دور الحركات الصوفية في نشر الدين وحماية الهوية: نحو مقاربة متكاملة
الأستاذ الدكتور عبد العزيز برغوث
كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا
الملخص
يتناول هذا البحث بالتحليل مسألة دور الحركات الصوفية في نشر الدين وحماية الهوية مركزا على تطوير مقاربة متكاملة ومنهجية لدراسة هذا الدور وتعميقه حاضرا ومستقبلا. وتسترجع هذه الدراسة بعض التجارب المتميزة التي أدت أدوارا كبيرة في نشر الدين وحماية الأمة مثل الحركة النورسية والحركة المهدية وغيرها. وقد دلت الشواهد والأحداث التاريخية الماضية والحاضرة كيف أن الحركات الصوفية الملتزمة بمعايير الوحي والشريعة أدت وتؤدي أدوارا فعالة في بناء الإنسان الصالح، وتقوية المجتمع، وحماية القيم الكبرى للأمة، والمقاصد العليا للدين الإسلامي. وقد أدت الحركات الصوفية كذلك أدوارا متقدمة في مقارعة الإستعمار في حينه، والمشاركة في بناء الدول والمجتمعات الإسلامية في مراحل ما بعد الإستقلال، وهي اليوم تشارك في معارك مواجهة تحديات العولمة والحداثة وما بعد الحداثة وكل صنوف التطرف والارهاب الروحي والفكري والأخلاقي والمادي...المسلط على الأمة داخليا وخارجيا. والتصوف في عمقه تعبير عن تجربة إنسانية عميقة للتزكية الروحية والنفسية والذهنية والأخلاقية والسلوكية، ترتقي بالإنسان إلى مستويات عميقة من الترقي في مسالك القرب من الخالق عز وجل، وعبادته، واتباع سراطه المستقيم، والإلتزام بشرعته ومنهاجه الشرعي القويم... بدءا من مراتب الإسلام والإيمان والتقوى ووصولا إلى مراتب الإحسان المنفتحة على الخير الإلهي، والرحمة الربانية، والعلم الإلهي الذي ييسره لعباده الصالحين الذين يتبعون منهاجه الصحيح، ولا يحيدون عن معايير الشريعة، ومقاصدها، ومعانيها. ومما لا شك فيه بأن التجربة الصوفية ليست ظاهرة إسلامية فقط (أي موجودة عند المسلمين فقط)، ولكنها عالمية تجدها في كل الأديان، وفي الكثير من الفلسفات الحياتية والأخلاقية المنشترة في العالم قديما وحديثا. والأدبيات والمصادر في التصوف بكل أنواعه وأشكاله العرفانية، والفلسفية، والمعرفية، والروحية، والأخلاقية والسلوكية، والاجتماعية...متوفرة في الكثير من الأديان والمجتمعات.
وقد توصلت الدراسة إلى أن أدوار الحركات الصوفية متعددة، وفعالة، ومؤثرة إن أُحسنت رعايتها، وترشيدها، وتوجيهها توجيها صحيحا. وأن دورها يتعدى المجال الفردي الذاتي إلى المجال الاجتماعي والتربوي والثقافي والحضاري الأوسع للأمة وللإنسانية. كما نبهت الدراسة إلى ضرورة تطوير مقاربة متكاملة لتقويم وتوجيه التجربة الروحية، والعملية الزهدية والتصوفية، وأدوار الحركات الصوفية. وكذلك ضرورة تقديم دراسات نقدية شرعية للمفاهيم التي تتداول في المجال التداولي الصوفي مثل: التزكية، والزهد، والخلاص، والترقي، والوجد، والحب الإلهي، والانعزال الدنيوي، والاستلاب الأخروي، والذكر، والفكر، والتأمل الروحي، والحقيقة المحمدية، والقطب، والولاية، والمقامات، والأبدال، والغيبة الروحية، والشهود، والعشق الإلهي، والفناء والحلول والاتحاد...وما شابه ذلك من المفاهيم المتداولة بينهم. وفي إطار توجيه الحركات الصوفية والتجربة الصوفية أكدت الدراسة على أنه ينبغي بناء مقاربات متكاملة لترشيد الجهد الصوفي سواء المهيكل في حركات منظمة أو الفردي العام ليصب في تحقيق مقاصد الشريعة والدين الإسلامي عموما. وأكدت الدراسة على ضرورة اتباع "معيار الوحي" في تقييم ومعايرة هذه التجربة، واستخرج خيرها، واستبعاد شرها. وتدعو الدراسة إلى استخدام معيار الوحي والشريعة للتفريق بين التصوف السني الشرعي المستقيم على الطريقة، والمؤدي إلى الترقي والتزكي في مسالك الخير والإحسان والصلاح، وخدمة المجتمع والأمة والإنسانية، وبين التصوف الاستلابي الضال الذي يهوي بصاحبه، وأتباعه وأمته إلى الفساد الروحي والعقلي والذهني والنفسي، ويتحول إلى سيف بتار في يد من يريد أن يؤذي الأمة، ويرمي بها إلى التهلكة من خلال توظيفه السلبي لتحقيق أغراض وأهداف تنأى بها عن مقاصد الشارع، وأهداف الإسلام الكبرى في بناء الإنسان.
وتتوقع الدراسة أن يتعاظم دور الحركات الصوفية المستقيمة في المستقبل القريب والبعيد، استجابة للتحديات الكبرى التي تواجهها الأمة على كل المستويات: الفكرية والروحية والأخلاقية والسلوكية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحضارية والسياسية والأدبية...وغيرها. وتقترح الدراسة في الأخير ضرورة تفعيل دور الجامعات والمراكز البحثية المتخصصة في ترشيد وتمكين المؤسسات والحركات الصوفية المستقيمة لتؤدي أدوارها الكبيرة في هذه اللحظة الفارقة في تاريخ الأمة الإسلامية، وذلك بتطوير مساحات وآليات وإستراتيجيات للتكوين والتربية والتدريب والتكوين الصوفي والروحي المتكامل للحركات الصوفية وأتباعها؛ حتى يتكامل في التكوين البعد الروحي والزهدي والنفسي والفكري والسلوكي والأخلاقي والعلمي والثقافي والاجتماعي.
الكلمات المفتاحية: الحركات الصوفية- الأدوار المستقبلية- المقاربة المتكاملة- الترشيد والتوجيه.
ابحث
أضف تعليقاً