wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
العلاقة مع الآخر في ضوء الوسطية في الإسلام

العلاقة مع الآخر في ضوء الوسطية في الإسلام
«وفقاً لروايات وسيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل بيته الأطهار»

إبراهيم تبريزيان

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد :
تعتبر مسألة العلاقة مع الآخر، والأنا والآخر، واستقبال الآخر، ومفهوم بناء مجتمع جديد بقيم جديدة، وسبل صياغة الهوية، وما يتعلق بالعولمة وتحديات اشكاليات القرن الحالي، وبالأخص الغربي.
كل هذه، تعتبر من المسائل المصيرية التي تمتلك سياقات متعدّدة، تاريخياً واجتماعياً واقتصادياً، حيث أخذت صوراً متنوعة دخلت الفكر، واحتلّت مساحات في الذاكرة، وفي ثنايا الثقافة والحضارة.
وذلك لأن الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً، مضطراً لاقامة علاقة مع غيره من البشر، سواء أكان هذا الغير إيجابياً أم سلبياً، وبحثنا في هذا المقال يتكفل بالغير السلبي، الذي يتحتّم على البشر أن يبحث عن توازن عادل في العلاقة معه.
وقد حان الأوان للتواصل المشارقي المغاربي، وهو الذي يعبّر عنه بحوار الحضارات، والذي لا بدّ وأن يسبقه التواصل المشارقي المشارقي بمختلف تياراته، والإسلامي الإسلامي بمختلف مذاهبه، لنتواصل ونتحاور مع من هو أقلّ اختلافاً معنا، ثم نتدرج في التواصل والعلاقة مع الآخر الذي هو أكثر اختلافاً معنا.
ومن الواضح أن عصرنا الذي نعيش فيه يشهد من جانب أكبر تحدّيات المدارس الوضعية المادّية للفكر الإسلامي وثقافة الوحي، وقد بلغ الصراع الفكري والحضاري بين الإسلام والآخر السلبي أوجاً لم يسبق له مثيل فيما عرفناه من التاريخ. 
ومن جانب آخر، يشهد عصرنا صحوة إسلامية زاخرة بالعطاء، مبشرة بمستقبل للبشرية زاهر بنور الوحي.
ويتطلب هذا كله من المفكرين من أبناء الإسلام المخلصين أن يشيدوا أسساً علمية ومناهج معتمدة على دراسات معمقة حول موضوع العلاقة مع الآخر، وكيفية الحوار معه، وذلك بالتصدّي للتحدّي المضاد من جانب، وعرضاً للأطروحة الإسلامية التي تستجيب لتطلعات الإنسان نحو حياة مشرقة بنور العدل والإسلام عامرة بدفء الفضيلة والتقوى من جانب آخر. ولا يتم ذلك، إلاّ بالتفاهم بين شتّى فصائل الفكر الإسلامي، وفتح باب الحوار بين بعضها والبعض الآخر.

العلاقة مع الذات ... ثم مع الآخر :
كثيرون هم الذين يطرحون مسألة العلاقة مع الآخر على طاولة البحث العلمي، ناسين أو متناسين البحث عن العلاقة مع الذات أولاً، والتي تكون بمثابة المقدّمة للعلاقة مع الآخر.
وسوف نشير بإيجاز إلى أهم مسألتين لهما صلة بالعلاقة مع الذات :
1ـ تطابق القول مع الفعل: وهو صراع قديم نشأ مع نشأة الإنسان الأولى واستمر، وسيستمر مع بقاء الإنسان. إنّ تطابق القول مع الفعل كلما قلّت الفجوة بينهما وأصبح الفرد أكثر ارتياحاً مع نفسه في تطابق قوله مع فعله، كلما كان أكثر انسجاماً في علاقته مع الآخر. إنّ تطابق القول مع الفعل هو المصداق البارز للعلاقة مع الذات .
2ـ معالجة الاضطراب النفسي: من العوامل التي تتوقف عليها مسألة العلاقة مع الآخر هي الاضطراب النفسي، الذي يعدّ البحث فيه من مسائل العلاقة مع الذات. والاضطراب النفسي موجود منذ أن وجد الإنسان، وهو يسبب الخلل بين الذات والآخر، وكان للتقدّم التكنولوجي أسبابه الواضحة في مضاعفة نسبة الاصابة، والتي كانت نتيجة هذا التطور على حساب العلاقات الإنسانية.

العلاقة مع الآخر ... والحوار :
بات الحوار مع الآخر من أوليات المصاديق الخارجية للعلاقة مع الآخر، لأنه الأداة الوحيدة التي تقرب وجهات النظر بين المختلفين، وتعرف بعضهم على بعض وتدفع الكثير من الابهامات.
إن العلاقة مع الآخر لم تكن صراعاً دائماً، كما أنها لم تسكن دائماً في بيت الحوار، وهذا هو الذي يعكس طبيعة العلاقة التاريخية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، كل على صعيد دون أن نفلت جانباً منها على الآخر، ودون أن نذهب إلى تشاؤم مطلق يكدس الصراع، أو تفاؤل شامل يعزز الحوار. 
ومع التأكيد على الخصوصيات والهويات الثقافية في القرن الحادي والعشرين في مواجهة هجمات العولمة والنمذجة، أو صيحات التفوق الحضاري، فإن الحاجة إلى الانفتاح دون الاستلاب، والتواصل دون الانبهار، تظل قائمة بيننا وبين الآخر. 
ونحن كمسلمين لا نبدأ العلاقة مع الآخر بإلغائة، بل على العكس تماماً الإسلام يطلب منّا أن نتعرف على الآخر ونتواصل معه، وأن نقدّم له أفكارنا ونناقشه بها، ويتمثل ذلك جلياً بالرجوع إلى القرآن الكريم وسيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار.
الإسلام لم يطلب من أهل الكتاب إلاّ أن يعبدوا اللّه، وذلك حين قال تعالى: {{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ اللّه}}( )، يعني الالتزام بالمتفق عليه بين الأديان السماوية، وهو عبادة اللّه، ثم يبدأ الحوار معهم في الأمور التفصيلية الأخرى، فهي دعوة إلى الاقتراب والحوار.
الإسلام نادى بالمحبة حين دعى الآخر فيما قال: (تعالوا إلى)، وذلك لأن الإسلام منطلق علاقته بالآخر تقوم على محبة هذا الآخر وجلب الخير له، وليس على كرهه أو تمنّي الشر له. 
لكن هذا الآخر هل يتعامل مع الإسلام بمثل ما تعامل الإسلام معه؟ أم أنه يريد من الإسلام والمسلمين أن يبقوا دائماً في عداد العالم الثالث في أفكارهم وثقافتهم واقتصادهم وحتّى صناعتهم. 
إن الحوار يعتبر من أهمّ العوامل المؤدية إلى توسيع آفاق الرؤية واثراء الرصيد المعرفي بالمعلومات الجديدة وتخطّي الحواجز الموجودة بين الذين يختلفون معاً في الرأي، لأنّ فيه يكتسب كل من طرفي الحوار الرؤية الواضحة عن فكر الآخر، فيؤدي ذلك إلى التفاهم والتقارب الفكري بين الطرفين وشعور كل منهما بأن الآخر يساعده للوصول إلى الصورة الكاملة عن الحقيقة.
والسبب في ذلك هو أن كل إنسان يشاهد الواقع من زاوية معينة، فلهذا قد يرى الإنسان حين رؤيته إلى الحقائق ما لا يراه الآخر، وفي الحوار تتوجّه الجهود ويتم التعاون بين الطرفين ليرى كل منهما صاحبه الواقع من زاوية أخرى، ويقوم كل منها على قدر وسعه بتصحيح أفكار المقابل وتعديل صورته الذهنية عن الحقيقة وإزالة ما قد التبس عنده من مفاهيم، وبهذا تكتمل صورة الحقيقة عند الطرفين، ويشعر كل منهما أنه قريب من الآخر نتيجة التعاون الذي أجروه معاً لاكتساب الشمولية في الرؤية.

العلاقة مع الآخر ... ومكارم الأخلاق :

لا يخفى على أحد أهمية ترسيخ أصول مكارم الأخلاق في المجتمع ودورها في العلاقة مع الآخر، وذلك لأنه لا يمكن بدون مكارم الأخلاق أن نضمن الاستمرار في العلاقة مع الآخر، بالأخص في عصرنا الحاضر الذي ابتعدت مجتمعاتنا كل البعد عن المعنويات والأخلاقيات، وجعلت جلّ اهتماماتها بالماديات. 
وكلما استطعنا أن ننشر أصول مكارم الأخلاق في مجتمعنا، ونجعل المعنويات والأخلاقيات من الأمور الضرورية التي تتعايش معها مجتمعاتنا، كلما استطعنا أن نضمن العلاقة مع الآخر واستمرارها في أرفع مستوياتها.

« سبل صيانة الحوار من الفشل »
إن الاختلاف يوفر الأجواء لتكوين العداوات وتأجيج نيران الحقد والضغينة في القلوب، فلهذا ينبغي في الحوار أن يراعي كل من الطرفين الضوابط التالية:
1- تحديد مساحة مشتركة في الحوار من أجل الوصول إلى لغة مشتركة يمكن من خلالها التفاهم حين تبادل وجهات النظر، والمبادرة إلى اقناع الطرف المقابل على ضوء مبناه، وبما ألزم به نفسه. 
2- ضبط الغضب والسيطرة على كل انفعال من شأنه أن يسلب قدرة الإنسان على التفكير بوضوح، ويدفعه إلى الخروج عن حالة التوازن والاعتدال في الكلام.
3- إدراك طرفي الحوار بأنّ الحوار ليس ساحة حرب أو معركة من أجل تأكيد الذات والتغلب على الآخرين، بل هو ساحة تعاون مشترك من أجل اكتشاف الحقيقة، فلهذا لا يشترط في الحوار أن يكون فيه غالب ومغلوب في نهاية المطاف، بل المطلوب أن يبيّن كل من الطرفين وجهة نظره للآخر، ليوسّع بذلك آفاق رؤيته إلى الحقائق. 
4- خلق أجواء ملؤها الثقة المتبادلة بين الطرفين، وإقامة علاقة طيبة ومتينة مع المقابل بحيث يكون الطرفان قادران على فتح المغلق في أنفسهما وأن يتكلّما بحرية كاملة دون تحفّظ. 
5- التفريق بين الفكر الضال والمنحرف وبين من يحمل هذا الفكر في ذهنه، والانطلاق من منطلق محبة الطرف المقابل في الحوار كإنسان كرّمه اللّه تعالى على سائر خلقه، والسعي من أجل انقاذه من الفكر المنحرف العالق بذهنه، لأنّ الذي يرى المحاور أو الإنسان المتخبط في أوحال الضلال عدواً وخصماً له، لا يستطيع نفسياً أن يقدّم له الخير، ولا يستطيع أن يكون مهتمّاً بهدايته وإرشاده إلى سواء السبيل، بل يكون همّه القضاء عليه والتعريض الدائم به وتجريحه والإطاحة بكيانه وعدم إرادة الخير له. 
6- الابتعاد عن استخدام المغالطة والمراوغة وجميع الأساليب غير الموضوعية، من قبيل: عدم مراعاة وحدة الموضوع، التلاعب بالألفاظ، الخلط بين المفاهيم والالتجاء إلى التأويلات، والاستشهاد بالاقتباسات المبتورة والمشوّهة عن الواقع

« من شروط الحوار البناء: احتمال ما عند الآخر من حق في الحوار »

إن أصحاب العقليات التقليدية التي تحكمها الأفكار الموروثة، وأصحاب العقليات الجامدة التي تعيش حالة الحرمان من إعمال العقل والنظر، لا يستطيعون التصدّي للحوار مع من يخالفهم في الرأي. لأنّ هؤلاء لا يمتلكون الأدلّة والبراهين الكافية لاثبات معتقداتهم الموروثة، فلهذا لا يستطيعون البرهنة على صحة أفكارهم أو الردّ على ما يوجّه إليهم من انتقادات، فلهذا لا يجد هؤلاء سبيلاً أمامهم حين الدخول في الحوار سوى التهجّم على المقابل واتهمامه بالكفر والزندقة والعمالة. 
فلهذا، لا يكون الحوار بنّاءاً ومفيداً إلاّ إذا دار بين قوم تبلورت معتقداتهم عن بحث ودراسة واجتهاد، والذين لهم القدرة على عرض أفكارهم بصورة منظمة، وعلى ضوء الضوابط المنطقية والقواعد العقلية.
إنّ كل واحد من طرفي الحوار إذا حضر على طاولة الحوار مع الآخر وهو ينظر إلى نفسه أنه الحق المطلق، وغيره الباطل المطلق، وهذا يعني أنه حكم على نتيجة الحوار قبل حدوثه، فإن أمثال هكذا حوار سوف لا يكون إلاّ مجادلة ومماطلة، لا يمكن أن يوصل إلى نتيجة. 
ويجب أن ينزّل كلّ من طرفي الحوار -قبل مثوله على طاولة الحوار- نفسه منزلة أن يكون ما عند الآخر بعض الحق وما عنده هو بعض ما لا يوافق الحق، ليستطيع بذلك أن يسمع كل منهما إلى الآخر، ولا يحكم على نتيجة الحوار قبل وقوعه، وإن كان كل منهما قد احتفظ في قرارة نفسه بمعتقده ولم يتنزل عنه، ولكن هذا الفرض سيضمن نجاح الحوار، بشرط أن يدوم مع دوام حياة الإنسان، واحتياجه إلى العلاقة مع الآخر بالتعايش معه الذي لا يمكن بدون حوار.

العلاقة مع الآخر ... والتقية:
إن التقية قبل أن تكون مفهوماً تشريعياً يعتمد على القرآن والسنة، فهي مسألة وجدانية يقرّها العقل والفطرة. التقية بمفهومها العام عند مذهب أهل البيت هي نوع من أنواع العلاقة مع الآخر، وتبيين لطرح الوسطية في الإسلام للعلاقة مع الآخر.
الآخر الذي يخالفنا في الرأي، إما أن يكون موضوعياً في البحث والخطاب الديني، متفهماً لشروط الحوار، وله ثقافة رفعية المستوى في استيعاب من خالفه الرأي، فهذا النوع من البشر تكون معه التقية بمفهومها المداراتي والمقابلة بالمثل والتأكيد على احترامه، وإن الاختلاف معه في الرأي لا يوجب القطيعة، ولابدّ من ترك المنفرات في ذلك. 
روي عن الإمام الصادق رضي الله عنه أنه قال: «رحم اللّه عبداً اجترّ مودّة الناس إلى نفسه، فحدّثهم بما يعرفون، وترك ما ينكرون»( ) .
والآخر الذي يخالفنا في الرأي، الذي بيده القدرة والسطوة، ولا يتسم بالموضوعية في قبول من يخالفه في المعتقد، ويستعمل ما عنده من قدرة وسلطة لفرض معتقده ورأيه على من خالفه، فهذا النوع من البشر تكون التقية معه بمفهومها الحقيقي الذي لأجله شرّعت التقية.
إذن، التقية هي نوع من المداراة في المعاملة مع الآخر السلبي، والآخر صاحب القدرة على إيصال الأذى باستعمال العنف، وليست هي تنزل عن المعتقد أو تركه وتغييره. 
وبناءً على هذا، فالتقيّة مسألة عقلية وجدانية عامة لا تختص بدين دون آخر أو معتقد دون غيره، فهي مسألة وجدانية يستعملها الكل في حالات معينة ومواقف اضطرارية موقتة إلى أن يرتفع المانع. 
روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه»( ).
وبما أن أهل البيت الأطهار وشيعتهم مرّوا بظروف عسيرة جداً، وواجهوا أشدّ أنواع العنف والإرهاب الذي لم تشهده أي فئة أو مجموعة; لذا تجد اهتمامهم الكبير بموضوع التقية، وتقنين هذه المسألة والتأكيد عليها وتبيين ضوابطها، ويتبيّن ذلك جلياً من خلال مئات الأحاديث المروية بالطرق الصحيحة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار، والتي سننتقي بعضها:
1- قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : «رفعت عن أمّتي أربع خصال: ما اضطرّوا إليه، وما نسوا، وما أكرهوا عليه، وما لم يطيقوا، وذلك في كتاب اللّه: {{ إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان }}( )» ( ).
2- قال الإمام الصادق رضي الله عنه: «التقية من دين اللّه»، ولقد قال يوسف: {{أيتها العير إنكم لسارقون}}( ) واللّه ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم: {{إني سقيم}}( ) واللّه ما كان سقيماً»( ).
3- روي عن الإمام الصادق رضي الله عنه أنه قال: «إن التقية ترس المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له»، فقلت له: جعلت فداك قول اللّه تبارك وتعالى: {{إلاّ من أكره وقلبه مطمئمن بالإيمان}}( )؟ قال: «هل التقية إلاّ هذا»( ).
4- قال الإمام الصادق رضي الله عنه: «إن جبريل عليه السلام نزل على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد إنّ ربك يقرؤك السلام ويقول لك: إن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم اللّه أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه اللّه أجره مرّتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من اللّه بالجنة»( ).

العلاقة مع الآخر ... والعنف:
الغرائز المودعة لدى الإنسان تنقسم إلى غرائز إيجابية وغرائز سلبية، ولكل واحدة من هذه الغرائز استعمالات إيجابية واستعمالات سلبية. والعنف، من الغرائز السلبية، له استعمال إيجابي واستعمال سبلي:
الاستعمال الإيجابي للعنف، الذي يكون من أبرز مصاديقه القصاص، الذي عبّر عنه القرآن: {{ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب }}( ). 
والاستعمال السلبي للعنف الذي يكون من أبرز مصاديقه استعمال العنف في مقابل الكلمة، واستعماله في مقابل الفكر. قال الشيخ الطوسي: « ... وإنكار المذاهب الفاسدة لا يكون إلاّ بإقامة الحجج والبراهين والدعاء إلى الحق، وكذلك إنكار أهل الذمة»( ).
ولو استطعنا أن ننشر ثقافة حذف العنف في مقابل الفكر والكلمة لدى شعوبنا وأعطيناها الحرّيات الكاملة في التفكير، لاستطعنا أن نضمن استمرار العلاقة مع الآخر السلبي مهما بلغت الفجوة بينهما.

« حكم المرتد ... والعنف »
وأما ما ربما يذكر من الاعتراض على هذا المدّعي بوجود بعض الأحكام الشرعية التي تناقض هذا الادعاء على عمومه، ومن أبرز هذه الأحكام هو مسألة الارتداد. وفي مقام الجواب نشير إلى عدّة نقاط: 
1- إن أصل تشريع الارتداد كان في قبال أشخاص يدخلون الدين الإسلامي في الصدر الأول، ومن ثمّ يتركونه، وكان قصدهم من ذلك إضعاف الدين، فكانت عملية حرب من نوع آخر استعملها المشركون لافشال الدعوة.
2- عند النظر في الروايات المروية عن أهل البيت الأطهار في مختلف أبواب الفقه، وجمع بعضها إلى بعض، نتوصل إلى عامل مشترك كان يؤكد عليه أهل البيت الأطهار، في كثير من الأحكام الشرعية، وهو «تمامية الحجّة»، و«عدم وجود شبهة»، فتكون وراء ارتداد المرتد أمور أخرى ربما يريد أن يستفيد منها العدو، وهو ما يعبّر عنه بالحرب الباردة، فلا يدخل مقابلة هذاالنوع من الارتداد أيضاً في مصاديق مقابلة الفكر والعقيدة، لأنه مع اشتراط وجود «تمامية الحجّة» في البين، و«عدم وجود شبهة»، فإن موضوع الارتداد يخرج بالكلية عن مسألة استعمال العنف في مقابل الفكر والكلمة، لاخراج «تمامية الحجة وعدم وجود شبهة» الفكر والكلمة عن المسألة بالمرة.
3- إن بعض الروايات المروية عن أهل النبي الأطهار قيّدت الارتداد بالجحود: قال الإمام الصادق رضي الله عنه: «كل مسلم بين مسلمين ارتدّ عن الإسلام وجحد محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبوته، وكذبه فإن دمه مباح»( ).
وقال الإمام الصادق رضي الله عنه في حديث: « ... ولا يخرجه إلى الكفر إلاّ الجحود والاستحلال»( ) . وقال أيضاً: «والكفر في كتاب اللّه عز وجل على خمسة أوجه: فمنها كفر الجحود ... ، فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية، والجحود على معرفة، وهو أن يجحد الجـاحد وهو يعلم أنه حق قد استقرّ عنده، وقال تعالى: {{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)( )...»( ).
قال الراغب الأصفهاني: والجحد في اللغة هو: نفي ما في القلب إثباتُه، واثبات ما في القلب نفيُه، قال عزّ وجلّ: {{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم}}( )، يقال: جحد جحوداً وجحداً( ). وقال ابن منظـور: الجحد نقيض الإقرار، كالإنكار والمعرفة، والجحود هو الانكار مع العلم( ). ويؤيّد كل ذلك ويشرحه قوله تعالى: {{ إنّ الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى...}}( ).
العلاقة مع الآخر ... والجهاد:
من أبرز المصاديق التي كانت ولا زالت محلاًّ للاعتراض على مسألة العلاقة مع الآخر، هي مسألة الجهاد في الإسلام، باعتبار أن هذا الحكم يتنافى مع حرية التفكير والمعتقد، ويعتبر المصداق البارز للعنف، وهو العائق الأساس أمام العلاقة مع الآخر.
وقد أشرنا في الفصل السابق «العلاقة مع الآخر ... والعنف»، إلى العامل المشترك الذي يؤكد عليه أهل البيت الأطهار في كثير من الأحكام الشرعية، وهو «تمامية الحجة» ومن هذه الأحكام الشرعية هي مسألة «الجهاد»، التي اشترط فيها الشارع المقدس -وفقاً لمباني مدرسة أهل البيت الأطهار- تمامية الحجة التي لا يمكن أن تأتي إلاّ بواسطة المعصوم الذي يتمثل عند مذهب أهل البيت بالنبي والأئمة الاثني عشر.
فقد روي أن عباد البصري لقي علي بن الحسين رضي الله عنه في طريق مكة، فقال له: يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينه، إنّ اللّه عز وجل يقول: {{إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل اللّه}}الآية( )، فقال علي بن الحسين رضي الله عنه: «أتم الآية»، فقال: {{التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود اللّه وبشّر المؤمنين}}( )، فقال علي بن الحسين رضي الله عنه: «إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج»( ). فإن هذه الصفات، بالأخص قوله تعالى: {{والحافظون لحدود اللّه}} لا يمكن أن يتصف بها كاملة إلاّ المعصوم.
وسواء وافقنا من اعتمد على هذا الرأي في عدم جواز الجهاد بدون إذن الإمام المعصوم الذي بواسطته تكون الحجّة تامة والدعوة كاملة، أو خالفناه وقلنا بالرأي القائل بجواز الجهاد مع عدم وجود الإمام المعصوم; فإن العامل المشترك في القولين هو «تمامية الحجة» و«تمامية الدعوة»، والاختلاف يكون في المصداق الخارجي للتمامية، الذي هو على القول الأول لا يمكن بدون المعصوم، وعلى القول الثاني امكانه مع غير المعصوم . قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «يا علي، لا تقاتلن أحداً حتى تدعوه إلى الإسلام، وايم اللّه لئن يهدي اللّه عز وجل على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي»( ).

العلاقة مع الآخر ... وفتاوى التكفير:
لم يباعد المسلمين فيما بينهم، ولم يمزق الأمة الإسلامية، ولم يسبب النفرة والتنافر بين المسلمين، إلاّ تلك الفتاوى التي تصدر بين الحين والآخر، تكفر المسلمين، وتمزّقم اشتاتاً متباعدين متباغضين. العلاقة مع الآخر فيما بين المسلمين لا يقدّر لها النجاح ما لم نقف أمام هذه الفتاوى .
كانت هذه الفتاوى التكفيرية على مرّ العصور أكثر ما تكون أداة بيد الساسة الذين بيدهم زمام الأمور، يستعملونها لتمشية أغراضهم السياسية، ولم تكن مقتصرة على تكفير الشيعة، بل كانت تستعمل فيما بين سائر فرق المسلمين، وكانت تزهق أرواح الأبرياء بسبب هذه الفتاوى التي كانت للسياسة الدور الفاعل في تحريكها.
إن فتاوى التكفير لا تستعملها إلاّ الفرق المتطرفة من بين فرق المسلمين، وهؤلاء هم الذي جرّوا الويلات على الإسلام والمسلمين على مرّ العصور، وكانوا السبب وراء الفتن الطائفية، ووراء العنف الذي يحدث بين المسلمين، والذي لا نشك أن أيادي أعداء الإسلام والمسلمين وراء كل هذه الفتاوى، لتجعل من المسلمين أمة متناحرة متنافرة ضعيفة، يمكن الاستيلاء على خيراتها وبركاتها بسهولة.
ولا بدّ لأصحاب الكلمة ومن بيدهم زمام الأمور من المخلصين ممن يدعون إلى الوسطية في الإسلام ويريدون كل الخير لهذه الأمة، لا بدّ لهم من عقد مؤتمرات مختصّة لمعالجة بادرة فتاوى التكفير والوقوف أمامها.

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.