wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
"كـلـنا حـجـاجٌ نحو المطلق..." في باب حوار الأديان"
السبت, February 28, 2009

لقد شـدَّني هذا العنوان, وإخالــهُ سَيَـشـد كــلَّ مُهتَمٍ بتعزيز الحوار الديني الايجابي, وكلّ من أبدى ارتياحا لما جاءت عليه "رسالة عمان" الشهيرة, وأيضاً, كلّ من تابع ويتابع الجهود الموصولة المُثمرة التي تـبذل من المنتدى العالمي للوسطية. ولقد جاء هذا العنوان ضمن بحث واسعٍ, عناوينه كثيرة, تشكل عُصارة دراسات مكثفة وبحوث عميقة, قام بها لسنوات وسنوات عـالـم اللاهوت والفلسفة, الأب البروفيسور جوزيف سكاتولين. الذي ارتأى أن يُسمي البحث "روحانيات في حوار أو حوار بين الروحانيات".
يفتح الباحث آفاقاً جديدةً لأسس الحوار الديني البنـاء قائلاً: " ثمة مساحة إنسانية ودينية واسعة كافية, يمكن أن يتحرك فيها أصحاب الأديان كلها الواحد نحو الآخر, لكي يتقابلوا فيسيروا معاً نحو غايتهم الأخيرة الأسمى في مسيرة مشتركة منفتحة فيما بينهم." ويضيف:"كل خبرة دينية تقع في داخل الأفق الإنساني نفسه, الواحد, المحدد, أي داخل الخطوط الوجودية والمعرفيّة الخاصة لجماعتنا البشرية المشتركة - الجنس البشري - وداخل المحيط البيئي المشترك نفسه - الكون - وداخل توجهنا المشترك نفسه نحو غايتنا الأسمى - التسامي نحو المطلق-".
ويشدّد البروفيسور سكاتولين على أنه: "ليسَ باختزال أو تذويب الفوارق الموجودة بين الأديان يـتــيَسّرُ التفاهم بينها, فعبر كل الفوارق الدينية, ثمة مساحات واسعة رحبة على الصعيد الإنساني, بل لـنـقـل على الصعيد الإلهي, للتلاقي والتفاهم والاكتشاف المتبادل, يؤدي دون شك إلى إثراء جميع أتباع الديانات". ويخلص الباحث إلى هذه الحقيقة الثابتة: "أننا في النهاية, سنعيد جميعنا اكتشاف ذواتنا على بعدنا الإنساني الأعمق. ألا وهو أننا كـلـنا حجاج نحو المطلق, أي في مسيرة مستمرة مشتركة, نحو مَن هو الغاية الأسمى لـحجـنا الإنساني, الذي لا يمكن لأحد الزعم أنه يمتلكه. وهو المطلق الذي يدعونا نحن البشر جميعاً نحوه فهو في آخر الأمر "الكل في الكل" حسبما جاء في الرسالة إلى أهل كورنتس 15-.28.

  إنَّ الحوار الحقيقي والايجابي بين الأديان, صار ضرورة مـلحة "خـشية أن تتحول الأديان إلى أيديولوجيا بشرية صِرفة أو إلى ديانات طائفية, محدودة في دائرة مغلقة من البشر". وعلى هذا فإن الباحث يرى أن كـلَّ دين مطالب في عصرنا الحاضر:
أولاً "عودة جديدة إلى رسالته المؤسِّسَة, ومعناها الأصلي, فالخبرات الدينية الأصلية ظلت ولا تزال تمثل دافعاً عميقاً لحياة الملايين والملايين من البشر. موفرة لهم الأمل الأقصى والحقيقي لكيانهم, كما أن التأويلات والتطبيقات - غير النابعة بشكلٍ أو بآخر - من الرسالات الدينية الأصلية, يضاف إلى هذا ما قام به البعض من حركاتٍ إصلاحية كان فيها شيء من التنازلات أدت على نحوٍ ما إلى انغلاقات روحية وتيارات تعصبية سببت وتسبب لونا من الصدامات والصراعاتٍ, - وإذا سلـمنا - أن كلَّ تقليدٍ دينيٍّ عظيم يحمل في طياته نواة أصلية مميـزة له نابعة من خبرته الأصلية, - فلا ضيرَ - أن يتم استعادة هذه النواة ومعاودتها وعصرنتها, بمقاربة جدية ونقدية من مصادر الدين الأصلية والتاريخية".

ثانيا: "مواجهة الحداثة ومتطلباتها العلمية النقدية: فالحداثة تشكل إحدى المتطلبات الأساسية التي يجب على كل تقليد ديني وضعها في عين الاعتبار, إذا أراد أن يكون طرفاً ايجابياً في "القرية العالمية". فالحداثة تعني في معناها الصحيح " بلوغ العقل البشري أشـدُّه" وهذا في حد ذاته يمثل نموا إنسانيا ايجابياً بل وضرورياً في تطور الكائن البشري عبر التاريخ".
ثالثا: "الدخول في حوار ايجابي مثمر مع الأديان العالمية الأخرى, فكل دين يقع في عالم أوسع وأشمل من دائرة أتباعه ومُريديه, فـقـبــله ومـعـه وبـعـدَه, هناك عددٌ لا يُحصى من الناس عاشوا على وجه هذا الكوكب وكانت الأديان لهؤلاء الناس المصدر الأول والدافع المتين لحياتهم وحبهم ورجائهم حتى وفاتهم وما بعدها, وقد نشأت وتطورت داخل تقاليدها الدينية قيم روحية عميقة وثقافات إنسانية شكلت عصب الحياة للحضارات الإنسانية الكبرى التي ازدهرت عبر الزمان, وينبغي أن تظل إرثاً مشتركا بين البشر كلهم وعليه فلا يجوز اعتبار كل هذا التاريخ البشري سلبياً محضاً, ذلك أن الذاتية الحقيقية يجب أن تقبل الغيرية الحقيقية". ويركز الباحث على هذه المسألة بقوله: "إن هويتي ستـثـبــت أنها هوية حقيقية إذا أعطت معنى مفيداً لغيرية الآخر, فأخذ غيرية الآخر على محمل الجد دون انتقاص, لا يعني بالضرورة الانغلاق وعدم التواصل المتبادل, فالآخر رغم كونه مختلفاً, فانه ليس غريباً ودخيلا بالكــلِـية, وفي النهاية أجنبياً من عبر الفضاء, وأنه غير مفهوم إطلاقاً".
رابعاً: "الالتزام الجاد المتشدد, من أجل العدالة في عالم العولمة, الذي يخاطر أكثر فأكثر, بإنسانية الإنسان ذاتها, على قاعدة أنه لا يوجد ما يسمى - بالعلم البحث - أي علم مكرس لمحض خدمة المعرفة ورفاهية الإنسانية, ومن هنا فإن العولمة الحالية تخلق موقفاً جديداً يمكن فيه التلاعب بمصير الإنسان بطرق غير مسبوقة في تاريخه الطويل. إن الاهتمام بالعدالة العالمية وحقوق الإنسان, وحريته وحرية اعتقاده وتعبيره, من أخطر التحديات في عالمنا المعاصر, من أجل بقاء إنسانيتنا ذاتها على قيد الوجود".
 بقي أن أقول: أنَّ الباحث المـدقق قد فتح آفاقاً جديدة للحوار الإيجابي البنـاء, لما فيه التلاقي والتآخي والمزيد من التعاضد بين أبناء الشعوب كلها في عالم أخذت تـهيمن عليه التيارات المادية وبهارج العصر لتبعده عن حقيقة ذاته وإنسانيته.0

حنا ميخائيل سلامة
نقل عن جريدة العرب اليوم 
بتاريخ 28/2/2009

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.