منهج الوسط بحسبه نظرا وتطبيقا وعملا وتنزيلا[34].
الوسطية في إطار الفقه الإسلامي:
احتفى الفقه الإسلامي بالوسطية في مواضع شتى ومظان عدة، منها: تفاصيل أحكامه وجزئيات فروعه، ومنها: قواعده ونظرياته وعموم مباحثه ومقولاته. وكان للفقهاء كلام كثير في الوسطية تعريفا وتمثيلا وتأصيلا وتقعيدا وتنزيلا وتفعيلا، وكان ذلك على مستويات التدريس والإفتاء والاجتهاد والتناظر والتحاور.
ومن هذه الشواهد الموجزة:
مظاهر الوسطية في الحج جلية بارزة، منذ الإحرام وإلى الإتمام، فإنك ترى أن الحج لم يُفرض إلا مرة واحدة في العمر، فهو وسط بين عدم الفرضية أصلا وبين فرضه عدة مرات، وهذا يراعي أحوال المكلفين ، من حيث القدرة والاستطاعة .
وأباح أو ندب في الحج فيما زاد على حجة الإسلام، لمن كان قادرا ومتشوقا وراغبا في زيادة القربة والعبادة، مراعاة لإرادته ورغبته الفطرية والممكنة،
وشرع الله العمرة لمن أراد الاستزادة في الزيارة والعبادة في البقاع المقدسة، ولمن تعذر عليه الحج لظروف خاصة أو عامة، فقد جعل له البديل الذي يريحه ويرضيه ، مع رفع الإثم واللوم إذا لم يجد الحاج طريقا إلى حجه. وفي هذا مراعاة لأحوال كثير من المكلفين.
وفي الحج يقوم الحاج بمناسكه وعباداته، ولكن دون أن يغفل عن حقوق جسده ونفسه، وفي هذا مراعاة لمطالب الإنسان المجتمعة، مطالب روحه وجسده.
وفي الحج يقوم الحاج بحق نفسه وحق أسرته وحق مجتمعه، بتوازن ملحوظ وتلائم منضبط ومتناسق، وهذا يراعي الوسطية والتوازن بين هذه المطالب المختلفة، ويراعي العدالة بينها، هذه العدالة التي تُعد من مظاهر الوسطية ومعانيها.
وفي الحج يدعو الإنسان بما يصلح حاله في الدنيا وبما يصلح حاله في الآخرة، فلا يقتصر على نمط واحد من الدعاء، ولا يكتفي بدعاء على حساب دعاء، فهو يدعو بما يكون له صلاحا في الدنيا والآخرة، وفي العاجل والآجل. وفي هذا مراعاة لحال الإنسان الذي يرغب دائما أو غالبا في الجمع بين مصالح الدارين. فمزاولة الدعاء والعمل العبادي في الحج بهذا الشمول يستجيب للوسطية ويساير الفطرة.
وفي الحج تباح المعاملات والتجارات والصنائع والزيارات، فضلا عن أداء العبادات وفعل القربات، وهذا لا ينافي حقيقة الحج، ولا يعارض أحكام الشرع، ولا يأتي على خلاف مطلوب الإنسان التائق إلى مزاولة رغباته المشروعة، وفي هذا من اعتبار التوسط ما لا يخفى.
فالوسطية معنى إسلامي ظاهر وجلي في شعيرة الحج، كما هو ظاهر وجلي في غير الحج من شعائر الإسلام وأحكامه وتعاليمه، وهذا كله يقرر هذا المعنى كحقيقة كلية جامعة، تبرز فيها صلاحية الإسلام وشموله وواقعيته، وتظهر فيها رحمة الله وفضله وعفوه، وتنتج عنه آثار الخير والمنافع وأنواع الإنتاجات المفيدة في مجال الفكر والمادة، وفي حاجيات الجسد والروح. وهذا هو الذي أسميناه بأثر الوسطية في البناء الحضاري وفي العمران البشري، إذ يُبنى هذا الإعمال على إرادة الإنسان وجهده وفعله المتوازن والمعتدل والدائم، وهذا كله يتحقق بضمانة مهمة، هي مراعاة التوسط والفطرة والجبلة الإنسانية، وهي كذلك اعتبار الزمان المتاح والمكان المناسب والحال الملائم، وكذلك مراعاة القدرات والإمكانيات ، والتكيف مع الواقع دون انحراف أو افتتان أو زيغ عن صراط الله المستقيم.
وكم حري بالحاج المسلم أن يظهر معالم هذه الوسطية أثناء حجه، وبعد عودته، بإظهار صفاء فكره وسماحة فعله واعتدال سلوكه وحسن محاورته وحكمة دعوته وسلامة قصده وعدل قوله، وكم حري بالمتابع لمناسبة الحج أن يكون في معنى الحاج من حيث استحضار هذه الوسطية وإعمال أحكامها وآدابها ومتطلباتها، حتى ننهض جميعا بإبراز وسطية شرعنا في جميع أحوالنا، لاسيما في الساعة الحالية التي نُسب إلى الإسلام فيها ما يجعل البعض من الناس يظنون أو يتوهمون أن الإسلام مجاف للوسطية وموقع في إحدى طرفيها، إفراطا أو تفريطا. والحق أن هذا الظن أو الوهم إنما هو حكم تسرع فيه أصحابه وبنوه على أوهام متحيلة، أو وقائع مصطنعة، أو شواهد لا ينبغي أن تنسب إلى الإسلام ، وإنما يقتضي المنطق أن تنسب إلى أصحابها الفاعلين ، فالإسلام لا يُعرف بأفعال الناس، وإنما يعرف بمصادره ومراجعه وحقائقه ومعلوماته. ومن هذه الحقائق الكلية والمعلومات البدهية، كونه دين الوسط والاعتدال بانضباط معلوم وانتهاج قويم لا مدخل للأهواء فيه.
الوسطية في إطار علوم الشريعة:
علوم الشريعة هي مجموع المعارف العلمية المستخرجة من الشريعة بطريق الاستخلاص والاستقراء والجمع والتحقيق والتأليف والتدقيق. وهي علوم نقل وعقل، أو علوم وسائل ومقاصد، أو علوم أصول وفروع وكليات وجزئيات وثوابت ومتغيرات. وليس يعني كثيرا في هذا السياق تعدد الإطلاقات والاستعمالات، بل الذي يعنيا بصفة أوكد وأدق مضامين العلوم وأثرها وارتباطها بغيرها، وفي موضوعنا المتعلق بالوسطية يتعين إبراز الوسطية في هذه العلوم بصورة واضحة، ولكن بمنهجية إجمالية تقتصر على بيان تجليات الوسطية في هذه العلوم أو في بعضها.
الوسطية في أصول الفقه:
وتبرز بعض شواهدها في منهج الجمع بين الطرق التأليف الأصولي والتوسط بين الإجمال والتفصيل والتنظير والتمثيل... الجمع بين النصوص والمقاصد والظاهر والمبنى والمعنى والأصل والاستثناء والعزيمة والرخصة والاختيار والاضطرار ...
الوسطية في مقاصد الشريعة:
وتبرز بعض شواهدها في مراعاة المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية وملازمة الفطرة بجلب المصلحة ودرء المفسدة والجمع بين الوسائل والمقاصد وتقرير الاستطاعة ومنع العنت والشدة وترجيح الأولى وتغليب الأقوى ودرء الأنكى، والجمع بين قصد الشارع وصد المكلف، وبين القصد والعمل، وبين الحال والمآل...
الوسطية في القواعد الفقهية:
وتبرز بعض شواهدها في تقرير القواعد التي تنص على التزام الوسط واشتقاقاته كالعدل والاتزان والاعتدال، والقواعد التي تنص على التيسير والتخفيف ورفع الحرج والمنع التضييق والإعنات، والقواعد التي تنص على تحكيم العادة والعرف ومراعاة الحال والمآل وفعل الممكن والميسور وترك المعجوز عنه والمعسور، وغير ذلك مما يضبط فعل الوسط وأداؤه وفقا لأوضاع ذلك وسياقاته وملابساته.
الوسطية في سائر العلوم الشرعية:
وهو ما يمكن أن يشكل مجالا بحثيا مهما، تبرز فيه الشواهد المحققة والمحررة على جريان الوسطية فيها واطرادها في مسائلها ومفرداتها وتمثلاتها، وعلى كونها حقيقة مركوزة في هذه العلوم بناء على كونها مركوزة في الشريعة ذاتها نصوصا وأحكاما وسياقات ومنهجا جامعا لكل ما يحويه ويتضمنه.
المبحث الثاني
الوسطية تنزيلا على واقع الناس:
الوسطية باعتبارها حكما شرعيا أو مبدأ إسلاميا أو مقصدا شرعيا أو قيمة معرفية ومعنى علميا، أو باعتبارها مرادا إلهيا ومنهجا نبويا واستصحابا سلفيا وخلفيا وسمتا دعويا وخطابيا وأداء عمليا وسلوكيا، فالوسطية بكل اعتباراتها تظل أمرا فاقدا لمعقوله ومقصوده إذا لم يجر في الواقع ويتنزل في مجالات الحياة المختلفة. وإذا لم يؤخذ بعين الاعتبار متطلبات ذلك كله، كالأخذ بعين الاعتبار طبيعة الواقع وظروف الناس ومشكلات الحياة وتحدياتها وصعوباتها، وكالأخذ بعين الاعتبار بالوعي الدقيق بالمعطيات الإحصائية والحاجيات المختلفة والإمكانيات الموجودة والقدرات المتاحة؛ من أجل إحكام تنزيل الوسطية وتطبيقها بما يحقق مقاصدها ويستجيب لشروطها وضوابطها.
ولتنزيل الوسطية على الواقع الإنساني مستويات عدة، يتفاوت الباحثون في طرحها وبيانها؛ لاختلاف أنظارهم وظروفهم، وهذا الاختلاف ينصب في الجوانب الإجرائية والمنهجية، وليس ينصب بالضرورة في الجوانب المضمونية والجوهرية، ولذلك أرى أن أتناول هذا التنزيل من حيث مستوى مرتبط بالعقلية والنفسية والبيئية من جهة أولى، ومستوى مرتبط بالمجالات أو المسارات أو المقامات التي تتنزل فيها الوسطية وتظهر. وهو ما أبينه في الإجمال التالي:
مستوى الأبعاد العقلية والنفسية والبيئية في تنزيل الوسطية على واقع الناس:
المستوى الأول: البعد العقلي في تنزيل الوسطية على واقع الناس:
والمراد بهذا المستوى: بناء العقلية المعرفية المستوعبة للوسطية في حقيقتها العلمية الدقيقة والكاملة، من خلال مدركاتها الشرعية النصية والمقاصدية واللغوية والحكمية والأصولية والفرعية والكلية والجزئية والسياقية والحضارية، ومن خلال منهجها الموضوعي وما يرتبط بذلك من حسن الترتيب والتبويب والاستقراء والاستخلاص والتحقيق والتوثيق والتحرير والتنقيح...
ومعلوم أن بناء العقلية أولى من بناء الشكلية أو المظهرية، فالعقلية بناء مرصوص يحقق منتوجه بما يعبر عن المعرفة في شمولها وعمقها وتكاملها، وليس يعبر عن ظواهر وجزئيات منها، وبطريق لا ينتج معنى موضوعيا واضحا ولا يحققا نفعا كثيرا جليا.
وبناء العقلية المعرفية في الوسطية يكمن في تشبع العقل بمجموع مادة الوسطية ومحتواها الشرعي بمدركاتها المتنوعة في الشرع، ومن ذلك:
المستوى الثاني: البعد النفسي في تنزيل الوسطية على واقع الناس:
والمراد بهذا المستوى: بناء النفسية الإرادية في تنزيل الوسطية على واقع الناس، والنفسية هي صفة النفس وما تكون عليه من الإرادة والعزيمة ومن التزكية لقلبها وباطنها والتنمية لمواهبها وملكاتها. والأصل الجامع لهذا كله قاعدة الإرادة الباعثة على مناشدة الكمال والتطلع إليه بفعل ما يحققه أو يقترب منه وفقا للمكن ومراعاة للحال وبذلا للوسع ودواما للمراجعة والمذاكرة. وقد قال الله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"[37]. وقوله تعالى: "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت[38]":
وينطبق الإصلاح هنا على الوسطية فكرا وتطبيقا، وإصلاحها بذلك إنما هو ضرب من ضروب الإصلاح المطلوب في الآية، والواقع بين أمرين مهمين أو شرطين لازمين، هما: الإرادة وهي العزم على إصلاح مفهوم الوسطية ومجالاتها وبيئاتها وغير ذلك، والاستطاعة وهي فعل ما أمكن في القيام بهذا الإصلاح.
ويمكننا أن نطلق على هذا الإصلاح الواقع بشرطيه، الإصلاح الوسطي الذي هو الإصلاح المعتدل والمتوازن الخالي من الشذوذ والتشديد والاعوجاج، والجاري على ميزان الحق والعدل والفطرة والسماحة. وما يزيد تأكيد هذا المعنى أن الإصلاح ورد وسطا بين عبارة "إن أريد" وعبارة "ما استطعت". وهو توسط في الكلام والمبنى فيدل على التوسط في الحكم والمعنى.
ومعلم أن النفوس التي لم تتهيأ لتمثل الوسطية في مقامات ذواتها وملكات عقولها ومستقر فطرها، لا يمكنها أن تستدعي تلك الوسطية في احوال وجودها ومشكلات حياتها ومفاصل حضاراتها وشهودها. فهل من مدكر؟
المستوى الثالث: البعد البيئي في تنزيل الوسطية على واقع الناس:
والمراد بهذا المستوى: إعداد البيئة الأسرية والاجتماعية والإنسانية والوطنية والدولية والتعليمية والإعلامية والمسجدية والتربوية؛ من أجل إشاعة الروح الوسطية والثقافة العامة والموسعة بلزوم التوسط والاعتدال والتوازن في كافة مجالات الحياة وعلى صعيد جميع المؤسسات والفعاليات والمسارات.
ومن ذلك إشاعة مناخ الحريات والعدالة الاجتماعية والعدل في الحكم والإدارة والثروة ومنع الظلم والجبروت والبغي ومواجهة الاحتلال الأجنبي والهيمنة الدولية على مدخرات الأوطان وقدرات الشعوب ومقدرات الأمم والخصوصيات وتحرير الإرادات وتقرير القيم التداول السلمي والرضائي على مواقع الحياة ومناصب السياسة ومراتب الوظيفة والعمارة والتنمية، ودرء الفتن والحيل والمكائد والمصائد وإقامة الاجتماع الاجتماع الإنساني والعمران البشري على قاعدة التعارف والتعاون والتآلف، وليس على مدافع القتل ومصادر الرعب ومسارح التعدي والتحريض والتقسيم والتمزيق.
مقامات تنزيل الوسطية على واقع الناس:
الوسطيةُ الإسلامية المدعوُّ إليها إنما هي الأعمال الشرعية التي تعبر عن معنى الوسطية الإسلامية بوجه عام، وسواء كانت هذه الأعمال شاملة لمجال الإفتاء والاجتهاد، أم شاملةً لمجال التفقيه والتعليم والتوجيه، أم كانت شاملةً لمجال التأليف والتحقيق والتدوين والتنظير، أم كانت شاملةً لأي مجال آخر من مجالات الفقهي الإسلامي المعاصر في العصر الحالي.
وينبغي على العاملين في الحقل الإسلامي أن يُجروا هذه الوسطيةَ الإسلامية على سائر صعد الحياة ومستويات النشاط، حتى لا نُصابَ بأي خلل أو عجز أو فشل – لا سمح الله- في عملنا الفقهي ونشاطنا الشرعي.
تنزيل الوسطية على مجال العقيدة الإسلامية:
يتمثل ذلك في أمرين:
الأمر الأول: تقرير وسطية العقيدة الإسلامية من حيث كونها تثبت وحدانية الله تعالى وتنفي طرفي الإلحاد والتعدد، وتقرر الإيمان بالغيب من حيث كونه وسطا بين إلغاء الغيب وإلغاء الشهادة، وهو ما يعبر عنه بالجمع بين الدارين والمصلحتين، كما تقرر الجمع بين نظر العقل وتلقي النقل، ومطالب الجسد والروح والفرد والجماعة والإيمان والعمل الصالح... وهذا كله متقرر ومبين ومحقق في دراسات العقيدة الإسلامية وتنزل معنى الوسط والعدل فيها.
الأمر الثاني: تقرير وسطية الاتجاهات والمذاهب الإسلامية في العقيدة، من حيث الفهم والتأويل والتنزيل والاستدعاء في تحديد المواقف والرؤى من الكون والحياة والإنسان. وهو الأمر الذي عرف في مجمل هذه الاتجاهات والمذاهب باتجاهي المحدثين والمتكلمين، حيث مثل اتجاه المحدثين مذهبا يكون من أبرز سماته الأخذ بظواهر النصوص الشرعية العقدية وترك التأويل المتعلق بالصفات الإلهية خصوصا وعدم القول بالمجاز في القرآن في الغالب مع لزوم تدقيق ذلك واستقصاء مواضعه ومظانه.
أما اتجاه المتكلمين فقد مثل مذهبا تأويليا وتفسيريا لنصوص العقيدة ومدركاتها، بما يلتفت فيها إلى ما وراء ألفاظها ومبانيها من المعاني والدلالات، فضلا عن ظواهرها وحقائقها.
والراجح الوسط في كل ما ذكر أن التناول الإسلامي لعقيدة المسلمين قد ظل مركزا على حقيقتها وأثرها ونفي الغموض واللبس عنها وترسيخها في الأذهان والعيان والذب عنها، وقد كانت هذه عادة السلف المشتهرة، ولم يعدل عنها بإجراء منهج التأويل وإنشاء علم الكلام وإجراء المناظرات الفلسفية والعقدية إلا بهدف الدفاع عنها ورد شبهات الخصوم وتصحيح المفاهيم تجاهها وتفعيلها في أرض الواقع[39].
تنزيل الوسطية على مجال الدعوة الإسلامية:
يتمثل ذلك في تنزيل الوسطية على كل مجالات الدعوة إلى الله تعالى وإلى دينه ومراده، كمجال الخطابة والإرشاد والتناظر والإعلام والتأليف والتعليم والتنمية والعمل الخيري والإغاثة الإنسانية والإصلاحات بأنواعها الدستورية والتربوية والاقتصادية والبيئية والإدارية والاجتماعية والشبابية...
وأبرز معالم الوسطية في هذا كله: التبشير والرفق والإقناع بالحجة والتهيئة النفسية والذهنية وتوفير البدائل ومراعاة الأولويات وتحكيم الأعراف والاعتبار بالعواقب والمعطيات. ومن ذلك: أيضا: الانتقال التدريجي ومراعاة خصوصيات الناس والتدرج بهم نحو الأحسن بالرحمة والليونة والتدريب والتمرين، وجعل الإسلام بديلا حيويا يتوقون إليه ويتطلعون إلى تحكيمه والاعتماد عليه وفقا لإمكانياتهم وظروفهم.
تنزيل الوسطية على مجال الفتوى:
مجال الفتوى مجال رحب وفسيح، وتنزل الوسطية فيه من الأهمية بمكان. ولذلك قال أهل التحقيق في الفتوى بأنها المخرج عند الضيق والحل عند الغلق واليسر عند العسر. وهي تبليغ الحكم الشرعي وتنزيلها على الواقع الخاص والنازلة التي نزلت بالفرد أو الجماعة، وهذا التبليغ مشروط بالعلم والأدب والخبرة والفهم، وبحسن إرادة الإفادة وتمام التوجه إلى الباري سبحانه وتعالى.
والوسطية في الفتوى معناها مراعاة العدل والاعتدال فيها، ونفي الشطط والغلو ودرء التسيب والتفلت. وهو ما يدعو إلى مراعاة أحوال المستفتين وتبدل أعصارهم وأحوالهم وتغير مكانهم وزمانهم وتطور أعرافهم وعوائدهم. وتنزيل هذا كله له متطلباته المعرفية والمنهجية والواقعية. وهو ما تقرر عند العلماء بفقه الشرع وفقه الواقع وفقه تنزيل الشرع على الواقع[40].
تنزيل الوسطية على مجال السياسة الشرعية:
السياسة الشرعية هي تدبير شأن الناس وإدارة المصالح العامة وتسيير دواليب الدولة والوطن؛ بما يجلب المصالح ويدرأ المفاسد. وقد قيل بأن السياسة هي فعل الممكن والمباح، وهو ما يستوجب العدل والاتزان في هذه الإدارة العامة للشأن العام، وإجراء منهج التجميع والتقريب والتسديد، والنأي بالطبقة الحاكمة والهيئة القائدة عن التجاذبات والمغالطات، وعن الغلو والتشدد والتفلت والسيوبة.
ومن أبرز المظاهر الوسطية للسياسة الشرعية: تقرير التعددية السياسية[41] المشاركات الشعبية في تحديد الاختيارات الوطنية واختيار الحاكم وتوزيع الثروة وتمكين أصناف الشباب والنساء والنخبة والخبراء والخيرين والأئمة والعلماء ورواد المجتمع الأهلي والمدني وغيرهم، من القيام بالواجب الوطني في مختلف مفاصله ومجالاته. وكذلك تمكين كل المواطنين بمختلف انتماءاتهم من حقوق المواطنة وواجباتها، لا فرق بين مسلم وغير مسلم في التمتع بالخدمات والانتفاع بالموافق وشغل الوظائف -غير الدينية- التي يقوم بها كيان الدولة وبنيانها[42].
ضوابط تنزيل الوسطية على واقع الناس:
الوسطية الشرعية هي المعنى الذي يجري على وفق مدلول الشرع في نصوصه وأصوله، وفي قواعده ومقاصده، والذي يسير على ميزان فيه من الضبط ما يجعله يساير الواقعَ ويواكب العصرَ ويجلب المصالحَ ويَدعم الذات ويُقوي الجماعةَ ويبني الدولةَ ويوحد الأمةَ ويقيمُ الحضارةَ الرائدةَ لأمة قائدة، بحول الله وقوته.
ولذلك فإن الوسطيةَ معنى مضبوط ومربوط، وهي ليست أمرا سائبا ومائعا ومرسلا، بل هي جارية على وفق ما ذكرنا، وساريةٌ بمقتضى ما بينا، وحتى تنزيلها في الواقع الإنساني، فإنه يجري بحسب اعتباراتها العائدة إلى أحوال المكلفين، وهذا هو الضابط الآخر لها، أي أنها تتحدد مراتبها وتتجسد معانيها بحسب حال المكلف، من حيث أقدارُ الاستطاعة وفرصُ الزمان وطرقُ الإنجاز، فالناس ليسوا على وضع واحد، في الصحة والمال وسهولة الحياة وتعددِ طرق الكسب والتحصيل، فمنهم الغني والفقير، ومنهم الأغنى بالنسبة إلى الأقل منه غنىً، ومنهم ذو الفرصِ الكثيرة في حيازة الطيبات وأخذ المباحات والخيرات، ومنهم دون ذلك. ومنهم المتجه إلى جهة الاسترسال في المعروف وفعلِ الخير وعون الناس، ومنهم المقتصد المتوقف. وهكذا الناس في تفاوت معيشتهم وحظوظهم، وفي تفاوت مراتب فضلهم وتقدمهم بناء على ذلك.
والفقيه المعاصر المتبصر بحقيقة الوسطية وجريانها بطابعها الاعتباري والإضافي، يمكنه أن ينزل عملَه الفقهي وفقا لكل هذا، فلا يقع في الشذوذ، ولا ينصرف إلى ضلال الفكر وفساد الإفتاء.
وأمثلةُ ذلك في فقه الفروع المعاصر كثيرة ومتوالية، ومن ذلك: فعلُ الإنفاق في سبيل الله ولعون أهل الفاقة، فإن هذا الإنفاقَ تتفاوت مقاديره ودوريته وحركيته، باختلاف المنفقين في مقادير أموالهم وقوة إيمانهم وشدة تأثرهم بالخطاب الموجهِ إليهم تُجاه فعل الإنفاق.
فهذا الإنفاق يتراوح بين مرتبتين اثنتين:
وكل هذا يتحدد بحسب تفاوت المنفقين في أحوالهم المالية والإيمانية والتربوية، ويتحدد بحسب قدرة الفقيه الحاذق في تقديم الرؤية الفقهية التي تتحقق بها الأقدار العالية في الإنفاق بموجب الأَقدار المقنعة لهذه الرؤية.
فالفقيه –مثلا- بوسعه أن يُقنع الغني بجدوى الإنفاق في المصالح العامة، كبناء مدرسة، أو إنشاءِ محطة فضائية نافعة، أو إقامةِ مركزِ بحث، أو تزويج عددٍ من الشبان، أو رعاية أيتام، أو كفالة أرامل، أو غيرِ ذلك من أعمال البر التي تفوق التطوعَ بالنوافل، كإعادةِ الحج، وتَكرار العمرة، وبناء مسجد في بلدة بها عددٌ كاف من المساجد.
وله أن يُقنع صاحبَ المال بخطاب فقهي بديع، يُجمع فيه بين إيراد الحكم مقرونا بدليله وحكمته وأثره، ومسوقا بأدبية عالية يُجمع فيها بين الترغيب المشوق والترهيب الدافع، ومشحونا بمؤثراتٍ صحيحة لها أثرها في أعماق القلب وفي باطن الواجد.
وله –كذلك- أن يستدعي المعلوماتِ الرقميةَ والإحصائية، والشهاداتِ من واقع الحال، والدلائلِ من كلام الخبراء وأصحاب الحاجة. كما له أن يضع من المناهج والمسالك العلمية والقانونية التي تضمن حسنَ استثمار المال، وتطمئنُ صاحبَه وتقوي قناعتَه بما أنفق، وتزيده إقبالا على الإنفاق وتكثيرِه وإدامته.
ولا ينبغي أن يُفهم كلامي بأن واجب الفقيه وضع المؤسسات والقوانين وبحث الإجراءات النظامية والترتيبية لتحقيق الضمانات ومنع المخالفات والتجاوزات. فهذا شأنُ الدولة والمؤسسات والمنظمات، ولكنني قصدت بهذا أن يتولى الفقيه الجانبَ المُحرض والمعلم والمبين والمقنع، وربما يحصل شيء من هذا إذا كانت الجهة التي يصدر منها العملُ الفقهي جهةً رسمية ومؤسسةً نظامية، لها قانونيتها وماليتها ونظامها الكفيل بتحقيق المراد. فلهذه الجهة أقدارٌ كبرى ونصيب وافر في التقنين والتأسيس والتخطيط والتنفيذ والمتابعة والملاحقة والمراجعة، فضلا عن الإقناع والبيان والتوضيح. وكل هذا يُقنع ويدفع ويقوي. وهو ما يُقصد من عملية الإنفاق التي دُعي إليها في مواضع عدةٍ من كتاب الله الكريم وسنة نبي الله عليه الصلاة والسلام.
ويكون في معنى الإنفاق، كل أفعال المكلفين، وأنشطة الهيئات، وأعمال الدول، من حيث استحضارها لمعنى الوسطية، ومن حيث ترددُ مراتبها بين مرتبتي الأعلى والأدنى، ومن حيث وسائلُ الدعم والدفع إلى الزيادة والريادة.
المعالم الكبرى للوسطية الإسلامية:
أما النواهي الثلاثة فحدث ولا حرج في دلالاتها على الوسط، من جهات عدة، منها: جهة الفحش الذي هو مجاوزة الحد وتحصيل الضد، وجهة المنكر الذي منه الظلم والجور والتعدي والاعتداء، وكل هذا على خلاف العدل الذي هو الوسط والاستقامة والاستواء، ومن جهة البغي الدال صراحة على منافاة العدل ومجافاة الوسط، والواقع بجلاء في جوانب الإفراط والزيادة والتفريط والتفويت.
ثمرة الوسطية تنظيرا وتنزيلا
ومن آثار هذه الوسطية مراعاتها لأحوال الناس المختلفة، وتحقيقها لتوازن الفعل الإنساني والعمران البشري والإنتاج الحضاري بمختلف صوره ومجالاته وأنواعه. فهذه الوسطية خير كفيل للإنتاج والتنمية والعطاء، في جوانب الفكر والمادة، وفي مطالب الجسد والروح، وذلك لأنها تستجيب لشروط ذلك، وهذه الشروط هي المسايرة للفطرة والملائمة للطبع ومراعاة الاستطاعة والممكن وضمان الديمومة والاستمرار واعتبار الكم والكيف والتعويل على جهد الفرد والمجموعة وإرادة الباطن وجهد الظاهر، وغير ذلك مما يعد من شروط البناء الحضاري المبدع والدائم والفاعل. وعليه فإن أثر مراعاة التوسط والاعتدال والاتزان في هذا البناء الحضاري وفي أي مجال من مجالات الفعل الإنساني والعطاء البشري الإيجابي.
وهذا كله راجع إلى مراعاة الوسطية السوية التي أقرها الشارع في وضعه الأحكام وتضمينه مقاصدها وأسرارها وآثارها.
المصادر والمراجع:
فهرس الموضوعات
المقدمة: ص2
المبحث الأول
الوسطية الإسلامية تنظيرا من نصوص الشرع وكلام العلماء ص4
تعريف الوسطية بصورة إجمالية: ص4
الوسطية في إطار اللغة العربية: ص4
الألفاظ ذات الصلة بالوسطية: ص5
الوسطية في إطار نصوص القرآن الكريم: ص5
الجهة1: الآيات المصرحة بألفاظ الوسطية: ص5
الجهة2: آيات تشير إلى معاني الوسطية: ص9
الوسطية في إطار أدلة السنة الشريفة: ص9
الجهة1: بعض الأدلة السنية المصرحة بألفاظ الوسطية: ص9
ورود معاني الوسطية في السنة الشريفة: ص10
الجهة2: بعض الأدلة السنية المشيرة إلى معاني الوسطية: ص10
الوسطية في إطار الفقه الإسلامي: ص11
مظاهر الوسطية في الحج: ص11
الوسطية في إطار علوم الشريعة: ص13
الوسطية في أصول الفقه: ص13
الوسطية في مقاصد الشريعة: ص13
الوسطية في القواعد الفقهية: 14
الوسطية في سائر العلوم الشرعية: ص14
المبحث الثاني
الوسطية تنزيلا على واقع الناس: ص15
مستوى الأبعاد العقلية والنفسية والبيئية في تنزيل الوسطية على واقع الناس: ص15
المستوى الأول: البعد العقلي في تنزيل الوسطية على واقع الناس: ص15
المستوى الثاني: البعد النفسي في تنزيل الوسطية على واقع الناس: ص16
المستوى الثالث: البعد البيئي في تنزيل الوسطية على واقع الناس: ص16
مقامات تنزيل الوسطية على واقع الناس: ص 17
تنزيل الوسطية على مجال العقيدة الإسلامية: ص17
تنزيل الوسطية على مجال الدعوة الإسلامية: ص18
تنزيل الوسطية على مجال الفتوى: ص18
تنزيل الوسطية على مجال السياسة الشرعية: ص19
ضوابط تنزيل الوسطية على واقع الناس: ص19
المعالم الكبرى للوسطية الإسلامية: ص21
ثمرة الوسطية تنظيرا وتنزيلا: ص22
المصادر والمراجع: ص23
[1] سورة البقرة الآية 143.
[2] ينظر في هذا الوسطية مطلبا شرعيا وحضاريا، وهبة الزحيلي، ص10،11،
[3] الموسوعة الفقهية: 43/138.
[5] الموسوعة الفقهية: 43/138. وقد أحالت على اللسان والمصباح المنير والمعجم الوسيط.
[6] الجامع لأحكام القرآن: القرطبي: 22/436.
[7] الموسوعة الفقهية: 43/139.
[8] ينظر في هذا الوسطية مطلبا شرعيا وحضاريا، وهبة الزحيلي، ص9
[9] الموسوعة الفقهية: 27/302.
[10] سورة البقرة الآية 143.
[11] وهو المعروف بالتفسير الموضوعي الذي يتناول مجموع الآيات ذات الموضوع الواحد، كموضوع الإنسان أو موضوع الزمن أو موضوع الأرض. ويعد موضوع الأمة موضوعا مهما قد وردت فيه عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية.
[12] سورة آل عمران الآية 110.
[13] الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 21/169.
[14] ينظر تفاصيل تفسير الآيات في الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي، 21/169-171.
[15] سورة البقرة الآية 238.
[16] ينظر الموسوعة الفقهية الكويتية، ففيها استفاضة البيان لهذا كله، 43/ 138 وما بعدها.
[17] سورة المائدة الآية 89.
[18] التفسير الكبير، الرازي، ص64.
[19] سورة العاديات: الآية 5.
[20] الجامع لأحكام القرآن: القرطبي: 22/436.
[21] المُعين على تدبر الكتاب المبين، مجمد بن أحمد مكي، ص599.
[22] سورة الفرقان الآية 67.
[23] سورة الإسراء الآية 29
[24] سورة الأنعام الآية 153.
[25] سورة فاطر الآية 32.
[26] الحديث الذي يروى: خير الأمور أوسطها لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من أقوال الحكماء، كما قال ابن عبد البر في الاستذكار، وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية مطرف بن عبد الله معضلا. اهـ.
وقال السخاوي في المقاصد الحسنة: رواه السمعاني في ذيل تاريخ بغداد بسند مجهول عن علي مرفوعا وهو عن ابن جرير في التفسير من قول مطرف بن عبد الله ويزيد بن مرة الجعفي. وكذا أخرجه مطرف والديلمي بلا سند عن ابن عباس مرفوعا. اهـ.
وكان الحسن بن الفضل معروفا بإخراج أمثال العرب والعجم من القرآن , فقيل له :
هل تجد في كتاب الله "خير الأمور أوسطها"؟
فقال:نعم, في أربعة مواضع !
2- والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما.
3- ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط.
4- ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا.
[27] أخرجه أبو داود.
[28] الموسوعة الفقهية: 43/142، وقد أحالت على الفتاوى الهنديبة:1/89.
[29] أخرجه الترمذي.
[30] الموسوعة الفقهية: 43/142.
[31] أخرجه أحمد.
[32] الموسوعة الفقهية:43/143.
[33] أخرجه أحمد وغيره، وله صيغ عدة.
[34] وكل هذا مبين ومدروس تحت عناوين كثيرة، منها فقه الأولويات ومراعاة مآلات الأفعال واختلاف أجوبته صلى الله عليه للسؤال الواحد لاختلاف السائلين وأحوالهم، وفقه الواقع والتوقع واعتماد التدرج والمرحلية وفقه التنزيل وتحقيق المناط...
[35] الوسطية، القرضاوي: ص9.
[36] الموسوعة الفقهية: 43/142.
[37] سورة الرعد الآية 11.
[38] سورة هود الآية 88.
[39] يراجع في هذا: مبادئ العقيدة في ضوء الوسطية، عبد العزيز الحميدي، عدة صفحات.
[40] يراجع: معايير الوسطية في الفتوى، عبد الله بن بيه، عدة صفحات.
[41] الوسطية السياسية، محمد سليم العوا، ص29
[42] الوسطية السياسية، محمد سليم العوا، ص 42.
[43] سورة النحل الآية 90.
ابحث
أضف تعليقاً