
إن انتشار وسائل وآليات إفساد الشباب وانحرافهم يطرح بشدة أهمية التربية الدينية للأبناء ودور الأسرة وغيرها في تثبيت قيم الهوية الأصيلة.
وحسب المختصين في التربية الأسرية فإن التربية الدينية للأبناء ينبغي أن تبدأ في وقت مبكر من عمر الطفل وتتدرج معه حسب مراحله العمرية، كما تختلف وسائلها باختلاف هذه المراحل مع مراعاة التغيرات التي يعرفها المجتمع والعالم بأسره.
ولا ينبغي إغفال دور بعض الجمعيات التي تساعد الأسر في ترسيخ القيم الدينية لدى الأطفال مما يساعد على وقايتهم من الوقوع في مصيدة قد تكون موقعا إلكترونيا أو أي جهة تريد للناشئة الانسلاخ من هويتها.
وفي الوقت الذي يجد فيه بعض الأبناء من يحميهم ويربيهم على قيم دينهم، فإن فئة عريضة تقع فريسة للاتدين نتيجة إهمال أسرها أو تشددها.
الأسرة اللبنة الأولى
مصطفى أمجكال فاعل جمعوي بمدينة مراكش ومهتم بقضايا الشباب يرى أنه بالرغم من أن الأسرة هي اللبنة الأولى لتلقين التربية الدينية للأبناء إلا أنها إذا زاغت عن مسارها الصحيح فإنها قد تؤدي إلى ضعف التدين أو اللاتدين وخاصة إذا اتسمت معاملتها بالعنف وقال في تصريح لـ “جديد بريس”: “إن الأسرة هي اللبنة الأولى لبناء الجيل والمجتمع القوي المتماسك، إنها المدرسة الأم لبناء الشخصية المتوازنة لدى الناشئة، وهي المسجد الأول الذي يزرع قيم التدين والإيمان بالله تبارك وتعالى، إلا أن كثيرا من الأسر لا تنتبه لموضوع التدين ، ولا ترعاه بالاهتمام اللازم مناقشة وحوارا وتفهما بين الأبناء، فالتدين عند معظمها وراثة ومحصلة إيمانية بالفطرة، توارثتها عبر تاريخ التدين الطويل الممتد منذ خمسة عشر قرنا، لقد ورثته بالقوة العقدية ونافحت عنه بغيرة وحمية، ويتجلى ذلك في الكثير من الأحيان في التحذير من السؤال المتعلق بالوجود الإلهي والغيب والجنة والنار، بل قد تصير الأمور في بعض الأحيان إلى القمع والضرب والتخويف بدعوى تجاوز حد الإيمان”.
وأوضح أمجكال أن: “التساؤل من أبرز مظاهر الاستقلالية لدى الشخصية المتوازنة، فبالسؤال تتوسع المدارك وترسخ القيم وتتقوى القناعات، والقرآن الكريم خير دليل على ذلك، فقد حكى لنا قصة إبراهيم عليه السلام مع ربه وخالقه سبحانه وتعالى حين سأله عن كيفية إحياء الموتى: قال تعالى “وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم”. وأضاف المتحدث نفسه أن مسألة الاطمئنان إلى المعتقد وإلى الدليل من المسائل التي تغيب كثيرا داخل منظومتنا التربوية، سواء الأسرية أو التعليمية على وجه أعم، ففي الغالب نمارس دور الآمر الناهي، الذي لا يجوز في حقه إلا السمع والطاعة والخضوع، أو دور القاضي الذي يحكم ويعاقب دون مراعاة تلك الأمواج الهائجة من التساؤلات والأفكار والشبهات التي كلما حاولنا غض الطرف عنها كلما ازدادت توهجا وتوقدا حتى تصير ردود أفعلا عكسية وقاسية، تارة بعدم الرغبة في التدين وتارة أخرى باعتقاد ان الدين لا يقدم الأجوبة الشافية والمقنعة”.
افتقاد الجواب
يقوم كثير من الأبناء وخاصة من هم في سن المراهقة أو الشباب بردود فعل قاسية إذا لم يجدوا الآذان الصاغية والأجوبة المقنعة لهم بخصوص الدين الذي ينتمون إليه وفي هذا السياق قال مصطفى امجكال انطلاقا من حواراته مع بعض الشباب: “إن كثيرا ممن حاورناهم في موضوع اللاتدين والأسباب التي أدت بهم إليه، كان الجواب واضحا: لم نجد الأجوبة المقنعة والقاطعة”، وأضاف أنه: “بمزيد من البحث والحوار يتضح أن المشكل بدأ منذ الطفولة حينما تعرض للقمع أو الضرب بمجرد السؤال: من هو الله؟ لماذا لا نراه؟ من خلق الله؟ وغيرها من الأسئلة التي لا يزال كل طفل يسألها بمجرد ما يبدأ في استشعار الوجود من حوله”.
الأمن الديني
أثار الفاعل الجمعوي مصطفى أمجكال الانتباه إلى ضرورة توفير الأمن الديني للأبناء داخل الأسرة وإلى أهميته إلى جانب توفير المأكل والمشرب والملبس وقال: “إن دور الأسرة كبير وكبير جدا في المساهمة في احتواء معضلة اللاتدين، وذلك من خلال ما يلي:
أولا: الحرص على ترسيخ ثقافة الحوار والنقاش بين أفراد الأسرة في ما يتعلق بجانب العقيدة والدين والمعاملات، فعندما يجد الطفل البيئة التي تساعده على الفهم
والتفكير، فإن تلك البيئة تساعده على خلق التوازن الفكري المعرفي لديه، وسيكون قادرا في ما بعد على البحث والنقاش بدل الكبت والهروب.
ثانيا: لا مجال للقمع والتخويف والضرب وغيرها من الوسائل التي ترسخ فكرة الهروب من حضن الأسرة بدعوى قصور فكرها الديني وجهلها بأحكامه، ومن ثم البحث عن مصادر أخرى للتدين والتي في الغالب تكون من مواقع التواصل الإلكتروني كمواقع الإلحاد والتنصير أو حتى مواقع الإرهاب والتشدد.
ثالثا: إن الأسرة عليها من الأعباء الشيء الكثير، فتخصيص وقت للبحث والمعرفة والقراءة في مجال الدين الصحيح والأدلة العلمية واليقينية لا يقل أهمية على استفراغ الجهد في جلب أنواع المآكل والمشارب والملابس، فإن الأمن الديني للأبناء هو أقوى الضمانات التي من خلالها نكون الفرد الصالح للمجتمع الصالح، بعيد عن الغلو والتطرف أو الانحراف والتميع”.
التبكير
أكدت عزيزة شبلي أستاذة التربية الأسرية بالدار البيضاء في حديث لـ “جديد بريس” أنه كما يحرص الوالدان على التربية النفسية والاجتماعية للطفل منذ نعومة أظافره، كذلك يجب التبكير بالتربية الدينية التي تنطلق مع بدء النطق بكلمات إذ يتم تعليمه النطق باسم الله وتعليمه الأكل باليمين وتلقينه بعض الأدعية عند اللبس أو الدخول والخروج.
وأضافت شبلي أن التربية الدينية تستمر عبر ترسيخ القيم الإسلامية للطفل مع تقدمه في السن إذ يتم الحديث معه عن وجود الله، وتعليمه السلام والتواضع وحب الآخرين.
وعند بلوغ خمس سنوات، تقول أستاذة التربية الأسرية نفسها، يكون الطفل قد حفظ بعض الأدعية من قبيل دعاء النوم أو ركوب السيارة، ودخول الخلاء والخروج منه، وذلك عن طريق التلقين المباشر أو عبر قراءة القصص التي تحتوي على الأدعية.
وشددت شبلي على ضرورة الانتباه لمسألة القدوة الوالدية، سواء في أداء الصلوات في وقتها أو الكرم أو الإقبال على القرآن الكريم، فبهذا ينشأ الطفل تلقائيا في جو إسلامي يقيه من اللاتدين.
وعند ست وسبع سنوات، حسب المتحدثة، يتم توجيه الطفل إلى أداء الصلاة برفق بعد أن كان يقتصر على الوقوف بجانب أمه أو أبيه أثناء أداء الصلاة.
أما المرحلة الأصعب في تثبيت التدين فهي مرحلة المراهقة والتي دعت الأستاذة عزيزة شبلي إلى التحلي باللين تجاه أبنائهم وهم يغرسون فيهم قيم الوسطية والاعتدال، كما حثت الآباء على استحضار القاعدة التربوية التي مفادها ملاعبتهم سبعا ومصاحبتهم سبعا وترك الحبل على الغارب، مشيرة إلى أن معنى المصاحبة أن تتحول علاقة الوالدين مع أبنائهم من علاقة لغتها الأوامر إلى علاقة لغتها الاستشارة وطلب الرأي، كما نبهت إلى ضرورة مناداة الأبناء بصفات تقربهم ولا تبعدهم من قبيل: “يا حبيبي” و”يا ولدي” بدل صفات منفرة موروثة من قبيل: “يا عفريت” أو غيرها، ودعت إلى ترك اللغة الجافة في التعامل مع الأبناء خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الحديثة التي قد تنتزع الأبناء من آبائهم انتزاعا إن لم يحتضنوهم، وفي ظل انتشار لغة الحريات والحقوق وانتشار منافسي الأسرة في التربية على اختلاف أنواعهم ومشاربهم.
دور الجمعيات
إن بعض الجمعيات تقوم بأدوار لا يستهان بها في إعانة الأسر على تربية أبنائها سواء تعلق الأمر بالتربية السلوكية أو المعرفية، وكذا التربية الدينية، وفي هذا الصدد تحدث لـ “جديد بريس” مسؤول فرع تمارة لجمعية الرسالة للتربية والتخييم عزيز عساوي، وهي جمعية وطنية لديها حوالي ستين فرعا على المستوى الوطني، مؤكدا على دور الجمعية في ترسيخ قيم الإسلام وقال: “أخذت جمعية الرسالة للتربية والتخييم على عاتقها منذ التأسيس وفي إطار شعارها “أمر التربية هو كل شيء وعليه يبنى كل شيء” العمل والمساهمة في تنشئة الفرد طفلا جسميا ونفسيا وفكريا وفق الهوية الحضارية الإسلامية… هذه الغاية التي تشكل منطلق عمل الجمعية تبلورت في عدة مظاهر وعلى عدة مستويات تجلت أساسا في تحقيق هدف التربية المباشرة من خلال ترسيخ المبادئ والقيم والأخلاق الإسلامية، وكذلك التربية الموجهة من خلال دفع الناشئة للمشاركة والإبداع وتمتيعه بحقوقه الأساية، فكل هذا يترجم من خلال برنامج مضبوط ومؤطر بالمنهاج التربوي للجمعية الذي يعد مرجعا رئيسيا للعمل التربوي الرسالي الذي يتضمن أنشطة موزعة على حصص وفقرات تعتمد على القرآن الكريم والتوجيه التربوي المناسب بالإضافة إلى مكونات أخرى تحقق الهدف بشكل غير مباشر”.
وأضاف المتحدث نفسه أن “الجمعية تقسم أنشطتها إلى نوعين رئيسيين: الأول الأنشطة العادية خلال الموسم، والثاني أنشطة المخيمات للأطفال. وكل هذه الأنشطة ترتكز على زرع القيم الإسلامية وترسيخها. وكنموذج نسوقه يتم تنظيم نادي القرآن الكريم والسيرة النبوية بشكل أسبوعي يستفيد منه الأطفال بشكل راتب، والنموذج الثاني في المخيمات الصيفية التي تعرف تنظيم أوقات الصلاة وفقرة في رحاب المسجد التي يتلقى فيها الطفل المستفيد توجيهات تصب في العقيدة والعبادات والقيم والمعاملات وتنمية الشخصية. بالإضافة إلى تنظيم مسابقات في القران الكريم والحديث النبوي الشريف والسيرة النبوية وتشجيع الأطفال على ذلك”.
ولم يفوت المسؤول الجمعوي الفرصة للتذكير بأن الجمعية بقدر ما تحرص على ترسيخ القيم الإسلامية تهتم أيضا بترسيخ قيم المواطنة لدى الناشئة قائلا بهذا الصدد: “من بين أهدافنا تنشئة الفرد تنشئة متكاملة ومتوازنة والمساهمة في تكوين الإنسان الصالح لخدمة الوطن والأمة… فكيف لنا ذلك دون ترسيخ القيم الإسلامية والإنسانية في نفوس الناشئة؟ فمن خلال التنشيط التربوي والتثقيف والمصاحبة والمشاركة يكتسب الطفل هذه القيم ويتربى عليها في بيئة تربوية سليمة لا تتوفر إلا بتوفر أطر ومربين ومربيات أكفاء ومتخصصين في هذا المجال
ابحث
التعليقات
مقال مفيد
مقال مفيد
اللهم أصلح أبناءنا وكافة
اللهم أصلح أبناءنا وكافة أبناء المسلمين يا الله
الإسلام دين دلنا على كل خير
الإسلام دين دلنا على كل خير ودعانا إليه ، وحذرنا من كل شر ونهانا عنه، دعا الناس إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن أضدادها ووعد من زكى نفسه بالفوز والفلاح كما في قوله تعالى ( قد أفلح من زكاها ) صدق الله العظيم.
وهذه التزكية عبارة عن التربية التي وصى بها القرآن الكريم في معظم آياته كما في قول الله تعالى:( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة) صدق الله العظيم.
وقد أولى الإسلام رعاية كبيرة للشباب من حيث تربيته وتنشئته على الخير والصلاح وحمايته ووقايته من الشر والفساد.
اللهم احم أولادنا وشبابنا من كل شر وفساد ونور بصيرتهم بالعلم والدين والقرآن الكريم.
أضف تعليقاً