أ. فاطمة سعيدي
توطئة:
عندما نقرأ في سورة لقمان تلك الوصايا الثمينة من أب لولده يعطيه فيها عصارة تجربته في الحياة وأوصاه بالتزام التوسط والاعتدال ويظهر ذلك واضحا في قوله عز وجل... وأقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير...وكانت هذه الوصايا في اطار أسري يعكس أهمية الوصايا وأهمية الإطار .
إذ تعتبر الأسرة المركز الأساسي في بناء مجموعة القيم عند الفرد وهي المؤسسة التي تتولى مهمة نقل القيم من جيل إلى جيل عبر الزمان والمكان ولهذا أولاها الإسلام أهمية كبرى ووضع القواعد الضرورية لبناء هذه المؤسسة المهمة والتي هي آية من آيات الله في هذا الكون ... ومن آياته خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها... بداية بالاختبار وانتهاء بتقديم النموذج.
1- الاختيار: في تكوين الأسرة... تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس.
2- توفير مقومات الاستقرار والاستمرار: الرحمة، والسكن، والمودة، المعاشرة بالمعروف، القوامة والشورى، والمسؤولية، حقوق وواجبات الزوجين... كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته...
3- المعالجات: الطلاق، الخلع، الحضانة
4- تقديم النموذج: حياة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته... خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي... كل هذه العوامل يقدمها الإسلام واضحة من أجل أن تستمر هذه المؤسسة في أدوارها عبر الزمان والمكان إننا لما نتكلم عن قيم الوسطية والاعتدال الي يجب أن ننشرها داخل أسرنا وفي المجتمع نريد أن نشير الى أسباب ومظاهر الغلو والتطرف على مستوى الفكر والسلوك داخل الأسرة والتي من بينها:
• انتشار ظاهرة الانتحار عند المراهقين والشباب: والتي تعد مظهر من مظاهر التطرف إذ يلجأ من يشعرون بالإحباط والتهميش والإقصاء إلى وضع حد لحياتهم.
• ظاهرة الهروب من البيت والمدرسة: يلجأ الأطفال إلى الهروب من البيت بسبب النزاعات الأسرية أو مشاكل في الدراسة ويشكلون شريحة جديدة وهي أطفال الشوارع وهي معرضة لجميع الأخطار(التسول، السرقة، المخدرات..)
• انتشار العنف اللفظي والجسدي : وانتشار ظاهرة السب والشتم وأحيانا لأتفه الأسباب وانتشاره في الأنشطة الرياضية في الملاعب بما يسمى عنف الملاعب/ في المدارس سواء بين الطلاب أو بين الطلاب والمعلمين.
• ظاهرة الانخراط في شبكات الإجرام والمخدرات: ظاهرة جنوح الأحداث في سن مبكرة جدا نتيجة الخروج المبكر من المدرسة بما يسمى التسرب المدرسي .
• ظاهرة الانخراط في التيار التكفيري عند الشباب والعمل المسلح والتنصر.
ولعل هذه المظاهر هي نتائج لأسباب نذكر منها:
1- على مستوى الأسرة
• سوء استعمال مفهوم القوامة: يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: فالرجل رب البيت والقيم على الأسرة بيد أنه في أغلب الأحيان تصبح الرياسة لون من ألوان الفرعونية والإنفراد بالسلطة فلا تفاهم ولا شورى... فالقوامة التي أقرها الاسلام للرجل ... الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم... ولا يكون هذا الإقرار سببا في المساس بكرامة المرأة وإهانتها والدوس على شخصيتها وحقوقها عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها بآخر...
• تفكك الأسرة : الطلاق وفقد الأبناء الذي كان يجمعهم
• الشقاق المستمر داخل الأسرة : فقد يتعامل أفراد الأسرة مع الجمادات أكثر من تعاملهم مع بعضهم البعض عن طريق الهاتف/ التلفاز/ الاتصال عبر النت وذلك لغياب الحوار داخل الأسرة الذي يجسده التفاهم والتعاون.
• الإفراط في القسوة في التربية: فالقسوة البالغة تعود على الخوف والجبن والكذب والتحايل للنجاة من العقاب.
يقول ابن خلدون في مقدمته : من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها وحمله على الكذب والجبن خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة ولذلك صارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له...
• الإهمال وتخلي بعض الأسر عن أدوارها في الرعاية والتربية وتوكل ذلك الى المدرسة والشارع.
• الاختلال في التوازنات الاجتماعية : تقلص الطبقة المتوسطة وتوسع الهوة بين طبقتين اجتماعيتين طبقة غنية وطبقة فقيرة.
2- خارج الأسرة
• التخلف العلمي وانتشار الأمية غياب رؤية تجديدية عند الحركات الإسلامية.
المعالجات: -ايجاد وتفعيل فضاءات ومساحات التواصل
أ- الفضاء الأول : بين العلماء والأمة من أجل نشر الفهم الصحيح للإسلام والسلوك الصحيح
ب- البرامج الموجهة للأسرة:
ج- العلماء
د. الإعلام
ه- الحكومات
• إنشاء مراكز التوجيه الارشاد الاسري
• التحسين المستمر للاوضاع المعيشية للأسر
• توفير الأجواء المساعدة على التربية
ح0 الواجبات الأسرية الملزمة
المادة 36 من قانون الاسرة الجزائري المعدل ولمتمم بالامر رقم 5-1 في 27 فيفري 2005 :
يجب على الزوجين :
• المحافظة على الروابط الزوجية وواجبات الحياة المشتركة
• المعاشرة بالمعروف وتبادل الاحترام والمودة وحسن تربيتهم
• التشاور في تسيير شؤون الاسرة وتباعد الولادات
• المحافظة على روابط القربة والتعامل مع الوالدين والاقربين بالحسن والمعروف
• زيارة كل واحد منهما لأبوية وأقاربه واستضافتهم بالمعروف
تنشئة الابناء على القيم السمحة والوسطية والاعتدال :
ذكرنا سابقا ان كثيرا من الاسر بسبب عوامل مختلفة اصبحت الوظيفة الاساسية لها ( من تربية الابناء على القيم ومحاسن الاخلاق والفضائل ) مهمة ثانوية اوكلت الى الشارع او المدرسة او وسائل الاعلام وهذا خطر كبير وجب ان ننبه اليه لتعود الامور الى نصابها
1. التنشئة على الوسطية في التفكير : التدريب على المرونة فالأمور ليست كلها سوداء وليست كلها بيضاء
• توظيف العقل في الحكم على الاشياء باستعمال الموازنات
• العدل في الحكم على الامور حتى على من خالفنا في الرأي
• نقول للمحسن احسنت وللمسئ اسأت
• عدم التعصب للرأي على قاعدة ... رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب
• نتعاون فيما تفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه
• الاختلاف لا يفسد للود قضيه
2- الوسطية في السلوك : الوسطية في التعامل مع الآخرين / التسامح والتنازل / رحمة الصغير وتوقير الكبير
3- الوسطية في نمط العيش : الإعتدال في المأكل والمشرب والملبس ( نوعه وشكله وقيمته ) والإعتدال في النفقات والمصاريف......... ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط ...والتعويد على القناعة والرضا بما اعطاه الله له وعدم اللجوء الى اسلوب المقارنات بين العائلات والاقران
4- الوسطية في العلاقات الاجتماعية :
• صلة الارحام وذوي القربى ( أهل الزوج وأهل الزوجة معا احيانا نجد الزوجة لا تصل ارحام زوجها واقاربه والعكس وتنشأ قطيعة الرحم عند الابناء نتيجة عدم العدل في هذا الامر )
• التعامل مع الجيران : قطيعة الجيران بسبب مشكلة او ......
• المعارف والاصدقاء خاصة لدى الابناء : فلا انطوائية وعزلة ولا علاقات بلا حدود ولا ضوابط اي حسن اختيار الاصدقاء بما فيها ( اصدقاء النت )
5- الوسطية والاعتدال في تربية الابناء :
• عدم استعمال القسوة في تربية الابناء / العدل بينهم( قضية الميراث للبنت )
• التعاون والمسؤولية المشتركة للوالدين في تربية الابناء ( ليست الام وحدها المسؤولة عن تربية الابناء )
• الحوار داخل الاسرة : حول مختلف القضايا وإشعار كل فرد في الاسرة انه مهم وله رأي محترم
• توفير جو من المودة والرحمة والسكن داخل الاسرة حتى تنتقل هذه المعاني الى الابناء وهم يبنون اسرهم في المستقبل وان لا يتأثر افراد الاسرة بالافكار الغربية حول استقلالية الابن او البنت بمجرد وصوله السن القانونية للرشد
6- الوسطية في الحب والبغض :
• الحب في الله / حب الله ورسوله والصحابة والتابعين والعلم والعلماء والمقدسات
• وإننا لا نبغض اليهود لأنهم يهود ولكن لاغتصابهم الارض والمقدسات وظلمهم وجورهم
الوسطية في :
- في تنظيم الوقت :
بين الدراسة والعمل / وقضاء شؤون البيت / الرياضة / مشاهدة التلفاز او النت / المسجد / حتى لا تنقلب الحياة الى فوضى مع تقدير الوقت واحترام المواعيد (ساعة وساعة) ، ( إن لبدنك عليك حقا)
• التنشئة على الوسطية (حب الذات وحب الغير ) : .... لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ....
التنسئة على التعاون والسعي لقضاء حوائج الناس والتدريب على الخدمة والتطوع
وإذا كانت هذه بعض القيم التي يجب ان تغرسها الاسرة وتعيش بها وتنشرها في الاسر الاخرى فإنه هناك قيم اخرى يمكن ان ننشرها كأفراد نساء ورجال وكمؤسسات نذكر منها :
• الاعتدال في الانفتاح على ثقافات المجتمعات الاخرى : حتى لا يفقد المجتمع مميزاته وهويته انتمائه ولا يذوب في تقاليد اخرى
• وللاعتدال بين دعاة التحرر ودعاة التزمت : لا للمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة ، لا للصراع ولا للتضاد ، لا للإقصاء والتهميش والعلاقة بين الرجل والمرأة مبنية على التكامل في الادوار .. بعضكم من بعض .. لا على الصراع وتبادل المواقع .
• وللمرأة ان تشارك ف كل شؤون الامة فيما تعلق بالعمل والسياسة والجهاد والدعوة والبيع والشراء والتجارة وطلب العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمشاركة في اعمال البر والخير او المعاملات المختلفة ولا مانع الا ما منعه الشرع ونظمه القانون .
ابحث
أضف تعليقاً