wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"
السبت, September 3, 2016

أ. د. محمد خازر المجالي

إن من أهم عناصر قوة المسلمين، وحدتهم وأخوتهم وتعاونهم. ولعلها من أهم نعم الله علينا أنْ كنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله منها بسبب هذه العلاقة الرائعة؛ حيث علاقة الإيمان والأخوة في الله، وهي فوق أخوة النسب. إذ هي علاقة روحية لا مصلحة من ورائها إلا الله تعالى والالتقاء عليه ونصرة منهجه وارتقاء البشرية.
حين رأى اليهود في المدينة المنورة حال المسلمين من الأوس والخزرج وقد تآخوا وارتقوا بمبادئهم وأصبحوا إخوة بعد أن كانوا متحاربين، حين قدّموا المبادئ على المصالح، وحين طلقوا مفاهيم الجاهلية من تحزب وازدراء للآخر وتفاخر بالنسب وتعظيم لغير الله تعالى، حينها غاظهم المشهد، فأحبوا أن يثيروا الفتنة من جديد. وتزعم الأمر شاسُ بن قيس، فأرسل إلى أحدهم لينشد أبياتا تذكرهم بالحروب بينهم، خاصة "يوم بعاث". فذكر من الشعر ما عظم الحمية وأشعل الفتنة، وتنادى كل فريق ضد الآخر، وحملوا السلاح، وكادت أن تقع فتنة عظيمة. ووصل الخبر للرسول صلى الله عليه وسلم، فوبخهم على ذلك، وقال قولته المشهورة: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة".
في هذه الواقعة، أنزل الله تعالى آيات نتلوها على مر الزمان: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" (آل عمران، الآيات 100 -103). فالذي يحرك مثل هذه الفتن أناس معروفون بكيدهم لهذا الدين وأهله، لا يهدأ لهم بال إلا والأمة مفككة متحاربة! فلا يجوز أن تكون هكذا وهي تؤمن بالله وتتلوا آياته، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن غاب جسده فسُنته موجودة، فالعصمة بالله تعالى هي المنجية، فهو هاديه إلى صراط مستقيم.
هنا يطلب النص منا أن نتقي الله حق تقاته، علاجا لمثل هذه النوازع من الفرقة والتشتت. وكأني بالنص ينبئ عن أن أهل التشرذم والفرقة هم أبعد الناس عن التقوى الحقيقية؛ التقوى التي هي خضوع القلب لمراد الله والانكسار أمام عظمته، والتنافس فيما يرضيه تعالى، لا ما يرضي النفس وما تهوى، أو تقديم مصالح دنيوية على ما هو خير وأبقى مما ينفع العبد في دنياه وآخرته على حد سواء، مما يرتفع بالإنسان، وبالتالي يرتفع بالمجتمع والبشرية، فتسود مبادئ الحق والعدل والرقي الإنساني، وبالتالي السعادة وتبعاتها من باب أولى.
هنا يأتي الأمر الإلهي بأن نعتصم بحبل الله جميعا؛ الاعتصام بالقرآن وبالإسلام والسُنّة عموما. ويأتي مع هذا الأمر نهيٌ الغرض منه تأكيد الأمر، بأن لا نتفرق؛ فهو اعتصام بلا فرقة. إذ إن الفرقة داء وضعف ومجلبة لكثير من الآفات، وأهمها أن أعداءنا في سجال لا يتوقف، ومدافعة لا تنتهي. هكذا اقتضت حكمة الله في مدافعة الخير والشر، ولا بد لأهل الحق أن يدفعوا الباطل وإلا فسدت الأرض، ولا يمكن أن يكون هناك دفع ونشر خير وإحقاق حق ونحن متفرقون مأزومون حيارى مشتتون، فلنعتصم بحبل الله.
وفي الآيات تحذير شديد ووعيد صريح بأن المصير لمن يدعو لمثل هذه الدعوات ويستجيب لها هو النار. ولا يكتفي السياق بهذا، فلا بد من حراسة لمفاهيم الرقي هذه، فجاء مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مباشرة بعد هذه الآيات، يقول الله تعالى: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (آل عمران، الآيتان 104 و105).
لعل الذي دفعني إلى هذه المقدمة الطويلة هو ما جرى مؤخرا في غروزني من مؤتمر تم فيه تحديد من هم أهل السُنّة. وانتهى بأنهم الأشاعرة والماتريدية، وبهذا تم إخراج السلف من هذا المصطلح. وهذه ليست المرة الأولى التي تكون فيها اجتهادات ناقصة متعصبة، وربما يحدث هذا عند الفئة التي أُخرجت حين يتعصب بعض أهلها ليخرج الفئتين الأخريين، وهذه طامة كبرى عشناها ونعيشها في التعصب وضيق الأفق.
أهل السنة هم هذه الطوائف الثلاث (سلف وأشاعرة وماتريدية)، والخلاف بينهم مقبول فرعي؛ فهناك فرعيات حتى في الأصول. هنا يأتي بعض المتعصبين فيتحمس ويضيق صدره وأفقه، ويبدأ بإخراج المسلمين فئة وأخرى، حتى لا يبقى إلا أتباعه، بل نرى الفئة الواحدة وقد تشرذمت، وهذا نتاج طبيعي لآفة التعصب.
لقد شرع الله سبحانه لنا أن نختلف في قراءة القرآن، فأنزله على سبعة أحرف؛ أي: أوجه في حدها الأعلى لقراءة النص. وأقر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على الاختلاف، فالأصول هي هذه الأركان المعلومة من إيمان وإسلام، والتفصيل فيه شيء من الآراء بناء على بحبوحة هذا الدين الشامل. ومطلوب منا أن يحترم بعضنا بعضا، ويعذر بعضنا بعضا، ويسع بعضنا بعضا، فالمهمة أمامنا أن نعبد الله وحده، وأن ننشر التوحيد والعدل والحق في هذه الدنيا، فلا نقف عند خلافات بسيطة تلهينا عن مهامنا العظيمة.
ولئن كان القرآن يدعونا إلى حسن المعاملة مع غير المسلمين واحترام آرائهم؛ فلا إكراه في الدين، فإن من باب أولى تعميق العلاقة بين المسلمين، ونبذ كل أنواع الفرقة فيما بينهم. وإنني أزعم أن كل من يدعو إلى تعصب لمذهب عقدي هو  -إضافة إلى تفاهة غايته وسخف أسلوبه - من أعداء هذه الأمة، ومعول هدم فيها، وأذن لأعدائها من أتباع شاس بن قيس ومن لف لفه.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.