
من ملامح الوسطية في الفكر الإسلامي
معالي الأستاذ عصام أحمد البشير
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمد العارفين لفضله، المقرين بآلائه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وسيد أوليائه، وعلى آله ومن استقام على شرعته ومنهاجه، ثمّ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأنتم تجتمعون لمناقشة قضايا الأمة استهداءً بكتاب الله، واستضاءة بسنته.
أولاً : مصطلح الوسطية المعنى والدلالات
إن مصطلح الوسطية من المصطلحات التي عدت عليها العاديات( ) وجارت عليها النائبات فأخرجتها عن معناها الإسلامي الأصيل، وأبعدتها عن كونها أخص خصائص منهج الإسلام في الفكر والحياة والنظر والممارسة والتطبيق والقيم والمعايير والأصول ... إلى معانٍ أبعدت النجعة عن فحواها، وخالفت أصل مسماها وما عادت تمت إلى الوسطية بصلة، ولا تتعلق فيها بسبب، الأمر الذي أوجب العناية بالمصطلح واستجلاء معانيه اللغوية والإصلاحية.
1- المعنى اللغوي:
قال ابن منظور: مقاييس اللغة (الواو والسين والطاء) : بناء صحيح يدل على العدل والنصف، وأعدل الشيء أوسطه ووسطه، قال الله عز وجل :{أمة وسطاً} ويقال: ضربت وسَط رأسه بفتح السين، ووسْط القوم بسكونها وهو أوسطهم حسباً إذا كان في وسط قومه وأرفعهم محلاً. قال ابن منظور : وسط الشيء ما بين طرفيه ، قال أعرابي :إذا رَحَلْتُ فاجعلوني وسطاً * إني كبير لا أطيق العنادا
أي اجعلوني وسطاً لكم ترفقون بي وتحفظونني، فإني أخاف إذا كنت وحدي متقدماً لكم أو متأخراً عنكم أن تفرط دابتي أو ناقتي فتصرعني ( )، وقال : "وسط الشيء أفضله وأعدله ( ).
يقول الفيروز آبادي: " الوسط، من كل شيء أعدله { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} أي: عدلاً خياراً ( )، قال زهير في المدح :
همو وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت إحدى الليإلى العظائم
وينقل ابن منظور عن أحد الأعراب مخاطباً الحسن قوله : "علمني ديناً وَسُوطا، لا ذاهباً فروطاً، ولا ساقطاً سقوطاً . ويعلق قائلاً :"الوَسوط هنا المتوسط بين الغالي والتالي، ألا تراه قال: لا ذاهباً فروطاً !! ب/ المعنيل وهو أحسن الأديان، ألا ترى إلى قول على رضوان الله عليه : خير الناس هذا النمط الأوسط يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي !"( ).
2- المعني الاصطلاحي :
الوسطية في المصطلح تعني حالة محمودة تعصم الفرد من الميل إلى جانبي الإفراط والتفريط، أو " هي التوازن والتعادل بين الطرفين، بحيث لا يطغى طرف على آخر ، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، وإنما إتباع للأفضل والأعدل والأجود والأكمل.
كما يُعبّر عنها أيضاً بـ التوازن الذي يعطي كل ذي حق حقه دون طغيان أو إخسار أو وكس أو شطط كالأطراف المتقابلة مثلاً أو المتضادة: الروحية والمادية، والفردية والجماعية ، والواقعية والمثالية، والثبات والتغير وما شابهها، ومعنى التوازن بينهما: أن يفسح لكل طرف منها مجاله، ويعطي حقه بالقسط أو بالقسطاس المستقيم.
ثانياً : الوسطية في القرآن الكريم والسنة المطهرة
الوسطية في القرآن الكريم :
وردت لفظه وسط ومشتقاتها في القرآن الكريم في مواضع منها :
وسطية الشعائر: في نحو قوله تعالى {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً}( ).
وسطية الإنفاق: في نحو قوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}( ). وقوله تعالى : {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط}( ).
وسطية السلوك: في نحو قوله تعالى: {واقصد في مشيك واغضض من صوتك}( ). وقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}( ).
وسطية المعاملات: في نحو قوله تعالى: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط}( ).
وسطية القضاء: في قوله تعالى : {فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا}( ).
وسطية الخيرية: في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً}( ). وقوله تعالى: {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون}( ).
وسطية الزمان: في قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}( ). وهاهنا وسطية زمان لا يضيرها إن كان المعنى صلاة الفجر أو صلاة العصر (وهو الراجح) أو غيرهما من الصلوات كما جاء في التفاسير، إذ أن المقصود الإشارة إلى الزمان لا غير.
وسطية المكان: في نحو قوله تعالى : {فوسطن به جمعاً}( ). بالإشارة هنا إلى وسطية المكان إذ بعثرته الخيل وبعثرته في مكان ما - توسطت جمعاً ففرقته وبعثرته .
الوسطية في السنة المطهرة :
ورد في السنة من الروايات ما يدل على هذه القاعدة باللفظ أو المفهوم. منها :" إن الدينقال: ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة( ). ومنها الدعاء:"وأسألك القصد في الفقر والغني، والعدل في الغضب والرضي"( ). ومنها " أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكن أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"( ).
ومنها حديث أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفطر من الشهر حتى نظن أنه لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أنه لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته ولا نائماً إلا رأيته "( ). وقالوا أيضاً قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: " ما هذا الحبل؟ " قالوا: هذا الحبل لزينب إذا فترت تعلقت به، فقال: "حلوه، فليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد"( ). وفي الأخرى :" فإذا نَعَستِ فنامي".
وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: دخلت على خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية وكانت ثم عثمان بن مظعون، فرأي بذاذة هيئتها فقال لي: "يا عائشة ما أبذ هيئة خويلة؟" . قالت: فقلت: يا رسول الله امرأة لا زوج لها تصوم النهار وتقوم الليل نهي كلا زوج لها فتركت نفسها وأضاعتها. قالت : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن مظعون فجاءه فقال: "يا عثمان أرغبت عن سنتي؟". قال: لا والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب. قال: "فإني أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان فإن لأهلك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، فصم وأفطر وصل ونم"( ).
ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي. فرأي سلمان أم الدرداء وهي شعثة فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار، فقال سلمان: " إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه، قال صلوات الله وسلامه عليه: "صدق سلمان".
ومنها : ما جاء في وصية أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه لابنه الحسن عند وفاتـه: (واقتصد يا بني في معيشتك، واقتصد في عبادتك، وعليك بالأمر الدائم الذي تطيقه) .
ثالثاً : واجهات الوسطية
فوسطية الإسلام لا تقتصر على جانب من جوانب الحياة محدد، وإنما هي شاملة لكل شعب من شِعابها، مطلة على كل أفق من آفاقها مهما رحب واتسع وامتد.
أولاً : وسطية في الفكرة والحركة :
وتتمثل في وسطية العقيدة للعمارة. فطرة، والعبادة الدافعة للعمارة..
فعقيدة الإسلام هي عقيدة الفطرة: سماحة ووضوحاً واستقامة وعدالة وبساطة، بعيداً عن انحرافات اليهود الذين قالوا: يد الله مغلولة، وإشراك النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله. وجفاء الماديين الذين ينكرون الغيب، وشطحات على النيين الذين لا يعيشون "الشهادة".
ومعالم الوسطية في العقيدة الإسلامية ترتكز على :
إن وسطية الشعائر في الإسلام يجسدها قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون}(سورة الجمعة 9،10) فالتكاليف ليست كثيرة ولا شاقة، كما أنها لا تتعارض مع متطلبات الحياة من سعي لرزق وكدح لتأمين معاش ونصب لتوفير حاجة، وجهد لتحقيق عمارة، وبذل لقيادة ركبٍ، وإنشاء حضارة.
كما أن وسطية الشعائر ماثلة في قواعد التشريع أيضاً، إذ أن العديد من القواعد الفقهية التي وضعها الأئمة الأعلام لضبط الفروع الفقهية جاءت مُعبرة بشكل واضح عن هذه الوسطية. ومن ذلك: المشقة تجلب التيسير. *الضرورات تبيح المحظورات. *ارتكاب أخف الضررين. *الاضطرار يرفع االبراءة. *الضرر الخاص يتحمل لصالح رفع الضرر العام. *الأصل في الذمة البراءة. * الأمر إذا ضاق اتسع.
فهذه القواعد تحقق التوازن الدقيق والضبط المحكم الذي يعصم من الميل نحو أحد طرفي المعادلة. إنه التوازن الذي أقام الله عليه بناء الكـون كله:{والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون }.
ثانياً : وسطية في المنهج :
وهذه تبدت في أمور منها :
فرسالة الإسلام هي "الرسالة التي امتدت طولاً حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضاً حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقاً حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة. إن الإسلام رسالة لإصلاح المجتمع، وسياسة الدولة، وبناء الأمة، ونهضة الشعوب، وتجديد الحياة، تماماً مثلما أنه عقيدة وشريعة، ودعوة ودولة، وسلام وجهاد، وحق وقوة، وعبادة ومعاملة، ودين ودنيا.
إن التصور الإسلامي الصحيح يدرك أن تكاليف الإسلام ليست كلها على درجة واحدة من الأهمية، بل فيها ما هو فرض وما هو ناقلة، فيها المتعدي النفع وفيها اللازم، ومنها ما هو كلي ومنها ما هو جزئي، والنظرة الوسطية تقتضي أن نقدم الفرض على النافلة، والمتعدي النفع على اللازم، والكلي على الجزئي.
إن معرفة الأولى وإنجازه وتقديمه على ما هو دونه في الأولوية، أمر في غاية الأهمية، وغيابه يوقع الناس في الكثير من السلبيات التي من أهمها:
فغاية الدعوة إلى الله هي الوصول إلى المثل الأعلى والوجه الأسمى لتطبيق الدين في واقع الناس، لكن النظرة الوسطية تدعو لمعرفة الواقع المعاش والتفكر في مرحلية التدرج به من حاله التي هو عليها إلى الحالة المنشودة والغاية المبتغاة.
المرحلية تتطلب منا أن نعرف أولوياتنا ونرتب أسبقياتنا حتى لا يكون السعي بعيداً عن الواقع، عديم التأثير، صاداً عن سبيل الله، بعيداً عن روح الإسلام وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالصلاة والصيام والزكاة كلها مرت في فرضها بمراحل حتى استقرت على الوضع الذي انتهت إليه، وتحريم الخمر وتشريع الجهاد كل ذلك روعي فيه التدرج والمرحلية، ومما قرره العلماء أن التطبيق العملي للشريعة الإسلامية يجب أن يراعي فيه التدرج بخلاف الفكرة التي يطلب فيها الشمول والإحاطة. وفرق بين النظرية والتصور، والتطبيق والإنفاذ، وحال الاستضعاف غير حال الاستخلاف، وعهد التكوين غير عهد التمكين. وموضع الأقدام غير موضع الأحجام، والمبدئيات غير المرحليات.
فالإسلام وسط في الأخلاق والسلوك بين غلاة المثاليين الذين تخيلوا الإنسان ملاكاً فوضعوا له من القيم والآداب ما لا يمكن أن يدركه، وبين غلاة الواقعين الذين حسبوه حيواناً فأرادوا له من السلوك ما لا يليق به، "فأولئك أحسنوا الظن بالفطرة الإنسانية فاعتبروها خيراً محضاً، وهؤلاء أساؤوا بها الظن فعدوها شراً خالصاً"( )، والإنسان إنما هو قبضة من طين، ونفخة من روح، أودع الله -جل وعلا- فيه عقلاً وجسداً وروحاً، وجعل غذاء العقل المعرفة، وغذاء الجسد الطعام، وغذاء الروح التذكية، وغذاء الوجدان الفن الراقي، كما أوجد له سبحانه: باهرات المعارف، وطيبات الطعام، وزاكيات العبادات، وراقيات السماع، والعاقل من يضرب في كل غنيمة بسهم، ويقطف من كل بستان زهرة، ويلبي حاجة الفطرة بما أمر الله، والمقصود من يضيع حاجة من حاجات الفطرة فيختل بناؤه ويضطرب تكوينه.
وفي واقعنا المعاش من يرى المجتمع المسلم مجتمع نسك وعبادة وجد وعزم وحسب، لا يصح لسنٍّ فيه أن تضحك، ولا لبهجة أن ترتسم على وجوه الناس، كما يوجد أولئك الذين أذابوا الحواجز بين المشروع والممنوع، والحلال والحرام. فجعلوا الحياة لهواً ، وأهدروا العمر سدى، والحق وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، ودعوة للتوسط في الأخلاق والسلوك، وقد تبدت هذه الوسطية في صفات عديدة منها:
ثالثاً : وسطية في التجديد والاجتهاد (ارتباط بالأصل واتصال بالعصر) :
إن وسطية الإسلام كما سلف القول هي من أبرز خصائصه؛ لأنها تصل المسلمين بأصولهم، فحاضرهم ليس مبتوتاً عن تالد ماضيهم، وناصع سيرة الصالحين فيهم، بيد أنه ليس رهيناً لذلك الماضي، حبيساً لنتاج أولئك العظماء الميامين، بل يدرك كم ترك الأول للآخر، فالزمان غير الزمان والبيئة غير البيئة والمشكلات غير المشكلات. وأسلافنا الأخيار إنما اجتهدوا في حل قضاياهم ولا يجوز لنا أن نكلفهم ما لا قبل لهم به من حل قضايانا نحن {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}.
كما أن الحياة يعتريها تغير مستمر، وتعتريها تقلبات دائمة، لذلك تأبى وسطية الإسلام الانفصال عن العصر وعدم معرفة ما يدور فيه، وإلباس اجتهاد متأثر بظروفه وبيئته بلباس الديمومة والعصمة والأبدية، والحيلولة دون أي اجتهاد آخر منبثق عن بيئة مختلفة وظروف مغايرة، تتمايز عن سياق الاجتهاد الأول، إذ أنه لن يكون للمرونة والسعة أي معنى إذا تحول النص الظني -دلالة أو ثبوتاً، أو دلالة وثبوتاً- بسبب اجتهاد إلى نص قطعي في حق غير المجتهد. وبالمقابل ينبغي الإبقاء على النصوص القطعية قطعيةً فلا ينالها يد التغيير والتبديل فيتحول بسبب اجتهاد إلى نصوص ظنية بعد أن كانت في أصلها نصوصاً، إن الارتباط بالعصر يقوم على إدراك البُعد الزمني للإفهام، والتمييز بين ما كان من الإفهام ظرفياً، وما لم يكن كذلك. ومعلوم أن النصوص متناهية والحوادث متجددة والتجارب في باضطراد، وما عندهم من كؤوس دهاق وجفان مترعات لا تضيق بالزيادة النافعة ولا الإضافة المفيدة. فالأحكام الظنية لا بدّ لها أن تتجدد وتتبدل بتجدد الظروف وتبدل الأحوال والأزمنة والأمكنة والعوائد في كل عصر ومصر، لتناسب المراد من التشريع في ذلك العصر، دون تخط لأمر الارتباط بالأصل. لذلك نجد أن الإسلام يدعو المسلم للارتباط بعصره والأخذ من الحضارات الأخرى ما لا يتعارض مع قيم الأمة الأخلاقية وأصولها العقدية ومفاهيمها الفكرية ومناهجها التربوية وتوجهاتها التشريعية، "فالحكمة ضالة المؤمن ينشدها أنى وجدها فهو أحق بها"، ولا يهمه من أي وعاء خرجت، وهذا ما سار عليه سلفنا الصالح يوم أن اتصلوا بغيرهم وأخذوا عنهم أخذ عزيز عالم بأصوله ومقاييسه ومعاييره في الأخذ والرد، والرفض والقبول، والإقرار والإنكار.
رابعاً: وسطية الأحكام ( تعظيم للأصول وتيسير للفروع ):
إن وسطية الإسلام تعظّم الأصول التي يقوم عليها بناؤه، وتصونها عن أن تمتد لها يد التلاعب بتبديل وتحريف -كما حدث في الديانات السابقة- أو بمحاولة إفراغها من معانيها ودلالات مضمونها.
والثوابت الإسلامية المتمثلة في المقاصد الكلية للشريعة والفرائض الركنية والأحكام القطعية والقيم الأخلاقية ونحوها أصول لا يجوز التهاون فيها، مثل محاولة بعضهم لزلزلة هذه الثوابت مستغلين فهماً خاطئاً للوسطية، موازياً للمساومة وأنصاف الحلول.
وعلى النقيض من تعظيم الأصول ترعى الوسطية التيسير في الفروع، دفعاً للحرج، ورفعاً للأغلال والآصار، وهو منهج نبوي قائم على مبدأ، "ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما"، "يسروا ولا تعسروا"، وقد قال الفقيه سفيان الثوري: "إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما التشدد فيحسنه كل أحد". وفي المواطن التي لم يرد فيها نص أو في الأحكام الظرفية، وفقه الأسبقيات وأمور السياسة الشرعية والذرائع والمآلات والواقع وتغير الفتوى به ونحو ذلك، والصواب أن نوازن بين تعظيم الأصول وتيسير الفروع، وفق منهج نظري حكيم يتحرى التجرد والموضوعية في النظر للنصوص الشرعية، ويلتزم النظرة الكلية التكاملية للنصوص الشرعية، ويعمل على رد المتشابه إلى المحكم والظني للقطعي، والفرع للأصل والجزء للكل مع مراعاة المقاصد والمآلات.
خامساً : وسطية في التفاعل الحضاري (خصوصية بلا انكفاء وتفاعل بلا ذوبان)
إن وسطية الإسلام في التفاعل الحضاري تتطلب أن يدرك المسلمون تفرد دينهم وخصوصيته المتمثلة في صحة فكرته، وصواب منهجه وأحكام شريعته وترابط مجتمعاته، غير أن هذه الخصوصية لا يُراد لها أن تعزلهم عن الآخرين، بقدر ما يراد لها أن تمهد الطريق لهم للتعامل مع الآخرين، فالإسلام دين تبدت قدرته على التعايش مع كل الجماعات البشرية غير المحاربة، من نصارى ويهود. ملوك وفقراء. سود وبيض .. إلخ على مرّ الدهور والأيام، بما شهد له العدو قبل الصديق لكن ذلك التعايش كان محكوماً على الدوام بضوابط منها:
إن دعاة الوسطية ينظرون إلى واقع البشرية اليوم، وملء نفوسهم يفيض اعتزازاً لا تحد، وآيات تقدير لا تعد، يكنونها لهذا الدين، ولماضيه التليد، وإرثه المجيد، وهديه الرشيد، ويتوقون ليوم تسعد فيه البشرية بقيادة الإسلام لركبها: تحقيقاً للعدل، وحملاً للكل، ونشراً للسلم وردعاً للظلم، فالمسلمون ما فتئوا -في وقت الاستضعاف وشيوع الظلم والإجحاف- يرتكزون على اعتزازهم بهذا الدين، وما به من قيم حق وعدل وفضيلة، فيزداد إيمانهم وتقوى إرادتهم، ويتحملون الصعاب ويبذلون الجهد فيغير الله ما بهم من حال، فإذا أورثهم الله الأرض ومن عليها، لم يُر منهم استعلاء ولا تكبر ولا بطر للحق ولا غمط للناس، ولا "تصفية لحسابات قديمة"، والتاريخ يشهد بذلك منذ فتح مكة وقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأهلها الذين آذوه وأرادوا قتله: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". مروراً بما فعله المسلمون عندما هزموا التتار الذين دمروا بغداد ومشوا بالفساد، فما عرف التاريخ أن المسلمين ثأروا لأنفسهم بعد انتصارهم، بل عفوا وأصلحوا كما أمرهم ربهم وحققوا معنى الوسطية.
كما أن هذا التسامح الكريم، والتعامل الشريف، والمخالقة النبيلة، التي يبديها الإسلام للمخالف لا يجوز أن ينظر إليها في إطار غير إطارها، فيظن بالإسلام وأهله ضعفاً وهواناً يفضي بهم إلى أن يذوبوا في غيرهم من الكيانات البشرية، التي تمثل حضارة غير حضارتهم، وتوجهاً غير توجههم، فالمسلمون أمة قائمة برأسها، تتمتع بخصائصها الذاتية المتميزة، فهم كما وصفهم رسولهم الكريم (أمة من بين الأمم تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم).
وعلى الله قصد السبيل .
ابحث
التعليقات
استفسار
السلام عليكم
أسعد الله مساءك معالي الأستاذ
لو تكرمت ما المرجع الذي رجعت له في كتابة هذا الموضوع؟
ولك جزيل الشكر
أضف تعليقاً