
الوسطية في العهد االنبوي وأثرها في استقرار المجتمع الإسلامي
المقدمة
الحمد لله رب العالمين القائل (وكذلك جعلناكم أمّة وسطا ) (البقرة 143) والصلاة والسلام على الرسول القائل (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) . فنحن بصدد كتابة بحث في هذا الموضوع المهم الذي يحتاج لطول بحث واستقصاء للنماذج وغيرها ؛نظراً لخطورة الموضوع ومكانته العظيمة فالوسطية من أبرز الصفات التي رافقت الدعوة الإسلامية منذ بدايتها الأولى، وقد تجسدت هذه الصفة بصورة واضحة في الشخصية الأولى في هذا الدين وهو الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم - وكانت منهجيته في دعوته الى الإسلام تنطلق من الآية القرآنية( وكذلك جعلناكم امة وسطا ) سورة البقرة، آية: 143 ، فالوسطية هي ابرز صفة في هذه الدعوة وفي هذا الدين، فكان البحث محاولة بسيطة في أبراز وسطية الرسول- صلى الله عليه وسلم - في تلقي هذه الدعوة ووسطيته في دعوته إلى دين الله وفي تعامله مع إتباع هذا الدين، وبالتالي نخرج بنتيجة واضحة وجلية تسكت كل أعداء هذا الدين وتثبت زيف اتهاماتهم الباطلة تجاهه وهي تهم التطرف، وتثبت ان الوسطية هو المنهج الذي سار عليه الرسول- صلى الله عليه وسلم – في إرساء دعائم هذا الدين ودولته. وما من شك أن موضوع الوسطية والاعتدال من أهم موضوعات الساعة لما نراه من إفراط أو تفريط في تناول القضايا الإسلامية المتصلة بفهم الإسلام وتطبيقه سواء كان ذلك في مجال العقيدة أو مجال تطبيق الشريعة: في دوائر المعاملات سياسةً وأخلاقاً واقتصادًا واجتماعًا وجهاداً وتغييراً للمنكر أو أمراً بالمعروف. وهذا يتطلب منا إلقاء الضوء على مفهوم وسطية الإسلام ومعرفة أبجدياتها قبل الدخول إلى تفاصيل الوسطية في عهد النبوة الأول وأثرها في استقرار المجتمع الإسلامي وسيجب البحث عن الاسئلة الآتية :
أولاً : ما تعريف الوسطية في اللغة والاصطلاح ؟
ثانياً : هل كانت الوسطية ملازمة لشخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم – قبل البعثة وبعدها؟
ثالثاً : ما أبرز نماذج الوسطية في حياته الخاصة صلى الله عليه وسلم؟
رابعاً :كيف مارس النبي - صلى الله عليه وسلم – الوسطية مع غيره مسلمين كانوا أم غير مسلمين؟
خامساًً : ما ركائز هذا المنهج الوسطي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
سادساً : ما نماذج الاعتدال والوسطية الوارده عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في ذم الغلو في الدين والتطرف في السلوك، والنهي الوارد عنهما ؟.
سابعاً : ما أثر الوسطية في استقرار الفرد والمجتمع الإسلامي ؟ .
اولاً : مفهوم الوسطية لغةً واصطلاحاً:
أ - مفهوم الوسطية في اللغة :
جاءت لفظة ( وسط ) في اللغة لمعانٍ متعددة منها :
1- تأتي اسماً لما بين طرفي الشيء وهو منه فنقول: قبضت وسط الحبل، وكسرت وسط القوس، وجلست وسط الدار([1]).
2- تأتي صفة بمعنى (خيار) وأفضل، وأجود، فأوسط الشيء أفضله وخياره كوسط المرعى خير من طرفيه، ومرعى وسط أي: خيار منه.
3- وتأتي وسط: بمعنى (عدل)
جاء في لسان العرب: (ووسط الشيء وأوسطه أعدله)([2]). وفي القاموس: (الوسط: محركة من كل شيء أعدله)([3])، وكذلك قال الجوهري في الصحاح(4) .
4- وتأتي وسط: بمعنى: الشيء بين الجيد والرديء ، قال الجوهري: (ويقال أيضًا شيء وسط: أي بين الجيد والرديء)(5(.وقال صاحب المصباح المنير: (الوسط بالتحريك، المعتدل يقال شيء وسط أي: بين الجيد والرديء...) (6) .
مما تقدم يتضح لنا أنّ هذه اللفظة تدل على معان متقاربة : (الواو والسين والطاء) بناء صحيح يدل على: العدل، والنصف وأعدل الشيء أوسطه ووسطه.7)
- مفهوم الوسطية في الاصطلاح
ذهب الدكتور وهبة الزحيلي أنّ المقصود بالوسطية هو الاعتدال ، فقال :( والوسطية في العرف الشائع في زمننا تعني الاعتدال في الاعتقاد والموقف والسلوك والنظام والمعاملة والأخلاق، وهذا يعني أن الإسلام دين معتدل غير جانح ولا مفرط في شيء من الحقائق، فليس فيه مغالاة في الدين،ولا تطرف ولا شذوذ في الاعتقاد،ولا استكبار ولا خنوع ولا ذل ولا استسلام ولا خضوع وعبودية لغير الله تعالى،ولا تشدد أو إحراج،ولا تهاون،ولا تقصير،ولا تساهل أو تفريط في حق من حقوق الله تعالى،ولا حقوق الناس،وهو معنى الصلاح والاستقامة (8) .
ومن المعاصرين من ذهب إلى أن هذا المصطلح لا يصحّ إطلاقه إلا إذا توافرت فيه صفتان هما :
1- الخيريَّة، أو ما يدلّ عليها كالأفضل والأعدل أو العدل.
2- البينيَّة، سواء أكانت حسِّيَّة أو معنويَّة.
فإذا جاء أحد الوصفين دون الآخر فلا يكون داخلا في مصطلح الوسطيَّة.
والقول بأن الوسطيَّة ملازمة للخيريَّة - أي أنّ كلّ أمر يوصف بالخيريَّة فهو (وسط) - فيه نظر، والعكس هو الصّحيح، فكل وسطيَّة تلازمها الخيريّة فلا وسطيَّة بدون خيريَّة، ولا عكس. فلا بدَّ مع الخيريَّة من البينيَّة حتى تكون وسطًا.
وكذلك البينيَّة - أيضًا - فليس كل شيء بين شيئين أو أشياء يُعتبر وسطيًّا وإن كان وسطًا. فقد يكون التوسّط حسيًّا أو معنويًّا، ولا يلزم أن يوصف بالوسطيَّة كوسط الزمان أو المكان أو الهيئة ونحو ذلك.
ولكن كل أمر يوصف بالوسطيَّة فلا بد أن يكون بينيًّا حسًّا أو معنى.
ومن هنا نخلص إلى أنَّ أيَّ أمر اتَّصف بالخيريَّة والبينيَّة جميعًا فهو الذي يصحْ أن نُطلق عليه وصف: الوسطيَّة، وما عدا ذلك فلا (9)
وذهب بعض آخر إلى أنّه لا يصح إطلاق مصطلح (الوسطية) على أمر إلا إذا توفرت فيه الملامح الاتية :-
1- الخيرية: وهي تحقيق الإيمان الشامل، يحوطه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2- الاستقامة:وهي لزوم المنهج المستقيم بلا انحراف، فالوسطية لا تعني التنازل أو التميع أبداً.
3- البينية: وذلك واضح في كل أبواب الدين، فالصراط المستقيم بين صراطي المغضوب عليهم والضالين.
4- اليسر،ورفع الحرج: وهي سمة لازمة للوسطية.
5- العدل والحكمة: وقد فسر النبي -صلى الله عليه وسلم - الوسط بالعدل ، وذلك هو معنى الخيار؛ وذلك لأن خيار الناس: عدولهم.
وقد قال الله تعالى: ((إنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ)) الآية 90 سورة النحل (10) .
ثانياً : ملامح الوسطية في شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل البعثة وبعدها :
قبل الدخول في موضوع وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في دعوته إلى الإسلام، يجب أن نؤصل هنا تأصيلاً تاريخياً للوسطية في شخصية الرسول فالمتصفح لسيرة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - يرى بصورة جلية وواضحة أن صفة الوسطية كانت تلازمه في جميع مراحل عمره قبل البعثة النبوية وبعدها، فيقول ( يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ) (11)، وعن عائشة- رضي الله عنها- قالت :ما خُيِّر رسول اللّه بين أمْريْن قط إلا اخْتار أيسرهما ) (12)، ونورد هنا أمثلة، على سبيل المثال لا الحصر، تدل على تأصل صفة الوسطية في شخصية الرسول.
ومن الأمثلة على تأصل صفة الوسطية في شخصية الرسول ما يأتي :
1- حضوره حلف الفضول الذي عقد في دار عبد الله بن جدعان لنصرة المظلوم والضرب على يد الظالم، وأنه لو دُعي إليه في الإسلام لأجاب، فعن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها - أنها سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول)لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان من حلف الفضول ما لو دُعيت إليه لأجبت وما أحب أن لي به حمر النعم ) (13) .
2- حله النزاع الذي وقع بين رجال قريش عند إعادة بناء الكعبة، فتشير المصادر إلى أن قريشاً عندما قررت تجديد بناء الكعبة بعد تصدعها، وبعد وصول البناء إلى موضع الحجر الاسود حدث نزاع كبير بين بطون قريش أيهم يرفع الحجر الأسود إلى موضعه، ثم كان الحل بأن يُحكّموا بينهم أول من يدخل عليهم فكان الرسول- صلى الله عليه وسلم - أول الداخلين فحكموه بينهم، فكان الحل الذي وضعه الرسول- صلى الله عليه وسلم - يدل على تأصل الوسطية في نفسه، فقد وضع رداءه على الأرض ثم وضع الحجر الأسود عليه وأمر كل زعيم بطن من بطون قريش أن يحمل طرفاً من الرداء ثم رفعوه جميعاً فأعاد الرسول- صلى الله عليه وسلم - الحجر إلى موضعه(14).
3- موقفه من اليهود بعد الهجرة إلى المدينة، فلم يقف منهم موقف عداء بل استوعب اليهود كمواطنين ضمن مجتمع المدينة ونظم علاقتهم بالمسلمين عن طريق الدستور الذي وضعه بعد هجرته إلى المدينة(15)
4- موقفه في حادثة الافك عندما أُتهمت أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها-بالزنا، فوقف الرسول- صلى الله عليه وسلم - موقفاً وسطاً فلم ينفِ ولم يثبت مع انه كان متيقناً ببراءة عائشة-رضي الله عنها- في قرارة نفسه ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم-:فو اللَّه ما علمْتُ على أهْلي إلا خيراً (16 )، ولكنه انتظر وحي السماء ليفصل في هذا الأمر، ثم أنزل الله براءتها-رضي الله عنها -في القرآن الكريم وهو من أبرز الشواهد على وسطية الرسول صلى الله عليه وسلم .
5- استشارته - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه في العديد من الأمور وعدم استئثاره بالقرارات، ومن ذلك أخذه بمشورة الحباب بن المنذرفي معركة بدر (17 ) ،كذلك كان يأخذ برأي أزواجه في أحيان كثيرة كما في الحديبية عندما أخذ - صلى الله عليه وسلم - برأي زوجته أم سلمة رضي الله عنها .
ثالثاً : نماذج من الوسطية النبوية في حياته الخاصة
من نماذج الوسطية عند رسول الله في حياته الخاصة – صلى الله عليه وسلم – ما يأتي :
1- في أكله وشربه ونومه .لم تكن الوسطية عند المصطفي -صلى الله عليه وسلم- في الأمور السياسية والدعوية فحسب، وإنما كانت في أخص خصائص حياته الخاصة. في أكله وشربه، في نومه وصحوه، في راحته ونصبه. وأعطاه ربه الخيار بين أن يأخذ بالعزائم أو يأخذ بالرخص، مصداق ذلك في العبادة والتبليغ (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ{*} قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً{*} نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً{*} أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً {*} (المزمل1-4)في أكله وشربه ما عرف عنه أن شبع من طعام ولو كان جائعا فها هو يقول (حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) ويأتي قبلها تحذيره العظيم (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه) كان لايضحك بصوت عالٍ حتي لا تظهر لهواته لأن ذلك فعل الجاهلين. كما أنه كان غير عبوس حتي ينفر منه جلساؤه. كان بين ذلك قواما. كان ضحكه تبسما، يقبل الممازحة ويمازح، لكنه لايسمح بأن يكون الوقت جله للممازحة!كان لايقبل الجلوس في الطرقات، لما فيه من الإطلاع على العورات، ولكن لما بين له الصحابة أن بيوتهم لا تتسع لمجالسهم قال لهم إن كان لابد فأعطوا الطريق حقه!.ومع عدم إنجذابه للهو سمح للسيدة عائشة - رضى الله عنها- أن تستمع وتنظر للعب الحبشة ولهوهم في ساحة المسجد. وفي العيد سمح للجاريتين أن تغنيان لها في حجرته. هكذا حاله - صلى الله عليه وسلم - في حياته الخاصة توازن واعتدال ولو شاء لقضي الوقت كله عبادة ولكنه توسط واعتدال.
2 - محاسبته لنفسه: كان - صلى الله عليه وسلم- أواباً رجاعاً إلي الله تعالي، يلاحظ الدقائق من الامور التي لايراعيها غيره. كان يكثر من الاستغفار ويتعوذ- وهو المعصوم – من الذنب الذي لايعلمه، ويقول اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لانعلمه. كان يقول : اللهم أغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم أغفر لي هزلي وجدي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي ألله أكبر، الله اكبر هكذا يقول المعصوم ليعلمنا نحن الذين نفعل كل ذلك حتي نتوب ونثوب ونشدد في محاسبة النفس ولا نلتمس لها الأعذار. والمطلوب منا شعور التقصير في جانب الله عز وجل مداومة الاستغفار، ومداومة العمل الصالح، والقصد في الأمور، ورجاء رحمة الله تعالي، ولما قال لأصحابه (لن ينجي أحدًا منكم عمله!! قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته! سددوا وقاربوا، وأغدوا وروَّحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا ) ( 18 )
3- قوله الحسن:
إن من يرسله ربه إلي الناس كافة لايمكن إلا أن يكون منطقه حسناً وقوله حسناً. وإذا كان أمر الله تعالي له أن يعلم الناس القول الحسن بل أنواع الإحسان كافة فلابد أن يكون هو متصفا بهذه الشيم العظيمة، ألسنا نقرأ في القرآن الكريم: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن). ثم يأتي الامر الرباني (وقولوا للناس حسنا)
كل هذه المعاني طبقها بل بدأ بها المصطفي - صلى الله عليه وسلم- بنفسه وفي حديث أم معبد المشار إليه في رحلة الهجرة ما يدلل على ذلك قالت وهي تصف كلامه (حلو المنطق، فصل لا هذر ولا نذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن) (20 )
ولا نعلم بليغا من البلغاء، ولا فصيحا من الفصحاء، في فصاحة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- . فكان قوله فصل يختار الكلمات الحسان فلا هو سجع الكهان ولا تقعر المتأدبين يحاور بالتي هي أحسن ويلزم المحاور الحجة. يخاطب محاوره بأرق الاسماء. يقول لألد أعدائه يا أبا الوليد يكنيه بأحب الأسماء إليه. أليس هو القائل، نادوا الناس بأحب الأسماء إليهم. وابو الوليد هو عتبة بن ربيعة الذي ارسله صناديد قريش ليرد النبي عن دينه.
5- القدوة الحسنة:
لو أن الدعاة وأهل الحفاظ على الدين تمثلوا أخلاق المصطفى - صلى الله عليه وسلم- ولو أنهم اتبعوا أمر ربهم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب 21)، لو فعلوا ذلك لوفروا على أنفسهم جهدا كبيرا.
وقد علمّ - صلى الله عليه وسلم- أصحابه بالبيان العملي إنه اتقي لله وأخوفهم منه، حين أراد بعضهم المزيادة في العبادة والغلو فيها. وفي حياته الخاصة ما عاب طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه . كان المصطفي -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، كان رسول الله حين يلقاه جبريل يدارسه القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة!
وفي شجاعته كان مثالا نادرا قال بعض الصحابة كنا نحتمي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تحمّر الحدق، يعني حين الزحف وتلاقي العدو، وقد روي ان النبي- صلى الله عليه وسلم - وصحابته كانوا جلوسا فسمعوا صوتا داويا ففزع من فزع إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتطي فرسا بغير جهاز واتجه نحو الجلبة أو الدوي فلحق به صحابته وهو عائد إليهم فقال: أرجعوا لن تراعوا.
رابعاً : كيف مارس النبي - صلى الله عليه وسلم – الوسطية مع أصحابه والمسلمين عامة وغير المسلمين؟
لنبين ممارسة النبي - صلى الله عليه وسلم - الوسطية مع أصحابه وغيرهم، نذكر ما يأتي ؟
1- ترخيص الرسول- صلى الله عليه وسلم - لأصحابه المستضعفين النيل منه عند تعرضهم للعذاب من ملامح وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم - انه رخص لأصحابه النيل منه بالكلام عند تعرضهم لعذاب شديد على يد مشركي قريش مع بقاء الإيمان راسخاً في قلوبهم ومن هؤلاء عمار بن ياسر - صلى الله عليه وسلم - الذي لاقى اذى شديد من قبل المشركين، ولم يكن هذا الاذى يقتصر على الأذى الجسدي المتمثل بالتعذيب بل تعداه إلى الأذى النفسي فعذبوا أبويه أمام ناظريه ثم قتلوهما بوحشية (21)، ويروي أبن إسحاق خبر تعذيب آل ياسر قائلاً: كان عمار بن ياسر وأبوه وأمه أهل بيت إسلام وكان بنو مخزوم يعذبونهم فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : ( صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) .( 22)
وفي رواية :)أن قريشا أكرهوا عماراً وأبويه ياسر وسمية على الارتداد فربطوا سمية بين بعيرين وجيء بحربة في قبلها ، فقتلت وقتلوا ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها فقيل يا رسول الله: إن عمارا كفر، فقال: كلا إن عماراً ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبكي فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح عينيه ويقول :( ما لك أن عادوا لك فعد لهم ). (23 )
2- ملاقاة العديد من الصحابة العذاب الشديد:
لقد كان المشركونَ يلبسون الصحابة دروع الحديد ،ويضعونهم في الشمس فتحرقهم، فما منهم أحد إلا واتاهم على ما أرادوا إلا بلال ثبت ولم يأت ما أراد مشركو قريش ،فأخذوه فأعطوه للصبيان ،
فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد ، ان ترخيص الرسول - صلى الله عليه وسلم - للضعفاء من أصحابه للنيل منه باللسان مع ثبات الإيمان بالقلب ، كما رأينا في الروايات السابقة،ليدل على وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووسطية منهجه، فإنه لم يكلف أصحابه ما لا يطيقون، وإنما رخص لهم النيل منه - صلى الله عليه وسلم - باللسان لينقذوا أنفسهم من العذاب .
3- الهجرة إلى الحبشة ووسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم - :
فانه بعد تزايد ضغوط المشركين على المسلمين أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عدداً من المسلمين الذين كانوا يعانون من هذه الضغوطات بالهجرة إلى الحبشة. وهذا الأمر ليدل على وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في دعوته إلى الإسلام ،فلم يلزم المسلمين بالبقاء في مكة والتعرض لأذى قريش فيكون من الأمر ما لا يطيقون، بل رخص لهم بالهجرة إلى الحبشة، ليتخلصوا من عذاب قريش من جهة وليكونوا اول دعاة إلى الإسلام خارج الجزيرة العربية من جهة أخرى (24) وكانت أهم نتيجة لدعوتهم هذه دخول)أصحمة النجاشي( ملك الحبشة في الإسلام فكان إسلام النجاشي ثمرة من ثمرات المنهج الوسطي للرسول - صلى الله عليه وسلم - تجاه دعوته وتجاه أصحابه .
4- وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم -في الدعاء على مشركي قريش :
ان من نواحي الوسطية في شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسطيته في عدم دعائه على المشركين بالهلاك، فبالرغم من العذاب الشديد والأذى الكبير الذين لاقاهما - صلى الله عليه وسلم - على يد مشركي قريش فلم يدع عليهم بالهلاك والإبادة، فتشير المصادر أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحُدٍ؟ قال: ( لقد لقيتُ من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلالٍ ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمُرهُ بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم على ثم قال: يا محمدُ إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت: إن شئت اطبقتُ عليهم الأخشبين" فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً) (25) متفق عليه.
ونورد مثالاً آخراً على عدم دعاء الرسول على - صلى الله عليه وسلم - المشركين بالهلاك فعندما أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - عرض دعوته في الطائف جوبه برفض لهذه الدعوة بصورة مؤذية حيث تعرض - صلى الله عليه وسلم - إلى الرمي بالحجارة فأدمي، ولكن مع هذا الأذى لم يدعوا عليهم بالهلاك فتشير الروايات إلى أن مشركي الطائف أغروا به سفهاءهم يصيحون خلفه ويسبونه حتى اجتمعوا عليه وألجأوه إلى حائط فاشتد كربه لذلك - صلى الله عليه وسلم - ودعا حينئذ بدعاء الكرب :( لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم ثم قال: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك فنزل عليه جبريل وقال: إن الله قد سمع قولك وسمع قولهم وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره فيهم بما شئت، فقال - صلى الله عليه وسلم - : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ) .
5 - وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة بعد الهجرة مع فئات المجتمع غير المسلمين :
من الأدلة الواضحة والمهمة على وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم -ومنهجه موقفه المتسامح مع غير المسلمين في المدينة بعد الهجرة، فقد كان مجتمع المدينة يحتوي أخلاطاً من ديانات مختلفة منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان ومنهم اليهود، وكان الرجل مسلماً وأبوه مشركاً والرجل يكون مسلماً وأخوه مشركاً ، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم -يعاملهم معاملة طيبة فكان يمر على مجالسهم وكان في المجالس مسلمون فلا ينكر على المسلمين جلوسهم في تلك المجالس وهذا دليل على وسطيته - صلى الله عليه وسلم -وقد أوردت كتب السنة النبوية تفاصيل عن ذلك فعن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - حدثه: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة ببني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مر على مجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان وأهل الكتاب اليهود والمسلمين (26) .
6- وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم -في دعوة أهل الكتاب بالتي هي أحسن :
كانت دعوة أهل الكتاب تنطلق من الآية القرآنية: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)النحل 125
فوسطية ودعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -لهم هو تجسيد لهذه الآية، وقد أوردت المصادر حوارات كانت تجري بين الرسول - صلى الله عليه وسلم -وبين أهل الكتاب من يهود ونصارى، واتسمت هذه الحوارات بالهدوء والتسامح، فعن ابن عباس قال )اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً ، فأنزل الله جل جلاله فيهم: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ) آل عمران 65.
فقال أبو رافع القرظي حين اجتمع عنده النصارى والأحبار فدعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام : أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم ؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الربيس : وذلك تريد يا محمد واليه تدعو؟ أو كما قال، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا أمرني) (27).
7- وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم -في دعوة الشباب:
أعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم -أهمية كبيرة لشريحة الشباب؛ وذلك لأن هذه الشريحة يقع على عاتقها أعباء المجتمع المسلم من جهة وأعباء حمل الدعوة الإسلامية من جهة أخرى، لذلك انتهج الرسول - صلى الله عليه وسلم -منهجا خاصاً في دعوتهم إلى التمسك بالدين الجديد فقد بين أهميتهم في نصرة هذا الدين فكان - صلى الله عليه وسلم -يوصي بالشباب، فيذكر ان الصحابي الجليل ابو سعيد الخدري- رضي الله عنه - كان عندما يرى الشباب يقول لهم : مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بين الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -خطورة مرحلة الشباب، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الشباب شعبة من الجنون (، وفي رواية عن زيد بن خالد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الخطبة الطويلة الشباب( شعبة من الجنون ) وفي حديث آخر يبين أهمية التوبة عند الشباب وانتهج الرسول - صلى الله عليه وسلم -منهج اللين والحوار في دعوة الشباب، فعن عبد اللَّه بن مسعود – رضي الله عنه - كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -شبابًا لا نجدُ شيئا فقال لنا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: (يا معْشر الشَّباب من اسْتطاع الْباءة فلْيتزوَّجْ فإنه أغض للْبصر وأحْصنُ للْفرْج ومنْ لم يسْتطعْ فعليْه بالصَّوْم فإنه له وجاء ) ولعل أبرز نموذج في دعوة الشباب باللين والحوار العقلي، كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -مع شاب جاء يطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم -أن يأذن له بالزنا، عن أبي أمامة أن فتى شاباً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -فقال: يا رسول الله أئذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا : مه مه ،فقال – صلى الله عليه وسلم - (أدنه، فدنا منه قريبا، فقال: اجلس فجلس فقال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم أغفر ذنبه وطهر قلبه وأحصن فرجه، قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء) (28)
فتأملنا للرواية السابقة يخرجنا بنتيجة مهمة وهي ان الرسول - صلى الله عليه وسلم -كان يحس بمعاناة هذا الشاب وان الطريقة الصائبة لإقناعه بالعدول عن الزنا هو الحوار العقلي الذي يتسم بالهدوء والعمق في عرض الحجج الذي أدى بالنهاية إلى عدول هذا الشاب عن الزنا.
8- وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم -في دعوة المرأة :
أما ما يتعلق بالمرأة فقد انتهج الرسول - صلى الله عليه وسلم -منهجاً واضحاً، بين فيه الكرامة الإنسانية للمرأة وبين أنهن شقائق الرجال في التكليف والعلم . ومن منهجية الرسول - صلى الله عليه وسلم -الوسطية تجاه المرأة أن أوصى بها خيراً ؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع ؛ وان أعوج شيء من الضلع رأسه ، وان ذهبت تقيمه كسرته وان تركته تركته وفيه عوج، فاستوصوا بالنساء خيراً )(29)،وأوصى الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع قائلاً: ( استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك ) (30)
وعن أنس -رضي الله عنه - قال: ( كان لرسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -حادٍ حسنُ الصَّوْت ، فقال له رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: رُويْدًا يا أنْجشة لا تكْسرْ الْقوارير يعْني ضعفة
النِّساء (وقد انتهج الرسول - صلى الله عليه وسلم -منهجاً وسطياً في دعوة النساء، فتشير الروايات إلى ان الرسول - صلى الله عليه وسلم - نصح امرأة بعدم العبادة فوق ما تطيق، عن أنس بن مالك- رضي الله عنه - قال: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم -فإذا حبْل ممْدُود بين السَّاريتيْن فقال: (ما هذا الْحبْلُ ؟ قالوا: هذا حبْل لزيْنب فإذا فترتْ تعلَّقتْ ، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم – :(لا حُلّوهُ ليُصلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فلْيقْعُد ) (31) .وأوردت المصادر روايات كثيرة بينت المنهج الوسط لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرحمة واللين والموعظة الحسنة واحترامه لإنسانية المرأة في دعوته إياها، ونورد نموذجاً من ذلك، فعندما سألت أم المؤمنين عائشة )رضي الله عنها( عن الخضاب والصباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذهب وثياب الرقاق فأجابها الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (يا معشر النساء قصتكن كلها واحدة أحل الله لكن الزينة غير متبرجات)( 32).
9. وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة والتعامل مع الأعراب :
اتسمت منهجية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة والتعامل مع الأعراب بالوسطية واللين والموعظة الحسنة، وقد أوردت المصادر الكثير من الروايات بشأن هذه المنهجية، ونورد بعض هذه الروايات لمعرفة معالم هذه المنهجية، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -في مسيرة سراة إذ عرض له أعرابي فقال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي لأهتدي بهداك وآخذ من قولك فما بلغتك حتى مالي طعام إلا من خضر الأرض فاعرض علي ، فعرض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبل فازدحمنا حوله فدخل خف بكره في بيت جرذان فتردى الأعرابي فانكسرت عنقه فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (صدق والذي بعثني بالحق لقد خرج من بلاده وتلاده وماله يهتدي بهداي ويأخذ من قولي فما بلغني حتى ما له طعام إلا من خضر الأرض أسمعتم بالذي عمل قليلا وجزي كثيرا هذا منهم، أسمعتم بالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون فان هذا منهم ) (33).
عن جابر -رضي الله عنه- قال)جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم وهو يقَّسم فسأله فاعرض عنه فجعل يقسم فقال بعض رعاة الشاة: والله ما عدلت، قال: (ويحك من يعدل إذا لم أعدل) ( 34) .
وعن مطعم عن أبيه عن جده قال:)أتى أعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم -فقال: يا رسول الله تجمدت الأنفس وضاع العيال وهلكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :ويحك أتدري ما تقول؟! فسبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم –فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك انه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله؟ إن الله على عرشه وعرشه على سماواته وسماواته على أرضه، قال بإصبعيه مثل القبة وانه ليأط به اطيط الرجل بالركب ) ( 35 ) .
وعن بن أبي أوفى قال:)جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -فقال: يا رسول الله علمني شيئا يجزيني من القرآن فإني لا أحسن شيئا من القرآن؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فعدها الأعرابي في يده خمسا ثم ولى هنيهة ثم رجع فقال: يا رسول الله هذا لربي فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني وعافني واهدني، فعدها الأعرابي في يده خمسا ثم انطلق فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقد ملأ الأعرابي يديه من الخير إن هو وفى بما قال ) ( 36 ) .
وعن أبي هريرة –رضي الله عنه -قال: (دخل أعرابي المسجد فقال: ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحدا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :لقد تحجرت واسعا، قال: فما لبث أن بال في ناحية من المسجد فكأنهم عجلوا عليه فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -ثم أمر بذنوب من ماء أو سجل من ماء فأهريق عليه ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - علموا ويسروا ولا تعسروا ) (37).
وعن ابن عباس - رضي الله عنه -قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -فقال: بم أعرف انك رسول الله؟ قال: (أرأيت ان دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم فدعا العذق فجعل ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل ينقر حتى أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -فقال له: ارجع فرجع ثم عاد إلى مكانه ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ). ( 38 )
عن كرز بن علقمة - رضي الله عنه - قال: (أتى أعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم -فقال: يا رسول الله هل للإسلام من منتهى؟ قال: نعم فمن أراد الله به خيراً من عجم أو عرب أدخله عليهم ثم تقع فتن كالظلل يضرب بعضهم رقاب بعض فأفضل الناس يومئذ مؤمن معتزل في شعب من الشعاب يتقي ربه ويدع الناس من شره ). (39 )
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -فقال: يا رسول الله متى الساعة فقام النبي - صلى الله عليه وسلم -إلى الصلاة ثم قال : أين السائل عن الساعة ؟ فقال الرجل: أنا، قال: ما أعددت للساعة؟ قال: يا رسول الله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام الا أني أحب الله ورسوله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: المرء مع من أحب وأنت مع من أحببت ). (40 )
بعد اطلاعنا على النصوص السابقة نخرج بتصور واضح وجلي عن حقيقة وسطية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في دعوته للأعراب، فنلاحظ ان الكثير من الروايات السالفة تبدأ بسؤال من قبل أعرابي للرسول - صلى الله عليه وسلم -بأسلوب يتسم بالجلافة والجفاء ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأسلوبه اللين المعتدل الوسطي يستوعب هذه الجلافة ثم يدعه إلى الإسلام وتعاليمه.
10 - نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم -عن التنطع والمغالاة في الأعمال :
من وسطية منهج الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -نهيه عن التنطع في الأعمال وعدم المغالاة، عن عبد اللَّه -رضي الله عنه - قال: قال ) رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -هلك الْمُتنطِّعُون قالها ثلاثًا (41 )، وفي رواية عن عبد الله) - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : (ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون ألا هلك المتنطعون) (42).
وقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الثلاث الذين اظهروا تنطعاً في عبادتهم، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -قال: (جاء ثلاثة رهْط إلى بُيُوت أزْواج النبي - صلى الله عليه وسلم -يسْألُون عن عبادة النبي- صلى الله عليه وسلم -فلما أُخْبرُوا كأنَّهُمْ تقالوها فقالُوا: وأيْن نحْنُ من النبي - صلى الله عليه وسلم -قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنْبه وما تأخَّر ، قال أ حدُهُمْ : أمَّا أنا فإنِّي أُصلِّي اللَّيْل أبدًا، وقال آخرُ : أنا أ صُومُ الدَّهْر ولا أُفْطرُ ، وقال آخرُ : أنا أ عْتزلُ النِّساء فلا أتزوَّجُ أ بدًا فجاء رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم –فقال : أنْتُمْ الَّذين قُلْتُمْ كذا و كذا أما والله إني لأخْشاكُمْ للَّه وأتْقاكُمْ له لكنِّي أصُومُ وأُفْطرُ وأُصلِّي وأرْقُدُ وأتزوَّجُ النِّساء فمنْ رغب عن سُنَّتي فليْس منِّي) .
11 - الشفقة على الخلق:
تتضح هذه الشفقة حتى على أعدائه، ومنهم هرقل عظيم الروم الذي كان يدير أكبر إمبراطورية في زمانه قال له في رسالته المشهورة (أني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم فإن ابيت فإن عليك أثم الأريسيين).وكان بين اصحابه عطوفا شفوقا يخشي عليهم من التعنت حتي في العبادة. وحديث عبدالله بن عمرو -رضى الله عنهما- قال فيه: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-( ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت إني أفعل ذلك! قال: فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت (تعبت وكلت) نفسك. وإن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا. فصم وأفطر وقم ونم) (43) و قد سبق في حديث الثلاثة الذين شددوا على انفسهم في العبادة قوله صلى الله عليه وسلم: (إني أصوم وأفطر وأقوم وأنام، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
12 - التلقي من ربه – عز وجل –:
ان رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم – لايوجد له مثيل بين الناس –اذ كان يقدم بين يدي الله تعالي وهو سامع مطيع متبع كان يستمع للوحي في بدئه. ويستشرف نزول جبريل رغم ضخامة المهمة. ولما انقطع عنه الوحي في بدء الرسالة ناله ما ناله من قلق ونصب، حتي عاوده الحق، كما في حديث عائشة - رضى الله عنها- وحديث جابر بن عبدالله الانصاري رضى الله عنه (44) كان يخشي على نفسه أن تضيع منه كلمات القرآن أو آياته حتي طمئنه الحق عز وجل" (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ{*} إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ{*} فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ{*} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)(القيامة 16-19)
من هذاالتوجيه وغيره، ومن العناية التي أحاطه بها ربه عز وجل يقول -عليه افضل الصلاة وأتم التسليم- )أدبني ربي فأحسن تأديبي (سار مع أصحابه على ذات النمط الرباني والأدب الرسالي فأدبهم وأحسن تأديبهم في توسط واعتدال. ولما رأي الأعرابي روعة الأدب وحسن التلقي قال مستعجبا: إن رسولكم هذا علمكم حتي الخراءة. ولم لا؟ وقد بعث -صلى الله عليه وسلم- متمما لمكارم الأخلاق كماجاء عنه في الأحاديث.
3 1- احترام العقل: من أراد أن يعرف مكانة العقل عند النبي الأواب -صلى الله عليه وسلم- فليستعرض أحاديثه التي تحدث فيها عن العلم والفهم والعقل والنهى وليفتح المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (تأليف محمد فؤاد عبدالباقي) ليعلم مكانة العقل ومادته، واللب ومادته، والتفكر ومادته، والنظر ومادته، سيجد عجباً لأن هذه الألفاظ ومادتها من أكثر المعاني وروداً في الكتاب الكريم المنزل على المصطفي المختار صلى الله عليه وسلم- . وهذا يعني أن هذا المبعوث للعالمين لايخاطب إلا أولي العقول والالباب. العقول السليمة المستقيمة التي لا تجنح إلي الغلو والتهور، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) ق ( 37)
والمعرضون عن الحق هم الذين ألغوا هذه العقول وتبعوا التبعية العمياء فهؤلاء – كما وصف القرآن الكريم " { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف179. فهل هناك وصف – لمن لايحترم العقل – أبشع من هذا؟ كان - صلى الله عليه وسلم- يقدم لقومه الحجج العقلية. يضرب لهم الأمثال، يخبرهم عن قصص الماضين. يجرى معهم الحوار بعد الحوار. وأوضح مثال محاورته لنصاري نجران ولعدي بن حاتم خاصة حتي هداه الله للإيمان . اجتهد مع آخرين من أهل مكة والطائف فهدى الله من هدي بنعمة العقل، وأبى من أبى بخصلة الجحود. قال الله تعالي يواسيه في ذلك: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام 33)
4 1- مراعاة الواقع
أصدق مثال لمراعاة المصطفي للواقع عدم إقدامه على هدم الكعبة وبناءها من جديد، ولو فعل - صلى الله عليه وسلم- لكان له العذر في ذلك إذ أن فتح مكة كان مرحلة جديدة تشهدها البشرية لأول مرة في تاريخها، كان الأمر بين يديه وجنوده يحيطون بمكة والكعبة من كل جانب، والأصنام تتهاوي من فوقها ومن جوفها، وقد كان النداء: (جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) الإسراء 81 لكن الرسول الرؤوف الرحيم الذي شرع فقه الواقع يقول للسيدة عائشة - رضى الله عنها- (لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لأقمت بناء الكعبة على قواعد ابراهيم - عليه السلام- وهذا يعني إنه كان سيدخل حجر اسماعيل في بناء الكعبة. وفيما بعد لما أراد الصحابي الجليل عبدالله بن الزبير - رضى الله عنهما- أن يفعل ذلك حين حكم الحجاز لفترة قصيرة قامت عليه الدنيا وكان ذلك سببا من أسباب هزيمته وقتله رحمه الله تعالي. فقه الواقع يحتم التدرج في الأحكام. وبعض ذلك قد كان في تحريم الخمر والميسر، بل وفي مراحل الدعوة السرية أولاً ثم العلنية في مكة ثم الهجرة ثم تكوين الدولة وتمتين آصرة المجتمع ثم الدخول في مرحلة الجهاد أو القتال. هذا هو المنهج الذي اختطه المصطفي -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي يحتاجه الدعاة والعاملون في التغيير الاجتماعي والسياسي والحضاري.وكل من يخالف هذا المنهج سيجد نفسه في معضلة عملية تكون نتائجها كوارث حقيقة، كما هو مشاهد اليوم بعد ظهور التطرف الذي يقول إما أن تأخذوا الإسلام جمله أو تتركوه جملة وهو شعار مخالف لمنهج القرآن الكريم الذي يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا)(التغابن 16)
مما تقدم من روايات نخلص إلى ان منهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -في الدعوة إلى الإسلام والى إخلاص العبادة لله كان قائماً على منهج معتدل وسطي بعيد عن التنطع والتطرف وهذا يثبت ان الإسلام دين معتدل وسطي بعيد عن التطرف، وقد أثبتنا ذلك وأصلنا له من طريق الروايات سالفة الذكر .
خامساً : ركائز المنهج النبوي.
من ركائز المنهج النبوي ما يأتي :
1 - مراعاة التيسير:
من مقاصد الشريعة الإسلامية التي أرسي دعائمها المصطفي - صلى الله عليه وسلم- رفع الحرج، ودفع العنت. لقد جاء في القرآن الكريم هذا المفهوم مؤكدا في قوله سبحانه – شهادة لرسوله المكرم – ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) التوبة 128
فهذه الرأفة، وتلك الرحمة تجسدتا في حياة المصطفي مع الناس أجمعين، مع الصغار والكبار، مع زوجاته وأهل بيته ومن يخدمونه . يحكي لنا خادمه أنس بن مالك - رضى الله عنه- إنه خدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عشرة سنين فما قال لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء تركته لم تركته.
وعن عائشة - رضى الله عنها- قالت: (ما خيَّر رسول الله - صلى لله عليه وسلم- بين أمرين إلا أختار أيسرهما مالم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ) (45 )
وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- إنه قال: ( الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستيعنوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) (46). حتي في الأمور الشخصية كان المصطفي - صلى الله عليه وسلم- يتدخل للإصلاح ذات البين بين الولد والوالد وبين الزوج والزوجة . ويكفي هنا حديث بريرة وزوجها مغيث حين تكارها، قال لها: (لو راجعته، فسألته ولكن أتأمرني؟ (تعنى فاطيع) قال: إنما اشفع، قالت لا حاجة لي فيه)، فمن تيسيره -صلى الله عليه وسلم- لم يأمرها على ما تكره وهذا غاية التيسير.
2 - تقدير الوسع والطاقة:
وهذا العنوان مرتبط بسابقه تؤكده الآية الكريمة من آخر سورة البقرة (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) البقرة 286. طبق المصطفي هذا الاسلوب في حله وترحاله، في دعوته وجهاده، مع الأتباع والخصوم. ففي الأسفار يقول :( سيروا بسير ضعفائكم .. وفي احدى السفرات يرى أحد أصحابة يظلل نفسه من شدة الحر في نهار غائظ وهو صائم فلم يقره النبي على ذلك وأمره بالفطر. وذكرت عنده إمراة تفعل مالا تطيق في صلاتها فكره ذلك ولم يقره) وكان -عليه الصلاة وأتم التسليم- إذا أشتد البرد بكّر بالصلاة - يعني الجمعة- وإذا أشتد الحر ابرد بالصلاة، وكان يقول:( ابردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) ذلك أن طاقة الإنسان محدودة، وإنه لايقدر على الشدة في كل أحواله. وكل هذا ليبتعد المسلم عن التنطع والتقعر، وفي حديث الخليفة عمر بن عبدالعزيز مع ابنه عبدالملك ما يدل على فهم هذا الخليق لطبائع الناس قال : فإذا حملوا على الحق جملة تركوه جملة والله العليم بحالهم.
3 - ذم الافراد والتفريط:
معلوم أن الإفراط هو تجاوز الحد والتعدي على مساحة غير مسموح بها، وهذا في حدود الارض مذموم فما بالك بحدود الله تعالي وحقوقه ثم حقوق النفس والأهل والآخرين. إن من يفرط في تجاوز الحد المرسوم يعد من الظالمين. وبالمقابل من يفرط يظلم نفسه ظلما كبيرا . وأخطر ظلم النفس الشرك بالله تعالي والكفر بنعمائه والتفريط في تكاليفه أمرا ونهيا.
والقرآن الكريم يعلم البشرية ويسوقها إلي الطريق القويم ذلك في قوله الله تعالي (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر 7). وقوله تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً) (النساء 115 (ويصدق هذا على المفرطين المتنطعين كما ينطبق على المفرطين المضيعين. وكأن هذا السلوك وذاك بمثابة المشاققة للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم- بعد أن بين للناس ما نزل إليهم، وبعد ما ترك الأمة على المحجة البيضاء وكما هذا التنطع والتضيع فيه مشاققة للرسول وعصيان لسنته فهو كذلك مخالفة لسبيل المؤمنين المتبعين غير المبتدعين. ولسنا هنا في حاجة للتذكير بقول الشاعر: كلا طرفي قصد الأمور ذميم.
4 - التوازن بين مطالب الدنيا والآخر:
هذا التوازن هو الذي قامت عليه السموات والأرض، كما جاء في سورة الرحمن (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ{*} أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ{*} وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)/الرحمن 7-9
فإذا كان ذلك في موازين الدنيا ألا يجور جائر بالتطفيف وعدم العدل في الوزن فإن الأمر كذلك في ترجيح جانب الحياة الدنيا وإهمال جانب الحياة الأخري الخالدة. نجد هذا التوازن أظهر ما يكون في قول الله تعالي:(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص 77.
وعند التأمل نرى أن الميل عن هذا القصد يحدث الاختلال ثم الفساد في الارض. والموازنة هنا بين الرهبانية والقارونية!! الرهبانية حادت عن القسط فما رعوها حق رعايتها. والقارونية طغت فكانت فسادا في الارض. ولايزال هذا شأنها في مانراه من حياه مادية خالية من الرشاد وجانحة نحو الفساد.إن ترك عمارة الدنيا بحجة الزهد جور وترك لواجب، كما إن الإنغماس في جمعها بحق وبغير حق مدعاة للنسيان بل الطغيان (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى{*} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى{*} (العلق 6-7). والمصطفى -عليه الصلاة والسلام- يعلمنا هذه الحقيقة بفعله وبقوله: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب ) (47)
سادساً : نماذج من الوسطية والاعتدال الواردة في ذم الغلو في الدين والتطرف في السلوك.
ومن نماذج الاعتدال عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في نبذ التطرف ما يأتي:
1- نماذج من ذم الغلو والتطرف:
مرّ معنا نماذج من ذم الغلو والتطرف في جانب العبادة وفي جانب الحياة الخاصة والوسطية في القول والعمل. لكنّنا هنا نورد بعض الوقائع التي تدل على نهج الاعتدال في سيرة - المصطفي صلى الله عليه وسلم-. في مجال الدعوة كان لايستبق المراحل بل كان يسير بخطة تؤدي في النهاية إلي انتصار الدعوة وانتشارها.تأملوا معي مشهده بين اصحابه وفيهم خباب بن الإرت قال خباب -رضي الله عنه-( شكونا إلي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة -وعداوة أهل مكة لهم في أشدها- فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟! فقال -صلى الله عليه وسلم- لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بامشاط الحديد ما دونه لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتي يسير الراكب من صنعاء إلي حضرموت لايخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون )(48)
فمن هذا الحديث نعلم ان النبي - صلى الله عليه وسلم- لا يتعجل النتائج كما يفعل أهل الغلو والتطرف في زماننا هذا وفي كل زمان، حتي مجرد الدعاء الذي لم يحن وقته لم يوافقهم عليه حتي لايعطيهم الأمل الكاذب. لكن لما جاء الوقت في غزوة بدر أخذ يتضرع حتي أشفق عليه الصديق أبوبكر - رضى الله عنه- ويوم النصر في فتح مكة اراد بعض الصحابة الإنتقام من الإعداء وقالوا اليوم يوم الملحمة!! اليوم تُسْتحل الحرمة، نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم- بل جمع من كانوا أعداء فقال لهم :( أذهبوا فأنتم الطلقاء ).
2 - النهي عن الاختلاف: ولأن الاختلاف الذي يقود إلي الخلاف سيئة من السيئات كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهي عنه أشد النهي. كان يقول (لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب) وفي حادثة رؤية ليلة القدر جاء النبي فجراً ليخبر بها اصحابه. ولكنه سمع علي باب المسجد رجلان يتلاحيان يعني يختلفان في أمر فقال لأصحابه (كنت أرأيتُ ليلة القدر (يعني وقتها) ولكني سمعت رجلين يتلاحيان فرفعت.) وفي هذا أبلغ درس لهم ينهاهم فيه عن الاختلاف.
ويأتي القرآن الكريم مشددا النهي عن الاختلاف والتنازع اللذين يؤديان إلي الفشل، قال تعالي: "وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" (الأنفال 46). وقال سبحانه (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (آل عمران 105(
ولما حصل خلاف بين المهاجرين والأنصار – بوقيعة بعض اليهود- غضب النبي - صلى الله عليه وسلم- وقال: (أفبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم )؟
ولقدأخذ سلفنا الصالح العبرة من التثريب والعتاب هذا فكانوا إذا حدث بينهم اختلاف ردوه إلي الله وإلي الرسول ولايختلفون على شيء قطعي، ومن دون ذلك هم متأولون. والقاعدة عندهم، رأينا صحيح يحتمل الخطأ. ورأي مخالفنا خطأ يحتمل الصواب. كما اثر ذلك من قول الإمام الشافعي رحمه الله
3 - النهي عن الجدال .
ومما يقود إلي الاعتدال والتسامح البعد عن الجدال إلا بحق. وإلا بالتي هي أحسن. لأن الغرض من المجادلة هو التغلب على المخالف في الرأي، فإذا كان بالتي هي أحسن وظهر الحق في جانب كان ذلك أدعي لقبوله، أما إذا كان بالتي هي أخشن فإن المخالف غالبا ما تأخذه العزة بالإثم ويرفض الحق ولو كان أبلجا. ومن ثم كان التوجيه القرآني للرسول الكريم ولأمته من بعد (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )" العنكبوت 46. فإذا كان هذا التوجيه جاء في منع مجادلة المخالف في الاصول الإيمانية، فمن باب أولي منعه بين أخوة الإيمان. وإذا حدث شيء من ذلك فما هو إلا الضلال. ولقد ورد تحذير المصطفي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه من الوقوع في الجدال الممقوت فقال: (ما ضل قوم بعد هدى كان عليه إلا أوتوا الجدل)
واضح من هذا إن الجدال الممنوع هو الذي يغمط أصحابه الحق بعد ظهوره كما جاء في الإنفال {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}الأنفال6. ولعل ما جاءفي هذه الإشارة للمؤمنين كان بداية لمرحلة جديدة يلتزم فيها الجميع بالتمسك بالحق وإن كان مخالفا لهوي النفس، وقد قال لهم المصطفي -صلى الله عليه وسلم- (لايؤمن أحدكم حتي يكون هواه تبعا لما جئت به)
4 - النهي عن التكفير:
وإذا زعم زاعم أن الحق إلى جانبه عند الجدال والخصومة – فيما لانص فيه-فليحذر إطلاق الأحكام، ورمي المخالفين بالكفر أو الفسق اللهم إلا إذا كان عنده من مستند لايحتمل التأويل. لقد كان ما وقع فيه بعض الصحابة في المعارك الحربية من قتل لمن نطق بالشهادتين درسا عظيما للمسلمين ألا يحلوا دماء من آمنوا بحجة التكفير أو غيرها من الحجج.
وهذا هو سيف الله خالد بن الوليد -رضي الله عنه- يقع في شيء من ذلك في حروب سميت بحروب الردة. نعم الردة ويقتل خصمه الناطق بالشهادتين فيرفع الخبر إلي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فيستدعي خالدا معاتبا له. وفي حادثة مشابهة يقول لأسامة بن زيد-رضي الله عنهما- ما تفعل بلا إله إلا الله ؟
وقد جاء في الحديث: (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) وفي حديث آخر في الصحيحين: (من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حاد عليه ) يعني رجع الكفر عليه. والمعلوم أن كفر المسلم من أخطر الاشياء لأنه تترتب عليه أحكام دنيوية وآخروية أما الدنيوية فمنها إقامة حد الردة عليه ومنها تطليق زوجته وعدم التوارث بينه وبين ورثته المسلمين وعدم الصلاة عليه عند موته الخ ومن هنا كان نهج المصطفي (صلى الله عليه وسلم) منع التكفير وزجر من وقع فيه .
5 - النهي عن قتال المسلم:
ليس القتال وحده هو الممنوع وإنما مجرد السباب. فالمسلم ليس بالطعان ولا اللعان. كما جاء في الحديث. وجاء الحديث الآخر مؤكدا لهذا المعني. قال -صلى الله عليه وسلم -: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) وهذا حديث متفق عليه من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه .
وعن أبي ذر -رضى الله عنه -إنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم-( يقول لايرمي رجل رجلا بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه أن لم يكن صاحبه كذلك ) (49) .
وقد نهي المصطفي -صلى الله عليه وسلم- من مجرد الظن السيء بالأخ المسلم لأن كثيرا مما يثير المشكلات ويقود إلي الهفوات بل الموبقات هو سوء الظن الذي قد يؤدي إلي القتال ولاسيما في أمور الدين من المعتقدات والافعال. وقد ورد عنه- صلى الله عليه وسلم -إنه قال :(إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله أخوانا كما أمركم. المسلم أخو المسلم لايظلمه ولا يخذله ولا يحقره.التقوى هاهنا التقوي هاهنا – ويشير إلي صدره – بحسب إمرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم . كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وما له. إن الله لاينظر إلي اجسادكم ولا إلي صوركم، ولكن ينظر إلي قلوبكم واعمالكم) (50)
سابعاً :أثر الوسطية في استقرار الفرد والمجتمع الاسلامي.
ان من نتائج تطبيق الوسطية والاعتدال واقعياً على المجتمع الاسلامي ما يأتي:
1 - ينتشر التقارب والتعايش بين الناس : فالوسطية مطلوبة في الخطاب الديني بعيدا عن التشدد والغلو وتحريض الناس فالرسول –صلى الله عليه وسلم- خاطب جميع الفئات وعاش معها فعاش في مكه مع الكفار وكذلك في المدينة أبرم عهداً مع اليهود وتعايش معهم تحت سقف دولة واحده .
2 - نبذ العصبية والدعوة إلى الحوار وتقبل الآخر: فهذا الأمر مطلوب وأصبح مطلباً ملحاً بين التيارات والجماعات والفئات الإسلامية فنحن مطالبون بجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم أمام العدو الواضح عداوته لله ورسوله فلنكن دعاة وحدة وسلام فيما بيننا تحت شريعة الله ورسوله وقد نبذ الرسول العصبية القبلية الضيقة وقال لأحد الصحابة (انك امرؤ فيك جاهلية ..) وقال : (أبدعوى الجاهلية وانأ بين اظهركم) ودعا الرسول الى الحوار كما حصل مع اليهود حيث ذكر الله سبحانه في الاية ( قل يا أهل الكتاب تعالوالى كلمة سواء بيننا وبينكم ...) وكان- الرسول -صلى الله عليه وسلم - يستخدم الحجة والبرهان في الخطاب وكذلك اللين والرحمة شعاره (لعل الله ان يخرج من اصلابهم من يقول لا اله الا الله )
3 - التعايش السلمي داخل المجتمع المسلم: فالوسطية في الخطاب الديني تنشر المحبة بين المجتمع والطوائف المختلفة تحت شعار متميز وضعه الرسول-صلى الله عليه وسلم -(لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ) ولكن اذا اردنا النجاح في ذلك فليكن لنا مرجعا نرجع اليه عند اختلافنا وهو الكتاب والسنة تحت هذا الدستور الواضح والبين الصالح الى قيام الساعة وفي النهاية لكم دينكم ولي دين ولنحترم بعضنا بعضا وليعذر بعضنا البعض في الاجتهادات ليتم لنا التعايش المنصف على مستوى المجتمع الواحد فما ان ننجح في ذلك نستطيع تطبيقه مع الاخر في المجتمعات الغير اسلامية وتجتمع كلمتنا وترجع لنا مكانتنا وقوتنا ومجدنا التليد .
4 - يتم ترشيد الخطاب الديني : وهو الذي نسعى ونرمي اليه تحت شعار يسرو ولا تعسر و بشرو ولا تنفروا يتم قبول الخطاب من الناس ويترجم الى عمل بعيدا عن المهاترات المذهبية والطائفية ويبدأ الناس بداية جادة بالبحث عن الخير للبشرية جمعاء
5 -تنتشر القيم والمبادىء العظيمة الداعية الى التسامح وحب الخير للآخرين ونشر ثقافة التسامح ونبذ الأحقاد والغل فيما بيننا قال تعالى ( ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا )
6- ينتشر الامن والأمان بين المجتمع ، اذ أن محاربة الأفكار الهدامة الداعية الى الاخلال بالامن والسلم المجتمعي مطلب لبقاء البشرية ومطلب للبناء والتعمير للارض، ونشر الدين وتعليم البشرية دين ربها سبحانه وتعالى حيث شدد الرسول -صلى الله عليه وسلم -على عدم ايواء المحدث فقال :( من أوى محدثا فعليه لعنة الله ...) وكذلك جعل في الاسلام حد الحرابة الافساد في الارض .
7- وجود التكافل الاجتماعي والتراحم بين المجتمعات .
على اختلاف مذاهبها ومشاربها الفقهية والطائفية فبالخطاب الديني المعتدل الوسطي المنهج ينتشر التعايش بين الناس والتراحم والتعاطف فكل واحد يسعى الى الاجر والمثوبه من الله وتقديم يد المساعده لاخرين اقتداء بالرسول القائل ( احب الخلق الى الله انفعهم لعياله ) وقول بن عمر (لأن اقوم في خدمة أخي المسلم أحب الى من أن اعتكف في البيت الحرام مئة سنة ) فاذا تكلم الناس والدعاة وأصحاب الخطاب الديني بما سبق كان أدعى للناس الى التطبيق والتنفيذ ونشر الخير بين الناس فنرى في النهاية المجتمع المنشود والمستقبل المنتظر
إن وسطية الإسلام يجب أن نتمثلها في سلوكنا وأفكارنا وتعاملنا فيما بيننا أولاً ثم ننقلها إلى الخارج لا من خلال الأفكار فقط ولكن من خلال السلوك نستطيع أن نصل إلى قمم القيم الإسلامية وقمم الحقيقة الإسلامية وأن ننزل إلى هضاب الحضارة الغربية المتعطشة فنرويها بالحقيقة الإسلامية وبالهدى الإسلامي وعندها نضيف إليها بعدا جديدا ، لأن الحضارة العلمانية ، حضارة الصاروخ ، حضارة الإلكترون اكتسبت اشياء مادية وضيعت بعداً تشعر بفقدانه وهوالاتصال بالسماء .
الخلاصة
من خلال الاجابة عن أسئلة البحث وما ورد فيها من نصوص وضح لنا أن منهج النبي - صلى الله عليه وسلم- يتسم بالتوازن والوسطية والاعتدال. لم يكتف بتطبيق ذلك في سلوكه بل علمه أصحابه في حسن خلقه وتوازنه النفسي وسلامة مقصده وبعده عن الذاتية والأنانية .
وكان منهجه الشفقة على الخلق والتلقي من ربه -عز وجل- وكان يحترم عقله وعقول الآخرين لم يناف ذلك الوحي. كان منهجه - صلى الله عليه وسلم- التيسير وتقدير الوسع والطاقة وقد ذم الافراط والتفريط ودعا إلي التوازن بين مطالب الدنيا والآخرة وكان منهجه محاسبة النفس والقول الحسن والقدوة الحسنة .
ذم الغلو والتطرف ونهي عن الاختلاف ونهي عن التكفير وحرم القتال بين المسلمين.
ويتبين لنا أيضاً أن الوسطية هى الطريق القويم الى الصراط المستقيم ، والصراط المستقيم هو الطريق الوحيد الى جنة الرحمن، فمن سلك الوسطية له جنان الرحمن باذن الله المنان ،و لن يسلك سالك فى دين الاسلام على درب هدى النبى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-و أصحابه رضى الله تعالى عنهم ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين الا و يُسئل عن وسطيته و منهجه الذى يسير عليه ، فعلينا بأسس و قواعد الوسطية فهى قاعدة البناء ، ولنجعل طباعنا هى ملامح الوسطيه.فهذا حال المؤمن ، تأمل قول الرسول -- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَه ) فهذا مثال تطبيقي لمعنى الوسطية لا يقوم به الا المؤمن.
تعجل فى اللحاق بقطار الوقت ، فكم من العمر أصبحتَ ؟ كم من الايام قضيتَ ؟ كم من المعاصى فعلتَ ؟ أسرع لتكون من الفائزين . فمهما طال ظلام الليل. حتماً سترى الفجر و مهما طال العـمر حتماً ستزور القبر فعلينا الإقتداء والإهتداء بهديه صلى الله عليه وسلم.
اعداد
الدكتور : زهاء الدين أحمد سلامة عبيدات
المراجع :
القرآن الكريم .
([1]) ينظر:لسان العرب ، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري ، دار صادر – بيروت الطبعة الأولى (7/426).
(2) المصدر نفسه (7/430).
(3) القاموس المحيط ،القاموس المحيط : محمد بن يعقوب الفيروزآبادي باب الطاء، فصل الواو: (893).
(4) انظر الصحاح ، إسماعيل بن حماد الجوهري (ت393هـ).دار العلم للملايين- بيروت.الطبعة الرابعة 1990 ، 4/304
(5) المصدرنفسه : (3/1167).
(6 )انظر: المصباح المنير: أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقري ،تحقيق : يوسف الشيخ محمد ، المكتبة العصرية ، 339 .
(7)معجم مقاييس اللغة: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا دار الفكر : 1399هـ - 1979م. كتاب الواو، باب (الواو والسين): (6/108).
(8) الوسطية مطلباً شرعياً وحضاريا ، د. وهبة الزحيلي ص5
(9) الوسطية في ضوء القرآن الكريم ، للشيخ ناصر العمر ص 32
(10) دور الأسرة المسلمة في تفعيل قيمة الوسطية كمنهج حياتي للشباب د.حنان محمد درويش ص4
(11) صحيح مسلم /النووي ج15/108 –ط1 / دار إحياء التراث العربي / بيروت 1392 هـ .
(12). ابن حنبل: أحمد ابو عبد الله الشيباني، مسند الإمام احمد بن حنبل،مصر، مؤسسة قرطبة، د. ت، الطبراني: ابو القاسم سليمان بن احمد بن ايوب 6/15 ،30 ، 114
(13).الفاكهي، أبو محمد محمد بن أسحاق بن العباس، اخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، تحقيق: الدكتور عبد الملك عبد الله دهيش، لبنان بيروت، دار خضر، ط/ 2 393
(14). الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله ابو عبد الله / المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، لبنان بيروت، دار الكتب العلمية، ط/ 3 1/629
(15). الغضبان، منير محمد، فقه السيرة النبوية، المملكة العربية السعودية، جامعة ام القرى،367/380
(16). البخاري، محمد بن إبراهيم بن إسماعيل ابو عبد الله ،صحيح البخاري، تحقيق: الدكتور مصطفى ديب البغا، المملكة العربية السعودية اليمامة، لبنان بيروت، دار ابن كثير ط3/2 /944
(17). الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين 3/482.
(18). مختصر صحيح البخاري ، الزبيدي 791 – 792
(19). مختصر صحيح البخاري ، ابن أبي حمرة 151 – 152
(20). السيرة النبوية / علي الصلابي .
(21). 2 374 ؛ الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي، كشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، تحقيق: عبد الرا زق المهدي، لبنان بيروت، -.594/ دار إحياء التراث العربي 2 /594
(22).الحاكم النيسابوري ، المستدرك على الصحيحين 3/432
(23). تفسير البيضاوي، البيضاوي، دار الفكر )بيروت) 3 / 422
(24) . السيوطي، الدر المنثور 3/131
(25). ابن حبان، صحيح ابن حبان 14/516
(26). ابن كثير، تفسير ابن كثير 1/436
(27). الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، تاريخ / الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمرى، لبنان بيروت، دار الكتاب العربي، ط1 2/697
(28). ابن كثير / تفسير ابن كثير 3 / 39
(29).السيوطي، أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر/ الدر المنثور، / بيروت، دار الفكر 1/ 128
(30).الشنقيطي، أضواء البيان 2/355
(31).البخاري، صحيح البخاري 1/386
(32). السيوطي / الدر المنثور 6/222
(33).الرازي، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، تفسير القرآن، تحقيق: أسعد محمد الطيب، صيدا،
المكتبة العصرية 4/1334
(34). الرازي، تفسير القرآن 6/1817
(35).الرازي، تفسير القرآن 8/2515
(36). ابن أبي شيبة، مصنف ابن أبي شيبة 6/100
(37). البيهقي، الحافظ الامام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو أحمد الخسروجردي،
معرفة السنن والآثار عن الامام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: سيد كسروي
- حسن، لبنان بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأول 2/250
(38). الطبراني، المعجم الأوسط 5/ 197-198
(39).ابن هبة الله، علي بن الحسن أبو القاسم، أربعون حديثا لأربعين شيخا من أربعين بلدة،
تحقيق: مصطفى عاشور، مصر القاهرة، مكتبة القرآن 1/73
(40). ابن هبة الله، أربعون حديثا 1/162
(41). مسلم / صحيح مسلم 4/ 2055
(42). أبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنى الموصلي التميمي، مسند أبي يعلى، تحقيق: حسين سليم
أسد، سوريا دمشق، دار المأمون /ط1 / 8/422 /1984
(43). مختصر صحيح مسلم / ابن أبي حمرة ص52
(44). مختصر صحيح البخاري/ ابن أبي حمرة 13 - 15
(45). مختصر صحيح البخاري/ ابن أبي حمرة ص139
(46). مختصر صحيح البخاري/ ابن أبي حمرة ص18
(47). مختصر صحيح البخاري/ الزبيدي ص789
(48). صحيح البخاري/ 3612
(49). صحيح البخاري/ 10/388
(50). صحيح مسلم/ 2523
بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري ، دار صادر – بيروت الطبعة الأولى (7/426).
([2]) المصدر نفسه (7/430).
([3]) القاموس المحيط ،القاموس المحيط : محمد بن باب الطاء، فصل الواو: (893).
ابحث
أضف تعليقاً