wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
كلمة الدكتور عبدالسلام العبادي في حفل رابطة كتاب التجديد
الاثنين, August 24, 2015

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله  رب  العالمين  ، خالق الانسان في احسن تقويم ، المستخلف  له  في الارض ليعمرها ، وفق منهجه السليم  وشرعه القويم ، واصلى واسلم على النبي العربي الهاشمي الامين  ، الذي بعثه بالحق و الهدى والكتاب المنير ،  وعلى آله الاكرمين  ، وصحبه الغر  الميامين  ، وعلى من  التزم  بهديه  ، وسار وفق شرعه.. إلى يوم الدين  ، وبعد   ؛ 

صاحب السمو الملكي الامير الحسن بن طلال المعظم حفظه الله تعالى ورعاه

اصحاب الدولة والمعالي و العطوفة والسعادة

ايها الاخوة و الاخوات

ايها الحفل الكريم

يأتي هذا اللقاء الطيب المبارك لرابطة كتاب التجديد في الفكر الإسلامي   ،  المنبثقة عن المنتدى العالمي للوسطية ؛  في احتفالها السنوي لعام 2015 لتكريم عدد من المؤسسات الكبرى و المفكرين المتميز ين الذين يشاركون في قيادة الفكر الاسلامي المعاصر بفعالية ونشاط واسع  ، يثري المسيرة  ، ويقدم لها صوراً من الابداع و التجديد والانجاز ،  تمثل خدمة ثرة وعطاء مستمراً  ، ينعكس على آفاق هذا الفكر بفوائد جمة   ، ورؤى مباركة ، ودراسات معمقة .

       وأن هذه الظاهره ظاهرة النمو المتطرد و التجديد المستمر  أمر دعا اليه الاسلام وحث عليه ، وهو امر ينسجم مع طبيعة الحياة و الوجود الانساني على هذه الارض...

     فقد أثبت البحث العلمي أن خلايا الإنسان تتجدد باستمرار ، كما ان نموه وانتقاله من حال إلى حال  ظاهر للعيان من لحظة علوقــه إلى  لحظات تكونه النامي في رحم أمه ، إلى ولادته ، ثم نموه المستمر حتى تكون نهايته على هذه الأرض  ، قبل انتقاله إلى اليوم الآخر .. والحياة الإنسانية على هذه الأرض نمت وتنمو باستمرار في كل اشكال وجودها و نواحي تطورها .. فلا بد للفكر الذي يتعامل مع هذا الإنسان وحياته على هذه الأرض من أن يكون فكراً نامياً ومتجدداً نمو الحياة وتجددها ، قال تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )

        وواضح أننا نتكلم عن النمو والتجدد والتطور،  ولا نتكلم عن الثبات من ناحية ، كما لا نتكلم عن التغيير من ناحية أخرى .. وهذا يعني كما هو  شأن الحياة الإنسانية لابد أن يكون هنالك في هذا الفكر قدر من الثوابت وقدر من المتغيرات ، كما هو شأن نمو الحياة الإنسانية وتجددها . فهنالك فيها قدر ثابت من الصفات الأساسية والملامح البارزة وقدر من التجدد والتطور .

والواقع أن هذا الثبات والتطور ، وهذا الجمع بين الاستقرار والنمو والتجدد صفة أساسية من صفات الفكر الإسلامي عبر مراحله المتعددة . فقد وجدناه مستقراً في أصوله وقواعده ، نامياً ومتحركاً في فروعه وتفصيلاته وتطبيقاته منسجماً مع حركة الكون والحياة والانسان ، وفي اللحظة التي تتوقف فيها أو تبطئ حركته يجمد و يتخلف ، ولا يمكن أن يعود إلى النهوض إلا إذا عادت إليه صفة النمو والتجدد والتطور  ؛ في إطار من المحافظة على ثوابته وأصوله وقواعده الأساسية .. وهذا هو التحدي الذي يواجه مفكريه وعلماءه في كل حقول علمهم وتخصصاتهم . وبذا يواصل فكرهم عطاءه الحضاري ، ويعودون مرة أخرى إلى ريادة الإنسانية وقيادتها والتحكم في مساراتها  ؛ على هدي من ثوابت هذا الفكر ومبادئه الكبرى وقواعده الأساسية ، دون غفلة عن ما يحتاج إلى تحريك وتطوير وتجديد .

       والرواد و المبدعون في هذا المجال قلة ، ويحتاجون إلى تعريف ،وتشجيع ودعم ،وتأييد ، ومن هنا جاء تأسيس رابطة كتاب التجديد  في الفكر  الاسلامي  ،وجاء هذا الاحتفال السنوي ليؤكد على هذه المعاني الكبيرة ، التي تحتاجها الامة ايهما حاجة ،  وهكذا لا يعني التجديد الانسلاخ من الاصول و الثوابت ،انما يعني الابقاء عليها مع الانفتاح على كل مظاهر الابداع و التقدم الأنساني انسجاماً مع حركة المجتمعات الإنسانية .

وسلوك هذا الطريق خيار  ضروري لتحقيق نهوض الأمة وتقدمها ،  فلا بد من جهود كبيره يبذلها المفكرون الرواد  والعلماء المبدعون ليقودوا حركة الأمة وانطلاقها ، لنفض الغبار الذي علق بمسيرتها و مسيره ابنائه من جمود على  مقولات ليست من ثوابت هذا الدين ومبادئه ،  و تمثل  خروجا مرفوضا عن اسسه  وقواعده  ، مثل الاغراق في التعصب الاعمى والانطلاق لآفاق الاقتتال الذميم و التشدد المرفوض والغلو و التطرف و ما يسمى بالارهاب في هذه الايام ، بعيداً عن روح الاجتهاد الرحبة و التسامح و التراحم والتكافل والتحاب والاهتمام بمصالح الامة العليا .

   وأن مما يعيق حركة التجديد الجمود على مقولات معينة ليس لها من دليل مقبول او تأييد من فهم سديد ،  بالاضافة إلى التعصب و الغلو المذهبي ، وما حققة الغزو الفكرى الخارجي الذي استعر من البدايات الاولى لهذا الدين العظيم  ، واخذ في هذا العصر اشكالاً بعيدة في الاستخدام السيئ لأدوات العولمة ووسائلها ، بالاضافة إلى قصور واضح في التعليم و التربية على مستوى الأمة ، وبخاصة في مجال التعليم الديني ، بعيداً عن اهداف هذا الدين العظيم في الواقع الأنساني . قال تعالى :  (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) . وقال سبحانه : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ) . وقال جل من قائل : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) .

    ومن هنا فإن الحاجه ماسة وملحة أمام الفكر الإسلامي المعاصر للعمل على سرعة الإنقاذ لحاضر الأمة ومستقبلها ،وتجديد مشروعها النهضوي ، وبحيث ينكب مفكروها أفراداً وفرقاً من خلال مراكز البحث ، وبخاصة المراكز المتخصصة في الدراسات المستقبلية ، والقــادرة  بأدواتها ووســــائلها من أن تولي هذا الأمر كل عنايتها .

 وهنا لا بد ان نشير للحديث النبوي الشريف ، الذي يتحدث عن تجديد لامر الدين على رأس كل مائة عام فيقول r  في الحديث النبوي الذي أخرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة  : « إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ».

    والمقصود بالتجديد هنا التفعيل والتحريك ويكون هذا بإحكام ربط الدين بالواقع النامي المتحرك  ؛ فعند ذلك يتجدد ؛ بمعنى : يتفعل ويتحرك وينمو دين الأمة ، أي تدينها ، أو علاقتها بالدين ،  نتيجة هذا الربط والتفعيل.

ويوضح هذا الفهم الحديث النبوي الآخر الذي يطلب فيه رسول الله r   من المؤمنين تجديد إيمانهم بقوله : « جددوا إيمانكم . فيقولون : وكيف نجدد إيماننا . فيأتي جواب الرسول r   : أكثروا من قول لا إله إلا الله ».

فليس المقصود الذهاب إلى إيمان منبت عن الإيمان القائم في نفوسهم ، إنما المقصود تفعيل هذا الإيمان وتحريكه ليحقق آثاره في النفس والمجتمع ، وهذا الفهم للتجديد ضروري ، وذلك بالمحافظة على الثوابت ، والتحريك للتفصيلات والفروع بالقدر  المقرر شرعا ، وفي مجالات التطبيق والممارسة  ، وإلا كان الأمر هدماً للدين وتغييراً له ، وهذا لا يمكن أن يكون وارداًَ لا من قريب ولا من بعيد .

إن فهم المقصود بتجديد الدين على رأس كل مائة عام الوارد في الحديث النبوي الشريف ، ومن ثم فهم المقصود بتجديد الفكر الإسلامي المعاصر أمر في غاية الأهمية لمعرفة الدور الملقي على عاتق العلماء والمفكرين الإسلاميين في النهوض بأمر الفكر الإسلامي من خلال الأدوات المعتمدة في الشريعة لتحقيق ذلك النهوض ، وعلى رأس هذه الأدوات أداة الاجتهاد والذي استقر تعريفه على أنه بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية العملية للقضايا الحادثة والمشكلات المستجدة من الأدلة الشرعية . ويشمل ذلك القياس والاستحسان  والاستصلاح  ، مما يحتاج الى بيان مستقل .

سيدي صاحب السمو حفظه الله تعالى ورعاه

ايها الحفل الكريم

اسمحوا لي أن اتقدم بأحر التهاني للفائزين ، داعياً الله سبحانه وتعالى ان يوفقهم لمزيد من العطاء و الانجاز ، شاكراً لرابطة كتاب التجديد  في الفكر الإسلامي جهدها المتميز هذا .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

(وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )

 

التعليقات

حفظكم الله يا معالي الوزير

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.