عن التصوف: رؤية مختلفة
إبراهيم العجلوني
تأخذ الرؤية التي نحاول الصّدع بها هنا وُجهتين مختلفتين وإن ضّمهما إطار واحد، أما أولاهما فنبدؤها بما جاء في عوارف المعارف للإمام شهاب الدين السهروري من أن بعض الصالحين كتب إلى أخٍ له يستدعيه إلى الغزو، فكتب إليه: "يا أخي، كل الثغور مجتمعة لي في بيت واحد، وألباب عليّ مردود" ، فكتب إليه أخوه: " لو كان الناس كلهم لزموا ما لزمته اختلّت أمور المسلمين وغَلَب الكفار؛ فلا بدّ من الغزو والجهاد" ، فكتب إليه: " يا أخي، لو لزم الناس ما أنا عليه، وقالوا في زواياهم، وعلى سجّاداتهم: الله أكبر ، لا نهدم سور القسطنطينية" ..
ونقرأ في تعقيب الدكتور عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق على هذه الحكاية بعيدة الدلالة أنه قد تستولي على أحدهم "الحال" فيغمره الشعور الفيّاض بسلطان الألوهية النافذ الفعّال الشامل، ويغفل في فترة استيلاء هذه الحال عن القوانين التي رسمها الله سبحانه للنصر والجهاد، فيقول – وهو تحت سيطرة الحال – لو قال الناس "الله أكبر" وهم على سجاداتهم وفي زواياهم لا نهدم سور القسطنطينية. ثم يفئ إلى نفسه فيرى أنه وإن كانت قدرة الله سبحانه لا يقف أمامها سور القسطنطينية ولا غيره؛ إلا أن الله (سبحانه) رسم نهجاً إيمانيّاً هو نهج الجهاد الدائم، وأن الناس لو لزموا ما لزمه " لا ختلّت أمور المسلمين وغلب الكفّار .. فلا بدّ من الغزو والجهاد "..
وفي تعقيب نراه نحن، في ضوء حقائق الإيمان وحقائق التاريخ في آنٍ، نقول إنه لو اتسعت الزوايا والخُلْوات لجهات الأرض الأربع، وارتفع فيها التكبير على وُسع الحلوق؛ فإن ذلك كُلَّه لا يقدّم ولا يؤخر ما لم نتمثّلْ قوله تعالى في محكم التنزيل: "وإعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " وقوله تعالى: " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم "، وغير ذلك من آيات الكتاب العزيز وأحاديث النبي الكريم.
ثم إن التصوف الإسلامي الحق "الذي يحيط بحقائق الكون وحقائق الإجتماع البشري وسنن الله في خلقه" قد حظي بأنموذجات من أبطال "الجهاد الحربي" ما أحرانا أن نستحضرها ونحن نرى إلى ضرورة تحقق فريضة الجهاد في واقع المسلمين الذي أصبح نهباً لأعداء الأمة يتحيّفونه من كل جانب ويمعنون فيه تقسيماً، وإلى ضرورة إحياء روح المقاومة في الجسد الإسلامي الممتد من أقصى الأرض إلى أقصاها؛ لأن ذلك – إن كان – سيكون توطئةً ومهاداً لأن تشرق الأرض بنور ربها، ولأن تقوم حضارة ربانية تكرّم الإنسان، وتخرج به من ألوان العبوديات التي تهتضم وجوده في مصطخبٍ من الشعارات الخادعة، والأُلهيات، وضروب الخدع والإستهواءات ..
على أن بنا، قيل ذلك، أن نعود إلى فجر الإسلام وما استنار به من أوجهٍ ناضرة مستبشرة أحاطت كهالة القمر برسولنا الكريم، وكانت مثال الصفاء الروحي والسمو الأخلاقي ، ولا سيما أصحابَ بيعة الرضوان، والمُبشرين العشرة بالجنة، وأهلَ بدر الكبرى وغيرَهم من مجاهدي الإسلام الأوائل ورافعي رايته ..
إنه إذا كان لنا أن نصف أولئك المؤمنين المقاتلين بالشهداء، فإنما هي "الشهادة" بمجمل معانيها وشمول دلالاتها، وهي شهادة قائمة أبد الدهر نملك أن نتخذها معياراً لصدق الصادقين من لدن تنزّل الوحي على الصادق الأمين إلى أبد الآبدين ..
وفي ضوء هذا التصور نرجّح صورة "المتصوف المقاتل في سبيل الله" على صورة صاحب الدعاء الذي ينتظر أن تتهاوى أمام دعائه الأسوار، أو تنهار الجيوش، أو تنسحب مختارة من أرض المسلمين ..
وإن لنا هنا أن نرى إلى "شقيق البلخي" وهو يسارع إلى خوض المعارك، لا يبالي على أي جنب يكون مصرعه في سبيل الله ..
لقد كان هذا العابد الزاهد يحارب أعداء أمته مسلحاً بإيمانه وعدته الحربية معاً، وكان يرى نفسه لدى احتدام القتال كما لو أنه في ليلة زفافه، ولقد مات شهيداً في ساحة الجهاد ..
ثُمّ إن لنا أن نرى إلى حاتمٍ الأصمِّ وهو يخاطب نفسه وقد حمي وطيس المجالدة "ويحكِ، لن تراعي".
حتى إذا أُسر في المعركة، ووُضع تحت السكين، وجثم أحد علوج الأعداء على صدره ليذبحه، كانت حالة كما يقول: "كنت انتظر ماذا يحكم الله تعالى فِيَّ" فبينما هو كذلك أصاب العلج سَهْمٌ فقتله، فقام سليماً معافى ليعاود القتال مرة أخرى ..
وإذ نكتفي بهذين الشاهدين، على وفرة ما يمكن التمثل به في هذا الباب، فإننا نخلص من قريب إلى ما هدفنا ابتداءً إلى توكيده، أو إلى ما أردنا التدليل عليه من كون طابع التصوف – إن كان هو الزهد والصفاءَ وسموَّ الروح وخلوصَ العبادة لله – مُكتَنفاً في شتى حالاته بالظروف التي تمر بها الأمة، إذ لا يجوز أن يكون حالة تطهّر خاصة، وأرضُ الإسلام تتغشاها ظُلمات الإستعمار والصهيونية، ولا يجوز أن يكون وجداً ذاتياً، وثمةَ جموعٌ مؤمنة في فلسطين – مثلاً من أمثلة – تتعرض لأقصى ألوان الإضطهاد، وثمة حُرُماتٌ للإسلام تُنتهك، وائتمارات تُحاك ليلاً نهاراً، كي لا يكون في الأرض موحّد لله، وكي تؤول ديار المسلمين صعيداً زلقا ..
إنه، لا ريب، إن عمق الإيمان، وصفاءالنفس، وصدق التوكّل، كل أولئك مما يتصف به المسلم وهو يجاهد لاستكمال صورته المعيارية بما هو "متصوّف" زاهد في الخلق، ناشد للحق، متعرّض للنفحات .. لكن ذلك كله مُمْتَحنٌ بواجب الدفاع عن حياض الإسلام وعن كرامة الأمة، وعن رسالتها العظيمة التي جاءت رحمة للعالمين .. قد تكون هذه وجهة نظر مختلفة وقد لا تكون ..
ولكنها في اعتقادي مما ينبغي أخذه في الإعتبار، لما يكتنف الإسلام وأهله من شباك منصوبة، ومهالك ظاهرةٍ أو محجوبة، ولما نعلمه من أن راية الجهاد ستظل ما بقي الجديدان مرفوعة .. حتى يرث الله الأرض ومن عليها ..
وأما ثانية الوجهتين في حديثنا فهو متعلقة بما قد نسميه "فائض اللغة " أو " ألعاب اللغة" في كثير من أدبيات التصوف، ولا سيما لدى الإمام الأكبر محي الدين بن عربي.
(وقد نسميه " فائض اللغة" لما يَشي به من تفجر التعبير وغزارته فيما قد تُجزِئُ عنه جوامع الكلم أو يفي بغاياته الإيجاز البليغ . كما نسميه " ألعاب اللغة " لما يعكسه من مهارات تعبيرية تريد لِتنْأى بالتعبير عن أن يكون مما يدركه حتى الخاصة من ذوي الألباب، إذ هو فيما يبدو حكر على خاصة الخاصة، أو لعلهم لا يخلُصون إليه إلا بشق الأنفس أو بألوان من العنت هيهات هيهات يصبرُ لها إلا من رحم الله من أفراد قلائل على مفارق العصور.
وحتى لا تظل تضرب في التنظير، فتعالوا نقرأ من كتاب الإسرا إلى مقام الأسرى (ص70) من مجموعة رسائل ابن عربي قوله: ( من مناجاة التشريف والتنزيه والتعريف والتنبيه ) :
عبدي ..
لولاك ما كان سلوك ولا سفر
ولا عين ولا أثر
ولا وصول ولا انصراف
ولا كشْفٌ ولا إشراف
ولا مكان ولا تمكين
ولا حال ولا تلوين
ولا ذوق ولا شُرْبْ
ولا قشر ولا لُب
ولا عبد ولا رَبّْ
ولا خطاب ولا نَفْس ولا هيبةٌ ولا أنس
ولا نَفسَ ولا قَبسَ
ولا فرس ولا جَرَس
ولا جَناح ولا رفرف
ولا رياحٌ ولا موقفْ
ولا معراج ولا انزعاج
ولا تحلّي ولا تجلّي
ولا جودٌ ولا وجودْ
ولا حَمْد ولا محمودْ
ولا تداني ولا ترقي
ولا تدلّي ولا تلقي ... الخ
وتعالوا نقرأ من ترجمان الأشواق للشيخ ابن عربي قوله: ص5-ص6
كلما اذكر من طلل أو ربوع أو مكان كلما
وكذا ان قلت هي أو قلت يا وإلا " إن جاءَ منه أو "أما"
وكذا ان قلت هي أو قلت هو أو هُمُو أو هن جمعاً او هما
فاصرف الخاطر عن ظاهرِهِ واطلب الباطن حتى تعلما
وتعالوا نقرأ ، بَعدُ من احدى رسائله إلى أحد أصحابه مِن كتاب الكتب من رسائل ابن العربي:
أما بعد ..
فإن صاحب المقامات إذا رام المقامات .. مات
فإذا إراد النتهاض.. هاض
أو الإنفساح .. ساح
أو الإلهام .. هام
أو الإنتفاض ... فاض
أو مناجاة الأسحار .. حار
أو مناجاة الآصال .. صال
أو سلوك الآثار .. ثار
أو صعود المنار ... أنار
أو يفوز بالفراغ .. راغ
أو هم بالإنتزاغ ... زاغ
أو وصل إلى الايجاد ... جاد
أو يُعصم عن الاتحاد .. حاد
أو يُحشر مع الأتباع .. باع
أو يغلب في الكفاح ... فاح
أو يهدم الأشباح .. باح ... الخ
ثم لنقرأ أخيراً من كتاب التجليات من مجموع الرسائل قوله:
لستُ أنا ، ولست هو فمن أنا ومن هو
فيا هو قل أنت أنا ويا أنا قل أنت هو
لا ، أنا ما هو أنا ولا هو ما هو هو
لو كان هو ما نظرت ابصارنا به لَهُ
مافي الوجود غيرنا أنا وهو وهو وهو
فمن لنا بنا لنا كما له به لَهُ
إن مما نعتقده أن الرغبة في تحقيق معنى التفرد والخصوصية من جهة، والحرص على تحقيق التنائي بالذات وبالتجربة عن عامة الناس وخاصتهم، هما اللذان يقفان وراءَ هذا التجلي الظاهر لألعاب اللغة ومهارات التعبير .
وإن هذا ليفضي بها إلى فكرة أن "التعميم" غير وارد في التجربة الصوفية بوجه عام، ناهيك به مستحيلاً في تجربة ابن عربي بوجه خاص، وإلا فكيف تفهم قوله:
كفرت بدين الله والكفر واجب
لدّيّ وعند المسلمين قبيحُ
إلا أن نتأوّله ببعيد الافتراضات ونَلُمّ تناقضاته بما لا تتسع له ارحب التصورات؟
وكيف نفسر ، من جانبٍ آخر، هذه الحركات اللغوية، ونحدس مقاصدها، إلا أن نحسبها جملة على نُشدان الغرابة على حساب المضامين التي لا ينبغي تناولها إلا بأكثر صور التعبير بياناً، تأسّياً بكتاب الله وسُنّةِ رسوله وبما جاء فيهما من بيان للناس أو من آيات بيّنات .. ؟
لا ريب أن بحث هذه المسأله مما لا يحتمله مقامنا هذا
ولعلّي إذ اكتفي بهذا الإلماح، أن أكون أثرثُ تساؤلاً مشروعاً حول جانبين أراهما على قدر كبير من الأهمية في التصوف على نحو، قرأنا وعرفنا..
وبالله وحده التوفيق ...
ابحث
أضف تعليقاً