
ما الذي جعل الآسيويين رغم اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم وسياساتهم يحققون هذا التطور الاقتصادي الكبير والتقدم التكنولوجي الملفت في ظروف إقليمية تتسم بالتعاون الجاد المبني على الثقة والإحترام، ما الذي جعل ماليزيا التي كانت بالأمس تنظر إلى سنغافورة على أنها ولاية منها تتعاون بكل أريحية وبكل شفافية معها الآن وتصل نسبة الاستثمارات بينهما إلى مليارات الدولارات، ربما يكون الآسيويون أذكى وأنضج وأكثر قراءة للواقع وأكثر فهما له، دروس كثيرة تقدمها تلك الدول لنا كعرب، ولنا كأفارقة فهل نفهم تلك الدروس على بساطتها.
لقد فهم الآسيويون أكثر من غيرهم أهمية التكتلات الاقتصادية والسياسية وانعكاساتها على التنمية والإستقرار وجلب الرفاهية والتقدم للشعوب، لذلك ركزت هذه الدول على تطوير المنظومة التعليمة بشكل فعال يسعى إلى تغيير جذري في عقليات الناس وتعاطيهم مع الأحداث، شملت سياسات هذه الدول أيضا تطوير وتحديث طرق المواصلات (النقل الجوي والبحري والبري) بين عواصم هذه الدول، فمن شركة الطيران “Air Asia” التى تغطي أكثر من 165 جهة داخلية وخارجية إلى القطارات والطرق السريعة التي سهلت حركة الناس والبضائع وأنعشت الاقتصاد وطورت الإنتاجية وساعدت على تبادل الخبرات في مجالات العلوم والتقنية. سنحاول في هذه القراءة تسليط الضوء على أهم النقاط التى تميز التعاون الآسيوي و نجاح هذه الدول في إدارة صراعاتها.
التعاون الاستراتيجي العميق
تبني الدول الآسيوية علاقاتها الإستراتيجية بشكل عميق وصلب فهذه الدول تدرك أهمية التعاون الاستراتيجي للمنطقة وقدرة هذا التعاون على تحقيق الكثير من الأهداف الاقتصادية ومواجهة القرارات الدولية التى تستهدف في بعض أوجهها تحطيم هذه التكتلات لتسهيل السيطرة عليها، فقد عاشت هذه الدول الكثير من الهجمات التى تستهدف اقتصادياتها ونهضتها وكان آخرها الأزمة المالية التى عصفت باقتصاد هذه الدول خلال فترة 1996 – 1998.
كان للسياسات الوقائية التي تبنتها هذه الدول إبان الأزمة دور هام في التخفيف من آثار الأزمة، لكن نتيجة للارتباطات القوية بين اقتصادات هذه الدول بالسوق العالمية خاصة الأمريكية منها فقد كانت هناك انعكاسات سلبية تمثلت في تراجع معدلات النمو في هذه البلدان نتيجة انخفاض صادراتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية. رغم تباين وجهات النظر بين الدول الآسيوية في مواجهة الأزمة إلا أن هذه الدول حافظت على تعاون مستمر وتبادل في الأفكار والآراء لمواجهة الأزمة، خرج الآسيويون من هذه الأزمة أكثر حرصا على تطوير التعاون بينهم ودعم استراتيجيات التعاون المشترك لدولهم للحفاظ على تكتلات موحدة قادرة على مجابهة التحديات. ترتبط هذه الدول بمعاهدات واتفاقيات ذات فعالية كبيرة تتم مراجعة هذه المعاهدات والاتفاقيات بشكل دوري تحرص الدول على الالتزام بكافة بنود هذه الاتفاقيات والحفاظ على استمراريتها لأنها تشكل العمق الاستراتيجي لسياساتها.
الإصلاح الداخلي و معالجة الاختلالات
ركزت الدول الآسيوية على الإصلاح الداخلي و بناء مجتمع متماسك متصالح مع ذاته قادر على مواجهة التحديات بكل قوة وصلابة، وشكل التعليم رأس الحربة في سياسات هذه الدولة فأعطته عناية خاصة وركزت على تطوير المناهج والأساليب التعليمية وبرامج التنمية الذاتية واستطاعت هذه الدول غرس خصائص المواطنة والتضحية في أفراد المجتمع، ومن ضمن ما ساعد على الإصلاح الداخلي في هذه الدول تصميم قادة الرأي فيها على معالجة الاختلالات المجتمعية، مثلا كان على ماليزيا من أجل أن تتصالح مع ذاتها بعد الأحداث العرقية 1969 أن تعيد بناء سياساتها علي بنية اجتماعية جديدة قائمة علي العدل والشفافية بين مختلف الأعراق لذلك تم توجيه برنامج The New Economic Policy 1971 إلي الطبقات الأشد فقرا من كافة الأعراق وخلال 20 سنة هي عمر البرنامج استطاعت الحكومة أن تحول 30% من ثروة البلاد إلي الطبقات المعدومة، كانت سياسة The New Economic Policy 1971 بمثابة صمام أمان لعدم تكرار أحداث مايو الدموية، ارتكزت السياسة الجديدة على محاربة الفقر، دعم التعليم والصحة، وتكافئ الفرص بين كافة الأعراق.
في سنة 1971 كانت نسبة الفقر 52% ودخل الأسرة 660 رنجت وفي سنة 2004 تقلصت نسبة الفقر إلى 5% ووصل دخل الأسرة 2996 رينجت، بعدها لا أحد يهتم بلونك وعرقك ومكانتك الاجتماعية المهم ما تقدمه وتساهم به في عملية الإنتاج وخدمة الوطن. صممت الدول الآسيوية سياساتها الاستثمارية والاقتصادية بشكل شبه منفصل عن السلطات السياسية بحيث لا يؤدي أي خلل أو صدام في المنظومة السياسية إلى توقف المشاريع التنموية أو تعثرها، الفكرة مهمة جدا وحدت من تأثير الصراعات السياسية على البرامج التنموية في هذه الدول.
الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه المستقبل
يستشعر الآسيويون أهمية المستقبل والعمل المشترك من أجل تحقيق أهدافه خدمة لشعوبهم، لذلك تحرص حكومات هذه الدول على بناء جسر من الثقة والعلاقة الصلبة التى لا تهزها الأزمات أو الخلافات السياسية، دخلت هذه الدول في وضع سياسات إقليمية مشتركة قائمة على المشاريع الضخمة والتبادل العلمي والمعرفي ودعم الصناعة والتجارة وخلق آفاق حقيقية لشعوبهم، ويبتعد الآسيويون عن أي صراع إقليمي قد يؤثر على نمو وتطور بلدانهم حيث يضعون في أولوياتهم بقاء الصراع والخلاف في حدود ضيقة بحيث لا يؤثر هذا الصراع والخلاف على استراتيجيات التنمية.
كانت النتائج الكارثية لانهيار النظام المصرفي الغربي في الأزمات المالية المتعاقبة درسا لهذه الدول حيث زادت المطالبة بالعمل المشترك والعمل على تطوير المنظومة المصرفية بما يتماشى مع وضعية هذه البلدان، وقد حققت هذه الدول نجاحا في المحافظة على توازن اقتصادي في عالم تعصف به الأزمات من كل جانب، يعتبر الآسيويون أن استراتيجياتهم المتبعة في التعاون فيما بينهم ليست مقدسة، بل بالعكس مهما كانت النتائج الإيجابية التى تحققها هذه الاستراتيجيات في مجال التعاون وإدارة الصراعات والأزمات يجب دائما أن نخضع هذه الإستراتيجيات للمزيد من النقد والدراسة والتمحيص، هكذا العقل الآسيوي وهكذا السياسة الآسيوية الحريصة على الاستقرار الإقليمي و النماء الاقتصادي.
ابحث
أضف تعليقاً