التحولات التاريخية المحتملة للقرن الواحد والعشرون وأثرها علينا وعلى من حولنا
بقلم: محمد طلابي
موضوع هذه المحاضرة يدور حول؛ "التحولات التاريخية الكبرى خلال القرن العشرين، وآثارها على المنطقة الإسلامية وعلى الإتحاد الأوربي". سأحاول في هذه المحاضرة الحديث عن اتجاهات التطور التاريخي؟ وكيف يمكن أن نستفيد من هذه الإتجاهات ومن هذه التحولات؟ باعتبار أن فعلن أو قدرتنا على العودة الكاملة لقيادة الحضارة، يتطلب منا معرفة ما يجري؟ إذ لا نستطيع أن نؤثر في القرن الواحد والعشرين، ونحن نجهل ما يجري فيه، فلا حرية في الفعل مع الجهل، و لا حرية مع الجهل؛ فإن جهلنا ما يجري، سيحيلنا من أن نؤثر فيما مجريات الأحداث؛ فعالم الذرة الذي اكتشف الطاقة الذرية، واستطاع تسخيرها، إما في اتجاه العمران، أوفي اتجاه العدوان، لم يتأتى له ذلك إلا بعد أن عرف سنن الذرة والقوانين التي تحكمها، إما بفَلق الذرة وإما بدمج الذرة، فيُنتج ذلك "الطاقة الذرية المخيفة" التي يمكن توظيفها في الإقتصاد و التنمية، كما يمكن توظيفها في الدمار الشامل من خلال الأسلحة، إذن فالعالم امتلك حريته في تسخير طاقة الذرة حينما علمَ بسننها وقوانينها، هكذا أيضا هو الداعية والعالم، وهكذا أيضا هي مهمة الأمة، فإن لم تكن تعرف سنن التاريخ وسنن الإقتصاد و القوانين التي تحكمه، وتحكم السياسية وتحكم الحضارة والعلاقات الدولية، والصراع الجاري اليوم، فلا يمكن أن نؤثر في تاريخ هذا القرن، وبالتالي لا يمكن لأمتنا وللمسلمين أن يكون لهم موقع في الحضارة بالقرن الواحد والعشرين. ومن هنا تأتي أهمية معرفة السنن والقوانين والعوامل والضوابط التاريخية التي تحكم القرن الواحد والعشرين،
وهذا كله قد يكون لصالحنا فنسميه "فُرصا"، وقد يكون ضدنا فنسميها "تهديدات"، ولدى سأحاول الحديث عن ما هي الفرص أمامنا خلال القرن الواحد والعشرين؟ والتي تمثل قوانين تاريخية تحكم تاريخ البشرية، ولكنها تخدم مشروعنا الإسلامي؛ سواء كنا في بلاد المسلمين الأصلية، أو كنا مسلمين فرادى أو جماعات، كالإتحاد الأوروبي أو غيره، إذن السؤال هو: ما هي الفرص التي تمثل قوانين القرن الواحد والعشرين والتي هي فرص لنهضة المسلمين، كي يعودوا للقيادة، الكل يعلم بأن المسلمين قادو الحضارة لأزيد من ثمانية قرون، بل إن هذه القيادة كانت شاملة، فكانت قيادة سياسية، وقيادة في الإقتصاد، وقيادة في العلم، وقيادة في التكافل، والتنظيم الإجتماعي والتنظيم الإقتصادي، و في كل شيء. فبالفعل كنا أمة شهادة، وشهدنا على العام، فالشهادة؛ أن نشهد بما نملك، وكنا نتمثل العلم والعدل والرحمة، فشهدنا على العالم في العصر الوسيط لأكثر من ثمانية قرون، لكن مع الأسف، هذه الأمة لم تعد تشهد اليوم، بل يمكن أن نقول بأنها أمة أصبحت مشهودٌ عليها، بعد سقوط حضارة المسلمين في نهاية العصر الحديث، لكن القرن الواحد والعشرين يعطينا فرص للعودة والنهضة والشهود الحضاري من جديد لهذه الأمة، ولكن في نفس الوقت، هذا القرن أيضا فيه سنن وضوابط تاريخية، تمثل تهديدا لنهضة المسلمين، سواء في دار الإسلام القديمة أو بوجود المسلمين في المهجر أو ما يسمى بالجاليات المقيمة في الغرب، فما هي الضوابط التاريخية أو السنن التاريخية التي تمثل فرصا لنهضة الأمة؟ ومنها نهضة المسلمين في الغرب؟ ومنها نهضة المسلمين أو اسهامهم في الإتحاد الأوربي؟ وأيضا ما هي التهديدات التي تواجهنا؟ والتي يمكن أن تهدد نهضة المسلمين من جديد؟
سأختزل الفرص والتهديدت معا في ما يلي:
بالنسبة للتهديدات الأربع فهي كالتالي:
غزاة وطغاة وغلاة وشتات، هذه هي التهديدات التي تواجه أمة الإسلام في القرن الواحد والعشرين؛ غزاة من الخارج، وطغاة في الداخل، وغلاة في الداخل و الخارج، وشتات أمة.
الدولة؛ أي السلطة المركزية، والأمة والوطن؛ أي الإقليم الجغرافي، واللسان؛ أي لسان التواصل والإنتاج، والرسالة؛ أي المشروع الثقافي للنهضة، هذه هي أدوات الإنتاج الحضاري، وذلك ما تم بالفعل فقدنا العالم في العصر الوسيط، لأن مع مجيء الإسلام توفرت لنا أدوات الإنتاج الحضاري الخمس وتحديدا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيمكن أن نقوم بحسم نهائي تاريخي فنقول؛ بأن هجرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة تعني؛ ميلاد أدوات الإنتاج الحضاري الخمس، الرسالة هي الإسلام، والإقليم الجغرافي هو المدينة وما يحيط بها، والأمة هي سكان المدينة من مسلمين ويهود ومشركين، واللسان العربي لسان العبادة والحضارة، كل هذه كانت بالنسبة للأمة أدوات الإنتاج، (الدولة والأمة، والوطن هو الإقليم، واللسان) فحينما توفرت هذه الأدوات الخمس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، تمددت الأمة و تشكل الوطن العابر للأقاليم الذي هو دار الإسلام الممتدة من الأندلس إلى الصين، فتشكلت الأمة العابرة للأقوام والقوميات من حدود الأندلس إلى الصين، وتشكلت السلطة المركزية التي هي الخلافة، ثم اللسان العربي الذي كان هو لسان العبادة و الحضارة، ثم الإسلام باعتباه المشروع الثقافي للنهضة، وبمجرد توفر هذه الأدوات، نهضت أمة الإسلام، وقادت العالم لأكثر من ثمانية قرون، لكن هذه الأدوات سوف تتعرض لهجوم كثيف تم خلاله وبفعله، تدميرها من طرف الغزاة من الغرب، فدمروا الدولة أي الخلافة وأسقطوها سنة 1924 و أسقطوا دستور الأمة وهو الشريعة، وفككوا دار الإسلام إلى 56 دولة إسلامية وإلى 22 دولة عربية، وفككوا اللسان باستبدال اللسان العربي القومي بلسان افرنجي غربي فرنسي انجلي أماني وغيره، ولم يبق من الأدوات إلا الإسلام.
إذن لم يبقى من الأدوات إلا الرسالة؛ وهي الإسلام، إذن فتدمير أدوات الإنتاج هو أكبر غزوة تمت في العصر الحديث اتجاه أمة الإسلام، ويمكن أن نقول بأن سقوط الخلافة، وقصم ظهر الإسلام، وتقسيم الأمة إلى أقوام وقبائل وطوائف، كان العامل الحاسم في سقوط المسلمين، وسقوط قيادة المسلمين للحضارة في العصر الحديث.
هذا هو التهديد الأول الذي دمرنا، لكن لم يكتف الغرب الغازي بهذا فقط، بل اليوم في عصر العولمة، يريدون تفكيك المفكك وتجزيء المجزء من جديد، وأحسن مثال على هذا؛ هو تقسيم السودان من جديد، وقد يتحقق تقسيم دولة أخرى في مستقبل الأيام، مما يعني؛ أنهم يريدون تقسيم ما تم تقسيمه من جديد، ويريدون تفكيك الأمة مرة أخرى، وتفكيكها إلى طوائف، وقبائل من جديد، وأكثر من ذلك إنهم يسعوان إلى أن يذكوا إلى ذلك كله، إبعاد عقيدة الإسلام من عقول وقلوب المسلمين، وذلك ببث القيم المادية الحداثية العلمانية في دار الإسلام، وهذا أكبر غزو نتعرض له اليوم، وبالتالي يمكن أن نقول بأن استمرار الغزو والعدوان على دار الإسلام هو تهديد حقيقي لنهضة المسلمين في القرن الواحد والعشرين، هذا العامل الأول أو التهديد الأول.
ما أريد أن أقوله؛ وهو أن الديمقراطية اليوم بالنسبة لنا، ستمثل مدخلا أساسيا للنهضة والتنمية، لكن ستجدون بأن الأعداء الحقيقيين للديمقراطية، هم ما ذكرت قبل قليل، فالغزاة من الخارج لا يريدون ديمقراطية في بلاد المسلمين، لأنهم يدركون بأن ترسيخ نظام ديمقراطي في بلاد المسلمين معناه عودة الإرادة السياسية للأمة، وعودة الأمة في التحكم في مصيرها، بدل الحكام المستبدين، المحتكرين للقرار، وهذا يتعارض مع المصالح الحيوية والأساسية للغرب في بلاد المسلمين، كما أن الديمقراطية تتعارض مع الطغاة في بلاد المسلمين، لأنها تنزع منه السلطة، وهذا ما لا يريدون. أيضا بعضٌ من الإسلاميين المتطرفين الذين يقول بأن الديمقراطية كفر، وبأن الحزب، كفر والنقابة كفر، والمنظمة الحقوقية كفر، والمنظمة النسائية كفر، والمسيرة والإعتصام والإضراب العام كفر، وكل ما يكفرون هو عبارة عن انتاجات أفرزتها الديمقراطية، مما يجعلهم في مصاف العداء والضد للديمقراطية، ومن جهة أرخى العلمانيون داخل بلادنا أيضا يخافون من الديمقراطية، وبالتالي لا يريدونها، وهكذا ترى بأن الكل متحالف ضد بناء الديمقراطية في بلادنا، وهذا في تقديري تهديد لإمكانية نهضة المسلمين خلال هذا القرن، القرن الواحد والعشرين.
إذن هذه سنن مازالت تحكمنا في القرن الواحد والعشرين، غزاة من الخارج وطغاة في الدخل، وغلاة في الداخل والخارج؛ أقصد بالخارج؛ هذا التطرف العلماني الذي تهج وأساء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كل هذا يدخل في الغزو العلماني الغربي، مما لا يساعد على حوار الحضارات فيما بين الحضارتين الإسلامية والغربية، أضف إلى ذلك، هذا الشتات لأمة الإسلام. إن جميعها عوامل وجب ادراكها على اعتبار أنها تهديد حقيقي لإمكاينة نهضتنا، والوعي بأنن نعمل على وضع خطة وبرامج لتلافي هذه التهديدات، ولجم هذه التهديدات ومحاصرتها و القضاء عليها، لأنها تحول دون امكانية نهضة المسلمين في القرن الواحد والعشرين، لكن في مقابل ذلك أيضا هذا القرن، يقدم لنا ضوابط تاريخية، وسنن تاريخية، وقوانين تاريخية، لمصلحة نهضة المسلمين، وتمثل فرصة لنا، علينا تسخيرها واستثمارها من أجل أن ننهض، ويصبح لنا في موقع الحضارة في منتصف هذا القرن أو في نهياته؛ طبعا كلامي ليس كلام السياسي، أن لا أتكلم عن سنوات قادمة محددة، أنا أتكلم عن قرن من الزمن؛ بمعنى أنما أقوله يدخل في "التفكير الإستراتيجي" للأمة، وليس التفكير السياسي اليومي، وبالتالي فهذه أفكار هي بوصلة لنا، لا تعني بأن علينا ألا نعمل ولا نشتغل سياسيا، وألا نقوم بوضع الخطط اليومية بل بالعكس، فحينما تكون البوصلة الإسترتاتيجة واضحة، فإن ذلك يسهل علينا وضع الخطط والبرامج اليومية والسنوية والنصف العقدية وغيرها، إذن فما هي هذه الفرص التي هي قوانين تاريخية تحكم القرن والواحد والعشرين؟؟ وطبعا حينما حينما أقول قوانين فإنه يصعب تغييرها، لن تجد لها تبديلا ولن تجد لها تغيرا، بمعنى يصعب على من يريد لَيَ عنقها أن يلويه، لماذا؟ لأنها قوانين عميقة، وتمثل إرادة عميقة للبشرية في القرن الواحد والعشرين، إذن فما هي هذه الفرص التي تخدم مصلحة لنهضتنا في القرن الواحد والعشرين؟؟
ـــ أبتدئ بالهجرة نحو الله عز وجل، أو ما تسمى في الإعلام بالصحوة الدينية العالمية، تعرفون جيدا أنه مع الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، سنة 1789 حدث أمر خطير، في العلاقة ما بين الدين والسياسية، لقد تم عزل الدين عن السياسية، تم فصل الدين عن الدولة، وظهر ما يسمى بالعلمانية، والعلمانية معناها؛ إبعاد الدين عن الشأن الدنيوي، أي إبعاد الشأن الديني عن الشأن الدنيوي، أو إبعاد الدين عن السياسة، هذا هو المقصود بالعلمانية، وقد دشنتها الثورة الفرنسية، ثم انتشرت هذه الثورة في الغرب كله، فتم فصل الدين عن الدنيا، وتم فصل الدين عن السياسية، وتم نفي الدين، طبعا كان الدين المنفي هو المسيحية في تلك الفترة، لكن في القرن العشرين سيتم ورغم إختلاف العلاقة ما بين تجربة المسيحية والإسلامية، أيضا سيتم نفي الدين الإسلامي نفسه عن السياسية فتم إلغاء دولة الشريعة، وتم إلغاء الشريعة كدستور للأمة، وتم بالفعل ظهور ما يسمى بالأنظمة العلمانية في العالم الإسلامي، التي أبعدت الدين عن الشأن الإقتصادي، وعن الشأن السياسي، وعن الشأن التربوي، وعن الشأن التعليمي، ولم تبقيه إلا في مدونة الأحوال الشخصية، وفي الميراث فقط، وهكذا تعرض الدين، أيُ دين، للإبعاد، بل تم نفيه وإزاحته من الحياة الاجتماعية والإقتصادية والسياسية. مع الثورة الفرنسية تم نفي الدين، ولكن مع الثورة العلمانية الأكثر تشددا وتطرف، و التي هي الثورة الشيوعية البلشفية الروسية في سنة 1917 سيتم الحكم على الدين أيُ دين بالإعدام، بمعنى الإعلان على أن الدين الرسمي للدولة الشيوعية هو الإلحاد، وهكذا تم، إما نفي الدين، وإما تم الحكم عليه بالإعدام، فتم إبعاد الأديان كلها، وعشنا في القرن العشرين مرحلة فاصلة، إذ تم فيها فصل الدين بشكل نهائي في الغرب، وبشكل شبه نهائي في العاالم الإسلامي، فصل الدين عنا السياسة وعن الدولة وعن الشأن الدنيوي.
وفي سنة 1990، يمكن أن نقول بأن هذه السنة هي بداية التحول التاريخي العميق في تاريخ البشرية، فقد شهد بداية عودة البشرية إلى الدين، في الغرب قبل1990 سيطرت القيم المادية، أو ما يسمى بفلسفة الحداثة بالغرب، وهي قيم قائمة على تقديس المادة، وعلى الإيمان بالمادة، ونكران الغيب، أي نكران وجود الله عزل وجل، ونكران الآخرة، ونكران الجنة والجن والملائكة، أي نكران كل ما هو غيبي، في مقابل ذلك انتشار ما يسمى بثقافة الإلحاد وثقافة القيم المادية، هذا كله ساد إلى فترة التسعينات من القرن العشرين، لكن يمكن أن نقول بأن سقوك النظام الشيوعي، وسقوط الإتحاد السوفياتي وأوربا الشرقية، يمكن أن نقول بأنه كان الإعلان الرسمي عن بداية عودة الدين من منفاه، وخروج الدين من زنزانة الإعدام منتصرا لأول مرة في التاريخ البشري وفي العصر الحديث.
إذن لماذا العودة إلى الدين؟ وهكذا ترون الآن الصحوة الديينة الإسلامية المباركة قوية وسريعة في العالم الإسلامي وفي الإتحاد الأوربي وفي الغرب، بل إن الذين يدخلون من غير المسلمين الأصليين إلى الإسلام، يعدون بعشرات الآلاف، فالذين يدخلون للإسلام في أمريكا سنويا 28 ألف أمريكي، ما دخل قبل خمس سنوات في فرنسا حوالي 54 آلاف فرنسي، كنت في ألمانيا قبل سنتين، في تلك السنة بالتحديد التي كنت فيها دخل من الألمان أربعة آلاف من الألمان الأصليين، أي الشقر وليسوا الآتيين من المناطق الأخرى، وقس عل ذلك في كثير من البلدان في الغرب، فيعود فيها الإنسان للدين.
أيضا هناك العودة للمسيحية، فيسجل أيضا وجود حيوية في العودة إلى الدين بشكل عام، كيفما كان هذا الدين، سواء كان حقا أو باطل، وحينما أقول الدين، أقصد "بداية الإعتقاد" من جديد عند البشرية بوجود قوة غيبية تحكم هذا الكون، هذا هو المقصود بالدين، الدين أقصد به أن البشرية بدأت تعتقد من جديد بأن هذا الكون ليس عبثا، وأن هذا القصر البديع وراءهه خالق بديع، بمعنى العودة إلى وجود قوة غيبية، سواء كانت هذه القوة هي الحق؛ الله عز وجل، أو كانت باطلة كما كانت في الديانات الأخرى الوثنية وغير الوثنية، إذن فالبشرية تعود بقوة إلى الدين، لماذا؟ أعطيكم إحصاء؛ في مارس سنة 1901 قام معهد في أمريكا يسمى معهد زابيوس لدراسة المجتمعات الدينية، طرح على المجتمع الامريكي سؤالين، وتم دراستهما من بعد، قدم تحليل للأجوبة، السؤال الأول كان هو؛ هل للدين وظيفة في المجتمع الأمريكي؟؟ والسؤال الثاني؛ هل تقبلون بالإسلام دينا في وسطكم؟؟ كان جواب الأمريكيين، على هذين السؤالين كالتالي؛ نعم للدين وظيفة، جاء بنسبة 74 في المائة، أي المجتمع الأمريكي يقول بأن للدين وظيفة، وهذا دليل على أن المجتمع الأمريكي يعود إلى الدين بقوة، أما سؤال هل تقبلون بالإسلام دينا في وسطكم؟؟ كان الجواب 44 في المائة نعم، إننا نقبل بالإسلام دينا في وسطنا. هذا السؤال سيُطرح من جديد على المجتمع الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر من نفس السنة التي هي سنة 2001 في مارس، طرح هذا السؤال من جديد، وما بعد سبتمبر أي بعد تدمير البرجين، سيتم طرح السؤالين من جديد على المجتمع الأمريكي ليروا هل تغير مزاجهم ورأيهم وعقيدتهم وتصورهم؟؟ فكان الجواب عن هل للدين وظيفة أن انتقل من 74 إلى 84 في المائة، وانتقل السؤال هل تقبلون بالإسلام دينا في وسطكم؟ انتقل من 44 إلى 58 في المائة، مما يدل على أن المجتمع الأمريكي أصبح يتجه نحو الدين، وهذا الأمر أيضا جار في الإتحاد الأوربي وفي كل المجتمعات الغربية، وجار بقوة عندنا في دار الإسلام، حيث ترون بالملموس بأن المساجد أصبحت مملوءة من طرف الشباب حتى انك لا تجد لك مكانا داخل المسجد في كل بلاد المسلمين، الآن صلاة التراويح تقام وتجد مساحات شاسعة خارج المساجد مما يدل على أن هناك صحة دينية عالمية، مما يدل كذلك على بداية الهجرة من جديد نحو الله عز وجل، وهذا السؤال لماذا العودة إلى الدين؟ لماذا الناس يعودون إلى الدين بعد أن نفته الفلسفة الحديثة في الثورة الفرنسية وحكمت عليه بالإعدام الثورة الشيوعية الإلحادية؟ لماذا العودة للدين بالنسبة للعالم كله، في رأيي بأن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيبين لماذا العودة إلى الدين فرصة لنا نحن أبناء الإسلام في القرن الواحد والعشرين.
من هذا كله أقول، بأن العودة إلى الدين "رسالة احتجاج" حضارية من البشرية جمعاء، ضد فلسفة تقود الحضارة اليوم، وهي الفلسفة المادية، أو فلسفة الحداثة الغربية، الفلسفة الغربية قائمة على هدف مركزي وهو اشباع الشهوة، فالفلسفة التي تمت و الثقافة التي تمت مع الثورة الحديثة في الغرب كله، كلها تقوم على تحقيق هدف مركزي، أو بعبارة أخرى، جواب عن سؤال وجودي عندنا جميعا وهو هذا السؤال الوجودي، دائما لا بد أن يتبادر إلى ذهنك وخاطرك، لماذا وجد؟ ما الغاية من الوجود؟ ما الغاية من الخلق في هذا الكون؟ فهنا لا أمثل إلا ذرة في الكون؟ لماذا خلقت على هذه الأرض بالضبط وما هي الغاية من وجودي؟؟ هذا سؤال لابد أن يطرحه كل مسلم غير مسلم على نفسه لماذا وجد؟ فالجواب عن هذا السؤال يحدد مسار التاريخ، ويحدد طبيعة الحضارية الجارية القائدة، فالبنسبة للغربيين أجابوا جوابين، الجواب السائد في الغرب، أن الغاية من الوجود هو إشباع ملذات الجسد، وتحقيق الشهوة؛ شهوة البطن والفرج والمال والجاه والسلطة وغيرها من الشهوات المركزة فينا، هذه هي الثقافة والفلسفة، والجواب الأساسي في ثقافة الغرب وحضارته وهي القاعدة للحضارة اليوم، هو جواب فرعي أيضا غربي وعبرت عنه في ما يسمى بالفلسفة الوجودية، التي يمثلها كبار الفلاسفة الغربيين، مثل سارتر وكيرغار وهيدجر الألماني وغيرهم، والتي تقول بأن لا غاية للوجود، هذه الفلسفة تقول بأن الإنسان لا غاية لوجوده، لقد وُجد عبثا، ولهذا تدعو إلى التمرد، ولهذا تأثر المغرب في فترة السبعينات فساد بالبلد ما يسمى بالهيبيزم والبيتليزم، وهي أن تترك شعرك مسدلا وأظافرك طويلة وسروال مقطوع، إنه التمرد، هذه هي مظاهر الوجودية أو فلسفة الوجودية التي تقول بأن لا غاية للوجود.
إذا هذه هي ثقافة الغرب أجابت جوابين عن السؤال المركزي لماذا خلقت؟ أحدهم يقول خلقت لإشباع الحاجة المادية؛ شهوات الجسد، وجواب آخر لا غاية في الوجود. لكن إن عدنا إلى الإسلام، فكيف أجابنا الإسلام؟ ما هو الجواب الذي جاء به الإسلام؟ الإسلام جاء حازما وقطعيا في الغاية من الوجود، فالآية واضحة وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، إذا الغاية من الوجود في عقيدة الإسلام هي عبادة الله، الغاية من الوجود في حضارة الغرب، والفلسفة المادية هي عبادة الشهوة، عبادة الشهوة هذه سادت واستقرت وانتشرت في المجتمع الغربي واعتبر بأن تحقيق الشهوة هو الغاية من الوجود ولهذا أقاموا الثورات العلمية، والتقنية والتكنولوجية والتنظيمية، من أجل اشباع الحاجة المادية للبشر، من ملبس ومسكن ومشرب وسياحة وغيرها، وبالفعل حققوا هذا الهدف المركزي، ترون إذن كيف بأن العقيدة الفلسفية توجه الحضارة وهي تجيب الحضارة الغربية وفلسفتها، أجابت لأن الغاية من الوجود هي اشباع الحاجة المادية كل العمران المادي تم توجيهه في هذا الإتجاه، وبالفعل سيطر الغرب على 80 في المائة من الثروة المادية، الغرب يمثل 20 في المائة من سكان العالم يسيطر على 80 في المائة من الثروة، بمعنى أن الغرب يعيش في الواحة ونحن نعيش في الصحاري، فنحن الصحاري المحيطة به، بمعنى أن أنه هو يعيش الرفاه المادي المطلق، لكن هنا السؤال؟ هل هذا الرفاه المادي، وهل هذا الإشباع للشهوات في قمتها، هل حقق السعادة للإنسان الغربي؟ هل حقق له الطمأنينة والسكينة، هل يعيش فرحا مطمئنا؟؟ هل يعيش بدون شقاء؟ بدون قنوط؟ طبعا الجواب لن يكون إلا بالنفي؛لا، ودليلي في هذا، وهو أن أعلى درجات الإنتحار و الإدمان عليها يوجد في العالم الغربي، الدخل القومي الأمريكي حواي 18 الف مليار دولار، طبعا لا أعرف الدخل القومي لإسبانبا حوالي ألف أو ألفين، أعطي بالدخل القومي في بلاد المسلمين ففي المغرب دخلنا القومي 100 مليار دولار، قارنوا بين 18 ألف مليار دولار وما بيننا، ومع ذلك فالإنتحار في أمريكا 78 انتحار يومي، وأعلى دخل فردي في المجتمع الغربي يوجد في الدول الإسكندنافية، ومن أعلى درجات الإنتحار، توجد في الدول الإسكندنافية، وعدد معدل الإنتحار في فرنسا يوميا 28 انتحار، الخلاصة هنا أن الغرب مدمن على الإنتحار، ومدمن على المخدرات، ومدمن على المسكرات، ومدمن عن الجريمة، وهنا السؤال؛ إذا كنت تعيش الرفاه المادي في قمته، فلماذا الإدمان على الإنتحار؟ ولماذا الإدمان على المخدرات، ولماذا الجريمة منتشرة؟ الجواب بسيط؛ إن هذا الإنسان الشقي لا يعيش السعادة، بمعنى آخر إشباع الحاجات المادية لم يحقق له السعادة، ولم يحقق له الطمأنينة ولم يحقق له السكينة، إذا ما الحل؟ هنا الجواب، في تقديري المتواضع؛ العودة إلى الدين هي "رسالة حضارية" من الغرب، ومن العالم إلى الفلسفة الغربية، التي اعتبرت بأن الغاية من الوجود هي اشباع الشهوة، فكان خطأ قاتل، إنه لا يمكن فقط ان نحقق السعادة بالإشباع المادي للشهوات، بل لابد من اشباع ما يسمى بالاشواق الروحية" فالإنسان ليس طينا فقط، الإنسان طين وقبس روحي، الإنسان مادة ورح، فالفلسفة الغربية أفرطت في المادة، وفرطت في الروح، فرطت في الشأن الديني، وأفرطت في الشأن الدنيوي، فكان رد فعل البشرية بما فيه الغرب نفسه هو العودة إلى الدين، باعتبار أن الدين سيحقق لنا ما أهملته فلسفة الغرب الحديثة، ألا وهو الأشواق الروحية، أي الطمأنينة والسكينة والسعادة في الأرض أولا وفي الدنيا قبل الآخرة، وفي تقديري، هذا هو العامل الأساسي في العودة إلى الدين، فالعودة إلى الدين؛ معناه أن البشرية تريد تحقيق حاجاتها المادية من ملبس ومسكن ومشرب وغيرها، ولكن بمقدار بلا إفراط أو تفريط، بل وسطا بين ذلك، وأيضا تريد تحقيق حاجاتها الروحية، بلا إفراط أو تفريط، بل وسطا بين ذلك، ومن هنا العودة الدينية، فالصحوة الدينية العالمية معناها، ان البشرية تريد العودة إلى الدين، لإحداث توازن في حاجيات الإنسان، سواء كان مسلم أو غير مسلم، وهي الحاجات المادية والحاجات الروحية، الشأن الدنيوي والشأن الديني معا، وهنا السؤال، من يحقق هذه الحاجات بلا إفراط أو تفريط؟ من يحقق لنا حاجاتنا المادية بلا إفراط ولا تفريط؟ ويحقق لنا حاجاتنا الروحية بلا افراط ولا تفريط؟ هل يمكن للديانات السماوية أن تحقق هذا؟ أقول بأن ثورة الحداثة على الدين، كان بسبب الأخلالا الكبرى التي مارستها الكنيسة في العصر الوسيط، وتلك الأخطاء القاتلة للكنيسة في العصر الوسيط، هي التي دفعت المجتمع الغربي الحديث إلى ابعاد الدين، إذن فالكنيسة لا تستطيع لأنها عقيدة بلا شريعة، أي أنها تهتم بالشأن الديني ولا تهتم بالشأن الدنيوي، واليهودية في تقديري غير قادرة، والديانات الوثنية غير قادرة كذلك، الهندوسية في الهند والدينية الكنفوشوسية قادرة على تحقيق حاجات المجتمع الهندوسي والمجتمع الكنفوشوسي ولكن غير قادرة على تحقيق الحاجات للمجتمع البشري بأكمله، سوف نعود إلى أن الصين آتية لا محالة، والهند آتية لا محالة في القيادة.
إذن من هي الديانة القادرة على تحقيق الشأن الدنيوي، الذي حققته الحداثة، ولكن بمقدار، و قادرة على تحقيق الشأن الديني أيضا بمقدار، لا توجد في تقديري، وليس هذا عاطفة دينية، إذ توجد على سطح كوكب الارض أي عقيدة من العقائد تستطيع أن تحقق الشأن الديني والدنيوي معا، وتشبع حاجات المادية والروحية معا، وتنقذ البشرية من العوز المادي والفقر المادي ومن المجاعة الروحية معا، إلا دين الإسلام، الإسلام هو الدين القادر على تحقيق هذه المهمة في القرن الواحد والعشرين، وبالتالي فهي فرصة لنا نحن المسلمين لوضع هذه السنة التاريخية، وفهمها جيدا، ووضع الخطط الإستراتيجية لتطبيقها، طبعا ستكون الإستراتيجيات المتعددة حسب البيئات، فبيئة المسلمين في الإتحاد الأوربي ليست بيئة المسلمين في أمريكا و ليست هي بيئة المسلمين في دار الإسلام القديمة، بمعنى آخر أننا حينما نعي وندرك، بأن هذه السنة فرصة لنا كمسلمين لكي نسخر هذا كله من أجل انقاذ البشرية في الغرب والشرق، فإن ذلك سيساعدنا على أننا في منتصف هذا القرن، أو في نهاية هذا القرن، ونكون قد أصبحنا من بين الذين يقودون الحضارة، وليس من بين الذين تقودهم الحضارة اليوم، كما هو شأن المسلمين اليوم.
إذن هذه هي الهجرة الأولى التي تمثل سنة تاريخية، لصالح الإسلام والمسلمين أينما كانوا، وسوف نأتي من بعد لذكر تفاصل أخرى، ماهي خصائص الإستراتيجية في بلاد الغرب عند المسلمين؟ التي يختلف في كثير من مكوناتها عن استراتيجة المسلمين في البلاد الأصلية؟
هنا سؤال مركزي لماذا ستصبح الصين رقم واحد ولماذا الهند ستحتل المتربة التي تحدثنا عنها أو أفضل، السر في هذا هو ما سميته هو بالتكتل الجغرافي، الصين فيها مليار و200 مليون ولكن كتلة وليست شتات كالأمة الإسلامية، الهند فيها مليار والعامل الحاسم وهذا قانون تاريخي يحكم القرن الواحد والعشرين، ويحكم ويحكم بشكل سلبي للإتحاد الأوربي، وهو تزايد السكان، الإتحاد الاوربي في تقديري وحسب علماء الدراسات بما فيها كبار علماء الديمغرافية في أوربا، بأن الإتحاد الأوربي سوف يبدأ في التدحرج للخلف، والسبب هو التناقص الديمغرافي، عدد الألمان اليوم 83 مليون، الالمان في نهاية القرن 35 مليون، الإطاليين عددهم 56 مليون، عددهم في نهاية القرن 15 مليون، الاسبان عددهم 40 مليون، وفي نهاية القرن 11 مليون، فالغرب الأوربي إذن يشتعل شيبا، الغرب الأوربي دخل عصر الشيخوخة الديمغرافية، ولا راد لها، لأن ثقافة الغرب لا تسمح بإمكانية إعادة التوالد لأن العتبة لتدجيل الاجيال هو أن تلد كل امراة اثنين معدل طفلين لكل امرأة كمعدل الخصوبة، هذا قائم في الإتحاد الأوربي، وفي روسيا وفي اليابان التي تفكر الآن في رفع سن التقاعد إلى 78 سنة، والسر أيضا فيالإتحاد ال,ربي لماذا رفع سن التقاعد، لأن المجتمع الغربي الأوربي، يتناقص بشكل مخيف، ومعدل ما يحتاجه الإتحاد الأوربي كل سنة، هو مليون وخمسمائة ألف كقوة عمل تأتي من الخارج كي يحافظوا على ازدهار حضارته، وهذا يجعله إما أنه ينفتح على البحيرة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، الإتحاد الأوربي سيتراجع بقوة، والسر في أن الصين ستصبح القوة الإقتصادية بسبب الكتلة الديمغرافية العملاقة والموحدة في نظام سياسي، وفي وطن واحد، ودولة واحدة، وحوض حضاري واحد، هو الحوض الحضاري الكنفوشوسي، ونفس الشيء بالنسبة للهند، فهي أيضا مليار ولكنها موحدة في نظام سياسي واحد، ووطن واحد، وحوض حضاري واحد، وهو الحوض الحضاري الهندوسي، هنا السؤال، إن كان يداية انتقال الحضارة المادية من الغرب نحو الشرق، معنى أننا في بداية تفكك قانون جديد تاريخي ستحكم التاريخ البشري في منتصف هذا القرن ونهايته، وهنا أتكلم بمنطق عالم التاريخ، تعرفون بأن قوانين التاريخ صارمة، حينما تصبح مستقرة تبررد، ويستحيل تغييرها إلا بعد مدة طويلة من الزمن، الفعل فيه والتأثير فيه يكون صعبا، لكن حينما تكون في مرحلة التشكل، تكون حامية، أي تكون تذوب قوانين وتتشكل قوانين جديدة، كمثل الحديد، حينما تكون قضبان الحديد حامية فإن طرقها يسهل، ولي القضبان في أي اتجاه يسهل =، وتشكيلها في أي اتجاه يسهل، والبصم عليها أيضا سهل، لكن حينما تبرد قضبان الحديد، هل يمكن طرقها؟ هل يمكن البصم عليها؟؟ لا يمكن، هكذا هي قوانين التاريخ، حينما تكون مرحلة الإنتقال تكون ساخنة، فالتشكل في الأول، حينما تكون ساخنة يمكن لك البصم عليها، فتبصم عليها بصمة كنفوشوسية أو هندوسية أو اسلامية، ويمكن تشكيل قضبان هذه القوانين والضوابط التاريخية، تشكيلا كما ترىأنت، في هذه اللحظة تكون أنت الفاعل، لكن حينما تتشكل القوانين تصبح مفعول بك، لا تستطيع تغييرها، والسؤال هو: هل ننتظر حتى تتشكل القوانين؟ أم علينا التدخل كأمة ومسلمين، والتدخل في صياغة القوانين التاريخية الجديدة، والبصم عليها بصمة اسلامية؟ علينا التدخل، وهذا طبعا يتطلب برامج وخطط، في كل العالم الإسلامي، وفي بلاد الغرب، من اجل أن نبصم، حتى وإن كانت بصمات مجهرية ميكروسكوبية حتى تصبح بصمة واحدة، لكن إن كنا في غفلة من أمرنا، فسوف تنتقل القوانين، وتترسخ وتبرد، ويكون من بصم عليها بصم، ونكون على هامشش التاريخ، وهذا ما يجب أ ننتبه إليه حتى لا نكون من الأمم التي تكون على هامش مجرى التاريخ في القرن الواحد والعشرين.
ألخص فأقول، كما أن التاريخ في القرن العشرين يوفر لنا تحولات كبرى، ويوفر لنا فرص، فإنه يوفر أيضا تحولات تمثل تهديدات، والمطلوب بالنسبة لنا هو أن علينا معرفة الفرص بالتدقيق وفهمها، وعلينا معرفة وفهم التهديدات وإدراكها، وعلى أساسها نضع خطط جديدة لتسخير الفرص من أجل النهضة، وخطط وبرامج لمحاصرة هذه التهديدات، هنا أقول بأن من سيلعب دور وضع المخططات والإستراتيجيات، هم الصفوة العالمة و الدعاة في بلاد الغرب، وأيضا الصفوة في بلاد المسلمين، و هذا ليس أمرا بسيطا، فصناعة المخططات، وبناء رسائل النهضة، ومشاريع الثقافة والنهوض الحضاري هذا ليس بالأمر السهل، إنه صناعة معقدة جدا، إن صناعة الأفكار والأهداف أعقد بكثير من الصناعة الإلكترونية ومن أعلى صناعة تقنية اليوم، فهذه كلها يهون أمام صناعة الأفكار، يجب على الدعاة في الغرب أن ينتجوا نخبهم المثقفة، من المثقفين الكبار، انطلاقا من الآن ضعوا هذه الإستراتيجة، لأن بيئتكم لا يمكن أن تضعوا العلاج لمشاكلها إلا من خلال مثقفين وعلماء ودعاة هم أبناء الإتحاد الأوربي، وهم من جنسية أوربية ويعيشون بينكم، كما يجب علينا أيضا تجديد نخبنا، كل هذا لتجديد رسالة النهضة، وإلا فإننا قد نعي وندرك كل هذا، ولكن لا نضع البرامج والخطط لمواجهة التهديدات، ولدعم وتشجيع الفرص.
هذا باختصار ما أريد أن أقوله، بمعنى أن المسؤولية رقم واحد اليوم هي على العلماء الدعاة وعلى المفكرين، كل هذا من مسؤوليتهم اليوم، كي يمكن أن نضمن إما موقعا في الخريطة الحضارية خلال القرن الواحد والعشرين، أو أن نضمن قيادة الحضارة إلى جانب الهندوس والكنفوشيوس التي أرى أنهم آتون لا محالة.
لكن ما أخافه هو أننا قد يمر مجرى التاريخ ونظل على هامش المجرى التاريخي، وهذا ما لا يجب أن يحدث، لأننا أمة لا يجوز أن نكون على هامش التاريخ، لو كنا قبائل في أدغال افريقيا لقبلنا هذا، و لاندمجنا في حضارة الغرب اليوم، لكن نحن كنا أمة نقود، لا يجوز؛ ونحن أسلال و أحفاد و أجدادنا عظام أبناء حضارة عظيمة فنحن لسنا لقطاء في تاريخ الحضارة، وبالتالي لا يجوز أن نكون على هامش التاريخ، يجب أن نكون في قلب التاريخ، وهذا ما أردت أن أبلغه باعتبار أنها رسالتنا في القرن الواحد والعشرين.
ابحث
أضف تعليقاً