wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
كلمة الدكتور محمد طاهر منصوري"دور المؤسسسات التربوية في مواجهة التطرف"
الثلاثاء, April 29, 2014

بسم الله الرحمن الرحيم

مما لا شك فيه أن المؤسسات التربوية لها دور أساس في بناء شخصية المتعلمين بناءا سويا متكاملا يقوم على الوسطية والاعتدال وتحصينهم من الفكر المتطرف والمنحرف الذي يدمر مستقبلهم ويؤدي بهم إلى الهاوية. ولا يتحقق هذا الهدف إلا بإيجاد نظام تربوي شامل ومتكامل يسهم بشكل فعال في توجيه الدارسين نحو الوسطية والاعتدال وإبعادهم عن التطرف والغلو.

وسوف ندرس في هذه الورقة دور المؤسسات التعليمية في تفعيل الفكر الوسطي في الدارسين بها. ولما كان التطرف الفكري يرتبط أو يلتصق غالبا بالمؤسسات التربوية الدينية، فنرى من الضروري التعرضلدراسة وضع هذه المؤسسات في مواجهة التطرف ومن هنا نقوم بدراسة حالة المدارس الدينية الأهلية في شبه القارة من منظور وسطي.

وستركز الدراسةفي هذه الورقة على الموضوعات التالية:

  1. مدلول التطرف الفكري والديني والمصطلحات الأخرى ذات الصلة بالموضوع
  2. دور المؤسسات التربوية الرسمية في توجيه الدارسين نحو الوسطية والاعتدال؛ ومقومات تحقيق الفكر الوسطي في المؤسسات التربوية.
  3. تقويم تجربة المدارس الدينية الأهلية في باكستان إزاء منع التطرف
  4. اقتراحات وتوصيات لتفعيل دور المؤسسات التربوية في مواجهة التطرف

 

أولا:مدلول التطرف الفكري والمصطلحات الأخرى ذات الصلة بالموضوع

  1. مفهوم التطرف الفكري:

يعرف الدكتور القرضاوي التطرف الفكري بأنه حالة من التعصب للرأي تعصبا لا يعترف معه بوجود الآخرين، وجمود الشخص على فهمه جمودا لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الآخرين، ولابمقاصد الشرع ولا ظروف العصر ولا يفتح نافذة للحوار مع الآخرين وموازنة ما عنده بما عندهم ويؤدي في النهاية إلى الإرهاب المسلح وترويع الآمنين.[1]

ويرى الدكتور رفعت محمود أن التطرف الفكري عبارة عن حالة فكرية وعاطفية وسلوكية لدى الفرد تشوبها شوائب التعصب الروحي، والاطمئنان الإيماني إلى حالة من حالات الاستعداء والعدوان للآخر بدلا من النظر إليه بحسبه مشروعا للتواصل الفكري والروحي، فيصبح الآخر عدوا يجب مجاهدته ومحاربته".[2]

فالتطرف الفكري هو احساس المرء بأنه يمتلك كل الحقيقة مما يخلق عنده قناعة تامة بصواب ما عنده وخطأ ما عند الآخرين، ويستوي في ذلك الشخص الواحد أو الجماعة سواء كانوا دولة أو مؤسسة[3] ومنه التعصب للرأي وهو إحكام الرأي على فكرة معينة غير قابلة للنقاش أو التحليل مع رفض الرأي الآخر.[4] ومن أخطر أنواع التعصب المقيت : التعصب للرأي لمجرد كونه رأي فلان أو علان وتخطئه الرأي الآخر، ورميه بالضلال والبطلان.

 

  1. تعريف التطرف الديني:

التطرف هو مجاوزة الحد والغلو في الدين، وهو التصلب فيه والتشدد حتى مجاوزة الحد فهو مجاوزة الاعتدال في الأمر.

وأطلق العلماء قديما كلمة التطرف الديني على القائل المخالف للشرع وعلى القول المخالف للشرع وعلى الفعل المخالف للشرع، فهو فهم النصوص الشرعية فهما بعيدا عن مقصود الشارع وروح الإسلام، فالتطرف في الدين هو الفهم الذي يؤدي إلى إحدى النتيجتين المكروهتين، وهما الإفراط أو التفريط. والمتطرف في الدين هو المتجاوز حدوده والجافي عن أحكامه وهديه، فكل مغال في دينه متطرف فيه مجاف لوسطيته ويسره.[5]

 

  1. مفهوم الغلو

وكلمة الأخرى ذات صلة بالتطرف هي الغلو. وقد وضح العلماء المراد بالغلو في الدين. ومن ذلك ما قاله النووي: "الغلو هو الزيادة على ما يطلب شرعا".[6] وقال ابن حجر: "هو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد".[7]ومن هنافيمكن القول: إن الغلو تجاوزماأمرالله تعالى به من جهة التشديد.

 

  1. مفهوم الوسطية

إن الدلالة الاصطلاحية لمدلول الوسطية تعني التوازن والإعتدال,وقد روى الطبري بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)قال عدولاً.[8] وممايدل أيضاً على أن وصف الأمة بالوسط يراد به كون أفراده  عدولا خياراقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون با المعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)[9]، فأمة الإسلام جعلت أمة وسطاً،عدلاًخياراً،والعدل الخيار يتضمن الدلالة على كونهم بين الإفراط والتفريط.

 

  1. مفهوم الاعتدال:

الاعتدال هو التزام المنهج العدل الأقوم، والحق الذي هو وسط بين الغلو والتنطع، وبين التفريط والتقصير؛ فالاعتدال والاستقامة منهج وسط بين طرفين، وهما: الإفراط والتفريط. والاعتدال هو: الاستقامة والتزكية، والتوسط والخيرية. فالاعتدال يرادف الوسطية التي ميزالله بها هذه الأمة.

 

ثانيا:  دور المؤسسات التربوية في مواجهة التطرف

كما ذكرنا سابقاً أن للمؤسسات التربوية دورا كبيرا في توجيه سلوك الطالب وإرشاده نحو الوسطية والاعتدال. وقد أسهم تقصير المؤسسات التربوية في هذا الجانب وقوع عدد كبير من الشباب فريسة لبلاء التطرف والغلو. لذا يقع على المؤسسات التربوية عبأ كبيرا لاتباع  سياسة تربوية سليمة واختيار أساليب تعليمية متقنة ناجحة من أجل  تربية الجيل على الاستقامة والوسطية والاعتدال.

ونتناول هنا الأساليب والآليات لتفعيل دور المؤسسات التربوية في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال في أفرادها. وهذه الأساليب تتعلق بالمحاور التربوية المختلفة مثل المناهج والمقررات الدراسية، والمعلم والمربي، والأنشطة والبحوث العلمية.

 

  1. المنهاج الدراسي

إن المناهج الدراسية هي بمثابة العمود الفقري للعملية التعليمية، وهي الوعاء الذي تقدم من خلاله المعلومات للطالب لكي يستوعبها ويستقي منها ما يمكن أن يساعده في سيرته التعليمية،[10]فإذا كانت المناهج الدراسية من ناحية أهدافها وموضوعاتها مرتبطة بالعقيدة الإسلامية الصحيحة والأخلاق النبيلة فإنها يمكن أن تخرج مواطنين صالحين ينفعون أنفسهم ووطنهم ومجتمعهم ويمكنها توفير الأمن والاطمئنان والاستقرار للمجتمع.

ومن المؤسف أن المقررات الدينية في المؤسسات التعلمية الرسمية في  البلدان المسلمة عموما لاتفي بحاجة المتعلمين في توعيتهم في أمور دينهم وخاصة في تبصيرهم نحو العقيدة الإسلامية الصحيحة الصافية وتوجيههم نحو الأخلاق الإسلامية الفاضلةووقايتهم عن الأفكار المنحرفة.فلايتم تعليم الدين في هذه المؤسسات الا تعليما هامشيا مما لايؤدي دوره المطلوب في تقويم الأخلاق وتثبيت قيم الاستقامة والاعتدال والوسطية لدى الدارسين.

إن هذه المقررات ـ كما يرى بعض الباحثين ـ  "لا تكاد تغطي سوى جوانب محدودة من فكر الإسلام وثقافته، فضلا عن القيم الإسلامية الفاضلة ويتم فيها التعامل ركضا على سطح الظواهر والمفردات دونما أي قدر من التعمق والإيغال، ويتخرج طالب القانون أو السياسة أو الإدارة أو الاقتصاد أو الآداب وهو لا يملك من الإسلام سوى شذرات وقطوف وخطوط عامة في أحسن الأحوال".[11]

وهذه الثقافة الدينية الضعيفة والناقصة تجعل المتعلم فريسة سهلة للأفكار المنحرفة والهدامة وأصحابها الذين يستغلون جهله بالدين لتوجيهه نحو الغلو والتطرف. وغني عن البيان أن التطرف عند الشباب ينشأ غالبا بضعف ثقافته الدينة وقلة الفقة في الدين وبسبب سوء فهمه لكثير من أحكام الدين فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغيير المنكرات والتعامل مع الحكام والمعاملة مع غير المسلمين وما إلى ذلك من الأحكام، وهذا الضعف يسبب في إيجاد قناعة ناقصة عن هذه القضايا لدى هؤلاء الأفراد وبالتالي يعتبرون رأيهم هو الحق والصواب فيفرضونه على الآخرين بالقوة والعنف فينشأ منه إرهاب مذموم مفكك لكيان الأمة.

أضف إلى ذلك أن المناهج الدراسية في المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي على مستوى المدرسة أو المعهد أو الجامعة عموما لا تولي اهتماما مناسبا بالأخلاق والقيم الإسلامية الفاضلة مثل وسطية الإسلام وسماحته والعدل والرحمة والإحسان والبعد عن الظلم ومراعاة حقوق المسلمين وغيرهم وحرمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم والتعاون والتآلف بين أبناء المجتمع البشري وغير ذلك من القيم الفاضلة التي من شأنها أن تسهم في بناء شخصية متوازنة ومعتدلة للمتعلم، وبالتالي إيجاد مجتمع آمن ومطمئن يعيش في جو من الأمن والسلام والحرية.

لذا يجب تعزيز وتقوية المحتوى الديني والشرعي في المناهج الدراسية في المدارس والجامعات العصرية الحكومية فيما يتعلق بالعقيدة الإسلامية والأخلاق والسلوك والمعاملات حتى تفي بحاجات الطلاب والمجتمع المسلم. ويجب أيضا أن لايكون التعليم الديني قاصرا على مقررات دينية معينة مثل الثقافة الإسلامية والتاريخ الإسلامي والسيرة النبوية تدرس بشكل غير مشوق في المعاهد والجامعات العصرية بل ينبغي أن تضمن العقيدة والأخلاق والقيم الإسلامية جميع المقررات حتى تنشأ للطالبشخصية إسلامية متكاملة وليس شخصية ناقصة وغير مستقيمة. كما يجب أيضا أن تتضمن المناهج الدراسية المفاهيم الإسلامية حول حقوق الإنسان والتعامل مع الغير وحرمة الاعتداء ومنع الظلم ونبذ الكراهية والتعاون والتآلف بين أبناء المجتمع البشري لخدمة البشرية وإعمار الأرض والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات والوفاء بالعهود وصيانة حقوق الآخرين والقيم الإسلامية والإنسانية الفاضلة مثل العدل والسلام والتضامن والتكافل الاجتماعي وغيرذلك من القيم والأخلاق الإسلامية النبيلة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بتعزيز ثقافة الوسطية والاعتدال في المجتمع.

 

  1. المعلم والمربي

يقع على عاتق المعلم والمربي مسؤولية جسيمة ألا وهي إعداد أجيال من الرجال أصحاب العقيدة السليمة والإيمان الصادق والسلوك النبيل. فلا يقف اهتمام المعلم وخاصة معلم التربية الإسلامية عند نقل المعرفة، بل يهتم كذلك بتشكيل شخصية المتعلمين؛ ولعل هذا يفسر اعتبار ابن خلدون التعليم من جملة الصناعات التي لا يستغني عنها المجتمع. والتربية الإسلامية التي تهدف إلى صياغة شخصية المتعلم لا تعتبره كائنا سلبيا، بل تعتبره كائنا إيجابيا له مشاعره ودوافعه وانفعالاته. والتربية الحقة هي التي تحافظ على الفطرة وتعمل على رعايتها وتنميتها. وهذه التربية تعطي المعلم سلطة كبيرة دون أن يضر ذلك بالطرف الآخر وهوالمتعلم؛ فشراكة كل منهما في الأجر تجعل العملية التربوية متناغمة خالية من التناقضات. وهذا يظهر بوضوح نظرة الإسلام الوسطية إلى طبيعة عملية التدريس.[12]

ولا يكفى أن يكون المربي متمكنا من مادته، علما بأحدث النظريات التربوية، بل يجب أن يكون قبل كل شيئ إنسانا ورعا، صالحا، متميزا بمحبة طلابه وقدرته على اكتساب محبتهم وتقديرهم، وبالتالي سهولة الوصول إلى قلوبهم وعقولهم. فالجهد التربوي في الإسلام هو فيأساسه جهد في مجال الدعوة الإسلامية، والإعداد لإقامة المجتمع الإسلامي الأمثل والمحافظة عليه وتطويره، فإذا لم يكن المربي مؤمنا بذلك، ملتزما بتعاليمه، فأنى له أن يربي جيلا مؤمنا عالما ملتزما.

وينبغي على المدرس أن يكون حسن الأخلاق والسمعة زاهداً متواضعاً مخلصاً في عمله حليماً وقوراً عالماً بطبائع الأنفس متمكناً من مادته أحسن التمكن فإن اتصف بهذه الصفات كان قدوة حسنة وأسوة طيبة لتلاميذه يستطيع أن يمدهم بالعلم والمعلومات التي تساعدهم على مسايرة التطور في المجتمع سواءاً أكان المدرس في رياض الأطفال أو المعاهد أو الجامعات.

كل هذا يقتضي حسن اختيار المعلم ديناً وخلقاً وعلماً لأنه هو المثل الأعلى في العبادة والطاعة والأخلاق إضافة إلى الثقافة الإسلامية والمعرفة. فإذا صلح المعلم صلحت العملية التربوية وإذا فسد فسدت كلها.[13]

 

المعلم وتأثيره في الطريقة

أكد المربون المسلمون ضرورة توافر مجموعة من الصفات في المعلم،حتى يمكنه الاضطلاع بمسؤلية تربية الأجيال على الاستقامة والاعتدال ومن هذه الصفات:

  • التواضع مع تجنب كل مافيه مذلة للعلم وأهله.
  • العلم والخبرة والدراية الواسعة.
  • الورع ومراقبة حدودالله.
  • القدرة على اختيار المنهاج الذي يناسب المتعلمين.
  • التفرغ للعلم.
  • العناية بنظافة الجسم والملابس.
  • البعد عن الجدال أو مناقشة القضايا التي تؤدي إلى الفوضى.
  • العدل بين المتعلمين والمساواة في المعاملة فيما بينهم.
  • سلامة الصدر والبعد عن الغلظة.
  • القدرة على اكتشاف المواهب والفروق الفردية بين المتعلمين.
  • روح الدعابة التي تبعد الملل عن النفوس وتحفز على التعلم.[14]

أجريت دراسة في الولايات المتحدة في منتصف القرن الحالي وأظهرت أن أهم الصفات التي يفضلها المتعلمون في المعلمين هي:

  • التعاون
  • العطف والصبر
  • العدل وعدم التحيز
  • روح الدعابة والمرح
  • تجنب التناقض في التصرفات
  • الاهتمام بمشاكل المتعلمين
  • المرونة
  • الكفاءة في التدريس
  • الغزارة العلمية
  • الثقة بالنفس
  • القدرة على استخدام التقنيات التربوية[15]

 

إن المقارنة بين نظرة العلماء المسلمين والعلماء الغربيين إلى الخصائص الواجب توافرها في المعلم تظهر نقاط التقاء، لكنها في الوقت ذاته تظهر نقاط الاختلاف، ويأتي في مقدمتها الصفات الإيمانية. وتباين المعلمين في الصفات المتوافرة في كل منهم يؤدي إلى تباين الطريقة. فالمعلم الذي منحه الله سبحانه وتعالى بصيرة في أحوال النفس الإنسانية أكثر قدرة على التعامل مع المتعلمين ممن يفتقر إلى هذه السمة. والمعلم الذي يعتبر تدريسه عبادة يتقرب بها إلى خالقه يدرس بطريقة تختلف عن المعلم الذي يدرس لمطلب دنيوي.

ويجب أن ندرك أيضاًأن علاقة المعلم والمربي مع المتعلمين لا تكون قاصرة على قاعة الدراسة وإنما ممتدة إلى حياتهم العامة بحيث يراقب المربي طلابه في جميع أنشطتهم ويسهم في بناء سلوكهم على قيم الإسلام ويدرس مشكلاتهم التي قد تؤدي إلى انقطاعهم عن الدراسة والتسرب من التعليم مما يتيح الفرصة لالتحاقهم بالجماعات المنحرفة فكريا وسلوكيا.

 

  1. برامج التربية الدينية والأنشطة غير المنهجية

تعد برامج التربية الدينية والأنشطة غير المنهجية الهادفة من أهم أساليب تربية الشباب على السلوك الإسلامي القويم وتحصينه من الانحراف في الفكر والسلوك. فالتربية الإسلامية الرشيدة هي الهدف الأسمى من التعليم، وهي التي تحقق الترابط الأكيد بين العلم والعمل، والتوازن الجاد بين الكم والكيف، وبين القيم النظرية والتطبيق العملي لها في الحياة، وتحقيق النموذج المرجو للشباب المسلم الذي يعيش دينه وقيمه العليا ويتجاوب مع حركة الحياة الدائبة والمتطورة بفكر مفتوح في توازن وتكامل، والتربية الإسلامية هي الطريق الوحيد لتحقيق ذلك، إذ لا يكفي أن يحفظ الدارس أجزاء من القرآن، ومجموعة من الأحاديث النبوية وغيرها من المعلومات الفقهية والعلمية .. إلى آخر البرامج التعليمية، لكى يواجه الحياة ويعيشها كما نرجو لشباب أمتنا الإسلامية، ولكن لا بد أن يتدرب من خلال الأنشطة المختلفة على تطبيق ما حصله من علم في الحياة العملية وأن يمارس الحياة الإسلامية في مجتمع إسلامي.

 ويعتبر المجال التربوي من أهم المجالات التي ينبغي أن تسعى المؤسسات التربوية لتدعيمها لأنه بدون بناء الإنسان المسلم لا قيمة لحشد الأذهان بالمعلومات النظرية، والأمر يحتاج إلى تجنيد الجهد والمتابعة المخلصة، وتصحيح الخطوات، وتعديل البرامج، ودراسة النتائج.

ومن خلال الأنشطة التي توضع برامجها بعناية من قبل خبراء في التربية الإسلامية والدعوة، يمكن تصحيح سلوك الطلاب وتوجيهه وجهة سليمة وتثبيت القيم النبيلة والمثل العليا في السلوك لديهم.

ولقد كان الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه حريصا من أول يوم على أن يكون الفكر الإسلامي متحققا في سلوك المسلمين، وليس أفكارا نظرية يتجادلون حولها، فكان يأمر بالعمل بالقرآن فور نزوله، وكان همه الأول تربية جيل من العظماء ما زالت سيرتهم عطرة، ومازال سلوكهم قدوة، ومضرب المثل للأجيال.

  1. .البيئة البحثية الهادفة

تلعب البحوث والدراسات العلمية الهادفة دورا كبيرا في تحقيق الأمن الفكري في المؤسسات التربويةوالمجتمع وبإمكان المؤسسات التربوية  والمدرسين توجيه الطلاب لاختيار موضوعات البحث العلمي التي تسهم في بث ثقافة التسامح والاعتدال في نفوسهم كما أنه يمكن تكليف أعضاء هيئة التدريس بكتابة البحوث التي تعالج ظاهرة التطرف ومخاطر الإرهاب على المجتمع.

 

ثالثا:   تقويم تجربة المدارس الدينية الأهلية من منظور وسطي

المدارس الدينية الأهلية في باكستان أنشئت على نمط المدارس الدينية في الهند المستقلة مثل دار العلوم ـ بديوبند ـ ومظاهر العلوم ـ بسهارنفورـ ودار العلوم ـ ببريلي ـ  قبل تقسيم البلاد. ومن أبرز أهداف هذه المدارس الحفاظ على العلوم الدينية ونقلها إلى الأجيال القادمة على حالتها الأصلية. و عدد المدارس التابعة لخمس هيئات إشراف ـ تمثل خمسة اتجاهات مذهبيةمن الديوبندية والبريلوية وأهل الحديث وغير ذلك ـ ما يربو علىعشرين الف مدرسة دينية.ولا يقتصر الدور الذي تقوم به المدارس الدينية في باكستان على مجرد تعليم الطلاب المناهج الدينية بمختلف فروعهابل إنها تسهم بدور اجتماعي ـ إعالي ـ كبير جدامثل توفير التعليم الديني مجانا لما يقرب من 2مليون طالب، كما أنها تقدم خدمات دينية كثيرة للمجتمع الباكستاني تتراوح ما بين تقديم الفتاوى والإرشاد الديني، وإعداد الأئمة والخطباء فهي ولا شك أنها معاقل الدين الإسلامي وليست محاضن تفرخ الإرهاب كما يتم إلصاق مثل هذه التهم بها من قبل الإعلام الغربي المغرض . ولكن على الرغم من هذا العطاء والإسهام المشكور فإنما يلاحظ على هذه المدارس ومقرراتها ونظامها التربوي أنه لا يسهم بشكل مطلوب في إعداد جيل له شخصية متزنة متسامحة بعيدة عن التطرف الفكري والغلو المذهبي. وفي رأينا يرجع ذلك لأمور، منها:

  1. قصر التعليم الديني على تراث السلف وتقديسه.
  2. التعصب لمذهب معين وعدم القبول للرأي الآخر.

 

أولا:   قصر التعليم على تراث السلف

إن المناهج الدراسية في المدارس والمعاهد الدينية تركز بشكل أساس على العلوم الدينية التقليدية أي العلوم النقلية مثل التفسير والحديث وعلم الكلام والفقه وأصول التفسير وأصول الحديث وأصول الفقه واللغة العربية وآدابها. فالتعليم الديني عند واضعي هذه المناهج منحصر في العلوم الشرعية التي ورّثها علماء السلف ممن شهدت لهم الأمة بالقبول. لذا يصر هؤلاء العلماء على الالتزام الصارم بالنصوص الفقهية وأقوال متقدمي الفقهاء ويعتبرون كل فقه جديد زائد على فقه السلف غير صالح للاعتداد به.

ولايشجعون الاستفادة من تجارب التربويين الإسلاميين المعاصرين في مجال العلوم الديينة.هذه المدارس ليست مستعدة أن تستقبل وتستضيف المعارف الإنسانية المعاصرة والتعايش السلمي مع فقه الواقع. الأمر الذي يفقد المتعلم صلاحية تحمل المسؤلية والريادة في المجتمع.

أضف إلى ذلك أن الأسلوب التعليمي المتبع في المدارس غالبا لا يشجع الدارس على تكوين شخصية متزنة واثقة بالنفس تقوم على حرية الفكر ومناقشة الرأي ومبادلة الأفكار والوصول إلى حلول ناجعة.

ومن الطبيعي أن تخلق مثل هذه السياسة التربوية عقلية جامدة ومتحجرة غير قادرة على التصدي للقضايا والمشاكل التي تواجه العالم والعمل على حلها طبقا للرؤية الإسلامية.كما أنها تؤدي إلى التطرف الفكري من حيث طرح وتداول رأي وإقصاء الآخر.

ويجب أن نعرف أيضا أنه ليس كل ما في تراث الأقدمين صالح للاعتداد به، فمنه ما هو مقبول ومنه ما هو جدير بالمراجعة. وهناك من الآراء الفقهية التي قد تكون صالحة للزمن والبيئة التي صدرت فيها ولكنها بالتاكيد غير صالحة لمجتمعنا المعاصر.

ومن هذه الآراء ـ مثلا ـ  تصور الفقهاء عن الدار وعلة القتال وأهل الذمة وغير ذلك من الآراء التي ترسم علاقة المسلمين مع الآخر. فنجد مثلا أن الفقهاء قسموا المعمورة من ناحية العقيدة وباعتبار قيام القتال إلى دارين: دار الإسلام ودارالحرب. فدار الإسلام هي البلاد التي تسود فيها أحكام الإسلام وشعائره، ويأمن  فيها المسلمون بمنعة وقوة لهم، ودار الحرب هي التي لا تجري فيها أحكام المسلمين ولا يأمنون فيها. وقد رتب الفقهاء على هذا التقسيم بعض الأحكام ومن أبرزها انتفاء العصمة عن نفوس وأموال أهل الحرب وإباحة إتلاف أموالهم وعدم إقرار عقد صلح أو سلم دائم مطلق ودائم وما إلى ذلك من الأحكام التي قد يفهم منها أن هؤلاء الفقهاء لم يكونوا يقرون علاقات سلمية وطبيعية بين الدارين.

هذه الآراء وأمثالها كانت سببا في إدعاء المستشرقين المعنيين بدراسة الفقه الإسلامي بأن الإسلام لا يقر قيام أمم ودول ذات سيادة وأنظمة قانونية تختلف معه في العقيدة والدار فضلا عن اعترافه بمبدأ التعايش السلمي وإقامة علاقات السلم والود والتعاون مع الدول غير المسلمة.

يقول الدكتور سعد خدوري: "إن الإسلام لا يقر ما يسمى بالحياد لأنه قسم الدنيا إلى دار الحرب ودار الإسلام لا وسط بينهما وأن دار الإسلام في حرب مستمرة مع دار الحرب لأن الهدف الأخيرللإسلام هو العالم بإسره".

ويعلل خدوري عدم اعتراف الإسلام بوجود دول أخرى لغير المسلمين، لها سيادتها وكيانها ونظمها المختلفة، بأن سكان  دار الحرب في نظر الإسلام تنقصهم الكفاءة الشرعية التي توهلها للدخول في مفاوضات مع المسلمين على قدم المساواة وعلى مبدأ المثل لأنهم يعجزون عن الانسجام مع المستوى الخلقي والشرعي لدى المسلمين. ويضيف: "أن الشريعة توجب على المسلمين محاربة الكفار إلى أن يعتنقوا الإسلام أو يقبلوا الخضوع لسيطرة الدولة بدفع الجزية ولا يعترف بأنه حالة وسطى من مسالمة أو صلح دائم مع الكفار".

ونلحظ انتقادات وشبهات  في كتابات برنارد لويس وغيرة من المستشرقين البارزين.

ومن البديهي أن أراء الفقهاء القدامى حول هذه القضايا أعطت الفرصة للمستشرقين المغرضين لشن حملة المزاعم والافترءات ضد الإسلام وتشويه صورته. فيجب التمعن في هذه الآراء وانتقاء ما يصلح منها لعصرنا وتصحيح مثل هذه المفاهيم الخاطئة المتضمنة في ثقافة العنف.

والواقع أن تقسيم المعمورة إلى دار الإسلام ودارالحرب لا يستند إلى النصوص في الكتاب والسنة بل يرجع إلى الواقع. فليس هناك نص تشريعي بهذا الأمر وإنما هو تصوير لواقع العلاقات بين المسلمين وغيرهم والتي كانت الحرب غالبا هي الطابع البارز المهيمن عليها.

لذا يجب أن تتعرض المناهج الدراسية لمثل هذه المفاهيم الخاطئة وتفرق لدى التعامل مع النصوص بين ما هو مبني على النصوص الشرعية وما هو رأي اجتهادي يحتمل الصواب والخطأ.

 

ثانيا: التعصب لمذهب معين

إن المناهج الدراسية في المعاهد والمدارس الدينية الأهلية في شبه القارة عموما تتعرض لمذهب معين ولا تطرح أراء المذاهب الأخرى ولا تناقشها بصورة علمية موضوعية. فيكون جل اهتمام هذه المناهج منصبا على الانتصار لمذهب على آخر. و لا تقبل هذه المناهج التعايش والتسامح مع الرأي المخالف والذي يوصف صاحبه عموما في كتب هذا المذهب بأنه خصم أو مخالف. فإذا لاحظنا أية مقارنة بين مذهب حنفي ومذهب شافعي فليس المقصود منه الوصول إلى الصواب وإنما تعظيم المذهب الحنفي  والتقليل من أهمية المذهب الشافعي.

ومما يجدر بالذكر أن المدارس الدينية في باكستان تمثل تيارات فكرية واتجاهات كلامية وعقدية مختلفة. ومن هذه الناحية تنقسم هذه المدارس إلى خمس مجموعات وهي أولا: المدارس الحنفية الديوبندية ـ نسبة إلى دار العلوم في ديوبند الهندية ونسبة إلى علمائهم الذين يقتدى بأفكارهم في المدارس ـ وثانيا: المدارس الحنفية البريلوية نسبة إلى عالم شهير  من بريلي أحمد رضا خان. وثالثا: مدارس الجماعة الإسلامية التي تزعمها الأستاذ المودودي. ورابعاً مدارس أهل الحديث وخامسا مدار س الشيعة. والعلاقة بين مجموعة وأخرى ليست مبنية على الاحترام والتسامح.

ونلحظ اختلافا مماثلا بين مدارس أهل الحديث ومدارس الديوبندية الذين تتركز مناقشاتهم على المسائل الفرعية والخلافية والتي يكون الخلاف فيها في الغالب خلافا في الترجيح، مثل رفع اليدين والفاتحة خلف الإمام والحالة الغالبة في المدارس الدينية أن الدارسين والمعلمين يصرفون جل اهتمامهم وجهدهم في التعرض لقضايا هامشية لاتمت بصلةبالحياة العملية ومشاكلها.

ومن هنا نخلصالى أن المناهج الدراسية في المعاهد والمدارس الدينية لم تتمكن من بناء شخصية الطالب بناءا سليما يقوم على قيم الوسطية والاعتدال والتسامح وقبول الآخر فضلا عن تأهيله لتسلم مواقع الريادة والقيادة في المجتمع.

فمن أجل بناء منهج الوسطية في المدارس الدينية يجب إعادة صياغة المناهج التعليمية  بحيث تتضمن فقه الائتلاف وفقه الأولويات وأدب الاختلاف حتى يلم الدارس بالأولويات في الدين فلا يهمل الأهم من أجل المهم ولا يفضل غير المهم على المهم من القضايا  ويفرق أيضا بين الاختلاف المذموم والاختلاف المحمود، ويناقش الرأيباستقلالية وموضوعية مراعيا في ذلك الفضل والاحترام لأهله.  فلا يرجح رأيا على آخر بدافع التعصب والانحياز له وإنما لقوة دليله ورجحان حجته ويقتنع أنالاختلاف في الفروع والمسائل الاجتهادية رحمة. كما ورد عن بعض السلف: "إن الاختلاف بين المجتهدين في الفروع ـ لا مطلق الاختلاف ـ من آثار الرحمة، فإن اختلاف أئمة الهدى توسعة للناس. ونقل السيوطي عن عمربن عبد العزيز أنه كان يقول: ما سرني لو أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة".

ويدل على ذلك أيضا ما أخرجه الخطيب:

" أن هارون الرشيد قال لمالك بن أنس: يا أبا عبدالله! نكتب هذه الكتب، يعني مؤلفات الإمام مالك، ونفرقها في آفاق الإسلام لتحمل عليها الأمة، قال: يا أمير المؤمنين: إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده وكل على هدى، وكل يريد الله تعالى."[16]

وعلى العموم فإن هناك حاجة ماسة إلى إعادة النظر في المناهج الدراسية في كل من المؤسسات التعليمية الرسمية والمعاهد والمدارس الدينية الأهلية وصياغتها بما ينسجم أهداف التربية الإسلامية وتنطلق من عقيدة الأمة وثوابتها وحضارتها مع الملائمة لروح العصر وتعزيز قيم التسامح و الانفتاح.

 

رابعاً: الخاتمة

مما سبق تتضح أهمية المؤسسات التربوية بمراحلها المختلفة في ترسيخ معاني الوسطية والاعتدال والتسامح لدى الدارسين. ونعرض هنا أبرز ماتوصلنا إليه من النتائج والتوصيات.

أولاً: النتائج

  1. التطرف الفكري حالة من التعصب للرأي تعصبا لا يعترف معه بوجود الآخرين، وجمود الشخص على فهمه جمودا لا يسمح له برؤية حياوية لآراء ومصالح الآخرين ولمقاصد الشرعوظروف العصر ولا يفتح نافذة للحوار مع الآخرين وموازنة ما عنده بما عندهم.
  2. التطرف الديني هو مجاوزة الحد والغلو في الدين، وهو التصلب فيه والتشدد حتى مجاوزة الحد، فهو مجاوزة الاعتدال في الأمور.
  3. الغلو هو الزيادة على ما يطلب شرعا؛ بالمبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد.
  4. الاعتدال هو التزام منهج العدل الأقوم، والحق الذي هو وسط بين الغلو والتنطع، و الافراط والتفريط.
  5. إن المناهج الدراسية هي بمثابة العمود الفقري للعملية التعليمية، وهي الوعاء الذي تقدم من خلاله المعلومات للطالب لكي يستوعبها ويستقي منها ما يمكن أن يساعده في مسيرته التعليمية.
  6. تعد برامج التربية الدينية والأنشطة غير المنهجية الهادفة من أهم أساليب تربية الشباب على السلوك الإسلامي القويم وتحصينه من الانحراف في الفكر والسلوك. فالتربية الإسلامية الرشيدة هي الهدف الأسمى من التعليم.
  7. يلاحظ أن المقررات الدينية في المؤسسات التعليمية الرسمية في معظم البلدان المسلمة لاتفي عموما بحاجة المتعلمين في توعيتهم في أمور دينهم وخاصة في تبصيرهم بالعقيدة الإسلامية الصافية وتوجيههم نحو الأخلاق الإسلامية الفاضلة ووقايتهم عن الأفكار المنحرفة. فلايتم تعليم الدين في هذه المؤسسات إلا تعليما هامشيا.
  8. أن المناهج الدراسية في المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي على مستوى المدرسة أو المعهد أو الجامعة عموما لا تولي اهتماما كافياً بالأخلاق والقيم الإسلامية الفاضلة مثل وسطية الإسلام وسماحته والعدل والرحمة والإحسان والبعد عن الظلم ومراعاة حقوق المسلمين وغيرهم وحرمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم والتعاون والتآلف بين أبناء المجتمع البشري وغير ذلك من القيم الفاضلة التي من شأنها أن تسهم في بناء شخصية متزنة ومعتدلة للمتعلم، وبالتالي تفتقد الأمة المسلمة إيجاد مجتمع آمن ومطمئن يعيش في جو من الأمن والسلام والحرية.
  9. يقع على عاتق المعلم والمربي مسؤولية إعداد أجيال من أصحاب العقيدة السليمة والإيمان الراسخ والسلوك القويم. فلا يقف اهتمام المعلم وخاصة معلم التربية الإسلامية عند نقل المعرفة، بل من واجبه أن يهتم كذلك بتشكيل شخصية المتعلم، وهذا يقتضي حسن اختيار المعلم ديناً وخلقاً وعلماً، لأنه سيكون القدوة في العبادات والطاعات والأخلاق إضافة إلى واجبه في نقل الثقافة الإسلامية والمعرفة.
  10. إن المدارس الدينية الأهلية - القائمة على أساس تبرعي - الهادفة إلى نقل العلوم الدينية إلى الأجيال القادمة لها دور فعال في تقديم خدمات دينية هائلة للمجتمع الباكستاني تتراوح ما بين تقديم الفتاوى والإرشاد الديني، وإعداد الأئمة والخطباء، فهي ولا شك معاقل الدين الإسلامي وليست محاضن تفرخ الإرهاب كما يتم إلصاق مثل هذه التهم بها من قبل الإعلام الغربي المغرض .
  11. إن من أبرز مشاكل المناهج الدراسية المتبعة في المعاهد والمدارس الدينية الأهلية في شبه القارة عموما أنها تقتصر على مذهب معين ولا تطرح أراء المذاهب الأخرى ولا تناقشها بصورة علمية موضوعية.
  12. أن من أهم أسباب التطرف الفكري هو فقدان التربية الصحيحة، فالتربية على القيم السليمة كفيلة بايجاد شخصية معتدله بعيدة عن الغلو والتطرفبينما التربية الناقصة تؤدي إلىإيجادالانحراف الفكري والسلوكي.

ثانياً: التوصيات

        انطلاقاً من أهمية دور المؤسسات التعليمة التي شهد التاريخ بدورها الفعال في نشر الفكر المعتدل والمنحرف من إعداد أفكار لإنشاء دولة قائمة على الإسلام أو الدعوة إلى التطرف الفكري واستناداً إلى ما ورد في ثنايا هذه الدراسة وما توصلنا إليه من نتائج؛ نورد فيما يلي عدداً من التوصيات التي نأمل أن تسهم في القضاء على الغلو والتطرف والانحراف الفكري، ومن أهم هذه التوصيات مايلي:

  1. تفعيل دور المؤسسات التربوية في ترسيخ قيم الوسطية وذلك بتوفير المعلمين والمعلمات المتصفين بالاعتدال سلوكياً وفكرياً وعقدياً وبتوفير المناهج التي من شأنها أن تبعد عن الغلو والتطرف والتعصب.
  2. التوصية بضرورة وضع مساقات ومناهج تربوية في كليات الشريعة والمدارس تغرس من خلالها قيم الاعتدال وتحصن الشباب من آفة الانغلاق والتطرف.
  3. العناية بدراسة أدب الاختلاف وفقة الائتلاف وإدخالها ضمن المناهج الدراسية في الجامعات والمدارس الدينية.
  4. التوسع في إقامة الأنشطة المشتركة مع كافة الفئات من المدارس الدينية وترتيب برامج مشتركة تساعد على الحد من الجمود الفكري وتساعد على الانفتاح والتعايش. إضافةً إلى الأنشطة التالية:
    1. تنظيم برامج تدريبية مشتركة للمعلمين من المدارس المختلفة بهدف ترسيخ مفاهيم الوسطية والاعتدال والتسامح ونبذ الغلو والتطرف.
    2. تنظيم مسابقات ثقافية بين طلاب المدارسبجانب الاهتمام بالأنشطة اللاصفية؛ من المعسكرات الصيفية وغيرها بوضع برامج مشوقة ومفيدة
    3. تعزيز العلاقات والصلات بين المدارس الدينية المختلفة عن طريق اللقاءات المتكررة بين المسؤولين والإداريين.
  5. يجب تعزيز وتقوية المحتوى الديني والشرعي في المناهج الدراسية في المدارس والجامعات العصرية الحكومية وخاصةً فيما يتعلق بالعقيدة الإسلامية والأخلاق والسلوك والمعاملات حتى تفي بحاجات الطالب كفرد وعضو في المجتمع المسلم وحتى تنشأ لديه شخصية إسلامية متكاملة. فيجب أن تتضمن المناهج الدراسية العقيدة والأخلاق والقيم الإسلامية ومفاهيم حول حقوق الإنسان والتعامل مع الغير وحرمة الاعتداء ومنع الظلم ونبذ الكراهية ونشر ثقافة التعاون والتآلف بين أبناء المجتمع البشري لخدمة البشرية وإعمار الأرض والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات والوفاء بالعهود وصيانة حقوق الآخرين وغير ذلك  من القيم والأخلاق الإسلامية النبيلة التي تشجع بتعزيز ثقافة الوسطية والاعتدال في المجتمع.
  6. أن المعلم يمثل حجر الزاوية والمحور الذي تدور حوله العملية التعليمية في تقديم الخبرات التعليمية والتربوية للطلاب، مما يقتضي الاهتمام بحسن الاختيار والإعداد كما يقتضي أن لا تكون علاقة المعلم والمربي مع المتعلمين قاصرة على قاعة الدراسة وإنما تمتد إلى حياتهم العامة بأنشطتها المختلفة بحيث يتابع نشاطهم العلمي ويسهم في بناء سلوكهم على قيم الإسلام ويدرس مشكلاتهم التي قد تؤدي بهم إلى الانقطاع عن الدراسة وإلى التسرب من التعليم مما يتيح الفرصة لالتحاقهم بالجماعات المنحرفة فكريا وسلوكيا.
  7. التوصية بتشويق الطلاب لاختيار موضوعات البحث العلمي التي تسهم في بث ثقافة التسامح والاعتدال كما أنه يوصى بتكليف أعضاء هيئة التدريس بكتابة بحوث تعالج ظاهرة التطرف ومخاطر الإرهاب كما ينبغي أن يكلف المدرسون والمشرفون بكتابة البحوث حول أسباب الانحرافات الفكرية المؤدية إلى الإرهاب وأسباب نشأة هذا السلوك ومخاطر الأعمال الإرهابية على المجتمع، ثم بتقديم حلول بناء على ما تكشف عنه هذه الدراسات.
  8. إعادة صياغة المناهج والمقررات بحيث يتم إدخال مفاهيم الوسطية والاعتدال فيها ويتم وضع الجديد للمقررات التي تسبب إثارة الخلافات والعصبيات المنهجية.
  9. يجب إعادة صياغة المناهج التعليمية في المدارس الدينية بشكل خاص بحيث تتضمن فقه الائتلاف وفقه الأولويات وأدب الاختلاف حتى يلم الدارس بالأولويات في الدين فلا يهمل الأهم من أجل المهم ولا يفضل غير المهم على المهم من القضايا  ويفرق أيضا بين الاختلاف المذموم والاختلاف المحمود، ويناقش الرأي باستقلالية وموضوعية مراعيا في ذلك الفضل والاحترام لأهله.  فلا يرجح رأيا على آخر بدافع التعصب والانحياز له وإنما لقوة دليله ورجحان حجته ويقتنع أن الاختلاف في الفروع والمسائل الاجتهادية رحمة.

 

[1] الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، قطر: رئاسة المحاكم الشرعية، كتاب الأمة

[2]أ.د. رفعت محمود بهجات محمد، دورالأسرة والمدرسة في مواجهة التطرف الفكري، ص 110، بحث مقدم إلى مؤتمر الإرهاب "بين تطرف الفكر وفكر التطرف".

[3]عباد ، عبد الرحمن، بحث التطرف الفكري أسبابه، وأبعاده، من أبحاث مؤتمر الإسلام ومستقبل الحوار الحضاري ، المؤتمر العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية المنعقد في القاهرة،24/27 يوليو 1996م، إشراف وتقديم: محمود زقزوق، القاهرة، 1418اـ ـ 1998م، ص 276

[4]البرعي، دور الجامعة في محاربة التطرف الفكري،ص29

[5]د. محمد بن عبد الرزاق، التطرف في الدين، دراسة شرعية ــ ، بحث مقدم للمؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب 2004م ص5، 6

[6]النفراوي، أحمد بن غنيم، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني(بيروت، دار الفكر،ط1،1415هـ) 1: 125

[7]فتح الباري 13: 278

[8]طبري، ابن جرير،تفسير القرآن(بيروت ، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى،1420) 143:3،  بخاري، صحيح (دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422هـ) رقم 4487.

[9]آل عمران3: 110

[10]دور المدرسة في مقاومة الإرهاب، أبو سيف 38

[11]تحرير: د.فتحي حسن ملكاوي و د.محمد عبيد الكريم أبو سل،بحوث مؤتمر علوم الشريعة في الجامعات، عمان: 16-19ربيع الأول 1415هـ، 2/646

[12]النجار، د.زغلول راغب ، أزمة التعليم المعاصر وحلولها الإسلامية، الدار العالمية للكتاب الإسلامي و المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى 1990م، ص 165

[13]الدباغ، د. عبد الستار حامد ، تنظيم دور المسجد في التعليم الشرعي،  في"بحوث مؤتمر علوم الشريعة في الجامعات" ج2، تحرير د.فتحي حسن ملكاوي و د.محمد عبيد الكريم أبو سل، عمان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي ص439.

[14]الزرنوجي: تعليم المتعلم طريق التعلم، ص33

[15]عبد الله، د. عبد الرحمن صالح، طريقة التدريس: رؤية تربوية إسلامية معاصرة، في "بحوث مؤتمر علوم الشريعة في الجامعات" 2/87

[16]يراجع فتح العلي المالك، محمد أحمد العليش، ج1، ص80

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.