
ولا تركنوا الى الذين ظلموا "
هذا العنوان جزء من آية في سورة هود ، وقبلها الآية التي تدعوا إلى الإستقامة ، وآية الإستقامة هي الآية التي شيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن محض الإستقامة على أمر الله يحتاج إلى منتهى الجهد بالصدق والإخلاص والتقوى مع منتهى الحذر والإنتباه والدقة ، لأن النفس البشرية مجبولة على الضعف والقصور ، والحياة الدنيا كلها فتن ومغريات قد تستزل المؤمن عن طريق الإستقامة ، وتحيد به عن الحق المبين ، مما قد يصعب على المسلم أن يسير بتام الإستقامة وكمالها ، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه " ما أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد ولا أشق من هذه الآية [ فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير * ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ] 112،113 هود.
وتقرر الآية الكريمة أن مما يحرف المسلم عن خط الإستقامة أمران ، الأول ــ الطغيان وهو الإفراط في تجاوز الحدود التي حدّها الله في كتابه وسنة رسوله كما فهمها وطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، والتي حذرنا الله من تجاوزها أو تعديها ، وهذا السلوك في الإفراط والفهم السقيم مارسه (الخوارج) سابقا ، وأنكر عليهم صحابة النبي رضوان الله عليهم شنيع فعلهم ، ومارسه حالياً ما سمي بـ (داعش) وأنكر عليهم هذا الفهم العقيم والسلوك الخاطيء أهل السنة والجماعة ، وهذا الموضوع ليس مجال حديثنا في هذا المقال .
الأمر الثاني الذي يحيد بالمسلم عن الإستقامة هو الركون إلى الذين ظلموا وهو التفريط بإضاعة أمر الله بالركون إلى الظلمة والطغاة ، وكلا الأمرين الإفرط والتفريط كل منهما مذموم ومنهي عنه ، وفيه تحذير كبير من الله لكل مسلم بعدم ممارسته بأي شكل من الأشكال لأن نتيجة ذلك هو سخط الله وعذابه .
ولقد سبق وأن كتبت مقالات عن معاني الإستقامة وأهميتها للمسلم كمفهوم شرعاً وتطبيقاً ، واليوم سوف أبحث فقط بهذا الجزء الخطير الذي يحرف المسلم عن خط الإستقامة ، وهو الركون إلى الذين ظلموا ، وكم فيه من تفريط بدين الله يجتال الناس عن دينهم الحق ويودي بجهدهم إلى الخسارة والضياع دنيا وآخرة .
فما هو الركون ؟ ومن هم الظلمة ؟ ولماذا حذر الله من الركون بشدة ؟ ولماذا كان جزاء الركون دخول النار ؟.
الركون لغة : ركن على أو إلى الشيء (مثال جدار) مال واستند اليه ، أو اعتمد عليه ، أو وثق به ، أو سكن واطمأن اليه ، أو رضي به .
إذاً الركون هو الإعتماد والإستناد والميل والسكون والإطمئنان والثقة بهؤلاء الظلمة من الطغاة والحكام ، وهذه الصفات السابقة تؤدي حتماً إلى المصاحبة والمخالطة والمؤانسة ، ثم تستزل الإنسان إلى المودة والمطاوعة والممالأة والمحابات والتعاون والحميمية ، وهذا الأمر قد يفضي إلى المدح والتعظيم والثناء والإدهان لهؤلاء الظلمة وتبرير ظلمهم وجورهم وسلوكهم وأعمالهم وتصرفاتهم ، فالركون يجر المسلم من خطوة إلى خطوة أكثر خطورة ، وينزل به من درك إلى درك أشد خسارة على دينه ودنياه .
والركون إلى الطغاة الظلمة هو اقرار لهم على صنيعهم المنكر ، والجرأة على ممارسة الباطل ، ومحاربة الحق والصواب .
والركون لأهل الظلم من أهل الحق ودعاته ، قد يترتب عليه تجاوزات تجر من حال إلى حال أسوأ بمنتهى الخطورة والسوء ، يعمل على إيهام عامة الناس أن هؤلاء الظلمة على حق فيسير الناس على خطاهم ، ويركنون لهم مما يحطِم كل معاني انكار المنكر والعمل على تغييره ، ويتحمل هذا الإثم الكبير الدعاة المستبصرين .
والظلمة : هم الحكام الطغاة الذين كفروا بالله وأشركوا به ما لم ينزل به من سلطان ، والكفر والشرك ظلم عظيم مصداقاً لقوله تعالى " يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " 13 لقمان ، وهؤلاء الطغاة الظلمة أمرهم واضح بيّن لكل ذي عقل ولب وحتى عامة الناس .
والأخطر مما سبق هم الظلمة الطغاة من الحكام المنافقين الذين يدّعون الإسلام قولاً ومظهراً ، ويحاربونه عملاً وسلوكاً وتطبيقاً ، وهم الذين عطلوا الحكم بما أنزل ، وأقصوه عن التطبيق إلا من مظاهر شكلية غير جوهرية يضعون في دستورهم دين الدولة الإسلام فقط لتحسين صورتهم أمام شعوبهم ، وذر الرماد في العيون ، وهؤلاء الظلمة على ثلاثة أصناف :-
1ــ صنف لم يطبق شرع الله اعتقاداً منه أنه لا يصلح للحكم في هذه الأيام بحجة أنه شرع قديم متخلف لا يواكب العصر ، وهذا الصنف اعتقاده كفر يخرجه من الملة ، وهم معظم حكام المسلمين اليوم وصدق فيهم قول الله سبحانه " ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذّب بآياته إنه لا يفلح الظالمون " 21 الأنعام . وهؤلاء لمن استطاع القوة الممكنة للتغير وجب الخروج عليهم للخلاص من ظلمهم وكفرهم .
2ــ صنف يقول أنه يقر أن شرع الله صالح لكل زمان ومكان ، ولكنه يخاف من الدول الكافرة إن طبقه ، وهذا فاسق فسوقاً يضعه في خانة الطغاة الظالمين خاصة إذا كان موالياً لليهود والنصارى وركن اليهم ، وعادى أولياء الله الصالحين ، وقرب منه أهل الفجور والفسق ، فهو من أخطر الحكام الذين يجب عدم الركون اليهم لقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين " 51 المائدة . والموالاة هي المحبة والنصرة والتنسيق الأمني مع أعداء الله .
3ــ وصنف يعتقد بصلاحية شرع الله للحكم ، ولكن خوفه من النظام العالمي أن ينقلب عليه ويحاربه يجعله يسوّف الأمر لتحكيم شرع الله ، وقد يكون قلبه مطمئن بالإيمان "... إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان..." وهو يناصر أهل الحق ، ويقرّب منه المصلحين ويبعد عنه الفاسدين ، فهذا وجب نصحه للعمل على تطبيق شرع الله في كل حين مع تعظيم ما عنده من إيجابيات ، ومحاربة ما لديه من سلبيات حتى يصحح المسير ، مع عدم الركون اليه ، وبنفس الوقت عدم معاداته لعل الله يهديه للحق لحسن نواياه في سعيه للتغيير البطيء في خطوات يعتقد أنها مقدمة للوصول إلى تطبيق شرع الله .
فمن هنا فإنني أنصح نفسي وإخواني الدعاة بعدم الركون إلى الظلمة لأن مسايرتهم فيما يخططون ركون لهم ، ولأن العمل على تنفيذ مخططاتهم غير البريئة ركون لهم ، ولأن مناصرتهم فيما يعظّمون به وسائل الباطل ركون لهم ، ولأن الرضوخ لمطالبهم ولأهدافهم المخالفة لأمر الله ركون لهم ، ولأن الإعتقاد بأن بيدهم الضر والنفع وأن مجاراتهم خوفاً هو ركون لهم ، ولأن الخوف المتوهم على ( مصلحة الدعوة ) ركون لهم .
ولأن الركون لهؤلاء الظلمة والطغاة والإستناد والإعتماد والطمأنية لهم سيكون نتيجته وخيمة وقاسية وخطيرة عندما يُركمون في نار جهنم سيكون الراكنون معهم مصداقاً لقوله تعالى " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من وأولياء ثم لا تُنصرون " 112 هود .
ابحث
أضف تعليقاً