الوسطية الإسلامية مدخل إلى الحوار الحضاري
الأستاذ الدكتور عدنان محمد زرزور
كلية الآداب – جامعة البحرين
الوسطية بين خطاب الداخل والخارج
وظيفة الوسطية الإسلامية أو دورها في الأساس داخلي إن صح التعبير، أي في الحوار الإسلامي- الإسلامي، والمكانة التي تحتلها تبعاً لذلك، هي في الثقافة أو في الاجتهادات والاتجاهات التي عرفها الإسلام والمجتمعات الإسلامية في القديم والحديث ... بدءاً بالخوارج (المكفّرة) والمرجئة والجبرية والقدرية والمشبّهة والمؤولة وأهل الظاهر وأهل الحديث .. الخ وانتهاء بالجماعات والأحزاب الإسلامية المعاصرة، والتي توزعت بدورها بين الغلو والاعتدال، أو بين التطرف والوسطية.
ويجري الحديث اليوم عن الوسطية الإسلامية بين هذه الجماعات والأحزاب والاتجاهات، وعلى مستوى العلماء والباحثين والمفكرين، بطبيعة الحال على أساس التفسير (الوسطي) للإسلام، ومن منطلق (الفهم) البعيد عن الغلو والانحراف لنصوصه وأحكامه، من بين سائر الفهوم والتفسيرات المعاصرة.
ولكن استعراضاً سريعاً للمظاهر السائدة للغلو والتطرف، وللأسباب التي تقف وراءه وتدفع إليه، بالإضافة إلى الإلمام بمعالم الوسطية أو ميادينها ومجالاتها، كل هذا يشير إلى أن الوسطية هي في الوقت نفسه مدخلنا إلى الحوار مع ( الآخر ) الثقافي والحضاري، لأن ما ليس بمقبول في فهم الإسلام وتفسيره في الداخل، سيكون أبعد عن القبول في الخارج، أو في نطاق الخطاب مع الآخرين! فإذا كان من أسباب الغلو والتطرف في الداخل ضعف البصيرة بحقيقة الدين، والاتجاه الظاهري في فهم النصوص، والإسراف في التحريم، والتجريم، والتباس المفاهيم، وضعف المعرفة بالتاريخ والواقع وسنن الكون والحياة (راجع: يوسف القرضاوي : الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف). إلى جانب التهجم الأخرق على طائفة كبيرة من العلماء والدعاة والباحثين، أو تصنيفهم مع أصحاب البدع والأهواء (بتهمة) أنهم عقليون!! فإن أثر هذه الأسباب في ضعف الموقف الإسلامي في حوار الحضارات، أو في صعوبته الشديدة وربما استحالته أوضح وأكدّ بطبيعة الحال.
وفي المقابل فإن الخطاب الوسطي الذي يجمع بين العقل والنقل، وبين النصوص والمقاصد والمصالح، وبين المسؤولية والحرية، وبين الفردية والجماعية، وبين الدين والفلسفة، هو الصوت المسموع أو الأقرب إلى القبول في نادي حوار الثقافات والحضارات.
الدعوة إلى المواجهة : أسباب ومبررات !
ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد بطبيعة الحال، بل لا بدّ من البحث كذلك عن مدى قدرة الوسطية الإسلامية على هذا الحوار الحضاري في ظل الأوضاع السائدة في هذا العصر، وأعني عصر ما بعد الحرب الباردة، والشعارات التي أفرزها في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، والتي ارتفعت وتيرتها بعد ما سمي بالنظام العالمي الجديد، الذي بشّر به ودعا إليه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش عام 1991م في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي، ثم بلغت أوجها على لسان جورج بوش الابن، في شباط (فبراير) من العام الحالي (2004) حين طرح مشروع (الشرق الأوسط الكبير) والذي يعني (دمج) المنطقة الممتدة من المغرب العربي إلى باكستان وأفغانستان، وعلى كافة الصُّعُد الثقافية والتربوية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، في هذا النظام العالمي الذي بدأ أبوه بتسويقه عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة أولاً، ثم عبر مجلس أمنها العتيد! لقد ختم جورج بوش الأب خطابه أمام الجمعية العامة المذكورة في تشرين الأول (أكتوبر) من العام المذكور-1991م- بقوله: (إن أمريكا لا تريد السيطرة على العالم، ولكنها في الوقت نفسه لن تتراجع وتنسحب إلى العزلة، وأنها سوف تقدم الصداقة والقيادة)(1).
إلى جانب أسباب أخرى كثيرة ليس من مهمتنا استقصاؤها الان، وإن كان يأتي في مقدمتها ما يمكن تسميته بالهوس الديني المسيحي/ التوراتي لدى جورج بوش الابن. ويمكننا في هذا السياق ترجمة مشروع الشرق الأوسط الكبير بأنه الإبقاء على العالم الإسلامي دائراً في فلك الحضارة الغربية أو تابعاً لها، ومن ثم قطع الطريق على صحوته الدينية ومحاولته تقديم مشروعه الحضاري –أي بداية تاريخه من جديد– علماً بأن هذه المحاولة التي عبر عنها جمهور واسع من المثقفين، لقيت تجاوباً واسعاً لدى الجماهير العربية والمسلمة في أعقاب حرب 1967، واتسع نطاقها وقويت بعد السقوط الماركسي وانحلال منظومة الكتلة الاشتراكية.
وقد يكون شعار الشرق الأوسط الكبير نتيجة مباشرة لشعار (صدام الحضارات) بوصف هذا الشعار بدوره أحد (معالم) النظام العالمي الجديد، بالإضافة إلى كلٍ من شعار (العولمة) وشعار: (نهاية التاريخ). وقد نستطيع التسوية بين العولمة والنظام العالمي الجديد، بوصف العولمة محاولة لإكساب هذا النظام الصفة العالمية (وهو في حقيقته نظام غربي يراد عولمته! وقد لا يملك مقومات –العالمية- ولا تتحقق فيه شروطها). ولكن الشعارين الآخرين –صدام الحضارات ونهاية التاريخ – ليسا بعيدين عن هذا بطبيعة الحال، لأن كل هذه الشعارات ما كان لها أن تولد إلا في الحضارة الغربية والفكر الغربي، بل ما كان لها أن تولد إلا في السياق الخاص بهذا الفكر والتاريخ... الأمر الذي يحمل بعض الكتّاب والباحثين في العالم الإسلامي –وفي سائر بلدان العالم الثاني- على ضرورة مواجهة الغرب بالصدام لا بالحوار، وبالتشدد أو بالمغالاة والتطرف لا بالحوار والتفاهم رداً عليه أو محاكاة لأسلوبه! بل إن ساسة الغرب على وجه العموم، والولايات المتحدة على وجه الخصوص يفردون العالم الإسلامي بالتعامل معه بأسلوب الحروب الحضارية لا بأسلوب الحوار الحضاري، وذلك كما حصل في أفغانستان والعراق! بل بأسلوب الإبادة الجماعية والإلغاء والاقتلاع الحضاري كما حصل في الحرب الهمجية البربرية الوحشية في البوسنة والهرسك! وفي ظل هذا كله كيف يمكن (للوسطية الإسلامية) أن تكون طريقنا إلى التفاهم أو الحوار الحضاري؟
لا ريب في أن لحظة سقوط النظام الشيوعي وتواري (الاشتراكية العلمية) كما دعيت عن التأثير السياسي والمباشر في الفكر الأوروبي المعاصر مثّلت نهاية عصر الحرب الباردة بين شقي الحضارة الغربية، بل مثلت سقوط التحديات الداخلية بين أبناء هذه الحضارة، وهكذا مضى القرن العشرون على أوروبا والغرب يحمل معه نهاية الحروب فيما بينهم بمختلف أوصافها ودرجاتها! لقد كانت هذه اللحظة أنسب اللحظات التاريخية لينظروا في معطيات وقيم الحضارات والثقافات الأخرى، وبخاصة إذا لاحظنا أن أبناء هذه الحضارة وقد امتدت بهم حياة الأمن والاستقرار في أعقاب الحرب الكونية الثانية، قد ظهر من عيوب ثقافتهم في التعامل مع النفس والمجتمع والعالم، ما كانوا بمعزل عن معرفته والوقوف عليه في ظل الحروب الساخنة، وفي عصر (الفتح) الاستعماري والتمدد الخارجي، وعصر زيادة الانفس والثمرات. فبدلاً من الحوار والانفتاح على (الآخر) -الثقافي والحضاري- ولو من موقع السيادة والانتصار، أو من موقع الحاجة والضرورة، فوجئنا بحديثهم عن (نهاية التاريخ)، وبدلاً من الدعوة إلى حوار الحضارات وجدناهم يتحدثون عن صدام الحضارات.
وقد لا يصعب علينا تفسير هذا الموقف إذا تذكرنا أن صلة حضارتهم (بالآخر) كانت علاقة ضم وإلحاق، بوصفها حضارة قامت على الاستعمار والتمدد (الخارجي) أي على سرقة الطبيعة وقتل الإنسان فيما وراء السهوب والبحار. وهكذا فإن سقوط التحديات الداخلية أفرز عندهم فكرة نهاية التاريخ، وحين أحسّوا بوجود (الآخر) الثقافي والحضاري، متمثلاً في الثقافة الإسلامية وحضارة الإسلام على وجه الخصوص، حتى وصف بعضهم الإسلام بالعدو الجديد، بدأ الحديث عن (صدام الحضارات)، وربما لم يفارق بعضهم الشعور بأن الإسلام هو الذي يمنع التاريخ -حقيقةً- من الوصول إلى نهايته السعيدة أو المضجرة!
هذه الأسباب والتفسيرات -وسواها كثير- حملت وتحمل بعض المسلمين، وربما قطاعاً كبيراً من جمهورهم على الاستخفاف بفكرة الوسطية الإسلامية، وبمبدأ حوار الحضارات. ولكن الأمر عندنا ليس على هذا النحو، بل إننا نقول: لا يمكن لغير الوسطية الإسلامية، ولا يمكن لغير أسلوب الحوار.. سبيلاً للصمود من ناحية، ولعبور هذا الوضع أو العصر (الاستثنائي) من ناحية أخرى.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن سنة المدافعة هي التي تقف في وجه هذا الاستفراد والتحكم، ومن ثم تمنع الفساد في الأرض، وهي التي تحقق في الوقت نفسه التعددية -والتنوع- أو تبقي عليها، بوصفها كذلك إحدى السنن الإلهية في الاجتماع الإنساني وفي عالم المخلوقات؛ قال تعالى: {{ وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ الله ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }} [البقرة: 251].
وغني عن البيان أن (مادة) الوسطية أساسهاً وقاعدتها هي التعددية والتنوع والإختلاف؛ لأنها -أي الوسطية- لا تعدو أن تكون تعبيراً عن الموقف (العدل) أو المتوازن بين الآراء والمواقف، أو بين الفرقاء والمختلفين. أما سنّة التعددية والإختلاف فهي تحقق حوافز التسابق بين الفرقاء على طريق الخيرات: {{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إلى الله مَرْجِعُكُمْ جميعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }}[المائدة: 48] كما أنها تفتح أبواب الحرية للاجتهاد والإبداع : {{ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ الله جميعاً إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}}[البقرة: 148] (محمد عماره : في فقه الحضارة الإسلامية ص 140).
. مدى حاجة العصر إلى الوسطية
ونود في هذا السياق أن نؤكد على هذه المسألة، أعني مسألة الأوضاع السائدة في هذا العصر، والذي حددناه بعصر ما بعد الحرب الباردة، وأثره في ضرورة صياغة الخطاب الإسلامي من منظلق الوسطية، أو على قاعدتها حتى إذا وصل الأمر إلى وصف هذا العصر بأنه عصر الحملة على الإرهاب، ثم وجدنا أن هذا الإرهاب يكاد يكون حكراً على الإسلام، أو لا يوصف بغير كونه إسلامياً ! فقد تأكدّ لنا من وجه آخر ضرورة التأكيد على هذا الخطاب الوسطي الذي ينفي عن الإسلام هذا النعت، وسائر ما يرمى به من نعوت قريبة أو مشابهة، وما زال اختلاف العصر أو اختلاف حال المسلمين وحال خصومهم وأعدائهم يؤثر في طبيعة الخطاب الإسلامي عبر العصور. ونحن إذا عدنا إلى التاريخ القريب في النصف الأول من القرن الميلادي العشرين وجدنا الخطاب الإسلامي-على سبيل المثال- في عالميته وتجاوزه لحدود الأوطان والقوميات يقابل الخطاب الاشتراكي/الماركسي الذي عرف بالخطاب الأممي. فقد جاء فيه: إن جنسية المسلم عقيدته، واعتبرنا حدود الوطنية بالعقيدة. بل بلغ الأمر بصاحب كتاب (الاتجاهات الوطنية) أن يعرّف الوطنية -في مفهومها الاصطلاحي- بقوله: الوطنية في عرف أذناب الوطنية تعني المصالح المشتركة التي تجمع بين المواطنين، فالوطنية بهذا المفهوم عندهم ليست كرامة، وليست غيرة على عرض، وإنما هي المصالح وهي المال (1/84).
كما وقع الفصام والخصام مع التيار القومي والفكر القومي. وإذا كانت بعض مفاهيم الوطنية والقومية مرفوضة بكل المعايير وأوجه الخطاب الإسلامي؛ فإن بعض مفاهيمها الأخرى مقبولة. وإذا كنا في الفترة الزمنية التي نتحدث عنها لم نجد بأساً بالإضراب عن كل هذه الدعوات: الوطنية والقومية والإنسانية؛ بغض النظر عما يتفق منها مع أحكام الإسلام أو ثوابته ونصوصه، وما لا يتفق. فإن العولمة التي تخترق اليوم حدود الأوطان والدول والأقوام تفرض علينا أن نعوّل في منازلتها على قوة العامل الثقافي الديني، وعلى جميع الخصائص الوطنية والقومية للشعوب الإسلامية. إن مهمة الوسطية الإسلامية اليوم هي إعادة التوازن والاعتدال في النظر إلى الوطنية والقومية وسواها، نظراً للدور الذي يمكن أن تؤديه في عصر العولمة في الحفاظ على الخصائص الثقافية والدينية للأمة الإسلامية، وفي مقاومة هذا التيار الذي يخترق حدود الأوطان، بل إن علينا أن نعيد الاعتبار لسائر المفاهيم التي تسهم في مقاومة العولمة، وتحول دون التذويب أو الصهر الثقافي للشعوب الإسلامية وأمة الإسلام.
وعلى سبيل المثال أيضاً إن الخطاب الإسلامي السلفي ليس هو الخطاب الصالح –أو الأمثل على أقل تقدير- في عصر العولمة وصدام الحضارات، وإفراد الإسلام وحده من بين سائر التيارات الأصولية/الدينية بالنقد والذم والتخويف، وبخاصة حين يكون همّ هذا الخطاب أو هاجسه هو مقاومة (البدع)! أو حين يكون شعاره: تصحيح العقيدة! ثم ننظر في هذه البدع فنجد أنها على النحو الذي (صحت) عنده، أو (فهمت) لديه. وننظر في مفردات هذا التصحيح، فنجد أنها لا تعدو إثبات أن لله تعالى يداً أو أن لله عيناً، أو أنه مستوٍ على عرشه!! بل لا بد أولاً من الاتساع والانفساح لقبول مدارس الاجتهاد والتفسير التي عرفها الفكر والخطاب الإسلامي عبر العصور.
في القرن السابع الهجري وبعد سقوط بغداد عام 656هـ كان خطاب شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ) في إعادة بناء الأمة (سلفياً) أو منطلقاً من النصوص ومعولاً على دلالتها الظاهرة بدون أي تأويل، وكان له في ذلك أسبابه (الداخلية) التي وقف عليها، أو رأي أثرها في ذلك السقوط. ولكن خطاب الإمام الشاطبي الذي تبعه في القرن نفسه كان (مقاصدياً) أي أنه انطلق من البحث عن مقاصد الشريعة وأهداف النصوص، ومما أسماه: تحقيق المناط، والذي عنى به شروط التطبيق والتنزيل الفردية والمجتمعية. ويمكن القول: إن هذا الخطاب كان مقابلاً لخطاب ابن تيمية من كل وجه! والوسطية الإسلامية اليوم تقوم على الجمع بين الخطابين، أو بين النصوص والمقاصد والمصالح كما قدمنا، وإن خطاب الوسطية الإسلامية الجامع يبدأ من الشاطبي ويأخذ من ابن تيمية ما يصلح لِلَّحظة الراهنة.
وعلينا هنا، ونحن نرجح الانطلاق من الشاطبي، أن نقول: إن أساس حضور (الآخر) في الثقافة الإسلامية هو القرآن الكريم الذي تضمن عرضاً طويلاً ومتكرراً لسائر العقائد والديانات والمذاهب. وقد تمّ هذا العرض من منطلقات عدة، وكانت له أهداف كثيرة، نشير منها في هذا السياق إلى منطلق التعايش، وغرض الهيمنة والتصويب. أما التعايش فلأن العالم في نظر القرآن ساحة واسعة لتعارف الأمم والشعوب، ومن ثم لحوار الثقافات والحضارات. أما الهيمنة والتصويب فهي نتيجة أخرى لهذا الحوار، ومعناها: تصويب الخطأ وتقويم التحريف، وبخاصة في نطاق النصوص الدينية أو الكتب المنزلة.
ولهذا فإن (الخطاب الحضاري) وخطاب التجديد (المقاصدي) في تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي يكاد يكون مغربياً أو ( ثغورياً ) إن صح التعبير، بدءاً بالإمام الشاطبي والفقيه العلامة القاضي ابن خلدون وانتهاء بمالك بن نبي وابن عاشور وعلال الفاسي. نحن لا نريد أن نصل إلى حد القول إن خطاب التجديد والإصلاح في العالم الإسلامي كان على الدوام ثغورياً، أو من خلال الاحتكاك بالآخر، ولكننا نريد فقط أن نؤكد على أهمية حضور الآخر في طبيعة خطابنا اليوم في الدفاع عن الإسلام، ونفي ما علق به من تهم ظالمة شارك بعض المسلمين في إشاعتها أو هيأوا المناخ لقبولها بتشددهم وتطرفهم وإرهابهم.
دور الوسطية الإسلامية في الحوار الحضاري في الوقت الراهن
ولهذا فإن حديثنا سوف يقتصر على دور الوسطية الإسلامية في الحوار الحضاري في المناخ السائد، أو في العصر الذي أشرنا إليه. وقد وصفنا هذا العصر بأنه عصر العولمة وصدام الحضارات ونهاية التاريخ، بل عصر نهايات أخرى كثيرة ذكرها باحثون مغمورون أو مشهورون، وكنا قد ناقشناها في مناسبة سابقة متسائلين: متى ننتهي من هذه النهايات؟ ولا تعدو جميع هذه الشعارات أو الأوصاف والأحوال! -وبخاصة العولمة- أن تكون لوناً من ألوان التحديات التي واجهت الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل.
1- الحوار الحضاري يعني مبدئياً التسليم أو الاعتقاد بتعدد الحضارات القائمة في عصر واحد؛ وربما كانت المشكلة تبدأ من هذه النقطة، لأن الثقافات المتعددة لشعوب العالم وأممه لم تتمكن حتى الآن من التعبير عن نفسها من خلال حضارتها الخاصة في ظل الحضارة الغربية التي ما زالت تبسط سلطانها على العالم منذ أمدٍ بعيد. ومن ثم فإن ما نسمّيه حواراً حضارياً، وهو الذي نريد أن ندخل ناديه بالوسطية الإسلامية، هو في حقيقته وفحواه حوار بين الثقافات، بل هو في العمق أو في أبرز وجوهه حوار بين الأديان، نظراً للجذور الدينية التي تنتمي إليها جميع الثقافات في العالم. وربما كان هذا السبب أو العامل (الثقافي الديني) هو السبب الذي حمل صاحب (نظرية) صدام الحضارات على أن يخص الحضارة الإسلامية بالنصيب الأوفر من هذا الصدام؛ نظراً لمفارقة العامل المذكور في الحضارة الإسلامية عنه في الحضارة الأوروبية المسيحية - اليهودية تمام المفارقة، أو على نحو لا يقبل الهيمنة أو الضم أو الاستيعاب!
وقد عرّف هينتنغتون الحضارة الغربية حصراً بأنها: الحضارة المسيحية – اليهودية، وافترض أن صدام الحضارات سيكون في المقام الأول صراعاً بين الحضارات الثلاث الكبرى الأولى (الغربية، والكونفوشية، والإسلامية)، الأمر الذي يستدعي بناء إسترتيجية كونية للدفاع عن الغرب تقوم على أساس تحالف مسيحي – يهودي، ويكون هدفها منع قيام تحالف مضاد بين الإسلام والكنفوشية – الطائية (جورج طرابيشي : جريدة الحياة )( ).
ولهذا فإنه ليس من قبيل المفارقات أن يتوجه هينتنغتون لنا بالسؤال التالي: هل تسمح لكم ثقافتكم باستدخال الديمقراطية؟ أو أن يقول: إن الإسلام محاط بحدود دموية، وأنه غير قادر على التوافق مع القيم الأساسية للغرب! أقول: ليس هذا من قبيل المفارقات، بل على العكس من ذلك إنه من أوضح الأدلة على نفي الآخر، وعلى محاولة إلغاء دور الإسلام كقوة ثقافية وحضارية للغد! ولهذا فإن السؤال الذي نردّ به على سؤال صاحب صدام الحضارات هو: هل تسمح لكم ثقافتكم بقبول ثقافات الآخرين، أو التعايش معها؟ فضلاً عن محاورتها ومحاولة الإفادة منها؟
2- أما الوسطية التي أشرنا إليها فلا بد من الانطلاق من القرآن الكريم لتحديد معناها ومدلولها. لقد جاء التعبير بالوسط في القرآن وصفاً للأمة الإسلامية قال تعالى: {{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}}[االبقرة: لآية 143]. ولكن هذا الوصف الثاني الذي نتحدث عنه لا ينافي الوصف السابق؛ أو لا يناقضه ويخرج عليه، لأن معنى (الوسط) في الآية: العدل، كما جاء في الحديث النبوي الذي رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي. قال ابن عطية: وبه تظاهرت عبارات المفسرين، ثم قال: والوسط: الخيار والأعلى من كل شيء، كما تقول: فلان وسط القوم، وواسطة القلادة أنفَسُ حجر فيها، والأمير وسط الجيش. وبهذا المعنى استحقت هذه الأمة أن تتبوأ مقعد الشهادة على الناس كما جاء في تتمة الآية: {{ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ }} أي على الآخرين، أو على سائر الأمم الأخرى بما حرّفت وأخطأت، أو زادت أو نقصت، أو علمت أو جهلت. لأن مقام الشهادة يقتضي هذا كله أو يقتضي هذه المكانة القيادية بطبيعة الحال.
وهذا ما يرشد إلى المعنى الثاني للوسطية أو يومئ إليه، وهو المعنى المأخوذ من المعنى الحسّي؛ أي من وسط الشيء، وهو ما له طرفان متساويا القدر، ثم استعير هذا المعنى للخصال الحميدة لكونها أوساطاً لطرفي الخصال الذميمة، ويدخل فيه ويلحق به المفاهيم الحميدة أو المعتدلة، والمعنى واحد أي جعلناكم معتدلين في الدين غير مفْرطين ولا مفرّطين فيه. ويبدو لنا أن الجامع بين هذين المعنيين (العدل والتوازن) هو أن أهلية الحكم {{لتكونوا شهداء على الناس}} إنما يكون بهذا الفهم لنصوص الدين، أو بهذا الشرح والتفسير (الوسطي) أو المتوازن، أو الذي لا يطغى فيه الاتجاه الظاهري في فهم النصوص، ولا الإغراق في التأويل والبعد عن الظاهر، ولا يطغى فيه فقه الفروع على فقه المقاصد، بل ولا النصوص على المصالح، أو المصالح على النصوص.. الخ.
ويتسع هنا مجال البحث في آفاق ومجالات هذه الوسطية التي تحقق في نظر العلماء والباحثين: الاعتدال والتوازن، وتنأى عن الإفراط والتفريط ، وعن الغلو والانحراف، وسائر الطرفين المتباعدين في جميع الأحكام والمواقف.
ويصعب علينا دخول نادي حوار الحضارات والثقافات بغير (الوسطية)، أو بغير هذا الفهم والتفسير لنصوص القرآن وأحكام الإسلام؛ لأن (التطرف) إذا كان سمة (الآخر) فإن الرد عليه بمثل منطقه وبنحو مقولاته، يقطع الطريق علينا وليس على الآخرين. لأن هذا يُنهي الحوار في الوقت الذي يتمتع فيه الطرف الآخر بمقعد القيادة والتأثير، ومن هنا نجد الكثيرين منهم يرتاحون لكل ما نقوله أو نفعله خارجاً عن حد التوسط والاعتدال، لهذا الذي قلناه ، ولانهم يجدون فيه ذلك سنداً لمقولاتهم، أو دليلاً على صحة أحكامهم التي يطلقونها على الإسلام والمسلمين.
إن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم حين قال: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)( ) أشار إلى أن علاقة الإسلام بالآخر علاقة إتمامية تكاملية وليست إقصائية عدمية! وهذا موقف أبعد من الحوار، ولكن الذي يبرزه ويظهره هو الحوار. ولهذا فإن في وسعنا أن نقول: إذا حضر الدين -أي الإسلام- حضر الحوار!
ولا بدّ هنا من استطراد عابر نشير فيه إلى أن القرآن الكريم حاور من الملاحدة والدهريين الذين يقولون كما حكى الله تعالى عنهم {{ نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ }}[الجاثية : 24]، وذلك في سياق سائر ضروب الحوار التي اتسع لها القرآن الكريم، بدءاًً من حوار الله تعالى مع إبليس، وانتهاء في الآخرة بحوار أهل الجنة وأهل النار، مروراًً بالحوار مع كافة العقائد والأديان، يستوي في ذلك عقائد المشركين والوثنيين والثنويين وأصحاب الكتب السماوية السابقة! كل ذلك على القاعدة القرآنية: {{ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ }}[الانبياء :24]. وعلى أساس الحرية وعدم الإكراه: {{ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين }}[ البقرة :256] . وفحوى ذلك جميعه أننا نؤمن بحوار الحضارات والثقافات، رفضه الآخرون أم قبلوه، وإن الوسطية هي عدتنا فيه وسبيلنا إليه، وعلى هذه القواعد القرآنية البرهانية العقلية العلمية.
الوسطية والحضارة الإنسانية
عندما نقول أن الخطاب القرآني عقلي! فإننا نصفه في الحقيقة بأنه جمع في توازن مدهش، أو في وسطية رائعة بين النص والعقل، أو بين الدين والعقل، نظراً لعمل العقل في النص -مما أطلق عليه مصطلح الاجتهاد- والذي ينجم عنه كذلك مزية (وسطية) أخرى هي مزية الوحدة والتنوع، لأننا أمام مفهوم متعددة للخطاب الواحد. ولهذا قلنا قبل قليل: إن أفضل هذه المفاهيم هي التي تقوم بدورها على هذه الوسطية أو تنطلق منها.
وعندما نصف هذا الخطاب بأنه إنساني فكأننا نقول إنه لم يقم على أي لون من ألوان الاعتبارات العارضة أو البيئية أو القومية! فقاعدته في التحريم والتحليل على سبيل المثال، وغني عن البيان أنه لا توجد حضارة بدون مجال مقدس أو محرّم، حتى إن هوية أو خصائص حضارة من الحضارات إنما تتحدد بما ترفضه، أي تحرم أخذه، من الحضارات الأخرى لا بما تأخذه وتقبله، هي الطبيعة التي خلق عليها الإنسان، والطبيعة التي خلقت عليها الأشياء: {{ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ }}[الأعراف :157]
وبعبارة أخرى: إن أحكام الإسلام كلها، بما فيها أحكام التحريم والتحليل، لم تنزل بناء على أوضاع أمة بعينها أو شعبٍ بعينه، ولم تأت استجابة لهذه الأوضاع أو علاجاً لها في بيئة من البيئات أو زمن من الأزمان.
إن الوسطية الإسلامية في حقيقتها (وسطية إبراهيمية)، ونعتقد أن دخولنا بها إلى نادي حوار الحضارات، يمثل الوضع الأمثل من جهة، كما أنه يعطينا الحق في حوار أصحاب هذه الحضارات/الديانات، التي ينتسب أصحابها إلى إبراهيم عليه السلام من جهة أخرى ! وليست هذه دعوة إلى الجمع بين الأديان تحت شعار الإبراهيمية، ولكنه رفض لمزاعم هينتنغتون، وبيان لموقفنا الوسطي أو المتميز في نادي الثقافات، بوصفنا نمثل الوسطية البعيدة عن الغلو والتشدد، ولأنه لا معنى للحوار بعد الجمع أو تذويب الفوارق![راجع نديم إلياس: عندما يقهر الماء صم الحجر].
الوسطية والتعدد وليس التطرف والتعصب والإرهاب
إن الدكتور مراد هوفمان -وقد وجد نفسه في رحاب الإسلام- يرى أن الوسطية الإسلامية هي الأهم؛ قال: "ومن الأهمية بمكان أن يتضح للقارئ أن الإسلام دين الوسط، أو أن الله تعالى جعل المسلمين (أمة وسطاً) كما نصت الآية الثالثة والأربعون بعد المائة من سورة البقرة. فالإسلام يرفض التطرف والغلاة، وطغيان العاطفة أو الوجدان الظالم، والحسد الكاره للحق، والقنوط واليأس سخطاً على الماضي، والعنف والتمرد؛ بصفة كل ذلك مبادئ أو قيماً عليا" [انظر كتابه : الإسلام كبديل الحجر].
وإذا كانت الوسطية الإسلامية شرطاً من وجهة نظرنا للدخول إلى حوار الحضارات في عصر اتهام الإسلام بأنه العدو الجديد (أو القديم/الجديد)، وفي عصر العولمة وفي عصر نهاية التاريخ. فإن الرئيس الألماني يطالب الغرب بالتنازل عن الأحكام المسبقة وعن الإساءة والتشويه، ويدعو إلى عدم تصوير الآخر بأنه عدو! يقول: "إن تصوير الآخر بأنه عدو، والحفاظ على هذه الصورة، كان دائماً أمراً أسهل من إعطاء صورة موضوعية واقعية عن الآخر، والتعامل معه بما يتناسب مع ذلك". بل يضيف قائلاً: "أليس محتملاً أن يكون السبب في عدم تفهمنا للإسلام هو رسوخه على أسس عميقة من التدين الشعبي، بينما نعيش نحن في مجتمع علماني إلى حد كبير؟"
وإذا كنا نحن المسلمين نؤمن بحوار الثقافات والحضارات، وبتعارف الأمم والشعوب {{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ... }}[الحجرات:13] فلا ريب في أن العولمة تشكل عاملاً مهماً في حفزنا على الدخول في هذا الحوار! بل إن الرئيس الألماني يرى في هذا الحوار سبيلاً وحيداً في عصر العولمة هذا. [راجع نديم إلياس: عندما يقهر الماء صم الحجر].
ولكننا نضيف إلى هذا الذي قاله الرئيس هيرتسوغ: إن الفهم البعيد عن الوسطية، أو غير المتوازن، للإسلام قد ينتهي في معركة حوار الحضارات إلى أن يكون ضرباً من التقوقع على الذات -في الداخل والخارج- ومن ثم سبباً للانعزال والتهميش. أما الإرهاب. أو التعويل على قوة الساعد بدل الأدلة أو قوة العقل، فهو ليس سبباً للانعزال والتهميش، ولكنه السبيل إلى السقوط الحضاري أو التواري الثقافي والحضاري. وهذه معركة حاسمة لا يجوز للوسطية الإسلامية أن تتخلى عنها؛ لان نفي هذه الصفة -الإرهاب- عن الإسلام بات اليوم من أخطر مهماتها، ولسوف تجد لها آذاناً صاغية وعقولاً متفتحة في نادي حوار الحضارات.
ملامح إسلام العصر
إنّ الإسلام الذي نودّ الدعوة إليه في القرن الحادي والعشرين، والذي نرى أنه يحقق ملامح الوسطية التي نتحدث عنها، والتي نأمل أن تكون ناجعة في معركة حوار الحضارات التي يشهدها هذا القرن. إنه بالطبع ليس (إسلام) التطرف والإرهاب والعدوان، أو إسلام الانفعال وردود الأفعال غير السويّة أو العادلة.
كما أنه ليس إسلام الاجتهادات التراثية والفهوم التاريخية التي أفرزها واقع المجتمعات الإسلامية عبر العصور المختلفة، أو التي كان لهذا الواقع التاريخي أثره في ظهورها في تلك العصور، ولكنه إسلام (القرآن الخالد) الذي أنزله الله تعالى لجميع العصور، وخاطب به جميع الأجيال، وإسلام (السنة النبوية) التي بيّنت الكتاب، أو التي جاءت تشريعاً وحكماً لازماً لا خلاف على أنه يتصف بالعموم. وإسلام (العقل) الذي خاطبه القرآن، والذي أنيط به أمر الاجتهاد الدائم الذي لا ينقطع، وأنيط به الحركة الدائبة في إنزال نصوصه وأحكامه على واقع المجتمعات الإنسانية المتعددة والمتطورة عبر الزمان والمكان.
إن النص في الخطاب القرآني ليس حاكماً على العقل! لأن العقل هو أداة فهمه وتفسيره والتعامل معه على هذا النحو، وذلك في ضوء أسس هذا الفهم اللغوية والمقاصدية والظرفية، بل في ضوء معارف الإنسان العقلية كذلك، وأعني بها ما ارتقى منها إلى درجة اليقين عبر الدهور والعصور. وبعبارة أخرى: نحن هنا نتحدث عن (الدين) الذي يعمل العقل لفهمه وتطبيقه، وليس عن الدين الذي يبطل عمل العقول! ولهذا فإن بعض الأجيال التي أعفت نفسها -في عصر الركود- من الاجتهاد وإعمال العقل؛ إنما فعلت ذلك اعتماداً على (اجتهاد) جيل سابق أو الأجيال السابقة، أي على عقولهم وفهومهم. وربما برامجهم كذلك! أي: وليس اعتماداً على النص نفسه، أو وضعاً له مقابل الاجتهاد الغائب، لأن هذا لا يمكن وقوعه مع النص الإسلامي، ويمكننا في هذا السياق قراءة ما سمي بإغلاق باب الاجتهاد بأن الركود الذي كانت تعيشه المجتمعات الإسلامية جعل الحاجة إلى الاجتهاد معدومة! لأنه لا جديد يستحق النظر والفكر ويحتاج إلى البحث عن حكمه وموقف الإسلام منه؛ وهكذا فإن اجتهادات عصر سابق كانت تلبي حاجة المجتمع، أو ما تزال تلبي هذه الحاجة بوصفه مماثلاً للمجتمعات التي عرفت الاجتهاد في وقت سابق! حتى قال قائلهم: ما ترك الأول للآخر ! وفحوى ذلك: أن باب الاجتهاد لم يغلق، ولكن انعدمت الحاجة إلى دخوله! وهكذا فإن الاجتهاد الوحيد كان إغلاق باب الاجتهاد!! وغني عن البيان أن هذه الفتوى (الاجتهادية) غير ملزمة بطبيعة الحال، لأن الاجتهاد لا يمنع باجتهاد مثله! ولأن الأمة حين تكون بحاجة إلى الاجتهاد أو قادرة عليه، فلن يحجزها عن ذلك فتوى المفتين أو مزاعم الزاعمين!
إن مهمة العالم أو الفقيه هي تنزيل المجتمعات الإسلامية المعاصرة على أحكام المجتهدين السابقين! وليس إعادة تنزيل القرآن أو الخطاب الإلهي على (واقع) هذه المجتمعات. ولا يعتقد الباحث أو الناظر في هذا الوضع أنه يوجد افتقادٌ لشرط المعاصرة، وانعدامٌ للقدرة على إبداع خطابٍ جديد يصلح للداخل والخارج أكثر من هذا!
.
أولاً : مسألة التعددية والشورى والديمقراطية وحقوق الإنسان
على الرغم من (الأصول) الإسلامية النيّرة في هذه النقاط، أو في هذه المسألة إذا أمكن تلخيص هذه النقاط بمسألة حقوق الإنسان، وبوصف هذه الحقوق من أبرز شعارات العصر. أقول: على الرغم من النصوص والوقائع الإسلامية الواضحة والنيّرة في هذا الباب؛ فإن فهوماً تراثية مغلوطة، وأخرى معاصرة قاصرة لا تزال تشوّه فيها صورة الإسلام. وربما ترسخت هذه الصورة المشوهة بسبب بعض الممارسات الخاطئة التي يقع فيها الغلاة والمتنطّعون الذين سبقت الإشارة إليهم، أو المأولون بالباطل بكل المقاييس.
نحن هنا لا ندعو إلى (تطويع) أحكام الإسلام لتوافق مضامين شعار (حقوق الإنسان) أو مفردات هذه الحقوق وفقاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة. ولكننا ندعو إلى تبنّي حقوق الإنسان والدفاع عنها، وعدم استغلال ما يسمى بالخصوصية الثقافية للتهرب من بعض الحقوق التي تقرها مبادئ الإسلام، وإن لم تعرفها اجتهادات الفقهاء في بعض عصور التاريخ الإسلامي. إذ ليس علينا أن نسلّم بهذه الخصوصية خارج نطاق النصوص قطعية الثبوت والدلالة.
وعلى الرغم من التطابق بين مفاهيم الإسلام وأحكامه ومعظم بنود هذا الإعلان العالمي، فإن هناك خلافاً في المرجعية وبعض البنود، فمرجعية هذه الحقوق في الإسلام نابعة من كون الإنسان مخلوقاً مكرماً أومستخلفاً في عمارة الكون، ويخضع للعبودية لله ، في الوقت الذي يتمتع بحق السيادة على الطبيعة.
أما الإعلان العالمي فمرجعيته نظرية الحق الطبيعي التي نادى بها العلماء في القرن التاسع عشر في المناخ العلماني الأوروبي الذي تم فيه عزل الدين أو تهميشه في القانون وفي الحياة العامة إلى حد بعيد.
وتبدو أهمية وخطورة القبول بمواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إسلامياً أو على الصعيد الإسلامي في ارتقائه أو ارتقاء المواد المقبولة منه في إطار أحكام الثقافة الإسلامية إلى درجة الواجب الديني أو الأخلاقي، بدل أن تعامل على أنها نتاج غربي ومستورد ثقافي وهذا الأمر يمنح هذه الوثيقة قوة إلزامية كبرى أو مهمة من جهة، كما يسمح للعالم الإسلامي أن يعد نفسه شريكاً في هذا الإعلان لا متطفلاً عليه أو مجرد قابل به كما هي حال الأمم والشعوب الأخرى التي تفتقر ثقافاتها إلى مرجعية دينية لهذه الحقوق من جهة أخرى .
أما التساؤل حول عالمية الإعلان المشار إليه، وكونه معياراً عالمياً تقاس به أوضاع حقوق الإنسان في جميع الدول فهو قائم ومشروع. لأن حظ هذا الإعلان من العالمية لا يعدو كونه صادراً عن منظمة دولية، وليس لكونه يمثل القدر المشترك بين جميع الأمم والثقافات والحضارات، كما يقضي بذلك قانون العالمية. ولو أن إعداد هذا الإعلان جرى على هذا النحو لأمكننا القول إن حقوق الإنسان في الإسلام بحكم سبقها التاريخي من جهة، وبحكم طبيعة الخطاب القرآني الموجه للإنسان، وحديث القرآن عن بني آدم وتقديره لكرامته وحقوقه، بعيداً عن أي مفهوم قومي أو عنصري من جهة أخرى، كل ذلك كان من حقه أن يجعل من هذه الحقوق الإسلامية نواة أو أساساً لإعلان عالمي لحقوق الإنسان، وبحيث تبدو الخصوصيات الثقافية للأمم الأخرى وفي طليعتها الأمم الأوروبية استثناء من هذه الحقوق أو تعديلاً أوروبياً عليها.
وعلى سبيل المثال فقد ركزت الدول الغربية على حقوق الإنسان المدنية والسياسية في سياق ترويجها لنظامها الليبرالي في عصر الحرب الباردة. وكما تفعل الآن في عصر ما بعد هذه الحرب، أو بعد تحقيقها الانتصار على النظام الاشتراكي، حتى وصل الأمر بفوكوياما كما رأينا إلى القول بنهاية التاريخ، التي تنطوي بطبيعة الحال على القول بأهمية وأولية الحقوق المدنية والسياسية للإنسان والمجتمعات، في حين أن الدول الاشتراكية ركزت على أولوية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعلى حق تكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة والدخل. ولا يستطيع أحد أن يزعم أن الحقوق والواجبات والمفاهيم والضوابط والمعايير وأنماط الثقافة والتنمية لا تخرج عن هذه الحالة الأوروبية الخاصة.
ثانياً : موضوع المرأة: حقوقها ومكانتها في المجتمع
ما كتب في هذا الموضوع، وتم التعويل فيه على نصوص القرآن الكريم وعلى السيرة والأحاديث النبوية الصحيحة، وعلى اجتهاد وتفسيرات العلماء الأثبات كافٍ في الدلالة على المكانة التي يجب أن تعود المرأة لتحتلها في النظام الاجتماعي الإسلامي، وعلى الحقوق المدنية والسياسية التي لا بد أن تتمتع بها، على الرغم من اللجاجة والفهم السقيم في بعض أوساط (الإسلاميين)، وعلى الرغم من بقايا (الثقافة الشعبية) أو ثقافة عصر الركود التي لعبت دوراً في تهميش المرأة، والتي كانت تنظر لها على أنها أقل من الرجل من حيث الكفاءة والأهلية!
وعلينا أن نشير هنا إلى أن (أكثر الآيات الواردة في حق المرأة مقرونة بوعيد شديد ضد المخالفين، لما يعلمه الله تعالى من ميل بعض النفوس إلى ظلم الضعفاء) على حد قول بعض الباحثين: إن المرأة في الإسلام إنسان مكلف، تخاطب بما يخاطب به الرجل من أحكام الدين والعبادة، وتتمتع بالأهلية الكاملة للالتزامات المالية كالرجل سواء بسواء؛ ويشير قوله تعالى: {{وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالانثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}}[الليل: 3-4] إلى مبدأ التساوي بين الرجل والمرأة في القابلية والاستعداد، وما ينبني على ذلك من العمل والأختيار، وقد أشارت الآية الأولى من سورة النساء إلى أن الخلق الواحد أو النفس الواحدة هي قاعدة هذه المساواة؛ قال تعالى: {{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء..}}. أما القاعدة القرآنية الجامعة التي تلخص مكانة المرأة في الإسلام فهي قوله تعالى: {{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}}[البقرة :228] فقد قررت هذه الآية الكريمة مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات المتقابلة أو المتبادلة بين الرجال والنساء، ولم يجر تفضيل الرجل إلا بحق القوامة {{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}} وهي رئاسة الأسرة، أو قيادتها، وعلى نحوٍ برئ من أي تعسف أو عنف أو استبداد! لأن هذا أبرز ما يناقض الرئاسة والقيادة بوجه عام، وأبعد ما يكون عن مفهوم القوامة بوجه خاص. وموضوع (المرأة) كما قلنا كتب ويكتب فيه الكثير، ولا يتسع المجال لأكثر من الملاحظات السريعة التالية:
1- إن المكانة التي تحتلها المرأة في أي مجتمع من المجتمعات هي التي تحدد في المقام الأول طبيعة النظام الاجتماعي السائد، ومدى رقيّه أو تخلفه، بل تحدد طبيعة هذا الرقي، ولهذا فإن المرأة في عصر النبوة وفي صدر لإسلام كانت تتمتع بوضع علمي (ديني) وأدبي (اجتماعي) لم تحظ به بعد ذلك! [راجع كتاب: تحرير المرأة في عصر الرسالة لعبدالحليم أبوشقه رحمه الله] حتى إنها أجارت في العهد النبوي عن الأمة كلها! أي قامت بإرادتها المنفردة بالتوقيع عنها؛ بل إن انحطاط المجتمعات الإسلامية، أو بعضها على أقل تقدير كان يسير في خطٍ موازٍ لوضع المرأة في المجتمع، وما لحق مكانتها من انتقاص، وحقوقها من هضم، وحريتها من حبسٍ أو تقييد.
2- لا بد من بلورة مفهوم جديد لتحرير المرأة -بعد ما كتبه قاسم أمين قبل أكثر من مائة عام-، وقد أسقطت الرغبات على بعض أقواله عند فريق، وأسقطت بعض آرائه عند فريق آخر، وفك ارتباطه بكل من نموذج المرأة الغربية، ومن التقاليد أو الأعراف السائدة في بعض المجتمعات الإسلامية!
3- ينتظر المرأة المسلمة في عصر عولمة القيم والثقافات، والتي باتت تقتحم بيوت جميع الأمم عبر الانترنت والقنوات الفضائية (وفي مقدمتها عولمة الإثارة) ينتظر المرأة المسلمة دور مهم في باب (التحصين الثقافي) للأجيال، والحفاظ على القيم والروابط الأسرية، وسائر الروابط والقيم الثقافية الإسلامية. فلا بد من إعدادها كشريكٍ مثقف وواع ومسؤول للقيام بهذه المهمة الكبيرة، والكفّ عن النظر إليها كسلعة أو متعة، ومعاملتها على أنها ناقصة الأهلية والكفاءة، ولن ندخل نادي حوار الحضارات إلا بقيمنا الثقافية، لأنه لا معنى للحوار إذا وصلنا إلى مرحلة التقليد والمحاكاة، أو مرحلة (الانصياع الثقافي). فإن تهميش المرأة الذي كان من سمات عصر الركود كان من أبرز أسبابه (سدّ الذرائع) ! ونخشى أن يتخذ هذا التهميش في عصر حقوق الإنسان بدوره (ذريعة) لتغريب المرأة المسلمة من جهة، أو للتفزيع والتخويف من أحكام الإسلام من جهة أخرى.
ثالثاً : المواطنة وحقوق الأقليات
لقد كان تعبير الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية عن خصوصياتها الثقافية أحد سمات عصر النهضة في الإسلام، وذلك ضمن إطار الوحدة الجامعة لدار الإسلام. في حين أن الطائفية والافتئات على حقوق الأقليات كان أحد ظواهر عصر الركود. وإن إقرارحق المواطنة غير المنقوص لهذه الأقليات في ظل الدولة القطرية اليوم، ربما كان فيه خروج على اجتهادات الفقهاء، ولكن ليس فيه خروج على النصوص، لأن (الذمة) مرتبطه بـ (العهد) أو المعاهدات بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى. وكذلك الحال في (الجزية) التي تنتهي عندها حالة العدوان التي تقع على الدولة الإسلامية ومجتمع المسلمين. ولهذا فإن هذه المصطلحات محلها القانون الدولي وليس القانون المدني أو نظام المعاملات. قال أستاذنا الشيخ مصطفي السباعي رحمه الله -منذ أكثر من نصف قرن- (إن الأمر بالقتال في آية الجزية ليس إلا لمن قاتلنا، فقتال من لم يقاتلنا عدوان لا يحبه الله تبارك وتعالى، ويؤيد هذا قوله تعالى {{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون}}[الممتحنة : 8-9 ] لا فلا شك في أن الذين يعيشون في الدولة مع المسلمين من أهل الكتاب، ويشاركونهم في الأخلاص والولاء لها، ليسوا ممن يجوز قتالهم، فلا تفرض عليهم الجزية التي هي ثمرة القتال بعد النصر. وهذا ما يفهم من آيات الجزية والقتال من غير تأويل ولا تعسف) [انظر رسالته: نظام السلم والحرب في الإسلام. وانظر كتابنا: مصطفي السباعي الداعية المجاهد، والفقيه المجدد]
إن عدم تمتع الأقليات بحق المساواة، أو الافئتات على خصوصياتها الثقافية قد يتخذ ذريعة من قبل النظام العالمي الجديد للافتئات على الأمة واتهامها بالتطرف والعدوان على حقوق الإنسان. وذلك على نحو ما حصل أيام الدولة العثمانية عن طريق ما دُعي بالامتيازات الأجنبية التي (تمتعت) بها كل من فرنسا وبريطانيا والروسية. بل لقد سبق للاستعمار الذي قادته هذه الدول أن استغل أو وظف الوعي بالعروبة في حربه ضد العثمانيين في أوائل القرن الماضي. وها هو النظام العالمي الجديد يحاول في نهايته وفي القرن الحادي والعشرين استغلال تخوف الأقليات من عودة الإسلام!
الوسطية الإسلامية بين طبيعة الحضارات وأدوارها
وأخيراً... فإن الحديث عن دور الوسطية الإسلامية في الحوار الحضاري يفرض علينا أن ننظر في الحضارة السائدة من عدة وجوه أو منطلقات، حتى نتمكن من الإشارة إلى (فحوى) المهمة التي يمكن لهذه الوسطية أن تقوم بها مع كل واحد من هذه الوجوه أو المنطلقات:
1- إذا نظرنا إلى تطور الحضارات من الوجهة الجغرافية، لوجدنا أن الحضارة السائدة تمثل حضارة المحيطات أو المرحلة المحيطية، إذ يمكن تقسيم مراحل هذا التطور إلى ثلاث مراحل تقوم كل منها على محور جغرافي: المرحلة الأولى: هي المرحلة النهرية (أي أن الحضارات في مبدأ نشأتها قامت على ضفاف الأنهار). والمرحلة الثانية: مرحلة البحار أو المرحلة المتوسطية، نسبة إلى البحر المتوسط الذي كان المحور الجغرافي للتاريخ. أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة المحيطية أو حضارة المحيطات، والتي كانت بداياتها أو دعامتها الأولى: الامبراطوريات الكبيرة التي أقامتها كل من البرتغال وهولنده وانجلترا وفرنسا فيما وراء البحار. وقد بلغت المرحلة الأخيرة ذروتها مع القيادة الأمريكية المباشرة لحلف الأطلسي، وللذراع الباطشة التي باتت الولايات المتحدة تتمتع بها في هذه الحضارة التي يمكننا وصفها -في هذا السياق- بالأوروبية/الأمريكية والتي كان من لوازمها أو دلائلها: الأساطيل العملاقة التي تجوب المحيطات والبحار، والسلاح النووي، والصواريخ العابرة للقارات، وحرب النجوم... والهيمنة على الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، وما سمي بازدواجية المعايير، وعدم المساءلة!! وأخيراً محاولة فرض ما سمي بالإصلاح والديمقراطية على الدول العربية والعالم الإسلامي، فضلاً عن الإمساك بالقرار الأوروبي ذاته من خلال استراتيجية النفط.
نحن نعيش الآن -إذن- في عصر الهيمنة الحضارية والاستكبار.ولكننا الآن نزيد الأمر وضوحاً فنقول: إن العولمة ترتكز على سلطان السوق وسلطة المعلومات، وهي بهذا تكرس التفاوت على مستوى الاقتصاد والنمو، وعلى مستوى سلطة المعرفة، كما أنها تقوم على حساب الدولة الوطنية والقومية وحدود الأوطان.
إن عالمية الإسلام وإنسانية الحضارة التي قامت على أساسه في التاريخ هي المرشحة للوقوف في وجه العولمة؛ وبحيث تكون المقابلة بين حضارة إنسانية تقوم على (الحق) وينضوي تحت لواءها شعوب وقوميات ولغات شتى، على قاعدة: الانضمام والمشاركة! وغني عن البيان أننا اليوم لا نستطيع أن ننسب منجزات هذه الحضارة أو بطولاتها في كل الحقول إلى شعب واحد بعينه من الشعوب الإسلامية (العرب، الفرس، الأتراك...) وبين حضارة تقوم على (القوة) وعلى الضم والإلحاق، وتبشر العالم أجمع بصدام الحضارات ونهاية التاريخ. ولكن هذا الوقوف لا يتحقق لنا اليوم، في ضوء الأوضاع السائدة في العالم الإسلامي، السياسية والاقتصادية والثقافية، بغير إحياء الدور الحضاري للأمة. لأن الجانب العربي الإسلامي صاحب تجربة حضارية إنسانية، وأن (العالمية) جزء لا يتجزأ من طبيعة ثقافته وقيمه، فضلاً عما تتمتع به هذه الحضارة من البعد الروحي الذي يعد من أبرز سماتها وخصائصها.
والوسطية التي نتحدث عنها والتي تجمع بين الوحي والعقل، والأخلاق والحرية، وسائر المواصفات المطلوبة بإسلام القرن الحادي والعشرين. وقد يكون الشوط أمام العرب والمسلمين طويلاً إذا كانت بعض الدول العربية والإسلامية لا تعد هويتها الثقافية مسألة محسومة ! أو كان بعضها الآخر يحاول التعلق بالقطار الأمريكي الموصل إلى نهاية التاريخ! أو إذا كان كثير من المثقفين ما يزالون يجهلون مركز أمتهم وقومهم ودورهم في التاريخ.
2- إذا نظرنا للحضارة السائدة من منطلق الأدوار أو العصور التي تمر بها كل حضارة من الحضارات، وهي الروح والعقل والغرائز (عصر الصعود وعصر الاستقرار وعصر الانحدار) فقد تتعدد الرؤى حول العصر الذي تمر به الحضارة السائدة، وبغض النظر عن المشكلات التي باتت مجتمعات هذه الحضارة تعاني منها، والناجمة في المقام الأول عن الثقافة السائدة وما أشاعته من القيم والمفاهيم، وفي مقدمتها: الإفراط في مفهوم الحرية، ووضع حق التشريع في صناديق الانتخاب، مثل المخدرات والشيخوخة وحمل المراهقات، والعنف في المدارس، والإيدز والأمراض الناجمة عن الانحلال؛ فلا خلاف على أن الوسطية الإسلامية هي الأجدر بتصحيح هذه المفاهيم، والتخفيف من غلواء العقل، وإعادة وضعه في موضعه الصحيح، قادراً على تيسير الحياة أكثر من قدرته على تصوير الوجود. إلى جانب القيم الخلقية والإنسانية التي تمثل في الإسلام التوازن المطلوب بين مطالب الروح ومطالب الجسد، أو بين العقل والغريزة، وبين الوسائل والغايات.
إن إعادة التوازن المطلوب إنما يحققه الإسلام على أوفى شروطه من وجه، كما أن الوسطية في تفسير أحكامه ومبادئه هي الأجدر بتحقيق هذا التوازن في عالم اليوم؛ حيث لا يترجم الإسلام أو يجري التعريف به على أنه تصوف أو سلفية أو ظاهرية. فضلاً عن أنه تشدد أو تطرف. ونضيف هنا أن الإسلام الذي بنى اقتصاده وسياسته وسائر أحكام شريعته على العقيدة والثقافة هو الأجدر اليوم على أن يعيد ترتيب الأوليات، أو بناء الهرم! إن الهرم في حضارة اليوم أو في عالم ما بعد الصناعي -كما يدعي- لأن الاقتصاد يحتل فيه المكانة الأولى قبل السياسة، وقبل الثقافة! في حين أن الثقافة يجب أن تحتل فيه المرتبة الأولى قبل السياسة التي يأتي بعدها الاقتصاد!
ونحن نقول إن (السبق) وليس (التقدم) في صنع الآلات حين يفتقر إلى الضوابط الأخلاقية والدوافع النبيلة والغايات الإنسانية، لا يعدو أن يكون شحذاً للانياب وإطالة للمخالب، إن التحضر الحقيقي هو في تنمية إنسانية الإنسان، لا في التنمية الاقتصادية أو مطلق التنمية! ولهذا فإن القرآن الكريم امتدح الرسول الأكرم بالخلق العظيم، على الرغم من مزاياه التي لا تحصى في العلم والبيان، وجميع صفات الكمال التي أعطاها الله تعالى للإنسان، فقال تعالى في خطابه:{{ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}} مع الإشارة أخيراً إلى أن قاعدة هذا الخلق العظيم كانت الوسطية، أو قامت على التوازن.
وأخيراً ... إنّ الفكرة القائلة أن حركة التاريخ دائرية لا تتوافق مع ما ذهب إليه بعض الباحثين الذي قال: إن حركة الحضارة سهمية (أي وليست دائرية)، وفي هذه الحال يمكننا التمييز بين نوعين من الحضارات: السهمية والدائرية؛ أي وليس معناه -عندنا- التسليم بأن الحضارات كلها سهمية! ويمكن وصف الحضارة الراهنة بهذه الصفة إذا نظرنا إليها من زاوية السبق أو التقدم العلمي الذي أشرنا إليه، وهذا صحيح ولا غبار عليه لأن حركة التقدم العلمي -أي العلم التجريبي الذي موضوعه المادة أو الطبيعة وليس الإنسان في جانبه العقدي والروحي والنفسي- لا تعرف النكوص أو التخلف، بل لا تعرف التوقف كذلك.
والنظر إلى الحضارة الراهنة أو السائدة على أنها سهمية يؤكد أن هذا الجانب العلمي/التقني الإلي هو وجهها الأبرز أو الأهم، في حين أن جانبها الآخر في التعامل مع الإنسان لم يحقق السبق أو التقدم ذاته. بل ربما سجّلت هذه الحضارة تراجعاً يطول الحديث عنه. وربما كانت المشكلة أساساً تكمن في أن الثقافة الغربية -أو علوم القوم الإنسانية والاجتماعية- قامت في دراستها للإنسان على المنهج (التجريبي) الذي عولت عليه في دراسة الطبيعة أو المادة، وذلك لظروف خاصة بهم، والذي نجمله في هذا السياق هو أن الثقافة الإسلامية تملك في هذا الجانب الإنساني، من خلال ثوابت الإسلام الأساسية، ما هو جدير بالانضمام أو المشاركة مع العلم الغربي، إن صح التعبير أو على أقل تقدير.
ونرجو ألا نكون قد وصلنا إلى حد التبشير بالوسطية بين الحضارات! لان هذا لم يخطر لنا على بال . والله تعالى أعلم .
ابحث
أضف تعليقاً